ضغينة ..

أحياناً يحمل الأشخاص ضغينة أكبر مما نتوقع دون سبب …

ضـغـيـنـة

لم تكن تلك الابتسامات التي كنا نتبادلها مصدر إعجاب بل كانت تخفي ورائها الكثير من الضغينة ، والكثير من الحقد ربما لا احقد عليه أنا لكني دون شك أحمل له من الضغينة مالا يمكنه أن يتصوره ، وحين اعود للواقع لا أجد من ذلك الرجل أي تصرف سبب هذه الضغينة في نفسي ، فمنذ اللقاء الأول كان انطباعي عنه سيء ، نظراته الحادة نبرة صوته المقرفة ، جعلتني لا اتقبله على الإطلاق ، لذا سعيت منذ ذلك اليوم أن أدمره ، فافتعلت المشاكل في كل عمل يقوم به ، وأنا متأكد أنه يعلم أني أقف خلف تلك الأمور المزعجة التي يواجهها في العمل ، ومتأكد أنه لو كان بمقدوره أن يدمرني لفعل ، فكم الفخاخ التي نصبتها له اوقعته في الكثير من المشاكل التي خرج منها مشوهاً ولولا أن علاقاته لا تزال جيدة ببعض المسؤولين ، لتم طرده من العمل دون شك .

لا اعرف لما أبغضه ، ولا اعلم لما ينمو البغض في نفسي ويكبر كلما رأيته ، لا اجد في نفسي سبب حقيقي لذلك ، ورغم ذلك اشعر بالسعادة حين يقع في مشكلة افتعلتها له ، بل ربما يفوق شعوري السعادة ذاتها واصل لمرحلة الرضا عن النفس ، فأكون راضٍ عن نفسي كل الرضى في تلك المواقف .

الغريب في الأمر أن ذلك الشخص لم يتهمني بشكل مباشر ، ولم يقل أي كلمة سيئة في حقي رغم معرفته بكم البغض الذي احمله له ، وفي إيماني أنه إنسان خبيث يخفي ما يريد ولا يصرح به ، بل حين أراه في العمل اشعر بأنه يخبئ سكيناً خلف ظهره .

اخبرني السكرتير اليوم أنه طلب مقابلتي ، تجاهلت حديثه لكنه بعد نصف ساعة اخبرني أنه عاود الطلب ، فطلبت منه أن يأخره قدر المستطاع ، فأنا أتمنى أن يمل ويرحل عن مكتبي دون أن ألتقيه ، ورغم ذلك انتظر ولم يغادر ، فاضطررت أن استقبله ، ولم يكل لقائنا طويلاً ، لأنه جاء كما يقول ليسلم علي ويشكرني ، بعد أن قدم استقالته من العمل ، وبقيت كلماته ترن في اذني إلى الآن “اشكرك لأني تعلمت منك ما لم اتعلمه في حياتي ” .

ما ازعجني ليست كلماته الملغزة ، ولا ملامحه التي لا أطيقها ولا نظراته الحادة التي تستفزني ، بل ما أزعجني أنه سيرحل وسأفقد برحيلة تلك المتعة التي اشعر بها في نفسي من اذيته ، وأيضاً أزعجني أنه سيرحل قبل أن ادمره ، قبل أن اشفي غليلي وأنا اراه ينهار .

لم ادعو له بالتوفيق ، ولم أتمنى له الخير حين اخبرني بأمر الإسقالة ، بل حاولت استفزازه ، كنت اريد أن يخرج من فمه أي كلمة لكي اصرخ في وجهه وأطرده من مكتي لكنه لم يمنحني تلك الفرصة إلى حين صافحني قبل أن يخرج ، حينها قال : أنت مريض نفسي ويجب أن تتعالج ، حينها سحبت يدي من يده وصرخت في وجهه : اخرج من مكتبي .

جلست على الكرسي واسترجعت كل ما افتعلت له من اذى ومشاكل ، وشعرت أن كل ما فعلته لا يصل لأثر كلماته الأخيرة  التي جعلتني أتمنى أن اقتله قبل أن يخرج .

موسم الندوات ..

أن تعقد ندوة فأنت توصل صوت الثقافة لأشخاص ، وأن تعقد موسم للندوات ، فأنت تقيم مهرجان ثقافي يتواصل فيه الجمهور مع مجموعة كبيرة من العلماء والمثقفين والفنانين والأدباء والمبدعين ، فيجب أن نسعد بأن الثقافة أصبح لها موسم يسلط الضوء على مخرجات العقول المبدعة التي يمكنها أن تعطي المواد التي تتعامل معها قيمة حقيقية تعكس مدى أهميتها فالعالم يفتح لنا نوافذ العلم والفنان يحدثنا عن دوره والأديب يرسم لنا صوره لأعماله والمثقف ينقلنا لتصورات أخرى وأفاق جديدة ، وقس على ذلك كل المجالات وكل التخصصات .

موسم للندوات بحد ذاته أنجاز واعتبر أن موسم الندوات هو الموسم الأبرز وسط مواسم المهرجانات والتسوق والاحتفالات ، التي اكتسحت الأقطار العربية ، فكما للبهجة مواسم يجب أن يكون للثقافة والعلم والمعرفة مواسم ، تحتفي بالعقول وترينا الإبداعات المحلية والعربية والعالمية في كل المجالات ، وتتيح لنا الفرصة لكي نلتقي بالنخب المثقفة ونناقشها ونستفيد من معارفها .

الندوات تتجاوز حدود التنظير وتخلق جو من النقاشات وتبادل الآراء ، وهذه الأمور تقلص فجوة التواصل مع الجمهور وتخلق أجواء جاذبة للشباب من الجنسيين للالتقاء بالرموز في كل المجالات لاكتساب المعارف وتنمية الخبرات لديهم ، وعلينا أن نعمل على أنجاح موسم الندوات بكل الوسائل المتاحة ليحصل هذا الموسم على الزخم الذي يجعله يستمر ويتطور ، فحاجتنا للمعرفة ضرورة يجب أن لا نهملها .

من الجيد أن نجد جمهرة ثقافية في هذا العام الذي ستقام فيه بطولة كأس العالم في قطر فمن الجميل أن تكون هناك فعاليات ثقافية مصاحبة للبطولة العالمية التي جعلت من قطر محط انظار العالم ، وعلى العالم أن يعرف أن الرياضة هي أحد المجالات التي تهتم بها الدولة وأن لدينا اهتمامات أخرى لا تقل أهمية عن تلك البطولة العالمية نهتم بها ونقيم لها فعاليات ، وموسم الندوات مرآة جميلة للمشهد الثقافي في قطر وأتمنى أن تنتقل عدوى الفعاليات الثقافية لكل الدول العربية ، وتصبح الفعاليات والمواسم الثقافية والعلمية والأدبية من الأولويات وتتجاوز مرحلة الخمول الحالية .

رمضان كريم

كل عام وأنتم بخير اعاده الله عليكم بالخير واليمن والبركات .

تغليف الواقع بالوهم ..

تغليف الواقع بالوهم ..

تعتمد الأحزاب في العالم على أساليب عدة لكسب الأصوات منها ، سن قوانين ، مشاريع ، سياسات ، تخفيض ضرائب ، وجزء من هذه الوعود وهمية في الأساس لكن الأحزاب تروجها  لكي تكسب الأصوات وتصل لمقعد السلطة .

وهذه المسألة موجودة أيضاً في عالمنا العربي ، لكن الفرق بين الأحزاب التي تصل للسلطة في نظام انتخابي سليم تختلف كل الاختلاف عن الدول التي تعين فيها الحكومات التي تبيع الوهم للمواطنين ، وفي الواقع لا تستطيع تلك الحكومات أن تحقق وعودها ، ولا يستطيع الشعب أن يحاسب تلك الحكومات .

يختلف الهدف من الانتخابات بين وضع ديمقراطي سليم ووضع ديمقراطي مشوه أو معدوم ، ففي الوضع الديمقراطي السليم ، تستخدم الأحزاب تلك الحيل لكي تصل للسلطة ، وبعد وصولها للسلطة تخضع لنظام رقابي ومحاسبي دقيق ربما يطيح بها إن لم تحقق الوعود التي قطعتها للناخبين في مرحلة الانتخابات ، لذا لا تكون المسائل الوهمية كبيرة في برامجها الانتخابية بل محدودة لا تؤثر على مسألة بقاءها في الحكم .

أما في النظام الديمقراطي المشوه أو المعدوم ، تلجئ الحكومات للترويج لنفسها بأمور وهمية كثيرة ، كادعاء النجاح ، أو عبر مشاريع لا تتحقق ، أو عبر وعود زائفة ، أو إخفاء اخطائها وادعاء النجاح وتحقيق الإنجازات ،  لكي تُسكت الشعب عن المطالبة بحقوقه ، وفي النهاية لا يستطيع الشعب أن يراقب أو يحاسب تلك الحكومات أو أن يزيحها عن السلطة .

