بعض مشاكل الرواية العربية ..

تعتبر مشكلة الرواية العربية مشكلة مركبة ، فالقصة بحد ذاتها قديمة وتطورت بأساليبها المختلفة عبر  القصص المروية والمكتوبة حتى وصلت لشكلها الحالي كقصة كبيرة تسمى رواية ، لم تولد في المنطقة العربية ولا يوجد نهج خاص بالروائيين العرب ، ولا اعني بهذا الكلام الأسلوب بل اعني ان لا مدارس فكرية او فلسفية عربية خرجت في اطارها الرواية أو مدارس فكرية وفلسفية عربية مستقلة تأثر بها الروائيين العرب ، بل كل التصورات والأفكار غربية ولولا الفكرة المحلية في الرواية العربية لكنا متلبسين بالكامل بالمدارس الفكرية والفلسفية الغربية .

وهذا ليس عيباً في الرواية ، بل تكمن المشكلة في فقر المخرجات الفكرية والفلسفية العربية التي تحاكي الغرب في كل اتجاهاتها ولا تعمل على اخراج فكر يحمل قدر من الاستقلالية بل تكرس الفكر الغربي وتتبناه بقوة ، ما عدا الفكر الوحيد الذي يقاوم الغرب وهو الفكر الإسلامي ، وحتى هذا الفكر لا يوجد به مفكرين يستطيعون محاكات الأجيال الشابة .

حتى نتمكن من اخراج فكر عربي يوثر في الأدب علينا ان نجتهد في مسائل أهمها جودة الكتاب المادة الفكرية المؤثرة ، المادة التي تجعل الفكر العربي يخرج من التبعية للغرب ويخرج من النظرة العميقة للماضي ، ويواجه الحاضر بنظرة فكرية تستطيع أن تحلله وتفكك اجزائه المعقدة وتضع حلول يقتنع بها المجتمع العربية .

لنعود للرواية ، ومشاكلها العربية ، فالرواية قصة لا تحاكي مراحل زمنية فقط ، بل تحاكي فكر يعتبر عميق في النفس يحاكي المشاعر ، المشاكل ، وينقل كل صور الحياة التي يعيشها الإنسان دون أن يكون هناك قيود تحدد فكر الكاتب أو ابعاد لروايته ، لذا تكون جودة الرواية مهمة لأنها حين تقرأ ستصل لمسافة عميقة في نفس القارئ وتمس مشاعره ، فإن كانت تحمل فكر ، فسوف تؤثر في القارئ بشكل جيد ، وستنقل إليه أفكار الكاتب ، وعلى القارئ التمييز بين الغث والسمين في هذا الجانب .

المعضلة التي يعانيها الكِتاب العربي انه لا يُقرأ ولا يعني هذا أن كل الكتب سيئة بل يعني أن القارئ العربي قد فقد ثقته في الكُتاب العربي لأسباب كثيرة ولو نظرنا لهذه الزاوية في الرواية ستتضح لنا الصورة بشكل شبه كامل ، فالرواية العربية تعاني من مشاكل كثيرة ، التفاصيل التي تخرج عن سياق الرواية ، الفكرة المطاطة للرواية ، الروتين في الرواية وتكرار المشاهد والوصف الذي يجع القارئ يهتم بالمكان لا بشخوص الرواية ، حتى تقييم الرواية نفسه يرتبط باسم الكاتب ولا يقيم العمل بذاته ، فحين يكتب أحد الكتاب الكبار رواية ضعيفة ، نجد المديح مستمر ، دون ان يوجه له نقد يقيم العمل ، وحين يصدر روائي صغير رواية جيدة يعاني من الاهمال لأنه أسم غير معروف .

كذلك هناك مشاكل يعانيها الكُتاب العرب ، فالمحاذير العربية والإسلامية كثيرة ، بدعوة المجتمع المحافظ ، ونتجاهل أن المجتمع المحافظ في المنزل العربي يعاني من انفلات غير محدود في الشارع ، ومطلوب من الكُتاب العربي أن يسيروا على النهج المنزلي المحافظ ولا يتطرقوا إلى الانفلات الذي وصل إليه الشارع العربي .

