الولايات المتحدة والحلفاء في الخليج .. نظرة في ملف أزمة قطر ..

ترامب-الخليج-750x422

    الاستعجال في أي امر يفسده على الأرجح إلى في حالة ، أن الوقت لا يكفي ، والوقت لا يكفي بالتأكيد في الأزمة الخليجية ليكسب أحد الأطراف الصراع الدائر فلا أحد من المتخاصمين يملك وسيلة لإنهاء الازمة في الموعد لذي يراه مناسباً ، ولا اعني بهذا الكلام قطر ، فقطر ليس لديها خيار إن رفضها محيطه إلا أن تتعامل بجدية وتجد الحلول المناسبة لتحافظ على كيانها استقلاليتها .

     اعني الحلفاء المحاصرون لقطر ، فرغم ان تلك الدول تملك ما يكفي من العناصر البشرية ، ومن السيولة المادية ، وأيضاً من القوة العسكرية التي تمكنها من السيطرة على الوضع بكل بساطة ، لكنهم لا يستطيعون الحسم ، أو وضع الحل النهائي الذي يرونه هم مناسباً لما يريدون ، وما يريدون هم لا يخفى على أحد ، فهدفهم كان واضحاً منذ أول مرشح وضعوه كحاكم مستقبلي لقطر  .

ومصر-والامارات-والبحرين-تقطع-علاقاتها-مع-قطر

    الحلفاء المحاصرون لم يفكروا يما يمكن فعله ؟ ولم يفكروا بم يجب فعله ؟ بل كانت قناعتهم منحصرة ، أن قطر ستستسلم في الأيام الأولى للحصار ، ولن تستطيع أن تتحمل الضغط الاقتصادي ، المفروض عليه بسبب الحصار ، لذا كان التوقيت المناسب هو شهر رمضان المبارك ، حيث تستعر الأسواق ، وتزيد مشتريات الأغذية .

     كان من الواجب ، أن يكون التفكير بشكل إيجابي أكثر لو أنهم عرفوا أن من يفتعل الأزمة له خيار واحد ، وهو متى يبدأ الأزمة ، أما متى ينهيها ، فهذا يعتبر في الاحتمالات المعتدلة تخمين ، وفي افضلها فرضية ، وهذا هو الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه تلك الدول ، فهم بدئوا الأزمة لكن نهيتها ليست بيدهم ، لأنهم لم يحسنوا اختيار الحليف ، أو لم يقرؤوا الواقع جيداً .

1c2ae90a8e00f1fbf6d5fef07842ae81

     اختلفت الاحلاف في الخليج العربي منذ فترة ليست بالقصيرة ، فمع صعود نجم يران في الأعوام السابقة ، وتحالفها الصريح مع روسيا ، وامريكا في بعض الملفات وخاصة الفي العراق ، ووضعها المضطرب مع السعودية بشكل أساسي ، اصبحت قوة لا يمكن أن تغيب في أي ازمة تنشأ في شبه الجزيرة العربية .

     القوة الثانية التي اغفلها حزب الحصار أوروبا ، وهي ثاني مستورد للغاز القطري ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال المساس بمصالحها دون التنسيق المسبق معها ، وتقديم الضمانات ، والتنازلات التي تجعلها تقتنع بما يردونه .

     الحليف الثالث هو المفاجأة التي احدثتها قطر بالاتفاقية الدفاعية مع تركيا ، مما جعل الحليف التركي يضع قدم في المنطقة لا اضن بأي شكل من الأشكال في المستقبل أن سيستغني عنها مالم يكون البديل هو ترسيخ وجودة في شبه الجزيرة العربية .

image.jpg

     اما ما فعله الحلفاء المحاصرون لقطر يثبت بما لا يدع مجال للشك استعجالهم في اسقاط النظام القطري القائم حيث أنهم فقط اخذوا الموافقة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، دون المؤسسات الأمريكية الفاعلة والقوية في نفس الوقت ، والرئيس الأمريكي نعم يملك الكثير من الصلاحيات لكن يجب أن يرجع لتلك المؤسسات في اتخاذ القرار لافتعال أزمة وطريقة حلها ، ولا يمكنه أن يصدر قرارات دون موافقات مسبقة من الكونجرس ، والبنتاجون ، ووزارة الخارجية .

     هناك احتمال أخر ايضاً لم يطرحه الكثيرون أو أنهم اغفلوه لكي لا يفهم أحد أن الإدارة الامريكية تتلاعب بكل الأطراف في الأزمة لاستغلالهم أطول فترة ممكنة ، وهو أن هناك تنسيق بين ترامب ووزارة الدفاع لدية في الولايات المتحدة ، ووزارة الخارجية ، ان تصدر الموافقة منه وحده لدول الحصار ، ثم تتدخل تلك الإدارات لكي توقف الأزمة عند نقطة معينة ، لا يمكن حلها إلا من خلال الولايات المتحدة .

2015-635661501945736604-573_main

     وأنا شخصياً أرجح هذا الاحتمال بقوة ، بل وأدعم تلك الفكرة أيضاً ، لأنه لا يمكن أن يتم كسر قانون الأمم المتحدة ، ويكون التحرك فقط من الرئيس الأمريكي دون الرجوع للهيئات الفاعلة في الولايات المتحدة ، بل يكون التنسيق في اعلى مستوياته ، لافتعال أزمة والتحكم بها ، وتجميدها عند مرحلة معينة ، وبما أن الرئيس الأمريكي وإدارته فعلوا ذلك ، فالترتيب كان مسبق لما تم ، فقد تم ابتزاز السعودية لتنصيب محمد بن سلمان ، وابتزاز أبو ظبي لتنصيب محمد بن زايد ، وابتزاز كل من البحرين ومصر ، بأن تغض امريكا النظر عن ملف حقوق الانسان لديهما ، وتم ابتزاز قطر في الوضع الأمني المفروض عليه ، بل يمكنني أن أقول أن التنسيق اكبر من ذلك وأنه تم على مستوى حلف الناتو .

     وبهذا التنسيق ، تمكنوا من ابتزاز كل الأطراف ، دون أن يخسرا اي حليف في المنطقة ، فقطر ساندها البنتاجون ووزارة الخارجية ، والحلفاء المحاصرون ساندهم ترامب ، ولن تحل الأزمة ما دامت الأموال تتدفق على الولايات المتحدة ، بالاستثمار ، أو بشراء الأسلحة ، بل ستحل الأزمة حين تجد الولايات المتحدة أن دول مجلس التعاون الخليجي ، بدأت تجف مصادرهم المالية ، ويتوقفون عن تصدير الأموال لأمريكا ، هنا ستضع الحل الجديد ، واستراتيجية مصالح جديدة .

alalam_636335592619136533_25f_4x3.jpg

    الاستعجال ، واعود لهذه النقطة لأهميتها ، فاستعجال كل من أبو ظبي والرياض في انهاء الازمة لصالحهم ، يرجع لعدم وجود حكام فعليين ، في كلا الدولتين ، فالملك سلمان سلم ابنه أمور الدولة وعليه أن يثبت قدرته على التعامل مع الملفات الداخلية والخارجية ، الأمنية والاقتصادية بأسرع وقت ليستطيع ان يثبت نفسه كملك بعد وفاة والده ، ليستطيع أ، يكسر التيار المعارض في الداخل ويستقطب الشعب لتوجهاته .