أمور كثيرة تُروج للشعوب العربية خارج نطاق الواقع ، كخلق تصور لدى الشعوب بأن التطور هو مجموعة مباني جميلة تزين البلد ، وفي الحقيقة أن التطور يختلف كل الاختلاف عن تلك الصورة البراقة التي تروج لها الحكومات العربية ، ربما يكون العمران جزء من التطور لكنه لا يمثله بشكل حقيقي ، فصيانة القانون وخلق نظم وأليات صحيحة في الإدارة وبناء مؤسسات مجتمع مدني فاعلة ورفع المستوى التعليمي والصحي ، تمثل التطور بشكل حقيقي بعكس المباني التي تعتبر صورة جميلة فقط لا تعكس تطور البلد من معدمه .

وفي السنوات الأخيرة أصبحت الديمقراطية العربية وهم يروج على نطاق واسع ، ولا أقول أن الحكومات تسير في هذا الاتجاه بل هي تعمل على الشيء ونقيضه ، فبينما تدعي الحكومات في بعض الدول العربية أنها تسير للديمقراطية بشكل تدريجي ، تروج أيضاً أن الشعوب لا تحمل الثقافة والفكر الذي يؤهلها للعمل الديمقراطي ، فتخلق مجالس وبرلمانات مشوهة وتفتعل أزمات لتثبت حقيقية ادعائها وتخلق جدل مجتمعي يشوه الديمقراطية ، كأن تقرر انشاء مجالس بصلاحيات ناقصة تكبلها ، او ترشيح أعضاء لا يتمتعون بالكفاءة . فينتقد الرأي العام تلك المجالس بل يتهمها بالتقصير والفشل ، وفي الأساس يكون الفشل مفتعل لكي يثبت فشل الشعب في إدارة العملية التشريعية .

أمور كثيرة تروج لنا في الوطن العربي على انها إنجازات ، لكنها للأسف إنجازات وهمية لا تخدم الدول ولا تصب في صالح الشعوب ، وللأسف لا توجد أصوات حرة نتقد الواقع وتكشف حقائقه ، فكل وسائل الأعلام في الدول العربية مسيسة من صحف ومجلات وقنوات تلفزة ، والمثقفون إما تم شرائهم أو تم زرع الخوف في نفوسهم لكي لا يتحدثون .

أخلاق المجتمع ..

أخلاق المجتمع ..

المجتمع الذي يواجه مشاكله هو المجتمع الذي يستطيع أن يتجاوز المراحل ويسير بشكل سليم في الاتجاه الصحيح ، ولا يعني هذا أن المجتمع ينهار حين يهرب من مواجهة المشاكل بل يستمر مع توطن الخلل في ارجائه ويمكننا أن نضرب مثل في هذا الجانب ، فالفساد موجود في كل المجتمعات ، لكن المجتمعات التي ترى الفساد ولا تخلق آليه صحيحة لمعالجته أو تقليل تأثيره تعاني من استنزاف الثروات والمجتمعات التي وضعت آليات لتحجيم الفساد هي المجتمعات التي استفادة من ثرواتها وخلقت بيئة جيدة .

ويمكننا أن نقيس على ذلك المشاكل الأخلاقية التي يتهرب المجتمع من مواجهتها فلا تفكك تلك المشاكل ولا تعرف أسبابها ولا توضع آليات صحيحة لمعالجتها والنتيجة إما أن ينمو الفساد الأخلاقي في المجتمع شاذة لا يمكن مواجهتها أو يقبل كظاهرة طبيعية ، وما يحدث لدينا أننا لا نقبل الفساد الأخلاقي ، لكننا لا نطرح المشاكل الأخلاقية للبحث النقاش بل ندفن تلك المشاكل لكي تكون صورة المجتمع ناصعة ، والنتيجة التي لا نريد أن نواحه بها انفسنا أن الفساد نما وترعرع وأصبح جذور ثابته في المجتمع ، وله فروع مغرية تستقطب الآخرين .

الفساد الأخلاقي لا يعني الانحراف الجنسي بل الأخلاق تتعدى ذلك المنظور الضيق فالأخلاق مبادئ وهي التي تحمل القيم التي تعطي المجتمع صورته الحقيقية الجميلة فالثقة والأمانة والصدق والوفاء ، كلها نابعة من الأخلاق ، والفساد والانحراف الجنسي ، والسرقة والخيانة ، هي نتائج طبيعية تحدث حين تنحل الأخلاق فلا تجد تلك العناصر السيئة مانع أخلاقي يردعها في المجتمع .

إذاً علينا أن نواجه مشاكلنا الأخلاقية ، إذا أردنا أن نسير في الاتجاه الصحيح ونستمر في نهج التطور والتقدم دون أن يخسر المجتمع تلك المبادئ الأساسية ، التي تحافظ على قيمته كمجتمع صالح ، ولا نكتفي بالردع القانوني ، فمسألة القانون يجب أن تكون هي المرحلة الثانية التي تواجه الانحرافات في السلوك والأخلاق ، والأساس يجب أن تردع أخلاق المجتمع تلك الانحرافات ثم يأتي القانون ليردع الانحرافات التي تتجاوز اعراف المجتمع الأخلاقية .

من الطبيعي أن لا يكون هناك مجتمع صالح بالكامل ، والمجتمع الصالح هو الذي تقل فيه الانحرافات السلوكية والأخلاقية إلى أدنى حد ، ولكي نصل لهذه الدرجة علينا أن نبني أسس أخلاقية وعادات سليمة لكي نضع حد لتغول الفساد في كل المجالات ، ويكون الرادع الذاتي لدى المجتمع المبادئ الأخلاقية والقيم .

شيء من الواقع ..

شيء في الواقع ..

على ماذا نتحس في دولنا العربية ، هل نتحسر على مجد قد ضاع من قرون ؟ ام نتحسر على ثروة لم نحسن استخدامها ؟ أم نتحسر على شعوب لا تبحث إلا عن المأكل والمسكن فقط ؟

تستهلكنا الحياه وندور في دوامتها التي افتعلت من حولنا ، لنبقى ندور فيها حتى النهاية ، لا نبحث عن شيء سوى الأساسيات ثم بعد الأساسيات اصبحنا نبحث عن التفاهة والكماليات ، ولا نسأل أنفسنا لما تتجاهل الشعوب العربية في الكثير من الأحيان القضايا الملحة التي تمس الإنسان العربي بشكل مباشر ؟ لكن حين ندقق في الأمور حولنا سنكتشف لما يحدث هذا التجاهل ولما الشعوب العربية إن اهتمت بقضية اهملت عشر قضايا غيرها .

هناك عدة أسباب نستطيع أن نبني عليها التفسير أولها : تفكك الأسرة بسبب عمل الزوج والزوجة وأن الأسرة التي كانت تعتمد في تربيتها على الإسلام ومبادئ الاخلاق أصبحت تعتمد في التربية على أمور أخرى دون أن تزرع العقيدة والمبادئ بشكل أصيل في نفوس الأطفال ، وثانيها : أن الأولويات لا تغرس في الكبر بل تغرس في الصغر ولو انتبهنا للتعليم وما تحتويه المناهج التعليمية لاكتشفنا أن التعليم انحنى لمنحى علمي في الوطن العربي واهمل تلك المناهج الانسانية أو لنقل تم تصفية المواضيع الحساسة من تلك المناهج كالجهاد والقضية الفلسطينية وغيرها من القضايا ، فيخرج الطفل لا يحمل تصور حقيقي لمحيطه الإقليمي ولا يعرف أولوية القضايا التي تمس الكيان العربي والإسلامي أم ثالها : فوسائل الإعلام العربية التي ترى الأحداث المهمة والحساسة دون أن تضعها موضع الاهتمام ، فقنوات الأغاني والأفلام والمسلسلات التي يتعلق بها الشباب على وجه الخصوص ، لا تتوقف مهما حصل في الأمة من كوارث ومصائب وفواجع ، فهي تعمل على الترفيه فقط دون الأخذ بالاعتبار أن التسلية لها موضعها من الحياة ولا تشمل الحياه كلها كذلك لا ننسى أن وسائل الإعلام في الوطن العربي كلها مسيسة ولا تخرج عن التوجيهات التي تأتيها من السلطات الحاكمة .

وحين ننظر للواقع نكتشف حجم الضياع الذي نعيشه فالهوية المشتركة للعالم العربي تفككت وأنحلت واصبح كل قُطر يبني هويته بتوجيهات السلطات الحاكمة ، ويزرع في نفوس النشء ما تريده تلك السلطات التي تضع جدول الأولية للأمن دون غيره من القضايا ، ولا اعني أمن المواطن بالتأكيد بل أمن السلطات نفسها ، فتم زرع الخوف والحذر في نفس الإنسان العربي ليكبل نفسه بنفسه ويفكر ألف مره حين ينظر لنفسه في مرآة الحقيقة ويكتشف أنه لا شيء في الواقع .