التطرق للجنس مثلاً ، والدين ايضاً ، والشذوذ ، وغيرها من المشاكل التي تعقد الفكر العربي وتحدده ، ولا تريد أن يقترب احد من هذه المشاكل ويطرحها ويناقشها بل كل الأمور تحبس وتترك للقدر فإما تتطور تكتسح أو تموت وتدفن دون تدخل فكري ولا اجتماعي عميق يحلل المشاكل ويدرسها ويفككها ويضع الحلول الممكنة لكي يحجمها على اقل تقدير ، وعلى الكاتب العربي أن يسير على نفس النهج لكي يكون مقبولاً .

لدي مشكلة شخصية في هذه النقطة بالتحديد ، مشكلة التطرق للجنس في الرواية وكأن الغريزة شيء غير موجود في الأنسان العربي ، فحين نشرت روايتي الأخيرة اختلفت اختلافاً كبيراً مع دار النشر في بيروت ، ورغم أن دار النشر في بيروت تحمل قدر من التفتح إلا أن احد افراد تلك الدار وصفني بأني كاتب بورنو للأسف ، ثم شرح لي احد افراد الدار المشكلة بشكل بسيط فقال : حين نصدر رواية جريئة تحبس على رفوف الرقابة ولا يمكننا تسويقها في دول الخليج ، وأضاف أن لو تم منع رواية واحدة سيتم التدقيق في كل إصدارات الدار مما سيؤثر على المبيعات .

ربما يحمل هذا الرأي قدر من الوجاهة لكنه أيضاً رأي محدود فوسائل التسويق حالياً اكبر من رقابة الدول وضوابطها ، فالإنترنت فتح افاق لم تكن متوفة للكاتب العربي في السابق ، كما أن هذا الرأي يحدد الصورة التي يرسمها الأعلام عن الإنسان العربي بأنه انسان شريف نقي لا يرتكب أي فعل شاذ أو محرم ، بعكس الواقع الذي نرى فيه الإنسان العربي أبعد ما يكون عن تلك الأفكار ، بل اصبح يتقبل أمور ربما لا يتصورها المفكرون ولا الكُتاب ولا دور النشر المحافظة .

علينا أن نطرح المشاكل ، ونعالجها سواء بالرواية أو غيرها من الوسائل الأدبية والفكرية ، وعلينا أن ننظر للواقع كما هو دون أن نجمله ونرسم له صورة خيالية بعيده عنه ، فالاقتراب من الواقع يجعلنا حقيقيين أكثر ويجعنا مؤمنين أن لدينا مشاكل ملحة تحتاج لحلول ، الغريزة الالحاد الشذوذ وغيرها مسائل موجودة في كل المجتمعات ونرى أنها نمت وتطورت بشكل سريع بسبب اننا نتجنب الحديث عنها .

توازنات الحياة ..

توازنات الحياة ..

تخترق الاحزان كل الأماني فالإنسان لا يُمنح الفرح بل يصنعه ويصنع كل ما يسره لكن حين تأتي الهموم فإنها تخترق كل الظروف التي خلقها الإنسان ليحصل على السعادة ، ربما تكون الهموم أو المصائب أو الصدمات ، إعادة بناء للإنسان ، لكي يعيد النظر في محيطه وظروفه وكل ما صنع ، فالبناء الذي ننشئه ليس بالضرورة أن يكون بناءً صحيحاً بمعني أي أن سعادتنا التي نبنيها أحياناً تقوم على تعاسة الآخرين او تتقاطع من سعادتهم واحلامهم وتطلعاتهم فلو حصل انسان على السعادة كاملة سيحرم منها آخرون لأن الأنسان بطبعه يحب الاستحواذ والسيطرة فمن الطبيعي أن تكون سعادته مبنية على اشخاص محيطين به أو اشخاص يعتمد عليهم في أمور سعادته .