     في الناحية المقابلة ، محمد بن زايد ، وضعه القانوني كولي عهد أبو ظبي لا يعطيه الصلاحيات الكاملة في الامارات المتحدة ككل ، فحاكم أبو ظبي خليفة بن زايد ليس له وجود فعلي عل ارض الواقع ، ومع طول فترة غيابه ، خلق تيار معارض لولي عهده ، وكلما طالت تلك الفترة ، ينموا ذلك التيار داخلياً وخارجياً .

يتصارعون على شيء لا يملكونه!! نظرة في ملف ازمة قطر ..

مجلس-التعاون-الخليجي

لا تزال الأمور تتحرك ببطء في زمة الخليج او بالأحرى وصلة لمرحلة الجمود ، فلم تفعل دول الحصار أي خطوة إضافية ضد قطر بعد اعلان المطالب الشهير بالثلاثة عشر بنداً ، التي طلبتها ، ولا احد يستطيع أو يجزم ما الذي سيحصل في الفترة القادمة في هذه الازمة ، هل سيتم الحل ، او سيتم التصعيد .
الدول الفاعلة في المنطقة ، خارج حدود الخليج ،لا ترغب أن تحل الازمة ، فمصر وايران على وجه الخصوص مستفيدتان بشكل كبير من هذه الازمة مادياً ودبلوماسياً ،  وكلما طالت الازمة تصبح المكاسب اعلى ، فـ أيران لم تكن تحلم بأن تجد موانئ بديلة عن موانئ دبي مثلاً ، ولا علاقات تصل لحد التحالف مع دول مثل قطر وتركيا ، ومصر تضمن باستمرار الازمة تدفق المساعدات الخليجية بل وتضاعف المبالغ التي تأخذه من دول مثل السعودية والامارات .
نفس المنطق نستطيع أن نطبقه على كل الدول مثل أمريكا مثلاً ، فرفع حدة الأزمة جعل صفقات الأسلحة في اعلى مستوياتها ، وتدفق الاستثمارات الخليجية من طرفي الأزمة مستمر ، لكسب رضا الإدارة الأمريكية ، وكذلك أوروبا التي زادت الاستثمارات الخليجية فيها من بداية الأزمة ، وربما ساهمة دول الخليج في شركات تكاد تعلن افلاسها ، لكي تكسب موقف سياسي من احدى دول الاتحاد الأوربي ، وحاولت أيضأ دول ان تعرض مبالغ استثمارية كبيرة لنفس الغرض .
الامر يبدو مضحكاً في الوهلة الأولى ، لكنه في الحقيقة محزن ، فما تفعله الدول الخليجية في هذه الازمة ، ( ولا اريد أن اتطرق هنا لما يقال وما ينشر ) ، هو تحطيم بعضها البعض ، وإفراغ الخزانات الخليجية من فائض طفرة النفط الأخيرة ، فلا يوجد دولة في منطقة الخليج تستطيع أن تجعل لها نفوذ أو سيطرة على أي موقع محيط ، والدولة التي تفعل ذلك سيتم تحطيمها بكل الوسائل ، ولا يغيب عن ذاكرتنا ، غزو صدام للكويت الذي حاول التمدد ومد نفوذة ليشمل منطقة الخليج ، فأغروه بالغزو ، ثم تم تدميره .
لا تستطيع أي دولة السيطرة على دولة أخرى ، لا قطر تستطيع السيطرة على مصر ولا الامارات تستطيع أن تسيطر على اليمن ، ولا القرن الافريقي ولا السعودية كذلك ، وحدود نفوذ دول الخليج هو كسب مواقف سياسية داعمة أو فتح مجال للاستثمار في افضل الاحتمالات وفي ابعد الحدود التي يمكنها أن تصل إليه دول الخليج .
أخطاء كثيرة تقع فيها الدول الخليجية ، فالبداية كانت مشجعة باستثمار المال السياسي لكسب نفوذ في بعض الدول ، لكنهم لم يحسنوا تطبيق نظرية ( تمد بلا قوة ) بل أصبح المال السياسي الخليجي يتصارع في اكثر من دولة في الشرق الأوسط ، فالإمارات تحرق الأموال القطرية وقطر تحرق المال السعودي ، وتسير الأمور في حلقة مفرغة من الصراع ، وحين لم يستطع أي خصم أن يحطم الآخر خارج حدود الخليج ، تم نقل الصراع لقلب الخليج ، وتم حصار قطر .
وضنت تلك الدول أنها بذلك الحصار ستحجم الدور القطري المتنامي ، لكنها صنعت فجوة أخرى أخطر من تلك التي كانت خارج حدود الخليج .فدخول قوة صاعدة مثل تركيا في المنطقة ، سيقلب ميزان توزيع المصالح ، مع الدول المستفيدة من الخليج ، والتقارب التركي مع ايران يجعل ايران اكثر استقراراً من أي وقت مضى .

DBhzUk6UIAAS_0_

والمؤكد أن قطر لن تخضع لمطالب تلك الدول ، ليس هذا قولي انا ، بل قراءة لكل الاحداث التي تدور فقطر تصنع كل فعل يخرجها من السيطرة الاقتصادية المفروضة عليها ، وتعقد اتفاقات في هذا المجال ، وربما تتمكن خلا الأشهر القادمة أ، تسيطر سيطرة كاملة على مدخلات ومخرجات اقتصادها ، وهذا العمل يضيق الخيارات امام تلك الدول ، لذا من اللازم أن تكون طاولة الحوار متجردة من أي نزاعات سابقة لكي تكون الحلول ، منطقية وتخدم الجميع وتخدم المنطقة كذلك ، هذا أ, ان مجلس التعاون سيكون من التاريخ ، وستحل محلة اتحادات بديلة ، لا تجمع المنطقة ، بل تفرقها .

انت مرشح لحكم قطر !!  نظرة في ملف ازمة قطر ..

343

انت مرشح لحكم قطر !!  نظرة في ملف ازمة قطر ..

     لا يوجد لدي أي تصور معين اريد ان انقله في هذا المقال ، لكن استفزني كثيراً الاخبار المتداولة ، عن رموز في العائلة الحاكمة في قطر تعارض النظام القائم ، منهم الشيخ / عبدالله بن علي ال ثاني ، والشيخ / سلطان بن سحيم ال ثاني ، والأثنان ليس لهم تأثير ظاهر على أرض الواقع في قطر وربما لا يعرفهم الكثيرون من الأساس .