علينا أن نعيد الاعتبار للعلوم الإنسانية في عالمنا العربي فالعلوم الإنسانية هي التي تخاطب الإنسان وتجعله يتصرف بشكل سوي ، وعلى الحكومات العربية أن تخفف من واقع الرعب الذي تحبس فيه الإنسان لكي يتحرر عقله ويضع الأمور حسب اولوياتها في حياته ، وأن يعرف أنه لا شيء إن انعزل عن محيطه .

أنا والرواية ..

أنا والرواية ..

اعترف أني غير منهجي في كتابتي للرواية ، فلا اعتمد على أي منهج ولا أفكر من أي مدرسة أدبية أو نقدية حين أكتب الرواية ، فالحكايا التي تروى لا منهج لها لدى الراوي سوى ما يجعلها مقنعة أو مقبولة أو مذهلة أو مشوقة ، ليوصل الفكرة أو العبرة التي يريدها للمتلقي وما الرواية الحديثة إلى تطور طبيعي لتلك الحكايات والاساطير التي نقلها التاريخ ، والاختلاف بين الرواية قديماً وحديثاً أنها أكبر وأنها مكتوبة .

اتعمد أن لا أكون منهجي لا لأني ارفض تلك المناهج أو امقتها بالعكس فهي جزء مهم في بلورة فكر الكاتب وتنمية مهاراته ، لكن حين يضع الكاتب روايته ضمن إطار محدد أو منهج محدد ، فهو يقلص بذلك الفكرة فالقارئ بشكل عام لا يفكر حين يقتني الرواية أنها تنتمي للمدرسة الأدبية الفلانية أو المنهج الفلاني ، بل يقتنيها لكي يستمتع ونستثنى من هذا الأمر أصحاب التخصص والنقاد ، فالنقد والمنهج يأتي بعد العمل ، فالمنهج هو تأصيل لأعمال موجودة ، والنقد هو تفكيك وتحليل اعمال موجودة ، فالعمل الأدبي هو الأساس وكل ما قام لمنهجته أو تحليله أو نقده أتى بعد العمل لا قبله ، والأبداع في مجال الأدب هو الخروج عن السياق العام لكن بشكل جميل وأنيق ومقبول .

لنفرض أن كاتب روائي يكتب ليؤصل منهج أو فكرة فلسفية معينه ، سنجده مقيد في ذلك المنهج ، لكي يُكون رواية تدعم وتأصل المنهج الذي ينتمي إليه ، وربما يغفل بعض الجوانب الجمالية أو الجوانب العاطفية أو جانب المتعة دون أن يشعر بذلك ، لأنه يمشي على خط مستقيم ، في اتجاه واحد ، ولو نظرنا للرواية خصوصاً الروايات التي تعتمد على الراوي فهي ذات اتجاهات مختلفة ، تتصادم وتتعارك تقترب وتبتعد ، فلا تسير احداثها ولا فكرتها بشكل مستقيم بل تميل وتعتدل ، وتذهب يميناً ويساراً ، فالنجاح في الحياة ليست خطاً مستقيماً ، بل هو مسار به محطات كثيرة فنذهب في أتجاه العاطفة أحياناً وفي اتجاه العقل أحياناً أخرى ، حتى نصل للنجاح ، والخطوط المستقيمة قصيرة دائماً في الحياة أما الخطوط الطويلة لا بد أن تنحني وتميل .

يأتي الناقد بأفكار مترسخة في ذهنه وممنهجة ، وينقد الرواية فيرفعها أو يسخطها ، بما يكتب ، لكن النقد الجميل هو الذي ينحو نحو جمالية العمل ، فتكريس النقد في جانب الأخطاء شيء صحيح لا شك في ذلك ، لكن القارئ لا يريد أن يعرف الكثير من الجوانب النقدية المنهجية بل يريد أن يعرف ما مدى صلاحية العمل ؟ وهل هو يستحق القراءة بالفعل أم لا ؟ وهل هو عمل مبدع ؟ أو عمل جيد ؟ أم ضعيف ؟ أم فاشل ؟ وهذه الجوانب هي التي تهم القارئ ، وعلى الناقد حين يتحدث عن عمل أدبي أن لا يخاطب النخب بما يكتب عن العمل الأدبي ، بل يجب أن يخاطب الجمهور فالجمهور هو الفيصل في هذا الأمر ، وكم من عمل خرج عن المناهج الأدبية الموجودة في زمانه ولاقى الكثير من النقد والتجريج إلا أنه لاقى قبول لدى الجمهور وبعد فترة أصبح لهذا النوع من الأعمال مدرسة في الأدب ومنهج يسار عليه من بعده .

كلامي هذا لا يعني أن تفقد الرواية جوانيها الأساسية في الحبكة أو جماليات السرد ، وتميز الشخصيات ، وتماشي الأحداث بشكل سلس مع فكرة الرواية ، فلا يمكن أن نخرج بعمل شاذ وندعي أنه رواية جميلة .

حمقى ومغفلين ..

حمقى ومغفلين ..

من الطبيعي أن يعيش الأنسان العربي في حيرة لا يمكنه تجاوزها ، فالوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في دوامة لا يمكن التنبؤ بمخرجاتها ، ولا التنبؤ بنهايتها ، ومطلوب منه الاستسلام لكل قرارات السلطات الحاكمة دون أن يعرف إلى أين تسير تلك التوجهات داخل إعصار الزمن وأين سيكون هو في المستقبل .

تدجننا الحكومات لنسير على برمجة العلف ، فنأتي في موعد الطعام ، فنعرف أين نأكل وأين نشرب ، فمداخلنا ومخارجنا واحدة ، ندخل من باب ونعود لنخرج منه ثم نعود وندخل من نفس الباب ، لنكتشف أن الأبواب كلها باب واحد ونحن ننظر له من الداخل والخارج ونظن أنه مختلف ، أو نوهم أنفسنا أنه مختلف ، لنزرع بعض الأمل في المستقبل .

الوجوه لا تتغير فلا جديد إلى المباني ، ولا حديث إلى التكنلوجيا ، وحين نتحدث عن العقول ، تخرج لنا عقول القرن الماضي لتأنبنا وتلومنا وتطلب منا أن نحمد الله ونشكر نعمه ، وكأننا أصبحنا جاحدون لمجرد أننا نفكر ، لمجرد أننا قلنا أن ما يحدث خطأ وأننا نستحق أن نعيش في وطن منظم وطن نعيش فيه وطن لا يسجننا في أفكار محددة وتصورات وأراء محددة .

الزمن يدور والعقول تكبر وتشيخ ، إلا تلك العقول التي لا تريد أن تتنازل ولا تريد أن تعترف أن الإنسان العربي أصبح يحمل في داخله وعي تجاوز تصور تلك الدول ، وعي يجعله يستوعب الحضارات ، ويعيش الديمقراطية ويمارسها ، وعي يمكنه أن يكون فاعلاً في خدمة وطنه ، وعي يمكنه أن يتجاوز كل المراحل لو أنه خرج من سجنه الذاتي .

ونعود لتلك الدوامة من جديد ، لتعصرنا مع الزمن ، لنخرج في النهاية بلا شيء ، نخرج منها وقد جفت افكارنا ، ونعود لنشرب الماء من نفس المكان وننتظر الطعام ، مجموعة من الجياع الحمقى يتصارعون على الطعام ، ويبصق كل واحد منهم في إناء الماء ، لكي يعكره على من يليه ، نتصارع على طبق واحد لا نعرف غيره ، ونشرب من ماء عكر ، لا نجد غيره .

من المستفيد ؟؟ ..

من المستفيد ؟؟ ..

علينا أن نفسر الأمور بشكل أوضح لكي نرى ما تخفيه من حقائق ، ولا نسير خلف الظاهر فقط ، فكل شيء يتحرك علينا أن نعرف من يحركه ، وحين تحدث أي مشكله يجب أن نبحث عن من يقف خلفها ، ونبحث عن المستفيد من هذه المشكلة ، فعندما تكون الاستفادة فردية أو تخص مجموعة لا يعرفها العامة تكون المشاكل مركبة أكثر بحيث أن يختفي المستفيد عن العامة .

والمشكلة أننا ندور حول المشكلة ، والأدهى من ذلك أن النقد لا ينصب على من سبب المشكلة ومن يقف خلفها ، رغم أننا في أحيان كثيرة نعرف المشكلة وسببها ومن سيستفيد منها لكننا نحوم دون أن نتجرأ ونقول أن هناك مستفيد سيجني كل الغنائم بسبب ما حدث ، ودعونا نفسر الأمور بشكل بسيط ، فالقوة لا تكمن في المستفيد ، بل القوة تكمن في الخوف منه ، فحين نخاف من الظلام لا نتجرأ عليها ، وحين نخاف من اشخاص نحاول قدر المستطاع تجنبهم والابتعاد عنهم .

