على هوامش الرواية ..

على هوامش الرواية ..

لا توجد هوامش مكتوبة في الرواية إلا لتفسير أمر او شرح معنى لكلمة ، فالرواية لا تعتمد على الهوامش ، لكن حين تدقق النظر في هذه المسألة تجد أن كل شخصية هامشية في الرواية هي هامش للرواية وكل فكرة جانبية هامش أيضاً فهوامش الرواية غير مكتوبة على حواشيها بل متضمنة داخل الرواية يبين الكاتب من خلالها نقطة واحدة أو يؤصل فكرة .

الرواية نسيج يبدأ من اصغر نقطة ويسير بشكل منتظم حتى يكتمل ، فتلك الأمور التي أسميها هوامش غير مكتوبة على الأطراف تدخل ضمن نسيج الرواية لتكمله او تزينه ، فيستخدمها الكاتب بشكل غير منتظم في الرواية ليكمل الصورة .

الرواية .. الاغراء والجنس ..

الرواية .. الاغراء والجنس ..

عندما كنا شباباً نقرأ الروايات العاطفية بكثافة ، وتأسرنا شخصياتها ، كنا ننظر للقبلة على الورق بلذة تفوق الواقع ، وننظر للعاطفة التي أوصلت تلك الشخصيات للقبلة بشيء من اللذة الدفينة خلف العاطفة ، بحيث يكون للمسة شعور وللنظرة شعور وللبسمة شعور ، الحدث العاطفي المكتوب ، يفجر الخيال لدى فئة الشباب على وجه الخصوص ، فيعطي الحب قيمة أعلى وأسمى من الممارسة الجنسية بل ويرسخ مبدأ أن العلاقة الجنسية لا تتولد إلى حين تكون هناك عاطفة صادقة مشتركة لدى الطرفين .

لكن هناك اختلاف كبير بين الخيال والحقيقة فالحقيقة أن الرغبات الجنسية غريزة في الأنسان تتكون وتنمو حتى تصل به إلى مرحلة الهوس إن لم يكن هناك أسلوب يفرغ شحنة الرغبة ، ومن الطبيعي أن يختلف البشر في غرائزهم ورغباتهم ، ويختلفون أيضاً في تصوراتهم للغريزة ، وكيفية وصلهم لمرحلة اللذة النهائية .

لا أريد أن أشرح هذه الأمور فأنا لست طبيباً ولا مختص في علم النفس لأسترسل في هذا الجانب بل طرحته لكي نواجه الواقع بعين تبين أن التفكير في الغريزة تفكير حقيقي لا يمكن اغفاله رغم أنه يختلف من شخص لآخر ، ولكي أتحدث عن هذا العامل الذي أراه مهم في الرواية التي نقرأها ،  وتثيرنا فيها تلك الحركات المغرية التي تجعلنا نتصورها في عقولنا بمتعة ولذة تختلف عن واقعنا أحياناً .

لا نستطيع أن نعزل الحقيقة في الرواية ، مهما خلقنا مجتمعات فاضلة ومتدينة ، فالغريزة باقية ، والتنقيب عن المتعة مستمر ، لكننا نستطيع أن نضع ذلك الهوس الجنسي في قالب من القدسية الذي يعطيه قيمة أكبر من كونه تفريغ شحنه غريزية ، فنخلق له جانب عاطفي وجانب نفسي ، وجانب أخلاقي ، يوازن الثورة في الجسد ويعيدها لإطارها السليم ، فالعاطفة في الحقيقة تعطي الممارسة الجنسية ابعاد ألذ من الممارسة العشوائية البهيمية ، وهذا الامر مرتبط بمدى رغبتنا في الاقتراب من المحبوب وملاطفته والشعور به ، فتكون لحركاته معنى اجمل ، ولقربه دفئ خاص ولقبلته شعور بالتواصل يفوق ما نريده من إثارة .

لا يمكننا أن نترك الجنس على الهامش ، ولا يمكننا ان نغفله في الرواية وخاص العاطفية ، فالعاطفة بين الرجل والمرأة مرتبطة بالقرب والحميمية ، وحين يقتل الكاتب هذا الموضوع في روايته فهو يقتل جزء حقيقي في تكون الإنسان ، ويجعل علاقة الرجل والمرأة جامدة ، وتهميش العلاقة الجنسية في الروايات العاطفية ، يفقدها الدفء العاطفي ، الذي يريده البشر ويسعون إليه .