338.jpg

 

السؤال الاول الذي طرحته على نفسي لماذا طرحت تلك الأسماء ؟ ولماذا لم تكتفي دول الحصار بطرح اسم واحد فقط يدعمه الجميع ؟ وهل يوجد أسماء أخرى من العائل الحاكمة ، ربما نسمع أصواتهم في الفترة المقبلة ؟

الإجابة ربما تكون جلية في ذهني لكن حين أطبقها على ارض الواقع اجد فيها بعض الاختلافات ، أو التناقضات ، او الرؤى المتضاربة ، والاجابة على الشق الأول من السؤال ، لماذا طرحت تلك الأسماء ؟ لأن طرح تلك الأسماء مهم إعلامياً لخلق تصور يبين أنه يوجد خلاف بين اقطاب العائلة الحاكمة في قطر ، وهذا هو الاحتمال الأقوى في شق السؤال الأول ، أم الشق الثاني من السؤال ، لماذا لم تكتفي دول الحصار بطرح اسم واحد فقط يدعمه الجميع ؟ هذا ما سأضع عليه أكثر من احتمال واعتقد أن كل الاحتمالات قوية من وجهة نظري .

 الاحتمال الأول : أنه يراد لمتتبع الاخبار أن يخلق صورة لدى المتابع في الخارج ، أن أكثر من فرع في العائلة الحاكمة في قطر ترغب بالانشقاق على سمو الأمير / تميم ، وأن هناك معارضين لم تسمع أصواتهم بعد .

الاحتمال الثاني :  أن كل دولة من دول الحصار تدعم شخص من العائلة الحاكمة تريد فرضه على الساحة كحاكم لقطر في المستقبل ، فالإمارات تدعم ، الشيخ / سلطان بن سحيم كما هو مشاع ، والسعودية تدعم الشيخ ، عبدالله بن علي ، وهنا اختلاف في النظرة المستقبلية للحكم في قطر بين الرياض وأبو ظبي ، رغم وجود اتفاق على ضرورة التغيير ، لكن من ؟ ومتى ؟ وكيف ؟ هنا يكمن الخلاف .

الاحتمال الثالث : انه لا يوجد مرشح من الأساس لتولي الحكم في قطر ، وأن تلك الأسماء ما هي إلى بيادق يحركونها للوصول إلى هدفهم ، أو للضغط على سمو الأمير / تميم في مفاوضاته التي ستجري لحل الخلاف .

     اما الشق الثالث من السؤال ، هل يوجد أسماء أخرى من العائل الحاكمة ، ربما نسمع أصواتهم في الفترة المقبلة ؟ وهذا السؤال سيرجح كفة احد الخيارات ، فلو طرحت أسماء أخرى ، فهذا يؤكد أنه لا يوجد مرشح من الأساس لتلك المهمة ، اما إذا تم تحديد اسم واحد فقط ودعمه الجميع ، هنا نتأكد أنه يوجد دعم حقيقي .

     كل ما طرحته ليس مهماً من وجهة نظري الشخصية ، والاهم لدي كيف سيتم التغيير ؟ لأن الجبهة الداخلية مستقرة ، ويوجد تأييد شبه مطلق لسمو الأمير / تميم بن حمد  ال ثاني ، وهذا يجعلني اقتنع أنه لن يتم التغيير إلا بالقوة العسكرية ، ومواجهة مباشرة يسقط فيها ضحايا كثيرون في قطر ، أو انقلاب عسكري من الداخل ، وفي كلا الحالتين ستسفك دماء القطريين وسيتم فرض شخص لا يعرفه المجتمع ، على كرسي الحكم .

     إن من ينادي بالتغير في قطر لم يفكر بالضرر الذي سيتحمله المجتمع القطري ، أن تم ذلك الامر ، بالصورة التي ترسمها دول الحصار ، فالخاسر الأكبر في أي تحرك ارعن من دول الحصار هم القطريون ، منهم سيكون الضحايا ، وهم من سيتحمل كل الاضرار التي ستترتب على هذا العمل ، وإن لم يتم الامر ، سيكون لذلك ايضاً تداعيات في المجتمع القطري ، فالأسماء التي ظهرة على الساحة كمعارضة لحكم الأمير / تميم ، سواء من العائلة الحاكمة أو غيرها ، لن تجد لها مكان في مجتمع تحمل الكثير من الضرر بسببها ، وسيقبل بأي حل تقرره السلطة ضدها دون أي معارضه لذلك .

     لا تحتاج الأمور لكثير من النظر لنصل إلى تحليلات في كل اتجاهات الازمة ، فعندما يسأل أي قطر ، هل ترغب بالتغير ؟ سيرفض بكل بساطة لأنه متأكد أن فرض الوصاية على أي بلد في العالم لا يأتي إلى بأناس باعوا ذممهم ، في سبيل وهم لا يعرفون هل سيتحقق ام لا .

     يحضرني هنا موقف نابليون بونابارت ، حيث كان يرفض أن يصافح الجواسيس الذين كانوا ينقلون له اخبار جيوش اوروبا التي كان يحاربها ، وحين سألوه لماذا لا تصافحهم ؟ قال : كيف اصافح اشخاص خانوا بلدانهم من اجل المال .

 

تقاطع مصالح .. نظرة في ملف ازمة قطر ..

تقاطع مصالح .. نظرة في ملف ازمة قطر ..

20151004042071

     الامارات العربية المتحدة ، وفي الأفق تدور اتهامات كثيرة بين دولة الامارات ودولة قطر ، سببت الكثير من الخلاف والمشاكل ، والكثير من المنازعات ، حتى وصلت الازمة إلى ذروتها في حصار قطر الحالي ، لكن ما هي أوجه الخلاف ، بين سياسة دولة الامارات ، وسياسة دولة قطر ، لماذا يتخالفون ، وهل يوجد مجال لإنهاء هذا الخلاف .

     استطيع أن اعود بالزمن لفترة حكم القبائل في الخليج ، والذي تطور لاحقاً ليكون دول ذات سيادة ، واستطيع أن ابني عليه الكثير من النزاعات الحاصلة ، لكن بواقع الحال ، هناك أمور أكبر من تلك النزاعات التاريخية التي نشبت في فترة زمنية سابقة والمشاكل التي تسبب الاختلاف في الوقت الراهن اكبر بكثير من تلك التي وقعت ، ولا يمكن المقارنة بأي مقياس بين المشاكل التاريخية ، والأزمات الحالية ، لكني اجزم ان التراكمات تجمع بين التاريخ والواقع ، ورغم ذلك لن اتطرق للتاريخ القديم ، بين قطر وامارة أبو ظبي على وجه التحديد .