إذاً الخوف يكبلنا ، والخوف يطاردنا ، والخوف هو المانع الأكبر ولو أردنا أن نتمرد على مشاكلنا علينا أولاً أن نتمرد على مخاوفنا وأن نكسر حواجزنا التي بنيناها سواء لأشخاص أو مؤسسات ، فالخوف هو من يبعدنا عن النقد الصحيح والخوف هو من يمنعنا من إحداث التغير والخوف هو من يجعلنا نحوم ونحوم دون أن نوضح الخطء ومن يقف خلفه .

إذاً نحن عقبة نقف أمام أنفسنا أحياناً رغم تجردنا في بعض المواقف ، لكنه تجرد داخلي ، لا نستطيع أن نظهره للعلن ، ولغة المجاملة والنفاق والمسايرة ، تغلب على طرحنا في قضايا المجتمع المهمة التي تمسه بشكل مباشر ، فنحوم في الدرجة الأدنى ونترك المسؤولين ، وكلنا نعرف أن هناك من يخطط ويستفيد .

رواية أتذكرين .. الفصل التاسع .. الاخير

الفصل التاسع

سيدي .. سيدتي

الأيام حبيبتي لا تمر ، اعدها عداً ، الشهر الأول أضن أنه أستغرق من عمري سنة أو اثنتين ، لا أدري لماذا كل هذا الشوق الذي أشعر به تجاهك ، ولا أدري كيف سأصبر حتى تخرجين من السجن ، ولا أدري كيف سأقابلك ، وكيف ستقابلينِ ، وكيف سأجدك ، كما رأيتك أول مره أم أن السجن حفر آلامه في صدرك وكسر كبريائك ، وعنجهيتك وغرورك وتعاليكِ ، أم أنكِ لا زلتِ قوية كما عهدتك ، كم أتمنى أن ألتقيكِ ليلة لتتخلصي من ضعفك معي وتعودين قوية ، كما كنتِ تفعلين في السابقة ، شعرت بهذا الشعور وأنا أستلم الرسالة التي كتبتها لي من داخل السجن وسلمتيها لأختك لتعطيني إياها تذكرينها سأعيدها عليكِ :

سيدي ..

     لا يوجد تعبير في هذا الكون يمكنه أن يعبر عن مدى أمتناني وشكري لك ، فأنت سيدي الذي تمنيت أن أقضي حياتي بين يديه ، لكن طمعي لم يترك لي المجال أن انفذ تلك الرغبة التي كانت تسكن قلبي دائما ، تسكنه لتبعث فيني الأمل من جديد أني إنسانة أحبها شخص من كل قلبه ، وجعلها تغير رأيها في كل الرجال بسببه .

     اعرف أنك كنت تحبني وتريد الزواج بي ، ورغم إلحاحك على الزواج إلا أنه كان يخالطني بعض الشك ، أنك بحق تحبني لتلك الدرجة ، وكنت أضن أن حبي لك أكبر بكثير مما يسكن في قلبك لي ، لكني اقسم بكل الأيمان التي في هذه الحياه أني رأيت في عينيك في المحكمة حين شهدت لصالحي أني لا شيء ، وأني لم أمنحك من الحب أي شيء يكفي لكي تقف بجانبي في تلك اللحظة ، ورغم ذلك قلت في نفسي أنك ستبتعد بعدها ، وكأنك أديت واجبك تجاهي ، فوجدتك مع أسرتي ومع المحامي وفي زنزانتي ، وفي أحلامي ، لم تغادر لم ترحل ، وبقيت تنتظرني ، حتى حدثتك في حضور أختي ، التي لم تكن تعرف أن بيننا علاقة عاطفية ، لقد صدمت حين سمعتني أقول لك (( أحبك )) ، فحلفتها بكل الأيمان أن لا تخبر أحد بما سمعت ، وأعطيتها هذه الرسالة لكي تكون رسالتي الأخيرة .

     سيدي ، اعذرني أود أن أقول حبيبي ، لكنها صغيرة في حقك ، فأنت حلم لم يتحقق في السابق ، وحين تحقق لم أصدق أنه تحقق ، حتى أضعتك من بين يدي ، سيدي ، كيف ستنتظرني ، كيف سيقترن رجل شريف بامرأة ذات سوابق ، امرأة خانت زوجها السابق ، وسرقت من أمواله ، ولم تثق في حبيبها ، امرأة كانت تعطيك الحب غزيراً حين تكون معك ، لكنها تعطيك إياه بعد أن يجف قلبك .

     سيدي ، أنزهك أن تقترن بي ، لكني لا أستطيع أن أحرمك من أي شيء تريده مني ، لا أريد أن أضعك في موطن ضعف يعايرك به الناس ، تعال لي وقت تشاء وأرحل وقت تشاء ، واتركني في الظل أو الظلام ، فقد عشت راضية بالظلام طويلاً ولا مانع لدي أن أعيش في الظلام من أجلك .

     سيدي ، أشكرك من كل قلبي ليس على أنك كنت بجانبي فقط بل لأنك علمتني أن هناك أشياء أكبر بكثير من المال أشياء لا يستطيع أي أنسان أن يشتريها ، مهما كان غناه ومهما علا شأنه ، علمتني أن الكنز الذي كنت أبحث عنه لا يسكن في البنوك ، بل يسكن في قلبي ، كنز لا ينضب ، ولا يفنى ، ولا ينتهي ، لقد سكنا سوياً في قصور في أحد الفترات ، وأيضاً أكلنا على الرصيف في فترات أخرى ، وأقسم لك أني لم أشعر بسعادة كما التي شعرتها وأنت بجواري على ذلك الرصيف ونحن سوياً ، حينها أخفتني ، فهربت منك بعد أن قلت لك أحبك ، هربت منك لأني شعرت أن كل قناعاتي السابقة في الغنى والمال لا تساوي شيئاً حين أجد من أحب ، كنت أضنك فقير الحال في تلك الفترة فلم أعلم أنك تاجر وتملك الملايين ، وعندما علمت ، شعرت بك أكثر وأحببتك أكثر ، لأن المال في يدك وليس في قلبك ، فهربت منك مرة أخرى ، وأقسمت لنفسي أن لا أعود لك أبداً ، لكني في تلك الفترة ، اختبرت نفسي ، فاكتشفت أنك أصدق معي منها ، وأنك أقرب لقلبي منها ، فاختلقت لك كذبت الصديق ، فكنت صديقي ، وحبيبي الذي يصادقني ،  وعندما أخذتني للفراش ، كانت ليلة عرسي رغم دموعي ، فلم يكن حلمي أكبر من أن أستلقي بجوارك على سرير يجمعنا ، فكانت نقطة  اللاعودة بالنسبة لي ، وكنت على استعداد أن أبيع الدنيا في تلك الأيام لنكون سوياً .

     لكن طمعي تدخل ، وتدخلت معه رغبتي في الانتقام ، فحاولت أن أبتعد عنك ، فلم أستطع ، فكنت أخطط أن نكون سوياً بعد أن أنتهي من ذلك الرجل الذي أحمل له كثيراً من الكره ، وقليلاً من العرفان ، أردت أن أتخلص منه فأعيش ملكه أمام الناس ، وأعيش تحت قدمك جارية ، صدقني هذا ما كنت أريد .

     سيدي أنت رجل يملك من الشرف ما يمكنه أن تحبه امرأة أفضل مني ، وأن تعشقه امرأة أطهر مني ، وأن تكون في فراشه امرأه أعف مني ، سأكون تحت أمرك سيدي حين تشاء ، وأين تشاء ، لكني لن أسمح لنفسي أن أسمع أحداً يمسك بسوء ، ولا أن أكون أنا مدخلاً لأحد أن يسئ لك .

     سيدي ، سأخرج ربما بعد سنه أو أقل ، فلا يهمني شيء في هذه الدنيا إلا أن تسامحني ، فإن فعلت فسأكون راضية كل الرضى عن نفسي ، لا أملك سوى هذه الكلمات لأعبر بها عما أكنه لك عساها أن توفيك شيئاً من صبرك معي ، وأستودعك الله .

نور

     حبيبتي لن أعلق على الرسالة ، وردي عليها لم أكتبه ، بل أبلغته شفاهه لأختك ، عساها أن توصله لكِ دون تغيير ، فهو لا يحمل سوى كلمتين أتمنى أن تفهميهم حين تخبركِ بهم ، لأنهي هذا الموضوع حبيبتي ، فأنا لا أضع نفسي موضع السيد ، ولا أريده ، ولو أردته ، لوجدت كثيراً من النساء الآتي خلقن ليكن جواري ، لم تسألي نفسك لماذا أحببتك ، اضنكِ فعلتي ، وأضنك تعرفين لماذا أحببتك ، لكني سأقول لكي شيء أجمل ، قدري أن أحبك ، وهذا كل شيء ، لا أكثر ولا أقل ، أنا أحبك .