ما لذي على الكاتب فعله حين يكتب رواية عاطفية ؟ لا يمكنني أن أجيب على هذا السؤال أجابه وافيه فكل إنسان ينظر لهذا الجانب من منضور مختلف ، وكذلك بحساسية مختلفة فللبشر تصورات ، وللكاتب تصورات وخيال ، وكل ما يمكنني أن أقوله أن وجود الجنس في الرواية يجب أن لا يخرج عن النسق الطبيعي ، بحيث أن لا يترك القارئ الشاب الاحداث في الرواية ويتتبع مراحل الجنس فقط ، بل يجب أن يكون الجنس ضمن تكوين الرواية العاطفة ويعتبر حدث فيها دون هدم الاحداث الأخرى ، ونمو العاطفة هو ما يجعل الكاتب يسير في نسق مغري دون أن يحوله لنسق جنسي متمرد على الرواية .

الرواية تعطي العاطفة القيمة الأكبر ، وتأطر العلاقة الجسدية والمتعة الغرائزية في اطار جميل ومبجل بحيث تكون الأمور المتعلقة بالمحبوب في الرواية لها روابط خاصة ومشاعر خاصة ، والرغبة لا يكون هدفها فقط المتعة بل هدفها الرئيسي العاطفة ونموها ، بحيث تكون الغريزة البشرية هي مرحلة جميلة في العلاقة العاطفية ولا تكون هي الهدف والنهاية .

الرواية .. قيود المنهج ..

الرواية .. قيود المنهج ..

في اعتقادي اليقيني أن أي شيء يقيد الكاتب فكرياً يكون ممقوت لكن في الواقع يجب أن نقيد أنفسنا في بعض الأحيان عن أمور تثير الرأي العام أو تثيرنا نفسياً كأمور الدين والأخلاق والمجتمع مثلا ، ولا أقصد فيما أعتقد هذه الأمور بل أقصد المنهج في كل المجالات الأدبية وخاصة أدب الرواية ، ومن المعروف أن المنهج الذي ندرسه لكي نكتب يعطينا من الخبرات والنماذج والقواعد ما يثري أفكارنا وينمي بعض القدرات لدينا ، لكنه أيضاً يقيدنا في حدوده “حدود المنهج” وكأننا نعمل على فورمات جاهزة نعيد تعبئتها كل مرة بصيغة مختلفة .

ولو نظرنا للواقع نجد أن النقد والمنهج التعليمي يخرج بعد العمل الأدبي ، أي أن الرواية الأولى خرجت دون منهج ودون نقد ، ثم بدأ النقد والتحليل ، ثم أصبح لتلك الرواية منهج يحتذى به ، وكذلك في الرواية الثانية والثالثة حتى تراكمت المناهج والخبرات ، وتعمق النقد والتحليل لأقصى درجة .

والابداع هو الخروج عن المنهج بما هو جديد وجميل ، فنكسر المنهج لنضيف إليه صورة أخرى لم تكن موجودة فيه لكن بعد فترة من الزمن تصبح تلك الرواية المبدعة منهج جديد يضاف للمناهج الموجودة ، وتدخل في النقد والتحليل ، والرواية في هذا الجانب كسائر الفنون الأدبية ، تخرج منها مدارس تتلمذ مجموعة من البشر عليها .

لا اقصد فيما ذكرت أن المناهج الأدبية في فن الرواية بها قصور أو شذوذ أو أني أرفضها البته ، لكني أرى أن التقيد الزائد عن الحد بالمنهج الأدبي للرواية يفقدها لحظات الأبداع التي تميز بين الكاتب والآخر ، بحيث يعمل المبدع وغير المبدع ضمن أطر لا يمكنهم أن يتجاوزوها نفسياً بسبب تأثرهم بالمنهج الذي يتبعونه في أدب الرواية .

الأبداع هو ما يمنح التميز لأي عمل ، سواء أُكتشف هذا الأبداع في بدايات الكاتب أو بعد فترة من حياته أو بعد رحيله ، فالأعمال المميزة لا بد لها أن تكتشف وتبرز وتأخذ مكانها الصحيح في على رفوف المكتبات وفي العقول .