     توجد نزاعات وخلافات كثيرة في الوقت الحاضر لكن لنعود للوراء لفترة ما قبل الثورات العربية بعشر سنوات أو أكثر قليلاً وبالتحديد عام 1995 ، وفي ذلك الحين بزغت قيادة جديدة في قطر ، قيادة تتطلع أن تنقل قطر من واقع اقتصاد الركود إلى اقتصاد نشط يحقق الطموح بدولة مزدهرة ، تملك ما يؤهلها أن تكون عصرية منفتحة ، إلا أن هذه القيادة الجديدة اصطدمت بالواقع ، والواقع له اثاره فالتغير الذي طرأ في الدوحة ، بعزل الأمير الشيخ / خليفة بن حمد من مقالد الحكم والخلاف الذي نشأ بين وبين ولده الأمير / حمد بن خليفه ، في تلك الفترة كان له تداعيات في المنطقة ، حيث أن الشيخ / خليفه ( رحمه الله ) من مؤسسي دول مجلس التعاون ، وهو الحاكم الأول الذي أطيح به من بين حكام الخليج المؤسسين ، والذين لازالوا في تلك الفترة ، يملكون زمام الحكم في بلدانهم .

     ورغم أن الخلاف بين قطر بقيادتها الجديدة ، ودول الخليج لم يتم تصعيده اعلامياً ، إلا أنه كان له اثار سلبية على علاقات تلك الدول بدولة قطر ، وقد انبرى في تلك الفترة زعماء ثلاث دول في الخليج السعودية الامارات والبحرين بالإضافة لمصر ، لتصحيح الوضع في دولة قطر من وجهة نظرهم ، وكان هناك مخطط لقلب نظام الحكم وإعادة الأمير الشيخ / خليفة بن حمد ، لتسلم مقاليد الحكم من جديد .

     فشلت تلك المحاولة ، واستطاعت القيادة القطرية أن تتجاوز تلك الازمة بسرعة ، وتستمر في مخططات البناء الاقتصادي بشكل قوي ، ولم تتبع تلك المحاولة ، أي محاولة أخرى في تلك الفترة ، وكأي قيادة في العالم ، كانت القيادة في قطر ، حذرة ، ومتحفزة ، لكنها لم تقطع صلاتها بمحيطها الخليجي رغم انها اتخذت خط سياسي مخالف لما هو متبع بين تلك الدول ، وبقيت علاقات التعاون الاقتصادي قوية ، لكن في الجانب السياسي ، بدأت الدول الاربعة تضع الملاحظات ، وتسجل النقاط في انتظار فرصة لإعادة الوضع لسابق عهدة قبل أن يستلم الشيخ / حمد بن خليفة الحكم .

     في البداية كان تدخل قطر واضح في النزاعات التي تحدث ، فقد تدخلت دولة قطر كوسيط لحل الكثير من الخلافات القائمة في تلك الفترة ، في لبنان ، وغيرها ، وتميزت حكومة قطر بعلاقات قوية مع الولايات الامريكية ، بعد أن اصبحت قاعدة العديد هي القاعدة الامريكية الأكبر في المنطقة ، ورغم الانتقادات الشديدة لتلك القاعدة ، إلا أنها هي التي ضمنت لدولة قطر الامن ضمن محيط يتحين الفرصة لقلب الأمور على القيادة القطرية .

     بدأت قطر تلمع سياسياً في ظل تراخي الدور السياسي للدول الكبيرة في المنطقة مثل السعودية  ومصر ،  وبدأت أيضاً في استثمار ثروتها المالية في جوانب اقتصادية وسياسية تحقق لها النفوذ ، وتعود عليها بالفائدة المادية ، وهنا بدأ الصدام الثاني بين دولة قطر ودولة الامارات ، فتمدد قطر اقتصاديا ، لا شك انه سيؤثر على النفوذ الاقتصادي الذي يعتبر أحد الشرايين الأساسية للاقتصاد في دولة الامارات ، ومنها الاستثمار في قطاع الطيران ، والاستثمار العقاري ، الذي نجح في استقطاب عدد لا بأس به من رؤوس الأموال لدولة قطر .

     تغيرت في تلك الفترة كل القيادات في الخليج العربي ، بوفاة الحكام ، واستلم جيل جديد الحكم في تلك الدول إلا أن الأفكار ذاتها ظلت على حالها ، والخلافات أيضاً لم تتغير ، بل تصاعدت أكثر مع بدأ الثورات العربية ، التي شكلت مصدر لخلافات أكبر وأعمق بين دول مجلس التعاون .

     لم يكن لدولة قطر دور في ثورة تونس سوى في المجال الإعلامي ، وحين كان الصراع على الأرض في المدن التونسية ، تجاهلت كل القنوات العربية الصراع بين الشعب والحكومة ، ماعدا قناة الجزيرة التي تملكها قطر ، تابعت ، وناقشت ، وأيدت التحرك الشعبي ، فكان صوتها هو الصوت المسموع لدى الثوار تنقل صوتهم ، وتنقل ما يقومون به ، وما فعلته الأجهزة الأمنية بهم ، فحققت مصداقية عالية بنقل تلك الاحداث ، وتفوقت على باقي القنوات ومنها الاجنبية ، فكانت هي مصدر الاخبار الأول لدى الجميع المؤيد والمعارض .

 

aljazeera-logo

من خلال قناة الجزيرة ، أصبحت دولة قطر هي الأقوى في مجال الاخبار ، وكل الحديث عن قناة الجزيرة في الفترة السابقة للثورات العربية في جهة وتغطيتها لتلك الاحداث في جهة أخرى ، حيث أصبحت قنات الجزيرة احدى الملفات الشائكة بين قطر والدول الثلاث السعودية والامارات والبحرين + مصر ، وأصبح ملف قناة الجزيرة احد أعقد الملفات التي تعتبره تلك الدول شوكة في خاصرتها ، لا بد من التخلص منها .

 

لم يكن لمجلس التعاون علاقات وثيقة مع تونس إلا في بعض الجوانب لذا لن تحدث الثورة التونسية شرخ آخر في ملف الصراع الخليجي ، لكن عندما وصلت الثورة لجمهورية مصر العربية ، اختلفت المسألة بشكل كبير ، فقرب مصر من العربية السعودية ، والاستثمارات الموجودة في مصر لدولة الامارات العربية المتحدة ، لها وزن ، كما تعد دولة الأمارة أحد الحاضنات لرؤوس أموال الساسة المصريين ، وبانتقال الكثير منهم إلى الامارات بعد نجاح الثورة في مصر ، أصبح هناك حزب قوي معارض للثورة المصرية مقره أبو ظبي ، يملك من المال والنفوذ ما يجعله حزب فاعل ، وبرعاية الامارات لهذا الحزب ، أصبح من الطبيعي ، أن يكون العداء مع قطر التي تدعم الشرعية وستستحوذ على الكثير من الامتيازات بناءً على هذه الرعاية .

