فوق الخمسين ..

فوق الخمسين ..

سارت بي الحياة لكل مكان وقابلت آلاف البشر دون أن أعرف كم سأستمر ولا أدري متى ينتهي مشواري الذي بدأ منذ فترة طويلة ، أسير وأدعي أني أتعلم مع إن اغلب الاحداث في حياتي أصبحت مكررة والمتغير الأكبر هي الأماكن والأشخاص لكن المواقف اغلبها مكررة ، تواجهنِ مشكلة أحياناً تكون بسيطة وأحياناً معقدة وهي اللحاق بالركب أو مسايرة الزمن الذي أعيش فيه ورغم شعوري بأني اكتفيت إلا اني يجب أن أعيش واستمر في الحياة إلى متى لا ادري .

ليس منا احد لا يريد الحياة لكن الروتين الذي يتكرر باستمرار يجعلك تتساءل كيف استمر ؟ وما الذي يمكنني فعله في هذه المرحلة من العمر ؟ انقل خبرتي مثلاً أم اعتزل البشر وأتفرغ للمطالعة أو أذهب لأمور أخرى في الحياة ، التجارة مثلاً أو أي عمل يستطيع أن يشعرني بأن الحياة يمكنها أن تمنحني المزيد من الخبرة أو المعرفة .

أحياناً انظر للحياة بتفاؤل ، واحياناً انظر لها نظرة ممل ، ثم اعود وادفع نفسي للتفاؤل من جديد إلا أن نظرة الملل تكبر وتتحول لاحتقار للحياة في بعض الأحيان ، وتعود الشمس لتشرق مؤذنه بروتين جديد يتكرر وبأشخاص حفظنا وجوههم وتصرفاتهم  ، وبشوارع اصبحننا نتوقع فيها كل شيء قبل حدوثه ، فالسيارات لازالت تمشي على اربع ، كـ طفل سريع الحبو ، وأتوقع أن تكبر وتمشي على عجلتان بدلاً من اربع .

لا يمكنني أن أرى الأشياء خارج نطاق الواقع أو خارج حدوده ، لأني لو نظرت لها بشكل مختلف أنا متأكد أني سأرسم لها شكلاً جميلاً لا يمكنه الحياة في الواقع ، ولا أن يستمر لو أستطاع الحياة ، فالحياة خليط بين جميل وقبيح ، وبين طيب وشرير ، وبين غبي وذكي ، وبين أناس تتصدر الحياة وأناس تعيش في الهامش ، وأنا اجد نفسي في الهامش أكثر مما اجدها في الصدارة فالهامش الذي يحتقره الكثيرون يعطيني مساحة شخصية لا اتمتع بها لو أني كنت في الصدارة ، مساحة تجعلني اتحدث بصوت عالي مع نفسي وتجعلني انتقل من مكان لآخر دون أن يعرفني احد .

هل عدد صفحات الرواية مهم ؟

عندما كتبت روايتي الأولى لم أتمكن من تجاوز ال 190 صفحة من الحجم المتوسط ، وحين كتبت روايتي الثانية التي لم تقبلها أي دار نشر حتى الآن تجاوزت صفحاتها الـ 400 صفحة وروايتي الثالثة 300 صفحة أما الأخيرة فقد تجاوزت الـ 200 بقليل .

في البدايات يكون النظر لعدد الصفحات بشكل إيجابي لكن مع مرور الزمن وتراكم الخبرة لا يكون لعدد الصفحات الكثير من الأهمية فأحياناً تزيد عدد الصفحات بالحشو والابتذال في الحوارات وهذه الأمور بلا شك لا تعطي قيمة للرواية ، ويكون عدد الصفحات مهم حين يكون هناك ما يبرره في احداث الرواية بحيث لا يكون المضمون خارج عن النسق او ممل ويشوه الرواية ففي نظري الرواية مخلوق حين نضيف إليه ما ليس بحاجته نشوهه ونحمله فوق طاقته .

حين تكثر شخصيات الرواية من الطبيعي أن يكون السرد بشكل مفصل ، لكي يشمل كل الأحداث وتأثيراتها ونتائجها على الشخصيات ، وأيضاً رتم الرواية حين يكون بطيء تكون التفاصيل أكثر من المعتاد وفي هذه الحالة يجب أن يُبقي الكاتب على رتم الرواية في نسق محدد من البداية حتى النهاية فتتسارع الاحداث بشكل تدريجي خارج عن التهور ولا يقفز على الأحداث بشكل مفاجئ ، وبذلك يستطيع أن يدون عدد اكبر من الصفحات دون أن يؤثر على الحبكة .