توازن غريب في الحياة ، فحين نؤمن بشخص لدرجة اليقين به وبإمكانياته ، نخلص له حتى النهاية ، لكننا حين نكتشف أن هذا الشخص لم يكن في مستوى ثقتنا التي منحناها إياه تكون الصدمة مضاعفة لكن ذلك الشخص لم يصنع لنا الصدمة بل نحن من صنعنا الصدمة لأنفسنا بمنحه الثقة المطلقة دون أن نترك مساحة للرأي الآخر أو للجوانب السلبية في ذلك الشخص ، فلا يوجد بشر على وجه الأرض لا يخطأ ، لكن يوجد بشر كثيرون يصدقون أن هناك ملائكة في ثياب بشر .

توازن غريب في الحياة فالمرض العارض الذي يصيبنا كالأنفلونزا مثلاً يرفع درجة المناعة لدينا بعد أن ضعفت ، والعملية اشبه بإعادة تشغيل الكمبيوتر حين تحدث فيه مشكلة ، فالمرض يعيد تشغيل جهاز المناعة لدينا ولو قررنا أن المرض شيء سيء ولا يجب أن نصاب به ، فنحن نترك اجسامنا في اقل درجة حماية ، فضرورة المرض واقعة بل أحياناً تكون ضرورية .

وهكذا هي الحياة كل شيء يهدم يحتاج إعادة بناء من جديد ، كل شيء ينتهي يأتي غيره يستطيع أن يقاوم اكثر ، فالأشياء التي نخسرها من الأكيد أن وقتها انتهى ودورها انتهى ، فقط تبقى الصدمات والهموم وبعض الحزن ، لكننا يجب أن نبدأ من جديد فالحياة تعتمد على البدايات ، الشمس والنور يبدؤون الصباح ، والليل يقتل النور لكن النور يعود ويبدأ محاولته من جديد في كل صباح ، حتى اصبح هناك نظام متوازن بين النور والظلام بين الحياة والموت .

أزلية النفاق ..

أزلية النفاق ..

سواء كنت عربيا في شرق الوطن العربي او غربه ستحاصرك كل الأمور التي تتوقعها ، او تتخيل أنها تحصل ، فلا أنت تملك أن تكون مستقلا ولا تملك أن تكون عصاميا ولا تملك أن تكون غنياً ، فكل تلك الاشكال تمر من خلال السلطان في الوطن العربي دون تدخل مباشر فلا يمكن أن تكون أحد هذه الأشياء إلا إذا كانت السلطات راضية عنك وعن ما تفعل.

اختيار الطبقات العليا في المجتمعات العربية يمر عبر مرشحات ، ولو  تجاوز الشخص تلك المرشحات بمجهوده فعليه أن يثبت الولاء حتى يكون محط ثقة وكي لا تتوقف حياته واعماله لدى أصحاب القرار فمصطلح الولاء لدينا نحن العرب يعني فتح أبواب الدنيا واغلاق مصادر القلق وعليك غض النظر عن كل ما هو سيء وما هو خطئ .

لو تتبعنا كل القيادات في الوطن العربي وكيف تم اختيارهم لن نجد إلا لقليلون الذين تم اختيارهم بناء على الكفاءة ، وسنجد اغلب شاغري المناصب تم اختيارهم عبر درجة الولاء أو درجة القرابة أو المصلحة ، دون الاخذ في الاعتبار كفاءة الأشخاص في اغلب الأحيان ولا يعني أن يكون الولاء هو المعيار أن يكون الاختيار سيء فهناك قيادات على مستوى جيد تم اختيارها بطرق غير صحيحة ، لكن وضع المعايير لاختيار القيادات يوحد الصفات العامة للقيادات في مستوى الكفاءة فيسهل تحقيق الأهداف .

في النهاية نكتشف أن لا شيء يتغير فطريقة اختيار القيادات لم يتغير منذ أن توزع عالمنا العربي لدول قُطرية ، ولو رجعنا لما بعد هذا التاريخ سنجد أن المسألة ازلية في عالمنا للعربي والإسلامي .

ذكرياتي ..

ذكرياتي ..