     لا زالت الأيام بطيئة حبيبتي ، تسير على مهلها ، ليتني أستطيع أن أخاطب الأيام وتسمعني فأطلب منها أن تحث الخطى لتقربكِ مني ، حاولت أن أزورك في السجن بشتى الطرق لكن القوانين لا تسمح إلا بزيارة ذوي القربى في سجن السيدات ، لكني أعرف كل أخبارك من والدك ، وكل أسبوع يزورك فيه يخبرني بما جرى بينكما ، وكأنه شعر بحاجتي للاطمئنان عليكِ ، أو شعر بحبي لكِ ، فهو يخبرني دون أن أطلب منه ذلك ، أصبحت الأمور مكشوفة حبيبتي للجميع ، هل تصدقين ، حب بالمراسلة ، وحب على الطراز القديم ، لا هواتف ولا أنترنت ، ولا وسائل اتصال ، فرسائلنا تنقل عبر أشخاص ، يخبرونا بما نريد ، وبما نحب ، وعن من نحب .

    كنت لا أتمنى أن أكتب هذه السطور ، لكني يجب أن أخبركِ بكل شيء ، فأنتي حبيبتي التي أحب أن أقول لها كل شيء ، بعد أن انتهت القضية أصبت بالتهاب رئوي حاد وتعالجت منه وشعرت بالتعافي لكني بعد أن أنهيت العلاج عاودني المرض مرة أخرى ، فذهبت إلى المستشفى ، ولم يكن الألم في صدري فقط بل كل أشعر بالوهن في جميع أنحاء جسدي ، فكتبوا لي العلاج مرة أخرى ، وأخذته بانتظام ، وقبل أن انتهي منه ، لكن الألم عاودني من جديد ، كنت أضن أن هذا اختلال طبيعي نتيجة العلاج ، لكن الأمر كان أكبر مما تصورت ، فالدكتور أصيب بالرعب حين رأى الاشعة وحجزني في المستشفى لمدة أسبوعين ، حتى يتبين من نتيجة فحص العينات التي أخذها .

     كان يشك في السرطان ، وقد كانت شكوكه في محلها حبيبتي ، فأنا مصاب بسرطان الرئة ، منذ فترة ليست بالقصيرة ، مما أدى إلى أنتشاره في جسدي ، طلبت من الطبيب أن يتحدث معي بصراحة ، وأن لا يخفي عني شيء ، فقال لي أنه من الصعب الشفاء من هذا المرض ، ولكن يمكن أن تكون عملية الانتشار بطيئة إن بدأت في العلاج الفوري ، أجبت رغبته على الفور ، تعرفين لماذا ؟ لأني لا أريد أن أموت قبل أن أراكِ حرة ، قبل أن امتع ناظري برايتك .

     أعطاني الطبيب جرعتان كيميائيتان حتى الآن ، اشعر بأني عاجز ، فالعلاج الكيميائي ، يهلك الجسد لكن آلام الصدر خفت ، وأنا سعيد بهذه النتيجة ، فهذا يعني أني سأبقى لأراكِ ،  أخبرني الطبيب أنه قام بمخاطبة الجهات المختصة لكي أستكمل علاجي في الولايات المتحدة ، أيدته فيما سار إليه ، وأخبرني بضرورة الاستمرار بأخذ جرعات كيميائية حتى موعد السفر الذي من المحتمل أن يكون بعد شهر من الآن .

     في السابق كنت أشعر أن القدر يبعدكِ عني كلما اقتربت منكِ ، لكن هذه المرة القدر ربما يبعدني أنا عنك ، هل تصدقين ؟ ربما تفقديني للأبد ، أو ربما تجديني ، شخص عاجزاً ، كما كان زوجك السابق ، أو ربما أعود لصحتي ونكون سوياً ، قدر هذا كل ما أستطيع أن أقول ، لم أعترض يوماً على القدر ، ولن أعترض عليه ، لكني كنت أتمنى أن تكوني زوجتي ، لا عشيقتي ، تعيشين معي كسيدة ، يعرفها الجميع بأنها زوجة فلان ، وأن تنجبي لي أبناءً ، ينافسوني في حبك ، وأغار منهم ، وينتزعونكِ مني ، وينتزعوني منكِ ، حلمت بأسرة ، أنتِ سيدتها ، وأنا سيدها ، نتشاجر لكننا نعود لننام ي فراش واحد ، كلها أماني ، لا أدري هل ستتحقق أم لا ، أماني حبيبتي ، لا أريد أن أحرم نفسي منها ، فهي وأحلامي وخيالاتي ، مستودع الحب الذي أحمله لكِ .

     جرعة اخرى من العلاج الكيميائي ، رغم أنه لا توجد آلام ، وسقطت عدة شعرات من رأسي ، ربما أفقد الشعر الطويل ، أو ربما أحلقه قبل أن يسقط ، لا أدري كل شيء يمكن أن يحدث في هذه الفترة ، ربما اعرض جانبية أخرى تحدث لا أعلمها ، لكني أشعر ببإرهاق شديد ، يفوق تحملي ، فأصبح بيتي هو الفراش أنام لفترات طويلة دون أن أشعر ، فترات لم أتعود سابقاً أن أقضيها في الفراش ، أصبحت أنام أكثر من اثنا عشر ساعة يومياً ، ولا رغبة لدي في أن أغادر الفراش ، لا أدري لماذا ؟ بعد يومين زاد تساقط الشعر أكثر ، سألت الطبيب قال هذا شيء طبيعي ، فالأجزاء السليمة في الجسم تتعرض لتأثر العلاج الكيميائي ، وكتب لي بعض الأدوية تخفف الأعراض الجانبية للعلاج .

     لا أدري ما الذي يجري فبعد أن أعطوني الجرعة الثالثة بدأ شعري يتساقط بشكل كبير ، واكتشفت أني فقدت وزني بشكل ملفت للنظر ، ولا زال الشعور بالتعب موجود بل يزداد ، إرهاق وعدم تركيز ، اشعر أن رأسي يدور بي ، لا يوجد فيه شيء ثابت إلا أنتِ ، ينتابني الخوف أني لن أراكِ بعد أن تخرجي من السجن ، لأني أشعر أني أموت بشكل سريع ، لا يمهلني الموت حتى أراكِ .

     أخذت الجرعة الرابعة من العلاج بالأمس ، لكن المفاجأة الكبيرة التي فاجأني الدكتور بها عندما طلب مني أن أحضر للمستشفى بسرعة ، لم أكن أعرف ما الذي يجري ، لأني عندما وصلت ، حجزوني في المستشفى ، وسحبوا مني عينات كثيرة ، من الدم ، ومن الغدد اللمفاوية ، وعينات مني اللسان ، زاد خوفي ، كنت أطلب الطبيب كل خمس دقائق ، لكنه لم يأتي إلا بعد ست ساعات من دخولي المستشفى ، كان الأمر مزعجاً بالنسبة لي ، بعد دخول الطبيب ، فوجهه كان لا يوحي بأي علامات إيجابية تجاهي ، كان متجهماً ، وخائفاً ، سألته ما الأمر ؟ فقال : هناك خطاً ، ضحكت ، ضحكة تهكم صغيرة وكررت : خطأ في ماذا ؟ فقال : نتائج التحاليل التي جاءت من المختبر لم تكن لك ، صدمت لما قال وقد لاحظ الطبيب ذلك فأكمل حديثه : لقد جاءت اليوم نتائج العينات التي أرسلناها الى المختبر في الخارج ومفادها أن العينات سليمة .

     طلبت من الطبيب أن يترك الغرفة ، فنظر لي باستغراب ، فكررت طلبي ، فقال : لا تريد أن تعرف ما الذي يجب فعله في مثل هذه الحالات ؟ فقلت له : اخرج ، بصوت غاضب ، فغادر الغرفة ، كنت أغلي من الداخل ، فما معني أني أخذت اربع جرعات من العلاج الكيميائي ، دون أن أكون مصاب بالسرطان ، ما هذا الإهمال الكبير الذي يحصل ، كيف يترك أنسان مريض بالسرطان دون علاج لمدة شهر ، ويعطى أنسان سليم أربع جرعات ، تصدقين حبيبتي ، وسط هذه المشاعر من الضيق والخوف ، ضحكت من كل قلبي ، ضحكت لأني عندما أخبرني الطبيب أني مصاب بالسرطان ، قلت ربما يبعدني القدر عنكِ ، لكني لست مصاباً بالسرطان ، ورغم ذلك يتدخل القدر ليبعدني عنك ، آه حبيبتي ، أعرف أن الجرعات التي أخذتها ربما تصيبني بالفعل بالسرطان أو الفشل الكلوي ، أو ربما تلف في أجزاء مختلفة من جسمي أو ربما أموت ، القدر ، لا أريد أن أتهمه ، وأعلق عليه خطأ طبيب ، وفني مختبر ، عكس حياة الناس ، فعالج الصحيح ، وترك المريض ، القدر حبيبتي ، يسخر مني من جديد .