من الطبيعي أن يكون لكل فكرة لدى الكاتب نقطة بداية ونقطة نهاية وحين يصل بروايته للنهاية لا يجب عليه أن يهتم بعدد الصفحات، بل ما يعنيه أنه وضع كل العناصر الصحيحة في الرواية وحقق الفكرة التي يصبو إليها كاملة ، فالفكرة ليست عدد، بل هي تصور معين يصفه الكاتب بأسلوبه ومتى ما وجد أنه حقق الهدف فقد انجز المهمة ، والفكرة نستطيع أن نضعها في صفحة أو مئة أو ألف ، لكننا لا نفكر في الصفحات بل نفكر في الإقناع ومدى التأثير على القارئ .

نجاح وفشل ..

نجاح وفشل ..

ربما نجتهد في كتابة الرواية ، ونحرص على جودتها ونحرص على أن تنجح ، لكننا لا نملك أن نجعلها ناجحة ، فالنجاح بالمقياس العام ليس مقياس الكُتاب والنقاد والمثقفين بل هو الانتشار ، فانتشار العمل هو النجاح الأكبر الذي يجب علينا أن نسعى إليه ونجتهد في تحقيقه مع عدم اغفال الجوانب الأخرى بالتأكيد فحين نجتهد لانتشار عمل يجب أن يكون العمل جيد بالفعل .

أحياناً يكون المجتمع الثقافي ظالم ، وأحياناً يكون التسويق فاشل ، وأحياناً يكون التجاهل قاتل من وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية ، لكن الكاتب عليه أن يبقى على مستوى الحدث ولا ينهار فالانهيار هو تدمير الابداع وقتل الدافع للعمل في هذا المجال .

تخلق وسائل التواصل الاجتماعي فضاء جديد لكنها لا تخلق نجاحاً أو فشلاً فهي تنقل الصورة فقط ، وتساعدنا على الانتشار ، لكنا لا تضع المعايير الصحيحة لتقييم المحترفين وتميزهم ، بل هي أكثر نجاحاً في تقييم المنحرفين ، فكرياً وأخلاقياً ، ورغم ذلك تبقى هي الحل الأكثر نجاعة للكتاب من الوسائل الإعلامية الأخرى .

رواية سياسية ..

رواية سياسية ..

منذ فترة ابحث عن فكرة رواية ، ولا اخفيكم بأن لدي الكثير من الأفكار التي يمكنني أن ابدأ من خلالها الكتابة لكن الفكرة التي اريدها تختلف عن تلك الأفكار التي تمر بعقلي ، فأنا لا اجيد تكرار الجمل أو تكرار القصص بل اريد أن اضع فكره جديدة تخرج عن المألوف ، وتوضع في اطار المضمون الغريب او المضمون المتمرد .

ربما اتجه للرواية السياسية في المرحلة القادمة ، ولدي فكرة قوية ، وكلما بدأت الكتابة ، احذف ما كتبته لا لأني متردد بل لأن فكرة البداية تتجاوز الكلام الإنشائي ويجب أن تكون هي الناقل الذي ينقل القارئ من روتين الكلمات لعالم يستطيع فيه أن يرسم صورة كاملة لما يقرأ .

منذ عام وفكرة الرواية السياسية تدور في رأسي واحاول أن اجمع الأفكار لأكون الأحداث بالشكل الذي يقنعني وأجد من خلاله حبكة محكمة للرواية ، فالرواية السياسة لدينا نحن العرب تعتبر لغز يجب أن يحمل من التمويه ما يمكنك أن تسقطه على الواقع لكنه ليس بواقع ، وما يمكنك أن تقول هذا الأمر موجود لكنك لا تعرف أين تضعه ، فالرواية السياسية في عالمنا العربي رصاصة طائشة لا تدري متى ستقتل الشمس ، أو ربما تقتل القمر ، أو ربما تقتل صاحبها .

دراسات وأبحاث أدبية ..

قراءة في بعض الدراسات التي تنقد وتحلل الاعمال الروائية .