كانت تجلس هنا باستمرار صغيرة الحجم بفساتينها الصغيرة الأنيقة ، تلقيها أمها كل يوم في نفس المكان ، فتجلس تصفق كلما علا صوت التلفاز بأغنيه وتضرب بكعبيها على الأرض بارتجال غير منضم وتهمهم بكلمات لا تجيد نطقها ، تزحف أحياناً بأجزاء حادة تجرحني وأنا اشعر بما في يدها وكأنها تستمتع بألمي وهي ترى ذلك الخط يرسم الخشب ويشوهه ، لا انسى يوم وجدت احمر الشفاه ملقى على الأرض وكيف فعلت فالعلامات الحمراء شوهتني من الأرض وعلى امتداد يداها الصغيرتان .

أما شقيقها لا يعبث معي كثيراً إلا في أوقات نادرة لكنه كان يعمل شيء يستفزني فيه كل يوم ، حين يصفق الأبواب بعنف فترتج جدراني ، لا اعرف هل هذا الطفل العنيف لا يدري أني قديم اقدم من أسرته كلها فوالده الغبي كان يفعل نفس الفعل في صغره لكني لا زلت في ذلك الوقت احمل القوة واستطيع التحمل لكني الآن اشعر بأرجائي جميعها تهتز حين يصفق الأبواب ، كما أن له أشياء غبية أخرى لكنه لا يفعلها باستمرار كأن يحفر ثقباً في جدراني أو ان يركلني بالكره بعنف وبحركات متتالية اشعر بالترنح بعدها .

الوحيدة التي احمل لها ذكريات طيبه هي أمهم ، فلم ارها وهي صغيرة بل بعد أن تزوجها والدهم ، لكنها كانت حانيه ورغ أنها تتحرك في داخلي باستمرار إلى انها تتحرك برفق ورغم كثرة مشاغلها لا تهملني وتهتم بي كثيراً وخصوصاً تهتم بنظافتي وأناقتي ، فتلمعني وتجملني وتزينني باستمرار ، ربما وجدت لتشعرني بالراحة فزوجها الذي لا يكف عن الطرق والقطع في ورشته التي هي جزءٌ مني يسبب لي الكثير من الأذى وحين يعطب شيء فيّ يتكاسل ويتلكأ ولا يصلحه وحتى لو أصلحه لا يفعل ذلك بعناية كافية بل ليسكت زوجته التي تلح عليه ليصلحني.

رغم كل ما تفعله هذه الأسرة من ازعاج وكل ما تتسبب فيه من خراب وعطب في اركاني إلا أني كان اريدهم أن يبقوا معي فمجرد أني احتويهم اشعر بالدفء ، فوجودهم واصواتهم وحركتهم تعطيني الأمل تعطيني الشعور بأني اصلح للحياة ولم يحن وقت موتي ، لكنهم لم يمنحوني تلك الحياة ، ففي يوم من الأيام جهزوا حقائبهم فقط حقائبهم ، ظننت أنهم سيمكثون في الخارج يومين أو ثلاثة أو أسبوع على اكثر تقدير أحصل خلاله على الراحة التي اريد ، لكن الأيام طالت ، ولم يعودوا ، شعرت حينها بالصمت يلفني ، والصمت المميت يحيط بي من كل مكان ، وطالت الفترة أكثر ، فبدأت اشعر بتلك الحشرات الصغيرة تتحرك في داخلي ، تلك الحشرات التي تكاد اصواتها لا تسمع لكنها تبحث عن الشقوق ، تعيش فيها تنخر عظامي بأنيابها الحادة ، ورغم ذلك لم اتضايق كثيراً فقد بدأت اشعر بالأشياء تتحرك داخلي ، ورغم أن الغبار انتشر فأصبحت قذراً نوعاً ما لكني لم اتسخ .