     من ضمن الملفات في مصر مشروع تطوير قناة السويس ، والتي كانت قطر ستستلم تطويره بما يتضمن منطقة حرة وحوض جاف للسفن ، ودعونا نتكلم قليلاً عن أهمية الموانئ لدولة الامارات العربية المتحدة ، حيث أنها في ذلك الوقت تملك أكبر ميناء تجاري يعمل لتجارة الترانزيت ، وأي ميناء على خط التجارة الدولية سيؤثر على تلك التجارة بالإضافة أن دولة الامارات لديها استثمارات كبيرة في هذا المجار وتدير عدة موانئ في المنطقة ، ويدعم هذا الملف أن قطر تنشئ ميناء عملاق على ساحلها الشرقي ، وبدخول قطر في هذا المجال ، وهي المرشحة لإدارة المنطقة الحرة في قناة السويس لا بد من أن يوضع حد لتدخل قطر في السياسة المصرية ، لكي لا تحصل على امتيازات نتيجة دعمها للثورة ، وبهذا اضيف الجانب الاقتصادي ضد قطر في ملف مصر ، ( لا ارغب هنا في الحديث عن المملكة السعودية واستحدث عنها في مقال آخر ) .

    جدت ثورة أخرى في ليبيا ، وبموت زعيمه معمر القذافي ، اصبح ملف ليبيا مهماً جداً ليس لإدارة ثروتها النفطية بل أيضا لتحجيم دور قطر السياسي الذي تمدد في المنطقة بشكل تنظر له الدول الخليجية المعارضة لقطر أنه مرعب ، ولم تتوقف الثورات العربية فجاءت ثورة اليمن ، وثورة سوريا ، ودخل دولة قطر على نفس الخط بتايد الشعوب ، ودعمها اعلامياً وإنسانياً ، وربما عسكرياً أيضا ، ضمن اتفاقات دولية أو إقليمية .

     النفوذ القطري ، كان مرعباً لتلك الدول الأربعة ، والتي تحمل ثلاثة منها صفة الملكية ، ورغم أن قطر تحل نفس الصفة إلى أنها تدعم أنظمة تتجاوز هذه الحدود ، ونحن نتحدث الآن عن الملكيات الخليجية ، يجب أن ندرك ان شعوب الخليج أو بالصح مجلس التعاون الخليجي لم تقم بثورات مشابهة لما حولها ما عدى ما جرى في مملكة البحرين وتم احتوائه ضمن دول المجلس وبعض الاحداث في سلطنة عمان ، استطاعة السلطنة معالجتها بأساليب متنوعة ، لكن بالعموم ظل مجلس التعاون بمنأى عن تلك الثورات ، لكنه يترقب بحذر ، لأن الامارات والسعودية لديها أحزاب إسلامية معارضة ، يمكنها أن تطالب وتحرك الشارع في تلك الدول ، كانت الامارات والسعودية يتابعان صعود التيار الإسلامي في دول الربيع العربي اما باستلام مقالد الحكم او بقيادة الثورات ، ربنا دولة الامارات تكون في وضع أفضل من العربية السعودية التي استشعرت الخطر بالفعل بعد تول الاخوان المسلمين مقاليد الحكم في مصر ، وأصبح نفوها السياسي في مصر ليس مؤثراً كما في السابق .

     ملف مصر على وجه الخصوص ، له تأثير قوي في الازمة الخليجية الراهنة مع قطر ، فالقيادة العسكرية التي تحكم مصر الآن تناصب دولة قطر العداء لتأثيرها الفاعل في الثورة التي قامت هناك ، وترى أن قطر يجب أن تعاقب على ما فعلت وخصوصاً أن قطر استمرت على نفس الخط المعادي اعلامياً للحكم العسكري في جمهورية مصر العربية ، واحتضانها العديد من قيادات الاخوان المسلمين ، وبما أن التخطيط للثورة المضادة التي حدثت تم برعاية دولة الأمارات العربية المتحدة والتي كانت الضامن المالي والحاضنة للقوى التي قامت بانتزاع السلطة من الاخوان المسلمين ، اشتركت دولة الامارات مع القيادة المصرية في نفس الرؤيا ضد قطر ، وبانضمام السعودية لتلك المخططات التي نجحت في إعادة الحكم للعسكر في مصر ، بدأ يتشكل حزب معارض قوي ضد دولة قطر يؤمن بضرورة تغير القيادة القطرية لكي تعود قطر احد الأبناء الباريين في مجلس التعاون تحت قيادة العربية السعودية .

     كانت الفرصة سانحة بعد أن تنازل الشيخ / حمد بن خليفه عن الحكم لأبنه الشيخ / تميم ، وتمت في تلك الفترة تغيرت كل القيادات القديمة بما فيها وزير الخارجية الذي تعتبره دول الخليج مزعجاً ، الشيخ / حمد بن جاسم ، لكن هذا التغير لم يأثر في السياسة القطرية في كل الملفات التي ذكرناها واستمرت قطر في نفس السياسة ، مما استدعى تحرك الدول الخليجية الثلاث في عام 2014 ، لقطع العلاقات مع قطر وسحب سفرائها ، لكي تجبر قطر على الرضوخ لمطالبها في كل الجوانب .

     لم تنجح تلك المحاولة ، لأن قطر لم يأثر فيها عمل سياسي لا يغير في واقع المور ، واجتمع القادة بعد تسعة شهور بضغط امريكي وحلت الازمة ، لكن تلك الدول الأربعة متأكدة أن سياسة قطر لن تتغير إن لم يتم تتغير القيادة بها ، لذا كانت الفرصة مواتية بعد انتخاب الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب ، وتم الاتفاق على ما هو حاصل الان بقطع شرايين قطر التي تمدها تلك الدول بالسلع براً وجواً ، وبحراً ، فكان الحصار القوي هو الحصار البري ، يليه في القوة الحصار الجوي ، لكن تلك الدول واجهة مشكلة في هذا الحصار لأن المجال الجوي لقطر مفتوح من جهة الشمال ، وكذلك الحصار البحري ، لم يكن فعالاً لأن السيطرة على مضيق هرمز ليست بيد تلك الدول ، فكانت هذه هي الثغرة التي استغلتها قطر جيداً واستثمرتها افضل استثمار ،  في تجاوز الأيام الأولى للحصار الذي فرض عليها ، بذلك تجنبت الإرباك الذي اريد للقيادة القطرية أن تقع فيه .

r-MINISTER-OF-FOREIGN-AFFAIRS-OF-BAHRAIN-huge

     يجدر بي أن أكون حيادياً وقد ألتزمت الحياد فيما ذكرت ، وسألتزم الحياد حتى نهاية المقال ، لكن يجدر بي أن أقول أن ما فعلت تلك الدول أعطى الحصانة لدولة قطر ، فكان داعماً لمواقفها السياسية النشطة والفاعلة ، وبما أن السياسة للدول الأربعة مجتمعة ، لا تحمل صفة المنهجية السياسية في جوانب عديدة ، ولا يوجد تنسيق مشترك بينها في الازمة المفتعلة ضد دولة قطر ، جعل السياسة القطرية متفوقة ، في هذا الجانب ، وهذا امر اجج الخلاف بشكل أكبر بين دولة قطر ودولة الامارات على وجه الخصوص ، لأن الأخيرة لديها علاقات قوي ونفوذ في أوروبا وأمريكا ، لكنها لم تحسن التصرف ، وبدت كأنها اقل شئن من قطر في واشنطن وأوروبا ، مما أصابها بالحرج في كثير من الجوانب .