اقرأ دراسات في تحليل الروايات وبالتأكيد تتناول هذه الدراسات بناء الرواية واسلوبها وعناصرها ، وتتطرق للكثير من التفاصيل والمقارنات التي بين العمل الذي تقوم عليه الدراسات واعمال أخرى مشابهة أو قريبة وتحمل نفس العناصر ، وكل الدراسات التي قرأتها تذكر المدارس التي ينتمي إليها بعض الكتاب كمرجعية ، وهذا شيء جيد يمنهج العمل الروائي ويضع له قوالب متنوعة ومختلفة ومتطورة بل قابلة للتطور في المستقبل .

وتتناول الدراسات المكان والزمان والشخصيات والأساليب والتفاصيل واللغة والحبكة ، تتناولها بأسلوب تحليلي دقيق ، والجيد في هذه الدراسات أنها تتناول الأعمال الأدبية التي بها مضمون قوي وصحيح ككتلة روائية مبنية بشكل سليم ، ولا اختلف مع الباحثين في هذه الجوانب ولا انكر عليهم عملهم بل إني استفيد شخصياً من هذه الأعمال فهي تبين الكثير من الجوانب الخفية في الرواية محل الدراسة وتفكك عناصرها بشكل يثير الاعجاب .

لكن لدي ملاحظات لا تمس الدراسات بل تعني الكاتب وكيفية تشكيله للرواية ، فالكاتب إنسان له ثقافته وله مرجعيات ولغة ، وحين يبدأ السرد تكون الأهمية الأولى هي العمل الروائي الذي يشتغل عليه ، فحبكة الرواية وشخوصها واحداثها تفرض على الكاتب أن يخرج أحياناً عن السياق الذي أطر فيه الأفكار الأساسية قبل البدء في الكتابة ، فأسلوب التعاطي مع الزمن يختلف لدى الكاتب من عمل لآخر ففي بعض الأعمال يكون الزمن عنصر واجب الحضور وفي بعض الأعمال يكون الزمن مموه او مائع ، وكذلك المكان أحياناً يكون فقط محيط يحدد موقع الحدث أو القضية واحياناً يحمل الكثير من التفاصيل ، ويحدد هذه الأهمية العمل نفسه ومدى خدمة تلك العناصر للرواية ، فلو افترضنا عمل ادبي توثيقي يتناول مرحلة في الحرب العالمية الثانية سيكون الزمان والمكان واضحي العناصر ، بعكس لو كان العمل يناقش قضايا اجتماعية فيخف وضوح الزمن .

كذلك اللغة ، فلغة الرواية البسيطة تجعل القراءة تنساب بشكل سلس ، لكنها تخضع لمعايير في العمل الأدبي ، منها مثلاً المجتمع الذي يعيش فيه الكاتب ويريد أن يوصل فكرته لهذا المجتمع فعليه أن يجعل اللغة سلسة بعيدة عن التقعير والكلمات الغير مستخدمة والمصطلحات الغريبة ولو اضطر الكاتب لاستخدامها عليه أن يضع لها تفسير في الهامش ، كذلك تخضع اللغة لدرجة اجادة الكاتب للغة المستخدمة ، وتخضع أيضاً لأسلوبه هو شخصياً هل هو سلس أم عميق أو مبتذل ، فالرواية تعكس شيء من الكاتب حتى لو أراد أن يخفيه ، واستخدام اللغة مهم في الرواية لأنه الأساس الذي ينقل من خلاله الكاتب أفكاره للقارئ فحين نكون اللغة ضعيفة لن تصل الفكرة وحين تكون اللغة مبتذلة يصبح العمل ممل ، والتوازن يضعه الكاتب بناءً على تصوراته الشخصية فيما يرى أنه يخدم العمل .

فرض ..

الكاتب بعد أن ينجز البدايات يظن أنه متحكم بشكل كامل في الرواية إلا أن الرواية تبدأ من الوسط تتحكم به ، فهو لا يستطيع أن يتجاوز الشخصيات التي رسمها والاطر التي وضعها لفكرة الرواية

لا تفكر ..

لا تفكر ..

لا تفكر .. كثيراً فكثرة التفكير أحياناً تنقلك لمسارات لا يمكن مغادراتها ، لكن حين تفكر وتجد نفسك وصلت لنقطة بحث ابحث وأقرأ لكي تستمر في التفكير من منطلق صحيح فمجرد التفكير دون معرفة الآراء الأخرى يجعلك تدور في فلك واحد لا تخرج منه ، لكن مع الاطلاع والبحث تنتقل من فلك إلى فلك آخر ومن أفق لأفق كما أن الاطلاع سيمنحك خبرة الآخرين ويطلعك على تصوراتهم ، فتنظر للأمر الذي تفكر فيه من عدة زوايا وتنظر إليه من ابعاد مختلفة فتكتشف الثغرات وتبني أمور صحيحة .