لكن الأيام مرت ولم يعودوا ، مرت ولا نور يضاء ولا كعب صغيرة تضربني ولا طفل اهوج يصفق ابوابي ولا رجل ارعن يتسلى حين يقطعني بآلاته الغريبة ، حتى مر طفل والقى حجر فنكسر الزجان كأنه حينها فقأ عيني ، شعرت حينها برعشة من البرد تلفح اضلاعي ، وبعدها مر طفل آخر والقى حجر وكسر لوح زجاج اخر وتوالت الأحجار ، ثم بدأت اشعر بهم يتسللون في داخلي ، اعرف انهم لا يأتوا لكي يضعوا أكاليل الزهور بل في احد المرات تسلل لي متعاطي للمخدرات ، مكث فيني أربعة أيام ، كان لا يكلف نفسه أن يذهب للحمام لقضاء حاجته بل كان يفعلها في أي زاوية تكون قريبة منه ، كنت اريد أن اصرخ فيه (( ايه القذر )) لكن لا جدوى ، واحياناً يتسلل لي بعض العشاق ، واحياناً بعض الأطفال ، لكني اشعر بمدى قذارتي الآن ، فأنا قذر بالفعل منذ ان حملت تلك السيدة الجميلة حقائبها هي وزوجها وأطفالها وخرجوا ، لم اشعر النظافة منذ ذلك الحين ، ابكي مما انا فيه ، كل شيء مهمل كل شيء مهشم ، حتى ذلك الغبي الذي كان يصلحنِ بتثاقل أصبحت اشتاق إليه الآن فعلى الأقل كان يهتم بي حين أصاب بحجر ، ويا ليت تلك الصغيرة تعود وتضرب بكعبيها لتوقظني كل صباح وسأهديها احمر شفاه جديد لكي ترسم تلك الخطوط على ارضي وجداري وكي اسمع صوت أمها وهي تصرخ بها وتأتي لتنظفي بلطف .

مات الأمل مع مرور الأيام ولم تتكسر نوافذي فقط ، بل تكسرت ابوابي وأكثر من جدار ، واصبح الكثيرون يمرون علي وينظرون لي باشمئزاز وريبة واحياناً خوف ، ولا انتظر الآن إلا أن يلقي فيني احدهم عود ثقاب ليكتب شهادة وفاتي .

رواية الثقب الاعوج

الثقب الاعوج رواية الكاتب جابر عتيق

https://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb378388-375162&search=books#.YrRgkQYDuKU.link

ضغينة ..

أحياناً يحمل الأشخاص ضغينة أكبر مما نتوقع دون سبب …

ضـغـيـنـة

لم تكن تلك الابتسامات التي كنا نتبادلها مصدر إعجاب بل كانت تخفي ورائها الكثير من الضغينة ، والكثير من الحقد ربما لا احقد عليه أنا لكني دون شك أحمل له من الضغينة مالا يمكنه أن يتصوره ، وحين اعود للواقع لا أجد من ذلك الرجل أي تصرف سبب هذه الضغينة في نفسي ، فمنذ اللقاء الأول كان انطباعي عنه سيء ، نظراته الحادة نبرة صوته المقرفة ، جعلتني لا اتقبله على الإطلاق ، لذا سعيت منذ ذلك اليوم أن أدمره ، فافتعلت المشاكل في كل عمل يقوم به ، وأنا متأكد أنه يعلم أني أقف خلف تلك الأمور المزعجة التي يواجهها في العمل ، ومتأكد أنه لو كان بمقدوره أن يدمرني لفعل ، فكم الفخاخ التي نصبتها له اوقعته في الكثير من المشاكل التي خرج منها مشوهاً ولولا أن علاقاته لا تزال جيدة ببعض المسؤولين ، لتم طرده من العمل دون شك .

لا اعرف لما أبغضه ، ولا اعلم لما ينمو البغض في نفسي ويكبر كلما رأيته ، لا اجد في نفسي سبب حقيقي لذلك ، ورغم ذلك اشعر بالسعادة حين يقع في مشكلة افتعلتها له ، بل ربما يفوق شعوري السعادة ذاتها واصل لمرحلة الرضا عن النفس ، فأكون راضٍ عن نفسي كل الرضى في تلك المواقف .

الغريب في الأمر أن ذلك الشخص لم يتهمني بشكل مباشر ، ولم يقل أي كلمة سيئة في حقي رغم معرفته بكم البغض الذي احمله له ، وفي إيماني أنه إنسان خبيث يخفي ما يريد ولا يصرح به ، بل حين أراه في العمل اشعر بأنه يخبئ سكيناً خلف ظهره .