     ايضاً المجال الإعلامي ، إدارة الملف الإعلامي ضد دولة قطر كانت ضعيفة لم ترقى لمستوى المصداقة ، التي تقنع المستمعين من العرب خارج منطقة الخليج ولا الدول الاوربية وقد تميز الاعلام القطري بامتلاكها قناة وصلت للعالية وهي قناة الجزيرة ، بشقيها العربي والانجليزي ، فكان صوتها مسموعاً ، وله صدى ومصداقية فاقت ما تتعاطاه وسائل الاعلام المعادية لدولة قطر .

     نقطة أخرى فشلت بها دول الحصار ، رغم تكتمها الشديد إلا أن اخبار التحركات العسكرية لتلك الدول ضد قطر كان واقعاً لا شك في الأيام الأولى للحصار وتداولته النخبة المثقفة والسياسيين من بداية الازمة ، وهذا الموضوع اثار حفيظة أبناء مجلس التعاون ليس من القطريين فقط بل من كل مواطني مجلس التعاون ، حيث أنه ستراق دماء أبناء المجلس الذين تربطهم صلات رحم وقربى ونسب ، بسبب خلاف سياسي ، ورغم ان تلك المحاولة لم تكتمل ، إلا ان دولة قطر تضعها ضمن الخطط العدوانية فمجرد التفكير أنها مهددة بالغزو يجعلها مستفزة ومستنفرة ، ولا يمكنها أن تثق بمن تتحدث معهم ، ضمن مفاوضات أو وساطة أو صلح .

     الكل يتحدث أن التخطيط ضد دولة قطر تحركه دولة الامارات وبالأخص أبو ظبي ، وأنا أؤيد هذه النظرة ، مع بعض التعديل ، ان جاز التعبير او التوضيح ، فالقيادة السعودية الجديدة التي تحكم الآن تورطت منذ البداية في حرب اليمن ، ولا يمكنها التخطيط بفعالية لفتح جبهة أخرى مع قطر قبل أن تغلق ذلك الملف المكلف اقتصادية وعسكراً وبشريا ، وكذلك دولة البحرين التي رأت أن لا خيار لديها سوى أن تقف بجانب العربية السعودية والامارات فيما تريدان لأنهما الضامنان والداعمان لمملكة البحرين ، أما القيادة المصرية ، فلا يمكنها أن تتحمل تكاليف مجهود سياسي ، ودعم مادي ، لكن يمكنها المشاركة في التخطيط ، والامداد العسكري ، لذا كانت الأنظار تتجه للقيادة في دولة الامارات العربية المتحدة على انها المخطط لتلك الازمة لأنها القيادة الأكثر استقراراً ونفوذا بين القيادات الأربعة .

     نقطة مهمة ، أن كل تلك المخططات ما كان لها أن تطبق على ارض الواقع دون الرجوع للأمم المتحدة ومجلس الامن ، واستطاعت الدول الأربعة أن تتجاوز تلك المنظمة العالمية بالحصول على موافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، في قمة الرياض ، ولولا موافقته على تلك المخططات لبقيت حبيسة الادراج .

     من وجهة نظري الشخصية أن هذه الازمة ستنتهي عاجلاً أم آجلاً ، لكن سيبقى الصراع بين دولة قطر والدول الأربعة قائم ، وهذا معناه ، ان الخلل سيستمر في منظومة مجلس التعاون الخليجي ، وسيبقى هدف تلك الدول قائماً وهو تغيير القيادة في دولة قطر ، مما سيفقد قطر الثقة بمحيطها ، ويجعلها تستقل أكثر اقتصاديا وسياسيا ، وتبني تحالفات جديدة في منطقة الخليج ، كما فعلت في تحالفها مع تركيا .

 

السياسة مصالح وليست صداقات .. نظرة في ملف ازمة قطر

441

تتضارب الاخبار بن الدوحة والرياض ، قطر تقول والرياض تنفي ، وتعود لنقطة الصفر من جديد ، ومسؤول من الامارات يقول ، انه على قطر قبول البنود ال 13 كاملة ، ونحن الشعوب الخليجية نتصادم بين ما يقال وما ينفى ، وما يراد ، وما جرى .

     تعلمنا السياسة الدروس ، فيما يتعلق بالمصالح ، فحين تتقاطع مصالح الدول ، تتصادم ، وهذا ما جرى بالفعل بين المملكة العربية السعودية ودولة قطر ، ولنعود بالذاكرة للوراء قليلاً ، حين استلم الملك سلمان زمام الأمور في العربية السعودية ، بعد وفاة الملك عبد الله ، الذي كان قد انحاز بشكل واضح للسياسة الجيش المصري وتصادم ، مع قطر التي كانت تدعم الشرعية في مصر بقيادة الاخوان المسلمين ، في ذلك الحين انقلبت الموازين باستلام الملك سلمان دفة الأمور ، وبدت قطر كأنها صديق للمملكة العربية السعودية ، بل كانت بالفعل كذلك ، وبدا التغير في سياسة المملكة تجاه السيسي في مصر ، حتى أن الكثير من المحللين السياسيين في ذلك الوقت ، أشاروا أن المملكة السعودية انقلبت على النظام العسكري في مصر .

     اذكر جيداً الاحداث في تلك الفترة ، ونحن كقطريين عموماً يسعدنا أن تكون علاقة الحكومة القطرية مميز مع الشقيقة الكبرى السعودية ، لكن السياسة ليس فيها صديق دائم وعدو دائم بل فيها مصالح دائمة ، هذا هو الميزان الذي لا يتغير في السياسة ، وقد استطاعة القيادة المصرية الحالة أن تستقطب ولي ولي  العهد السعودي محمد بن سلمان ، حين قدمت له جزيرتي تيران وصنافير ، على طبق من ذهب ، مقابل دعم مادي وسياسي ، تقدمه المملكة لمصر ،وفجأة بدأ ان القيادات في المملكة ومصر ، تجاوزا الخلاف الحصل في ملف اليمن وسوريا .

     وبعدها لاحت في الأفق مطالب جديدة على الساحة الخليجية ترشح الشاب القوي ، في المملكة ولي ولي العهد الامير محمد بن سلمان ، لاستلام منصب ، ولي العهد بدل من الأمير محمد بن نايف ، لكن هذا الترشيح ، يتصادم مع رغبة الإدارة الامريكية التي كانت تفضل محمد بن نايف ، لخبرته ، ولمعرفتها بميولة القوية ضد الإرهاب ، وكان لا بد من إيجاد مدخل للقيادة الامريكية الجديدة في البيت الأبيض ، وكان الوسيط من خارج المملكة السعودية ، وهو الشخص الذي يملك نفوذ في واشنطن ، الشيخ محمد بن زايد ، وقد نجح في هذا الامر نجاحاً منقطع النظير ، وبهذه الوساطة ، تطابقه رؤية الرياض مع أبو ظبي في الملف المصري والسوري ، وأيضاً تطابقت ضد قطر .