     جاءني في المساء رئيس قسم الأطباء وجلس معي ، كان همه أن لا أقدم شكوى رسمية ضده و ضد المستشفى ، وأخذ يقول : أن الخطأ أمر وارد في كل المستشفيات ، وأن الأمور لا زالت في الحدود التي يمكن السيطرة عليها ، وأخبرني أن العلاج الذي كان مقرر أن أكمله في الولايات المتحدة سيتأجل قليلاً ، حتى تأتي نتائج العينات الجديدة ، التي أخذت اليوم ، وأن رحلتي لن تكون للعلاج ، بل للتأكد من أن الجسم تخلص من كل الأعراض الجانبية للعلاج الكيميائي ، وقال أيضاً : أني يجب أن أقضي عشرة أيام أخرى في المستشفى ، هنا قاطعته ، وقلت له : سأغادر للمنزل اليوم ، فقال : ستغادر على مسئوليتك ، نظرت إليه بغضب وقلت : ستجعلني أتخذ ضدكم إجراءات كثيرة ، غير كلامه بسرعة ، فقال : آسف ، لكن جسمك الآن ليس لديه أي مناعة ، ويمكن أن تكون أي عدوى خطيرة بالنسبة لك ، فقلت : لا أريد أن ابقى في المستشفى ، وستخبرني بعد أسبوع من اليوم متى سأغادر فيه للعلاج ، ظل الحديث سجال بيننا ، حتى رجاني أن أبقى ثلاثة أيام على أقل تقدير ليكتب لي بعض العلاجات التي ستساعدني على التخلص من أثر الجرعات الكيميائية التي تناولتها .

     غادرت المستشفى كما أخبرني الطبيب بالفعل في اليوم الثالث ، مع الكثير من الأدوية والنصائح ، المتعلقة بالنظافة ، ونوعيات الأكل وكمياته ، نصحني كثيراً ، كأنه يقول لي أحبس نفسك في مكان معقم ولا تخرج أبداً ، تصدقين أني منذ أن دخلت للمستشفى وعرفت أني كنت غير مصاب ، لم أشعر بأي سعادة ، ولم أشعر بأي راحة ، ولم أشعر بأي ضيق تجاه الطبيب ولا تجاه المستشفى ، وكأني كنت مُسلْم بكل ما يجري ، لكني راجعت كثيراً من أمور حياتي ، بعد أن خرجت من المستشفى ، كل شيء ، شعرت بالفعل أن الموت قريب مني ، بل شعرت أني سأموت بالفعل ، بدأت حساباتي كلها تتلخبط ، ما كنت أعرف أنه صحيح ، أصبحت مقتنع بأنه خطأ ، وما كنت متأكد أنه خطأ ، أصبحت أراه صحيحاً ، إلا علاقتي بكِ ، لا أدري لماذا لم يختلف شيء في مشاعري تجاهك ، ولا تجاه حياتك ولا تجاه أهلك ، فبمجرد خروجي ، أتصلت بوالدك ، وعرفت كل أخبارك ، فانتابني شيء من الخوف ، فالأيام تمر سريعاً ، وأنتِ قضيتي أربعة أشهر في السجن حتى الآن ، ولا أدري ما الذي سيحدث حتى تخرجين .

     بقيت في منزلي أسبوعان ، لم أغادره ، ولم أفكر في مغادرته ، لا لأني أخاف من المرض ، بل لحذري الشديد أن أصاب بأي عدوى خلال تلك الفترة ، حتى أعود لسابق صحتي التي كنت عليها ، فأنا ممتن لله أن منحني تلك الفرصة ، فقد كنت على شفى الموت لولا أن تداركتني رحمة الله ، واكتشفوا ذلك الخطء ، لا يهم حبيبتي كل هذا الكلام ، فأنا الآن اشعر بتحسن ، اشعر أن الحياة التي كادت تفارقني ، عادت لي من جديد ، عادت بكل ما فيها من شجن ، وجمال وحب ، لكنها أعادة تشغيل ذاتي معها من جديد ، فأنا لا أريد أي شيء من هذه الحياة ، سوى أن نكون سوياً ، أنا وأنتِ ، للأبد .

     جاءت تقارير العينات التي أرسلت لتشير أن هناك نسبة عالية من المواد الكيميائية في جسمي ، وقد أخبرني الطبيب ، أن التقارير تتكلم عن فترة خمسة عشر يوم سابقة ، أي أن الآن يوجد نسبة أقل من المواد الكيميائية ، كما أنه كان قد وصف لي بعض الأدوية التي تساعد الجسم على التخلص من تلك المواد ، لكنه قال أيضاً ، أنه لا يضمن أن هناك كميات من المواد الكيميائية تتعدى المستوى الطبيعي في الجسم ، كل الحديث حبيبتي لم يمنحني الراحة التي كنت أنشدها ، فأنا لا زلت في مرحلة الخطر كما قال الطبيب ، ولن أجتازها إلا خلال فترة طويلة ، وشدد على أن أسافر للولايات المتحدة ، لكي استكمل مرحلة العلاج والنقاهة ، الإجراءات كلها قد انتهت ، لكني لا أرغب في السفر في الوقت الحالي ، فلدي أعمال كثيرة مؤجلة منذ أصابتِ  ، وسأظل هنا ما يقارب الأسبوعين حبيبتي قبل أن أغادر .

     العمل يأكل الوقت ، والوقت يأكلنا ، ويأكل أيضاً فترة العقوبة التي تقضينها في السجن ، فقد أكملتِ اليوم شهرك الخامس ، كل الأخبار تتحدث أنك بخير ، لكني أسأل نفسي ، كيف تكونين بخير ، وأنتِ في السجن ؟ لا أتوقع أن يحبس الإنسان ويكون بخير أبداً ، بل أن هناك معاناة ربما لا تكون من وجهة النظر جسدية ، لكنها بكل تأكيد نفسية ، ومن وجهة نظري المعاناة النفسية ، أصعب في بعض الأحبان من المعاناة الجسدية بكثير ، فجرح الجسد يلتأم ، وجرح النفس لا يلتأم ، على أنكِ حبيبتي تتمتعين بصحة جيدة ، هذا ما أكده الجميع .

     سأغادر غداً وأتمنى من كل قلبي أن تمدني هذه الرحلة بما أحتاجه من صحة لكي أراكِ ، تعرفين ما الذي لا أحبه في هذه الرحلة ؟ لا أحب فترة السفر الطويلة التي سأقضيها في الطائرة ، فأنا سأنام وأصحو ، ثم أنام وأصحوا ، وأنا متأكد أني لم أصل حتى الآن ، ثم سأقف في محطة ترانزيت ، ورحلة طويلة أخرى ، لكني مضطر لذلك ، تعرفين حبيبتي ، كنت أود أن أخبر والدك أني أعاني من بعض المشاكل الصحية وسأغادر للعلاج ، لكني كتمت الخبر عنه لكي لا يخبركِ بذلك ، فأنتِ لا تحتاجين لأخبار سيئة ولا أضن أنك تتحملينها في الوقت الحاضر ، وستعرفين كل شيء حبيبتي حين تخرجين ، كل التفاصيل ستعرفينها ، فأنا لن أترك لك مجال أن تتحدثين على معاناتك ، بل سأملأ أذنك من الحديث ، سأحدثك ليل نهار ، حتى تملين مني ، هل ستملين مني بالفعل ؟ لا أدري ؟ ربما ؟

     الوضع مريح هنا ، والاهتمام كبير من قبل الأطباء ، فكل شيء يسير بشكل تلقائي ، دون أن يرهق المريض ، أخذوا مني عينات أخرى ، وجميع أنوع التحاليل التي أجريتها سابقاً ، وطلبوا مني الانتظار مجدداً ، لكن التحاليل التي تقيس نسبة المواد الكيميائية في الجسم ، كانت سريعة فقد أخبروني أن نسبة المواد قد قلت عن التحليل السابق ، حمدت الله ، لكني استفسرت كثيراً عن الأعراض الجانبية ، ولم يطمئنني أحد أني لن أعاني من أي مشاكل صحية في المستقبل ، حتى تصل نسبة المواد الكيميائية للنسبة الطبيعية في الجسم ، ثم ابدأ في مراجعات طويلة الأمد .