الأدب ..

الأدب ..

كل الكلمات متشابهة فأنا املك نفس المفردات التي تملكها أنت ، وهي هي نفس الحروف ، لكن كل منا يوظف تلك الكلمات فيما يريد ، ومنا من تخونه الكلمات في بعض المواقف ، لذلك فلا فرق بيني وبينك سوى المهارة التي أستعملها أو تستعملها أنت في تشكيل تلك الكلمات والجمل لنجعلها مقنعة أو مؤثرة ، حزينة أو مفرحة ، يشاركنا فيما نقول من كلمات الخيال أحياناً ، وتعابير الوجه أحياناً أخرى .

لنتفق على شيء ، أن الكلمات موجودة لدى الجميع !! فما الذي يجعل الجملة التي تقولها أنت مؤثر أكثر من الجملة التي اقولها أنا ، إنه الذوق هو الذي يحدد جمال الجملة ، الفقرة ، القصة ، المقال أو الموضوع ، فهي مسألة ذوق وتمكن ، كما هي الأزياء احدهم ذوقه راقي ، والآخر ذوقه جميل ، وغيرهم لا يحسن اختيار ملابسه .

الذوق مهم ، فهو الذي يعطي اللمسة الجذابة ، لكننا لا نطلق كلمة ذوق على الجملة بل نقول جملة متناسقة ، او فقرة محكمة ، او بيت شعر بديع ، او خطاب رائع ، و كل هذه المواضيع استطاع صاحبها أن يشد انتباهنا بأسلوبه الجميل في اختيار الكلمات المناسبة ليوصل لنا ما يريد دون أن ننفر منه ، فهو صاحب ذوق رفيع في اختيار الكلمات وترتيبها وتنسيقها وحبكها لذا فهو مبدع ، او ماهر في الكتابة .

لا أريد أن اشبه الابداع الأدبي بالأزياء أو أي نوع اخر من الفنون ذات الذوق الرفيع لكن أريد أن ارسخ فكرة بسيطة أننا يمكنا أن نوظف الكلمات بالشكل الذي يعجب الجمهور لكي نلفت أنتباهه ، والكثيرين يمكنهم فعل ذلك ، والمعضلة لا تكمن في تبني تصورات الجماهير الأدبية ، بل تكمن الصعوبة في أن أوصل الفكرة التي لا ترغب فيها أنت بشكل يجعلك تتقبلها أو يجعلك تفكر فيها من جديد بشكل مختلف عما كان عليه تفكيرك قبل أن اطرح تلك الفكرة بمنظوري الخاص .

الكثير من الوسائل يمكننا تعلمها في مجال الأدب ، والكثير من المهارات أيضاً ، فكل شيء ممكن ، لكن المهارات التي تكون وليدة أبداع تكون مترسخة بشكل أكبر وأعمق من المهارات التي تكتسب دون وجود سابقة لها في النفس ، وكذلك المهارات التي نكتسبها دون تعلم حين نخضعها لوسائل التعلم تنتظم وتترسخ بشكل عميق يجعلنا نستخدمها بمهارة أكبر .

الأدب كالبحر ، مهما أخرجنا من بطنه من كلمات وابداع يستطيع غيرنا أن يستخرج منه كلمات ربما اجمل وأروع مما اخرجنا ، والمهم أن نتقبل ما يكتبه الآخرون وننظر لجماله وما يحمل من ابداع ، فالأدب لا يقف عند قلم واحد ولا شخص واحد ، ففي كل حفرة في الأدب ألم وجمال ، نجاح وفشل ، نتعلم ونعود لنكتب من جديد ، ويعود الآخرون ليقيموا اعمالنا ، ونقيم أعمالهم ونصفق جميعاً للعمل المبدع الجميل دون النظر للأشخاص فقيمة العمل الأدبي تكمن فيه ، وهو الذي يميز صاحبه ، فأسماء الكُتاب لا تميز الأعمال الأدبية ، بل الأعمال الأدبية هي التي تميز الكُتاب .

قمة وقاع ..

قمة وقاع ..