    وبدأ التحول في المواقف ، وبدأ الصدام لكنه كان صداماً خفياً ، تحجبه كل الأطراف ، لكي لا تثور مشكلة جديدة مشابهة لأزمة سحب السفراء في عام 2014 ، والتي دامت تسعة أشهر ، ثم حُلت بشكل غريب وسريع لم تكشف تفاصيله في ذلك الحين .

     لكل شيء ثمن لدى الولايات المتحدة الامريكية ، ولكل قرار استراتيجية معينه ، تجمع كل خيوط القوة في يدها ، فكان ثمن ترشيح الأمير الشاب محد بن سلمان ، وثمن الموافقة على تغيير نظام الحكم في قطر ، صفقة تتجاوز الـ 400 مليار دولار مع الإدارة الامريكية ، وكانت نقطة الصفر في كل تلك الأمور الشائكة في الساحة الخليجية ، قمة الرياض التي جمعت بين ترامب وزعماء الخليج والعالم الإسلامي ، وعندها افتعلت أزمات صغيرة في القمة ، حين رفضت قطر ان تدرج منظمة حماس والاخوان المسلمين على قوائم الإرهاب ، وبعدها بأيام تم اختراق وكالة الانباء القطرية ، وبدأت الحملة الإعلامية المنهجية على قطر ، وبعده بأيام ، تم قطع العلاقات وسحب السفراء وفرض الحصار .

     اريد أن اتوقف هنا قليلاً ، لتوضيح بعض الأمور الشائكة ، والمتشابكة ، فكلنا يعرف مدى حجم قطر رغم نشاطها السياسي القوي ودورها الفاعل في الثورات العربية ، والجاهل بالأمور ، سيتهم قطر مباشرة ، دون الرجوع لمصدر القوة التي كانت قطر تستند إليه في ذلك الوقت ، فلا يمكن بأي حال من الأحوال ، أن تنشط قطر في كل تلك الملفات المعقدة دون التنسيق مع الإدارة الامريكية في ذلك الوقت ، وهي إدارة أوباما ، وقبل ذلك إدارة بوش حين تدخلت قطر ، واستضافة قيادات حماس في الدوحة ، ضمن اتفاق بين اكثر من دولة برعاية الولايات الامريكية ، وكذلك مكتب طالبان الذي فتح في الدوحة ، وكان ضمن اتفاق أن تقود قطر وساطة بين الولايات المتحدة والحركة في ذلك الوقت ، وسواء فشلت المفاوضات أو نجحت ، لم تفعل قطر شيء دون أن تكون الإدارة الأمريكية على علم ، او ترغب بوسيط لأزمة أفغانستان .

     كذلك اود توضيح نقطة أخرى فيما يتعلق بالأزمة الحالية ، فلا يمكن أن تقوم اربع دول بعزل دولة ، ولو كانت صغيرة بمقياسهم ، والعمل على تغير قيادتها ، دون الرجوع للأمم المتحدة ، ومجلس الامن على وجه الخصوص ، او بمباركة من الدولة العظمى التي تقود العالم حالياً وهي الولايات المتحدة الامريكية ، وكان ذلك جلياً في قمة الرياض وما تبعها من تغريدات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، والتي كانت تشر بوضوح أنه وافق بل ويبارك ، وينتظر المزيد من الخطوات ، تجاه قطر من الدول الأربعة .

     ايضاً اريد أن أوضح نقطة مهمة ، ان الساسة القطريين ، كانوا أذكى في التعاطي مع الأزمة ، وذلك بإدخال أطراف وقوى ، جديدة في المعادلة ، المانيا والاتحاد الأوربي ، وتركيا ، واستخدام النفوذ الاقتصادي بشكل فاعل في اقناع بريطانيا بالتزام الحياد ولإحداث خلل في الاستراتيجيات المتفق عليها بن الدول الأربعة ، ثم كان النشاط في اتجاه الولايات المتحدة ، فكانت تتضارب تصريحات الخارجية الامريكية ، مع تصريحات الرئيس ترامب ، وكذلك تتضارب مع تصريحات وزارة الدفاع الامريكية ، مما يدل على عدم اتفاق القيادة في أمريكا على رأي موحد بشأن قطر ، وبهذا نجت السياسة القطرية في احبط الكثير من المخططات ، وجعل الازمة تتجمد عند نقطة معينة لا تتجاوزها .

    لا اتردد في أن أقول أني مساند وداعم للقيادة القطرية ، وهذا بناءً على انتمائي وقناعاتي الشخصية ، لكن اريد أن أقول كلمة لكل المتحدثين من خارج السلك الدبلوماسي في دول الخليج ، ان كل ما جرى ، افتعل من دول الحصار لكن الازمة بحد ذاتها ، تمت بموافقة أمريكا التي تمسك بكل الخيوط في هذه الازمة ، ففي يدها ان تعقدها أكثر بتغريده متهورة من الرئيس ترامب ، أو تحلها ، باجتماع يتم التنسيق له بين الدول المختلفة ، وأن ما يجري الآن من تصريحات ، ومناوشات ، وادعاءات ، ستنهار بمجرد أ، تضغط أمريكا على الدول الخليجية باتجاه الحل .

 

 

تداعيات ازمة قطر ..

307347_0

تداعيات ازمة قطر ..

لا ارغب في الحديث عن الجوانب الأخلاقية في هذه الازمة التي تجاوزت الثلاثة اشهر ، لكن من المهم أن انظر وينظر الكثيرون للتداعيات الاقتصادية للأزمة القائمة ، اليوم افتتحت قطر مينائها العملاق ، ميناء حمد ، ومنذ عدة أيام دشنت دولة قطر خط ملاحي بينها وبين ايران لضمان تدفق السلع من تركيا وأوروبا وايران ، وقبل هذا الخط ، دشن خط ملاحي آخر ، بين دولة قطر ودولة الكويت ، وقبل هذا ، استلمت دولة قطر إدارة ميناء مهم في سلطنة عمان على بحر العرب .

ولو نظرنا بعين العقل للتجارة التي كانت قائمة بين دولة قطر ودولة الأمارات ، واغلبها تجارة ترانزيت ، عن طرق ميناء جبل علي ، لن نجد أن دبي على وجه التحديد ستخسر الكثير جراء المقاطعة لدولة قطر ، فالميزان التجاري بين البلدين ليس ذلك الميزان الذي يرجح اقتصاد أي منها ، أو يهز كيان أي منها .