     الأيام مرة أخرى تعود بطيئة ، لا تسير ، وأنا أنتظر ، اكره الانتظار ، اكرهه من كل قلبي ، فأنا هنا لا أصدقاء لدي ، ولا أعرف أحد ، ولا أشرب الخمر ، منذ أن خرجت من المستشفى ، وأصبحت أصلي ، بشكل متقطع ، تراودني نفسي أن أذهب لأحد البارات وأتناول كأساً من الشراب ، لكني سألت نفسي ، لماذا لا أستطيع أن أصبر عنها ؟ وأنا قد مر علي أكثر من ثلاثة أشهر لم أشرب أي نوع من الخمر ، فقررت أن ابعد ذا التفكير عني ، سألني الطبيب ، هل تشرب الخمر ، فأخبرته أني كنت أشرب كأس أو أثنين في اليوم لا أكثر ، إلى في بعض المناسبات ، فقال : تستطيع أن تستمر فلا نتائج تبدوا في التحاليل تشير لأي أعراض تمنعك من الاستمرار في الشراب ، لكني حبيبتي ، لا أريد أن أشرب ، حتى بعد أن تخرجين ، فيجب أن تكون حياتنا حياة سوية ، لا أدري ما ستكون عليه نظرتك للحياة بعد أن تنالي حريتك ، لكني أتمنى أن تكوني قد نظرتي لحياتك ولمستقبلك بهدوء ، وأنتِ في عزلتك .

     مضى أكثر من شهر على حضوري للولايات المتحدة ، ولا زلت أراجع الأطباء ، ولا زالوا يأخذون مني العينات والتحاليل بشكل منتظم ، وصحتي تحسنت ، بل أشعر بأني عدت كما كنت ، والحمد لله أن لم تحدث أي أعراض جانبية للعلاج الكيميائي حتى الآن ، والطبيب الذي يتابع حالتي يقول : أن كل يوم يمر وأنا بصحة جيدة يباعد بيني وبين أي أمراض يمكن أن أصاب بها ، لكن لا يزال هناك بعض التحذيرات ، وبعض المحظورات ، لكنها ليست كثيرة كما كان في السابق ، بدأت اللائحة تصغر حت كادت أن تتلاشى .

     اليوم حمل لي أخباراً سعيدة ، لقد حدثني المحامي ، أنه يمكن أن يشملك عفوا خلال الشهر القادم ، فطلبت منه التأكد من ذلك ، من خلال علاقاته لدى وزارة الداخلية ، فطلب مني الانتظار ، وأنا أكره الانتظار ، وأنتظر ماذا ، العفو ، عن من ؟ عن حبيبتي ، الوقت يقصر ، لكن الانتظار طويل بالنسبة لي ، فاليوم الذي أقضيه وأنا أنتظرك ، يمر كأنه سنة في أحوالي العادية ، فما بالك إن كان فعلاً أسمك ضمن لائحة من سيشملهم العفو كيف سأنتظر شهراً ، كاملاً ، أحسبيها حبيبتي ، ثلاثون يوم في سنة ، ثلاثون سنه ، أي انكِ ستريني وأنا شيخ قد شاب شعري ، وتسندني عصاي ، على العموم ، هذه مزحة ، ربما تضحكين حين تقرئيها ، سأترك لكِ دفتر الذكريات هذا ، لتقريه بعد أن تخرجي ، فأنا لا أود أن أكتب لكي أي شيء بعد أن تكوني معي .

     ستقف الذكريات حبيبتي ، وسنبقى نحن ، نسطر الحياة ، وننسجها ، ونرسمها ، ونحولها في اتجاهنا ، لأنها سارت بنا عكسه فترة طويلة ، فيجب أن تكون الحياة في صفنا في المستقبل ، يجب أن تسايرنا فيما نريد ، لقد أتعبتنا وأتعبناها ، وشاكستنا ، وشاكسناها ، وانتصرت على أنسان لا يريد أن يستسلم ، فأنا أستعد لها لأنتصر عليها ، كما انتصرت علي ، وأريد أن أخبرك حبيبتي ، أني لا أريد أن يكون لقائنا كما كان في السابق ، في الظل ، أو الظلام ، بل سيكون في النور ، فأنتِ ستقيمين معي في الفندق ، لا كصديقتي ، ولا معشوقتي ، بل كزوجتي ، لن ألمسك إلا بعد أن نكون زوجان .

     حدثني المحامي منذ قليل ، قال أنه يضمن لي بنسبة تسعون بالمائة أنه سيشملك العفو ، ابهجني هذا الخبر ، ومن حسن حظي أن موعدي مع الدكتور في الصباح ولم يبقى على الصباح سوى ساعات قليلة ، أتمنى أن تمر الأيام سريعاً ، سأسأل الطبيب عن المدة التي سأقضيها هنا ، ولو أخبرني أن فترة علاجي تطول ، سآتي لكِ حيث تكونين ، ثم أعود مجدداً لإتمام العلاج برفقتك .

     أخبرني الطبيب أني أحتاج ما بين الثلاث أسابيع ، وأربعة أسابيع ، وبعد ذلك سأراجعه بعد ثلاثة أشهر ، ثم تطول فترة المراجعة حتى ستة أشهر ، ثم تكون بشكل دوري كل سنه ، هذا إن لم تصبني أي أمراض خلال تلك الفترات ، كل شيء يصب لصالحنا حبيبي ، ، أنتِ ستخرجين ، وأنا إن شاء الله سأكون في انتظارك ، وسنلتقي حبيبتي ، لنحقق كل أحلامنا سوياً ، دون أن ينغص حياتنا أحد .

     تعرفين حبيبتي ، مع من ألتقيت هنا في فترة العلاج ، ستتعجبين ، من الذي وجدته هنا ، ربما لا يصل تفكيرك له ، أبن زوجك ، ألتقيته في المستشفى في آخر موعد ، لا أدري لماذا كذبت عليه حين سألني بعد أن سلم علي : هل تعاني من مرض ؟ فقلت له : سرطان في الرئة ، تعرفين أنه أبتسم حينها ، وقال : لن تبقى طويلاً ! ، لا أدري لماذا لم أرد عليه ، كأنه يشمت بي ، أو ربما كان يريد أن يقول لي ، لو لم تمت بالمرض ، لكنت قتلتك ، لم يقل ذلك بالطبع ، لكن هذا ما جال بفكري حينها ، هل تتوقعين أنه يحاول قتلي في المستقبل ، لو عرف أني لست مصاباً بالمرض الخبيث ، ربما ، ولكن ماذا يستفيد  لو قتلني أو قتلك أنتِ ، فقد حصل على ما يريد ، لقد كان يريد المال ، وحصل عليه ، أضنه لا يمانع حالياً لو أصبحنا أصدقاء ، أو شركاء في التجارة ، لم يطل لقائنا أكثر من ذلك ، عرفت بعدها من بعض الأصدقاء أنه لا يعاني إلى من بعض الغدد الدهنية في قدمه ، أي أنه ربما حضر هنا للتنزه أكثر منه للعلاج .

     لم أتوقع أن تكون مدت حبسك قصيرة أشعر أني مرتبك ، ولم أفعل شيء من أجلك ، كل شيء كنت أتوقع أن يحدث بعد سنة ، لكنه الآن أصبح أقرب ، وأصبح قلبي يخفق أكثر ، من ذي قبل ، لا أضنك تعرفين مدى اشتياقي لكِ ، ولن تعرفي ، لأني رجل أحبك بطريقة مختلفة عن الطريقة التي تحبيني بها ، فأنتِ المرأة التي توقعت أن تكون مثل ما أتمنى ، فكنتي مثل ما تمنيت ، أعرف أنك لست كامله ، فالكمال لله عز وجل ، لكنك في نظري ، لن أقول الأجمل ، بل سأقول ، انك المرأة التي كانت عيناي تبحث عنها ، وقلبي تعلق بها أكثر من عيني ، بعد أن أقترب منكِ ، يدي تشتاق لملامستك ، صوتك ، يتكرر في أذني ، وأنتِ بعيدة ، رائحتك ، ما أشهاكِ ، سنلتقي قريباً .

