متعة القراءة ..

متعة القراءة ..

من الجميل في الرواية أنها تعزل القارئ عن كل شيء فهي تنقله من عالمه الواقعي إلى عالم افتراضي لم يعشه ولم يعرف شخوصه من قبل ، لكنهها تجعله يطلع على كل شيء من زاوية تجعله يشعر بالرغبة في المتابعة وكأن حياة اشخاص اخرين فتحت امامه ويستطيع أن يطلع على اسرارها ، ويستطيع أن يتعاطف معهم أو يحبهم ، يحتقرهم أو يكرههم ، فالرواية تعطي القارئ الشعور انه مطلع على كل شيء فيغادر زمانه ومكانه ويتحد شعوريا مع الرواية في زمانها ومكانها وشخوصها لكنه يطلع دون ان يؤثر في احد ، فقط هو من يتأثر ويعيش مرحلة افتراضية .

لا يكمن السر في الرواية مهما كانت جميلة ، بل يكمن السر في رغبة القارئ أن يحصل على رواية تشده لعالمها ، فلا معنى لرواية جميلة عند شخص لا يقرأ لكن قيمة الرواية الجيدة تكون أكبر عند قارئ مهتم يستطيع أن يصل لروح الرواية فإما أن يتحد معها ويكمل القراءة أو يهجرها ، او يضع رأيه فيها .

في أحيان كثيرة نمسك بكتاب لا نستطيع أن نتركه ، فإما أن يكون موضوع الكتاب شيق ويقع ضمن اهتماماتنا  أو أن أسلوب الكاتب في الطرح والسرد راقياً وجذاباً جعلنا نكمل القراءة ، وفي كلا الحالتين نحن نتجه في القراءة “لما يهمنا” أو “لما يشدنا” وفي الحالة الأخيرة التي يمكن أن تجعلنا نقرأ كتاب هي “البحث عن معلومات” لكني لا أتكلم عن هذه النقطة بل أتكلم عن الكتب التي تجعلنا ننسلخ من الواقع ونغوص في أفكار الكاتب سواء لموضوع أو قصة أو رواية ، فنستمتع بالقراءة متعة لا نريدها أن تنقطع ، ولو فكرنا قليلاً نعرف ما الذي يوصلنا لمرحلة الاهتمام والاستمتاع ، فأسلوب الكاتب في السرد وتوزيع الأحداث أو الأبواب على الكتاب تجعل القارء يصل لمرحلة تسلسل ذهني يجعله مندفع للمادة التي بين يديه بشكل لا يتوقف حتى يصل للنهاية .

الرواية .. الكاتب إله الرواية ..

الرواية .. الكاتب إله الرواية ..

ربما لا يعجب هذا المصطلح فئات كثيرة ، لكنه يعجبني بلا شك ، فالكاتب هو إله الرواية الذي يفعل كل شيء فيها يحي ويميت ، يوزع الأموال والمناصب ، ويخلق المشاكل ويضع الحلول ويبني الشخصيات ويهدمها ، وإلى هذا الحد يقف دور الكاتب ، فهو إله في نصه الذي يكتبه ولا تستطيع قدراته أن تتجاوز هذا النص بلا شك ، فقدرته الهائلة في الرواية تقف عاجزه مثلاً عن إيجاد القبول أو رفض العمل أدبياً أو شعبياً ، نتفق إذا أن الكاتب إله الرواية لكنه عندما ينتهي منها يخضع للمعاير التي يخضع لها البشر في الواقع .

ما يجب عل الكاتب في هذه الجانب الذي يبني الرواية ويتحكم في النسق أن يجد له طريقة مناسبة ومتزنة في طرح القضايا والاحداث والشخصيات ، بحيث يتتبع القارئ خيط الاحداث الذي يجعله يستمر في القراءة لمعرفة النهايات ، دون أن يزهد في الرواية ويتركها ، فتشابك الاحداث وتتابعها مهم جداً ، وكذلك حجم الحدث وموضعه في الرواية ، فأن تبدأ الرواية بكارثة ، يتوجب عليك أن تعطي هذه الكارثة حجمها الطبيعي المقبول لدى الجمهور فلا ترفعها أكثر فتنهار ولا تسخطها فتتحول لحدث ، لكن يمكنك أن تظهر الجوانب الخفية في الكارثة كالجانب الإنساني أو الاقتصادي أو الاجتماعي ، وبهذا الأسلوب تتضخم الكارثة في عين القارئ دون ان يكون فيها شذوذ عن الواقع .

يجب أن يكون هناك توازن ، فأن تكتب شيء معقول يساير الواقع أو أن تكتب شيء في الخيال ، يخالف الواقع أو أن تبالغ في طرح القضايا وتضخمها بالقدر الذي يفوق لفت الانتباه ويصل لدرجة الاشمئزاز ، فأنت تخلق احداث في كل الاتجاهات تبنيها بتصورك الشخصي ، لأن الرواية تصور شخصي للأحداث مهما تبنت مراجع أو تضمنت احداث واقعية ، فهي تفسر الواقع والتاريخ بعين واحدة ، والمبالغة أو الاختزال لها موقعها في الرواية فبعض الأمور يجب أن يرتفع فيها نسق التفاصيل وبعضها يأفل فيها ذلك النسق ، وكل القضايا وكل الشخصيات وكل الاحداث يربطها أسلوب الكاتب وكيفية الطرح ، فالأسلوب يجعل من الغريب مقبول ، ومن المستنكر جائز ومن الشاذ طبيعي .

إذا احسن الكاتب الصياغة واستطاع أن يصل بالأحداث لمستوى الإقناع لدى القارئ يكون العمل تجاوز الارباك وفك الاشتباك الذي يحدث بين الشخصية والحدث في الرواية ، وحتى لو لم يعجب العمل الادبي المختصين ووجد النقد لاذع واكتشفوا فيه الكثير من الأخطاء التكوينية ، يمكن للعمل أن يتجاوزهم جمعياً في عين الجمهور ويكون العمل مقبول أو ناجح أو مبهر .

الإله يتحكم في كل شيء من البداية حتى النهاية ، والكاتب إله الرواية ، وهو المتحكم فيها ، وعليه أن يخلقها بشكل جميل وأن يعود للواقع أو تصوراته لأن الواقع هو ما يربط الرواية في ذهن القارئ ، فوجود الانسان في رواية خيالية هو بحد ذاته واقع لأن الانسان واقع ، والاحداث الخيالية تدور حوله ، أو تشابه الاحداث بين عالم افتراضي كامل مع الاحداث في عالمنا ، مع الفرق في التشكيل والتلوين والبهرجة التي يضعها الكاتب لكي يكون عالم خيالي يناسب الطرح .