كما أن هناك ابطال في كل زمان هناك أناس مغمورين ، ربما لا يلتفت لهم أحد ، لكننا حين ننظر للأبطال علينا أن نعرف أننا ننظر لرأس الهرم فقط دون أن ننظر لباقي كيانه فالقاعدة الأكبر في الهرم هي أولئك المغمورين فهم العامة وهم من يخرج الثقافة العامة ثقافة المجتمع وهم من نجد عندهم الأساطير والخرافات ونجد البساطة والفقر ونجد الصنائع والورش ، فحياة الشعوب لا تكمن في الأبطال ربما يكتب الأبطال العنوان فقط لكن العامة هم من يكتبون المتن هم من يصنعون الصورة المنمنمة التي لو دققت فيها ستشاهد ألاف الوجوه .

لنلقي نظرة على لصوص القمة والقاع ، لصوص القاع ربما يأخذ ما في جيبك أو يسرق جهاز الهاتف أو يتجرأ قليلاً ويقفز في منزلك ليسرق مما تدخر ، أما لصوص القمة فيختلف الحديث عنهم ، فهم لا يسرقون شخص واحد بل يسرقون كل المجموعة ، يسرقون مقدراتهم وأقواتهم وحاضرهم ومستقبلهم ، فلا يتركون لهم شيء إلا الكفاف الذي يبقيهم على قيد الحياة ، فكل انسان يعمل على قدر إمكانياته ، اللص الفقير يسرق ما يعتقد أنه يكفي ، واللص الغني لا يكتفي مما يسرق .

هكذا تكون النظرة بين القمة والقاع ، لذا علينا أن لا ننظر للأبطال الذين في القمة فقط بل علينا أن ننظر للمجموعة التي على القمة بمزاياهم وعيوبهم بحميدهم وخبيثهم فالقمة كما تحوي الأبطال تحوي اللصوص ، ربنا نرى القمة مكان لشخص واحد لكنها تحتوي جميع الرؤوس فرأس البطولة هناك ورأس الشجاعة هناك ورأس العلم هناك وكذلك رأس الإجرام ورأس اللصوص فالقمة مكان لكل الرؤوس .

بعض مشاكل الرواية العربية ..

تعتبر مشكلة الرواية العربية مشكلة مركبة ، فالقصة بحد ذاتها قديمة وتطورت بأساليبها المختلفة عبر  القصص المروية والمكتوبة حتى وصلت لشكلها الحالي كقصة كبيرة تسمى رواية ، لم تولد في المنطقة العربية ولا يوجد نهج خاص بالروائيين العرب ، ولا اعني بهذا الكلام الأسلوب بل اعني ان لا مدارس فكرية او فلسفية عربية خرجت في اطارها الرواية أو مدارس فكرية وفلسفية عربية مستقلة تأثر بها الروائيين العرب ، بل كل التصورات والأفكار غربية ولولا الفكرة المحلية في الرواية العربية لكنا متلبسين بالكامل بالمدارس الفكرية والفلسفية الغربية .

وهذا ليس عيباً في الرواية ، بل تكمن المشكلة في فقر المخرجات الفكرية والفلسفية العربية التي تحاكي الغرب في كل اتجاهاتها ولا تعمل على اخراج فكر يحمل قدر من الاستقلالية بل تكرس الفكر الغربي وتتبناه بقوة ، ما عدا الفكر الوحيد الذي يقاوم الغرب وهو الفكر الإسلامي ، وحتى هذا الفكر لا يوجد به مفكرين يستطيعون محاكات الأجيال الشابة .

حتى نتمكن من اخراج فكر عربي يوثر في الأدب علينا ان نجتهد في مسائل أهمها جودة الكتاب المادة الفكرية المؤثرة ، المادة التي تجعل الفكر العربي يخرج من التبعية للغرب ويخرج من النظرة العميقة للماضي ، ويواجه الحاضر بنظرة فكرية تستطيع أن تحلله وتفكك اجزائه المعقدة وتضع حلول يقتنع بها المجتمع العربية .

لنعود للرواية ، ومشاكلها العربية ، فالرواية قصة لا تحاكي مراحل زمنية فقط ، بل تحاكي فكر يعتبر عميق في النفس يحاكي المشاعر ، المشاكل ، وينقل كل صور الحياة التي يعيشها الإنسان دون أن يكون هناك قيود تحدد فكر الكاتب أو ابعاد لروايته ، لذا تكون جودة الرواية مهمة لأنها حين تقرأ ستصل لمسافة عميقة في نفس القارئ وتمس مشاعره ، فإن كانت تحمل فكر ، فسوف تؤثر في القارئ بشكل جيد ، وستنقل إليه أفكار الكاتب ، وعلى القارئ التمييز بين الغث والسمين في هذا الجانب .