اخبرني السكرتير اليوم أنه طلب مقابلتي ، تجاهلت حديثه لكنه بعد نصف ساعة اخبرني أنه عاود الطلب ، فطلبت منه أن يأخره قدر المستطاع ، فأنا أتمنى أن يمل ويرحل عن مكتبي دون أن ألتقيه ، ورغم ذلك انتظر ولم يغادر ، فاضطررت أن استقبله ، ولم يكل لقائنا طويلاً ، لأنه جاء كما يقول ليسلم علي ويشكرني ، بعد أن قدم استقالته من العمل ، وبقيت كلماته ترن في اذني إلى الآن “اشكرك لأني تعلمت منك ما لم اتعلمه في حياتي ” .

ما ازعجني ليست كلماته الملغزة ، ولا ملامحه التي لا أطيقها ولا نظراته الحادة التي تستفزني ، بل ما أزعجني أنه سيرحل وسأفقد برحيلة تلك المتعة التي اشعر بها في نفسي من اذيته ، وأيضاً أزعجني أنه سيرحل قبل أن ادمره ، قبل أن اشفي غليلي وأنا اراه ينهار .

لم ادعو له بالتوفيق ، ولم أتمنى له الخير حين اخبرني بأمر الإسقالة ، بل حاولت استفزازه ، كنت اريد أن يخرج من فمه أي كلمة لكي اصرخ في وجهه وأطرده من مكتي لكنه لم يمنحني تلك الفرصة إلى حين صافحني قبل أن يخرج ، حينها قال : أنت مريض نفسي ويجب أن تتعالج ، حينها سحبت يدي من يده وصرخت في وجهه : اخرج من مكتبي .

جلست على الكرسي واسترجعت كل ما افتعلت له من اذى ومشاكل ، وشعرت أن كل ما فعلته لا يصل لأثر كلماته الأخيرة  التي جعلتني أتمنى أن اقتله قبل أن يخرج .

موسم الندوات ..

أن تعقد ندوة فأنت توصل صوت الثقافة لأشخاص ، وأن تعقد موسم للندوات ، فأنت تقيم مهرجان ثقافي يتواصل فيه الجمهور مع مجموعة كبيرة من العلماء والمثقفين والفنانين والأدباء والمبدعين ، فيجب أن نسعد بأن الثقافة أصبح لها موسم يسلط الضوء على مخرجات العقول المبدعة التي يمكنها أن تعطي المواد التي تتعامل معها قيمة حقيقية تعكس مدى أهميتها فالعالم يفتح لنا نوافذ العلم والفنان يحدثنا عن دوره والأديب يرسم لنا صوره لأعماله والمثقف ينقلنا لتصورات أخرى وأفاق جديدة ، وقس على ذلك كل المجالات وكل التخصصات .

موسم للندوات بحد ذاته أنجاز واعتبر أن موسم الندوات هو الموسم الأبرز وسط مواسم المهرجانات والتسوق والاحتفالات ، التي اكتسحت الأقطار العربية ، فكما للبهجة مواسم يجب أن يكون للثقافة والعلم والمعرفة مواسم ، تحتفي بالعقول وترينا الإبداعات المحلية والعربية والعالمية في كل المجالات ، وتتيح لنا الفرصة لكي نلتقي بالنخب المثقفة ونناقشها ونستفيد من معارفها .

الندوات تتجاوز حدود التنظير وتخلق جو من النقاشات وتبادل الآراء ، وهذه الأمور تقلص فجوة التواصل مع الجمهور وتخلق أجواء جاذبة للشباب من الجنسيين للالتقاء بالرموز في كل المجالات لاكتساب المعارف وتنمية الخبرات لديهم ، وعلينا أن نعمل على أنجاح موسم الندوات بكل الوسائل المتاحة ليحصل هذا الموسم على الزخم الذي يجعله يستمر ويتطور ، فحاجتنا للمعرفة ضرورة يجب أن لا نهملها .