 FormatFactoryDJ6I2119

لكن ما يلوح في الأفق ، بعد افتتاح ميناء حمد العملاق بالنسبة لمنطقة كالخليج ، ووجود خطوط ملاحية ربما تنشط في الفترة المقبلة ، وهذه علامات تشير بوضوح أن هناك مسار لتحويل تجارة الترانزيت التي تقوم بها امارة دبي مع أيران ، من ميناء جبل علي إلى ميناء حمد ، وليست ايران وحدها ، بل ايضاً سينشط خط الملاحة لتصدير البضائع التركية لأسيا ، ومن أسيا لتركيا ، وذلك بعد الاتفاق الذي تم بين الدول الثلاث قطر وايران وتركيا ، في مجال التجارة البينية وتجارة الترانزيت .

وقد بلغ التبادل التجاري بين دولة الامارات وايران 16 مليار دولار ، ولو تحول تجارة الترانزيت بين ميناء جبل علي والموانئ الإيرانية لميناء حمد في قطر ، سيؤثر هذا بلا شك على اقتصاد امارة دبي بالتحديد ، يدعم هذا التخمين ، الحلف الاقتصادي القائم حالياً بين تركيا وقطر وايران ، والتنسيق القوي في هذا المجال ، مما يجعل ميناء جبل علي يتحول لميناء محلي ، او على افضل تقدير ميناء دولي ضمن موانئ أخرى منافسة في المنطقة ، وتنزع عنه صفة التميز التي كان يتصف بها ، كعملاق منفرد في تجارة الترانزيت عبر الخليج العربي .

من وجهة نظري أن الازمة الحالية ، توقف عند نقطة الصفر في مسألة تحرك قوات عسكرية لإخضاع قطر ، ذلك بسبب الضغوط الدولية على دول الحصار ، ووجود القاعدة العسكرية التركية في قطر ، وترك المجال الاقتصادي ليشهد المعركة الأكبر بين تلك الدول ، ودولة قطر ، وما معركة الموانئ إلى جانب من تلك المعارك الاقتصادية ، ستليها معركة الغاز ، ومعركة خطوط الطيران التي بدأت منذ فترة ، ولا تزال تداعياتها قائمة .

أما الجانب الإعلامي ، فهو الجزء الهزلي في هذا الصراع ، فتزاحم الاخبار على القنوات ، وصراع السوشيل ميديا ، يجعل المتابع للأزمة لا يصدق الكثير من الاخبار المتداولة ، سواء في الاعلام الرسمي أو التجاري ، او وسائل التواصل الاجتماعي ، ويجعل الكثيرين يجتهدون ليثبتوا انفسهم سواء بالحقائق ، او بالتزييف ، او الخداع .

ما يؤسفني ، اني لا استطيع ان انزع انتمائي الخليجي ، وألقيه خارجاً ، لكني اجد نفسي مضطر لأقف عند الحدود الإقليمية ، واصرخ ، دون أن يسمعني أحد ، كأي مواطن خليجي ، عاش عمره بأكمله في مظلة مجلس التعاون الذي نجح فيه كل الجوانب ، الثقافية والرياضية  والاجتماعية ، والإعلامية ، وفشل في الجانب السياسي والذي كنا نعول عليه كثيراً ، للأسف .

1021629927.jpg

انا مؤمن أن من خلق هذه الازمة له هدف وحيد ، وهو استنزاف دول الخليج ، ممثلة في مجلس التعاون ، الذي كان يمثل الكتلة المتماسكة الوحيدة في الشرق الأوسط ، لن اتحدث عن المخطئ والمصيب في هذه الازمة ، وليفكر كل شخص بعقله ، ليكتشف ما هو حاصل ، وما التداعيات الخطيرة التي تنتظر شبه الجزيرة العربية التي تعتبر مخزن الطاقة الأكبر في العالم .

 

 

تناقضات بشرية ..

تناقضات بشرية ..

4c2749dc-5a22-406b-9437-3080f438fc11

ما انا إلا انسان جمعته الأيام وفرقته الأيام ، ما انا إلا بشر ، انتشر حين افرح ، وانكمش حين أخاف ، ولا معنى للشجاعة دون الخوف ، ولا معنى للفرح دون الحزن  ، فكل شيء يفسره نقيضه ، وانا بشر ، بي كل التناقضات ، والتساؤلات ، وامامي الحلول ، لأختار ، فاختار احدها ، ربما يكون الاصح ، وربما يكون اقل صحة ، وربما يكون خطأ .

خطأ ، انا خطأ ، انا اخطأ ، أنا مخطأ ، انا مذنب ، انا ما أنا ؟ انا بشر ، لا اتميز عن غيري ، ولا ادعي ، ولا اريد أن أتميز عن غيري ، فلا أرغب أن أكون فوق البشر ، لكن لا ارضى أن أكون اسفلهم ، ليضعوا اقدامهم فوق رأسي ، فأخضع .

انسان ، لهذه الكلمة معنى قوي في قاموس المصطلحات ، ليس في الكتب وحدها ، بل في نفسي ، وأضنها في نفسي أقوى ، فالإنسان له تفسير علمي ، واخر منطقي ، واخر فلسفي ، وأخر ديني ، والانسان هو كل هذه التفاسير مجتمعة ، فهو يجمع التناقضات ، يطمع ويقنع ، يخاف ويغامر ، يحب ويكره ، وبين كل قيمة ونقيضها شعرة ، أفسرها انا بمنظوري ، ويفسرها غيري بمنظوره .

لا نتساوى في شيء غير التكوين الجسدي ، لكننا في الداخل ، في دواخلنا ، تدور الأفكار ، والتناقضات ، والمشاعر ، والرغبات ، والاطماع ، ونبني كل شيء من خلال ما ترسب في نفوسنا ، وما تكدس في ذكرياتنا ، نستنتج ، نحلل ، نخمن ، نتوقع ، بناءً على تراكم خبراتنا ، ورواسب ذكرياتنا ، ومخاوفنا .

جميعنا لدينا نفس المشاعر ، ونفس الرغبات ، ونفس الاطماع ، لكننا نختلف ، فانا استخدم مشاعري ، بطريقة ، واطماعي بطريقة ، ورغباتي بطريقة تخالف استخدام غيري لها ، وانا تطغى على تصرفاتي المشاعر ، وغيري تطغى على تصرفاته الاطماع ، وغيرنا تطغى لديه الشهوات ، كلنا لدينا نفس الأشياء في الداخل والخارج تقريبا ، لكننا مختلفون في الداخل ، في استخدامنا لأنفسنا ، اختلاف يصل الصدام .

الاختلاف ، هو أساس الحياة ، والاتفاق ، هو أساس النجاح . ومن ينجح ؟ ومن يفشل ، هو الانسان ، ذاته ، تلك النسخة المكررة ، في صور مختلفة ، واحجام مختلفة ، ومشاعر مختلفة ، كل واحد منهم يحمل نفس الصفة ، صفات البشر ، ومعاني الإنسانية السامية .