المعضلة التي يعانيها الكِتاب العربي انه لا يُقرأ ولا يعني هذا أن كل الكتب سيئة بل يعني أن القارئ العربي قد فقد ثقته في الكُتاب العربي لأسباب كثيرة ولو نظرنا لهذه الزاوية في الرواية ستتضح لنا الصورة بشكل شبه كامل ، فالرواية العربية تعاني من مشاكل كثيرة ، التفاصيل التي تخرج عن سياق الرواية ، الفكرة المطاطة للرواية ، الروتين في الرواية وتكرار المشاهد والوصف الذي يجع القارئ يهتم بالمكان لا بشخوص الرواية ، حتى تقييم الرواية نفسه يرتبط باسم الكاتب ولا يقيم العمل بذاته ، فحين يكتب أحد الكتاب الكبار رواية ضعيفة ، نجد المديح مستمر ، دون ان يوجه له نقد يقيم العمل ، وحين يصدر روائي صغير رواية جيدة يعاني من الاهمال لأنه أسم غير معروف .

كذلك هناك مشاكل يعانيها الكُتاب العرب ، فالمحاذير العربية والإسلامية كثيرة ، بدعوة المجتمع المحافظ ، ونتجاهل أن المجتمع المحافظ في المنزل العربي يعاني من انفلات غير محدود في الشارع ، ومطلوب من الكُتاب العربي أن يسيروا على النهج المنزلي المحافظ ولا يتطرقوا إلى الانفلات الذي وصل إليه الشارع العربي .

التطرق للجنس مثلاً ، والدين ايضاً ، والشذوذ ، وغيرها من المشاكل التي تعقد الفكر العربي وتحدده ، ولا تريد أن يقترب احد من هذه المشاكل ويطرحها ويناقشها بل كل الأمور تحبس وتترك للقدر فإما تتطور تكتسح أو تموت وتدفن دون تدخل فكري ولا اجتماعي عميق يحلل المشاكل ويدرسها ويفككها ويضع الحلول الممكنة لكي يحجمها على اقل تقدير ، وعلى الكاتب العربي أن يسير على نفس النهج لكي يكون مقبولاً .

لدي مشكلة شخصية في هذه النقطة بالتحديد ، مشكلة التطرق للجنس في الرواية وكأن الغريزة شيء غير موجود في الأنسان العربي ، فحين نشرت روايتي الأخيرة اختلفت اختلافاً كبيراً مع دار النشر في بيروت ، ورغم أن دار النشر في بيروت تحمل قدر من التفتح إلا أن احد افراد تلك الدار وصفني بأني كاتب بورنو للأسف ، ثم شرح لي احد افراد الدار المشكلة بشكل بسيط فقال : حين نصدر رواية جريئة تحبس على رفوف الرقابة ولا يمكننا تسويقها في دول الخليج ، وأضاف أن لو تم منع رواية واحدة سيتم التدقيق في كل إصدارات الدار مما سيؤثر على المبيعات .

ربما يحمل هذا الرأي قدر من الوجاهة لكنه أيضاً رأي محدود فوسائل التسويق حالياً اكبر من رقابة الدول وضوابطها ، فالإنترنت فتح افاق لم تكن متوفة للكاتب العربي في السابق ، كما أن هذا الرأي يحدد الصورة التي يرسمها الأعلام عن الإنسان العربي بأنه انسان شريف نقي لا يرتكب أي فعل شاذ أو محرم ، بعكس الواقع الذي نرى فيه الإنسان العربي أبعد ما يكون عن تلك الأفكار ، بل اصبح يتقبل أمور ربما لا يتصورها المفكرون ولا الكُتاب ولا دور النشر المحافظة .

علينا أن نطرح المشاكل ، ونعالجها سواء بالرواية أو غيرها من الوسائل الأدبية والفكرية ، وعلينا أن ننظر للواقع كما هو دون أن نجمله ونرسم له صورة خيالية بعيده عنه ، فالاقتراب من الواقع يجعلنا حقيقيين أكثر ويجعنا مؤمنين أن لدينا مشاكل ملحة تحتاج لحلول ، الغريزة الالحاد الشذوذ وغيرها مسائل موجودة في كل المجتمعات ونرى أنها نمت وتطورت بشكل سريع بسبب اننا نتجنب الحديث عنها .