من الجيد أن نجد جمهرة ثقافية في هذا العام الذي ستقام فيه بطولة كأس العالم في قطر فمن الجميل أن تكون هناك فعاليات ثقافية مصاحبة للبطولة العالمية التي جعلت من قطر محط انظار العالم ، وعلى العالم أن يعرف أن الرياضة هي أحد المجالات التي تهتم بها الدولة وأن لدينا اهتمامات أخرى لا تقل أهمية عن تلك البطولة العالمية نهتم بها ونقيم لها فعاليات ، وموسم الندوات مرآة جميلة للمشهد الثقافي في قطر وأتمنى أن تنتقل عدوى الفعاليات الثقافية لكل الدول العربية ، وتصبح الفعاليات والمواسم الثقافية والعلمية والأدبية من الأولويات وتتجاوز مرحلة الخمول الحالية .

رمضان كريم

كل عام وأنتم بخير اعاده الله عليكم بالخير واليمن والبركات .

تغليف الواقع بالوهم ..

تغليف الواقع بالوهم ..

تعتمد الأحزاب في العالم على أساليب عدة لكسب الأصوات منها ، سن قوانين ، مشاريع ، سياسات ، تخفيض ضرائب ، وجزء من هذه الوعود وهمية في الأساس لكن الأحزاب تروجها  لكي تكسب الأصوات وتصل لمقعد السلطة .

وهذه المسألة موجودة أيضاً في عالمنا العربي ، لكن الفرق بين الأحزاب التي تصل للسلطة في نظام انتخابي سليم تختلف كل الاختلاف عن الدول التي تعين فيها الحكومات التي تبيع الوهم للمواطنين ، وفي الواقع لا تستطيع تلك الحكومات أن تحقق وعودها ، ولا يستطيع الشعب أن يحاسب تلك الحكومات .

يختلف الهدف من الانتخابات بين وضع ديمقراطي سليم ووضع ديمقراطي مشوه أو معدوم ، ففي الوضع الديمقراطي السليم ، تستخدم الأحزاب تلك الحيل لكي تصل للسلطة ، وبعد وصولها للسلطة تخضع لنظام رقابي ومحاسبي دقيق ربما يطيح بها إن لم تحقق الوعود التي قطعتها للناخبين في مرحلة الانتخابات ، لذا لا تكون المسائل الوهمية كبيرة في برامجها الانتخابية بل محدودة لا تؤثر على مسألة بقاءها في الحكم .

أما في النظام الديمقراطي المشوه أو المعدوم ، تلجئ الحكومات للترويج لنفسها بأمور وهمية كثيرة ، كادعاء النجاح ، أو عبر مشاريع لا تتحقق ، أو عبر وعود زائفة ، أو إخفاء اخطائها وادعاء النجاح وتحقيق الإنجازات ،  لكي تُسكت الشعب عن المطالبة بحقوقه ، وفي النهاية لا يستطيع الشعب أن يراقب أو يحاسب تلك الحكومات أو أن يزيحها عن السلطة .

أمور كثيرة تُروج للشعوب العربية خارج نطاق الواقع ، كخلق تصور لدى الشعوب بأن التطور هو مجموعة مباني جميلة تزين البلد ، وفي الحقيقة أن التطور يختلف كل الاختلاف عن تلك الصورة البراقة التي تروج لها الحكومات العربية ، ربما يكون العمران جزء من التطور لكنه لا يمثله بشكل حقيقي ، فصيانة القانون وخلق نظم وأليات صحيحة في الإدارة وبناء مؤسسات مجتمع مدني فاعلة ورفع المستوى التعليمي والصحي ، تمثل التطور بشكل حقيقي بعكس المباني التي تعتبر صورة جميلة فقط لا تعكس تطور البلد من معدمه .

وفي السنوات الأخيرة أصبحت الديمقراطية العربية وهم يروج على نطاق واسع ، ولا أقول أن الحكومات تسير في هذا الاتجاه بل هي تعمل على الشيء ونقيضه ، فبينما تدعي الحكومات في بعض الدول العربية أنها تسير للديمقراطية بشكل تدريجي ، تروج أيضاً أن الشعوب لا تحمل الثقافة والفكر الذي يؤهلها للعمل الديمقراطي ، فتخلق مجالس وبرلمانات مشوهة وتفتعل أزمات لتثبت حقيقية ادعائها وتخلق جدل مجتمعي يشوه الديمقراطية ، كأن تقرر انشاء مجالس بصلاحيات ناقصة تكبلها ، او ترشيح أعضاء لا يتمتعون بالكفاءة . فينتقد الرأي العام تلك المجالس بل يتهمها بالتقصير والفشل ، وفي الأساس يكون الفشل مفتعل لكي يثبت فشل الشعب في إدارة العملية التشريعية .

أمور كثيرة تروج لنا في الوطن العربي على انها إنجازات ، لكنها للأسف إنجازات وهمية لا تخدم الدول ولا تصب في صالح الشعوب ، وللأسف لا توجد أصوات حرة نتقد الواقع وتكشف حقائقه ، فكل وسائل الأعلام في الدول العربية مسيسة من صحف ومجلات وقنوات تلفزة ، والمثقفون إما تم شرائهم أو تم زرع الخوف في نفوسهم لكي لا يتحدثون .

أخلاق المجتمع ..

أخلاق المجتمع ..

المجتمع الذي يواجه مشاكله هو المجتمع الذي يستطيع أن يتجاوز المراحل ويسير بشكل سليم في الاتجاه الصحيح ، ولا يعني هذا أن المجتمع ينهار حين يهرب من مواجهة المشاكل بل يستمر مع توطن الخلل في ارجائه ويمكننا أن نضرب مثل في هذا الجانب ، فالفساد موجود في كل المجتمعات ، لكن المجتمعات التي ترى الفساد ولا تخلق آليه صحيحة لمعالجته أو تقليل تأثيره تعاني من استنزاف الثروات والمجتمعات التي وضعت آليات لتحجيم الفساد هي المجتمعات التي استفادة من ثرواتها وخلقت بيئة جيدة .

ويمكننا أن نقيس على ذلك المشاكل الأخلاقية التي يتهرب المجتمع من مواجهتها فلا تفكك تلك المشاكل ولا تعرف أسبابها ولا توضع آليات صحيحة لمعالجتها والنتيجة إما أن ينمو الفساد الأخلاقي في المجتمع شاذة لا يمكن مواجهتها أو يقبل كظاهرة طبيعية ، وما يحدث لدينا أننا لا نقبل الفساد الأخلاقي ، لكننا لا نطرح المشاكل الأخلاقية للبحث النقاش بل ندفن تلك المشاكل لكي تكون صورة المجتمع ناصعة ، والنتيجة التي لا نريد أن نواحه بها انفسنا أن الفساد نما وترعرع وأصبح جذور ثابته في المجتمع ، وله فروع مغرية تستقطب الآخرين .

الفساد الأخلاقي لا يعني الانحراف الجنسي بل الأخلاق تتعدى ذلك المنظور الضيق فالأخلاق مبادئ وهي التي تحمل القيم التي تعطي المجتمع صورته الحقيقية الجميلة فالثقة والأمانة والصدق والوفاء ، كلها نابعة من الأخلاق ، والفساد والانحراف الجنسي ، والسرقة والخيانة ، هي نتائج طبيعية تحدث حين تنحل الأخلاق فلا تجد تلك العناصر السيئة مانع أخلاقي يردعها في المجتمع .

إذاً علينا أن نواجه مشاكلنا الأخلاقية ، إذا أردنا أن نسير في الاتجاه الصحيح ونستمر في نهج التطور والتقدم دون أن يخسر المجتمع تلك المبادئ الأساسية ، التي تحافظ على قيمته كمجتمع صالح ، ولا نكتفي بالردع القانوني ، فمسألة القانون يجب أن تكون هي المرحلة الثانية التي تواجه الانحرافات في السلوك والأخلاق ، والأساس يجب أن تردع أخلاق المجتمع تلك الانحرافات ثم يأتي القانون ليردع الانحرافات التي تتجاوز اعراف المجتمع الأخلاقية .

من الطبيعي أن لا يكون هناك مجتمع صالح بالكامل ، والمجتمع الصالح هو الذي تقل فيه الانحرافات السلوكية والأخلاقية إلى أدنى حد ، ولكي نصل لهذه الدرجة علينا أن نبني أسس أخلاقية وعادات سليمة لكي نضع حد لتغول الفساد في كل المجالات ، ويكون الرادع الذاتي لدى المجتمع المبادئ الأخلاقية والقيم .