     مر أسبوعان ، وأنا أنتظر مقابلة الطبيب في نهاية الأسبوع الثالث ، أشعر بتحسن نفسي كبير منذ أن عرفت موعد خروجك ، فكل شيء يرقص في عيني ، كل شيء ، الدنيا كلها ترقص معي ، لكن الوقت ، لازال بطئاً ، كما كان ، أود أن أدفع الأيام دفعاً لكي تقربني منكِ ، لم تحدث أي أحداث وأنا في الولايات المتحدة ، كل شيء يسير بهدوء ، لكني ، فكرت في نفسي هنا كثيراً ، فيما فعلت وفيما سأفعل ، راجعت حياتي كلها ، صدقيني حبيبتي ، لو بيدي أن أعيد الزمن للخلف ، لأعدته ، وعدلت كثيراً مما فعلت ، شعرت أني قريب من الله كثيراً ، ربما بسبب المرض الذي أخافوني منه ، لكن هذا الشعور أستمر حتى الآن ، لمت نفسي كثيراً على كل الأخطاء التي اقترفتها ، وكل الذنوب التي فعلتها ، وأكثر ذنب حبيبتي لمت نفسي عليه ، أني كنت وراء الكثير من المشاكل التي تعرض لها زوجك ، وربما أنتِ ، لكن صدقيني لو أمكنني أن أذهب إليه وأعتذر له عما فعلت ، لما ترددت ، لكني الآن ربما ، أشعر أني عاجز تجاه هذه المسألة بالذات ، فهو لا يشعر بأحد في الوقت الحالي ، ميت سريرياً ، لمت نفسي كثيراً ، كان بإمكاننا أن نسير بعلاقتنا ، دون أن نرتكب أي شيء محرم وأنتِ على ذمته ، لكننا فعلنا كل شيء في ذلك الوقت ، والآن أنتِ حره ، لكننا لا يمكننا أن نلتقي ، انظري حبيبتي كيف هي عجائب القدر ، سنصحح الأمور ، لن تكوني بعد ذلك إلا زوجتي التي أحبها ، لن أسمح لكِ بأي أفكار مجنونة ، فأنتِ لستِ مخيرة في هذا الأمر ، بل ستفعلين ما أقرره أنا ، ولن تعارضيني ، سأسافر إلى فرنسا بعد أن أقابل الطبيب ، ، ولو أنهيت عملي هناك قبل موعد خروجك ، فسآتي لكِ ، وإن لم أتمكن ، ستأتين إلي ، ولن أترك لك أكثر من يوم واحد تقضينه مع أسرتك ، أو لو شأتِ أحضريهم لفرنسا لكي يحضروا حفل زواجنا .

     هكذا ستكون الأمور ، وهكذا ستسير ، لن أتركك تجلسين في ذلك البلد أكثر ، بل ستغادرينه ، معي أو مع أسرتك ، سأرتب كل شيء بعد وصولي لفرنسا ، ستساعدني كارولين ، وأضن أنها ستكون سعيدة لهذا الخبر ، لأنها أكثر امرأة كانت تتناقش معي في مسألة الزواج ، وستسعد أيضاً لأنها قرأت علاقتنا مبكراً منذ لقائنا الأول ، ذكريات جميلة حبيبتي ، وأتمنى أن يكون المستقبل أجمل ، أعرف أن ما مر بحياتك في الفترة السابقة من مشاكل ، ستأثر كثيراً على نفسيتك ، لكني متأكد أنكِ ستجتازينها بسرعة ، ونحن سوياً ، لقد قررت كل شيء ، دون أخذ رأيك ، ولا مشاورة أهلك ، ربما لمعرفتي أنكِ ، لن ترفضي لي طلباً ، لأننا أحباب ، ونتمنى أن نبقى سوياً .

     كان اللقاء مع الدكتور بمثابة الوداع للولايات المتحدة فقد كانت نتائج التحاليل الأخيرة ممتازة ، بكل المقاييس ، خرجت من عنده وأنا أعبث بهاتفي وأبحث عن طائرة تنقلني لفرنسا ، فلا وقت لدي لأبقى في الولايات المتحدة فكل شيء سيكون هناك ، حفلك حبيبتي ، حفلنا ، يجب أن أستقبلك حين تأتين لفرنسا بكل شيء يبهجك ويسر خاطرك ، اتصلت بكارولين وأخبرتها أني سأتزوج ، فقالت : ستتزوج نور أليس كذلك ؟ ، لقد خمنت بسرعة تلك المجنونة ، وكان تخمينها صحيحاً ، فقالت : لا تقلق ، ادفع المال وسيكون حفلكما ملكياً ، ضحكت من كل قلبي ، فهي تعني ما تقول ، وستفعل كل شيء من أجلنا .

     الطائرة في المساء ، وسيكون الأفراج بعد عشرة أيام من الآن ، عشرة أيام قصيرة جداً ، لكني سأفعل كل ما باستطاعتي من أجلك ، كنت اريد أن يكون زواجنا في اليوم التالي لوصولك لباريس ، لكن كارولين هدأتني وتشاجرت معي ايضاً ، متحججة بأنك تحتاجين للراحة اكثر من الزواج ، تلك المجنونة  سألتقيها فور وصولي تقول أن لديها تصور لما يمكننا فعله خلال هذه الفترة ، سأرى ما التصور الذي وضعته ، تصدقين ، لم أكن أتخيل أن كارولين ستكون سعيدة لهذه الدرجة ، لكنها بالفعل سعيدة ، وكذلك زوجها ، شعرت بذلك وأنا أتحدث معهم واخبرهم بالخبر ، لقد صرخة كارولين ، أما وسام فأنتزع منها الهاتف وقال : أخيراً سنراك في القفص أيه العنيد ، هكذا هي الحياة حبيبتي فنحن نفعل ما لا يتوقعه الآخرون منا دائما ، لذا تكون المفاجآت أجمل أحداث الحياة ، أما أنتِ فلكِ مفاجئات كثيرة معي ، كنت أود أن أخبرك بها قبل الزواج لكني أجلتها ، لأقدمها لكِ في الحفل ، ولن أخبر أحد بهذه المفاجآت سوى كارولين ، لأني سأكون مضطر لذلك فهي من سيساعدني في كل شيء .

     حاولت كارولين أن تأجل سفرك لباريس يومين أو ثلاثة ، لكني رفضت ، واتفقت معها أن يكون حفلنا بعد وصولك لباريس بخمسة ايام ، وكان هذا هو الحل الوسط الذي توصلت إليه مع تلك المجنونة ، دخلت أنا وكارولين عشر فنادق لنجد قاعة مناسبة لحفلنا ، وعندما وجدناها ، أعتذر الفندق لأنها محجوزة ، تضايقت كثيراً ، لكن كارولين كانت تضحك وتقول : أنت من عقد الأمور لذا فكل شيء يعاندك ، لقد قالت هذا الكلام لأنها كانت تود أن يكون حفل زفافنا في منزلها ، وأنا لا أود ذلك ، لا لشيء سوى أني أريد أن تكون الحفلة في نفس مكان أقامتك ، لكني لم أتمكن من ذلك ، لأني عدت مع كارولين ، للفنادق العشرة الذين زرناهم ، وكل القاعات محجوزة في ذلك اليوم ، كلهم يقولن نفس الكلام ، لا مجال  وأنا ليس لدي مجال لكي أؤجل حفل زواجنا ، في نهاية المطاف ، استسلمت لرأي كارولين .

     في اليوم التالي ، كانت كارولين هي من تكفل بكل شيء طبعاً بعد أن أخذت بطاقة الفيزا الخاصة بي ، استغربت أنها لم تسحب مبالغ كبيرة في ذلك اليوم ، ولم تتعدى مشترياتها العشرة آلاف يورو ، كان من المفترض أن تشتري فستان الزفاف ، وتدفع قيمة التزيين ، وعندما عادت سألتها فقالت : دفعت العرابين فقط ، والباقي ستدفعه أنت فيما بعد .

     نسيت حبيبتي أن أخبرك عن تصور كارولين للحفل ، فبعد أن قمنا بعد المدعوين اكتشفنا أنهم اثنان وثلاثون شخص فقط ، لقد ضحكت كارولين وقالت : تريد حفل أسطوري والمدعون اثنان وثلاثون ، هي على حق ، فقلت لها : ما العمل ، فقالت : لماذا لا تقتصر الدعوة على المقربين فقط ، فقلت لها : ربما تتضايق نور من ذلك ، كان ردها مقنع حين قالت : هي لا تريد كل هؤلاء ولا أنت تريدهم ، بل تريدون أن تكونوا سوياً ، لذا اقترح عليك أن تعقد القران في منزلنا ثم تدعونا أنا ووسام مع أسرة نور ونتناول العشاء في مطعم راقي ، أو في يخت ، كانت فكرتها رائعة ، وافقت على ذلك دون نقاش فقد مر ثلاثة أيام ولم نعمل شيء حتى الآن .

     في اليوم الرابع رافقتني كارولين لأشتري الدبل ، واخترت لك حينها طقماً جميلاً من الألماس ، أتمنى أن يعجبكِ ، لأني تخيلته عليكِ قبل أن أشتريه ، فجيدك تناسبه الأذواق الكلاسيكية في المجوهرات ، استغربت أن كارولين لم تعترض على سعره رغم أنها كانت تعترض كثيراً على أسعار المتعلقات الخاصة بالحفل ، سألتها عن ذلك فقالت : الرجال يشترون الهدايا ليعبروا عن مدى حبهم ، وهي محقة فيما قالت ، لكني لا أعتبر هذا تعبيراً لحبي لكِ ، فأنتِ أغلى عندي بكثير .

     في اليوم الخامس كانت كل الأمور قد أتضحت وتحددت معالمها ، كما أني استأجرت يخت جميل لتلك الليلة ، وبه خدمة فندقية كذلك ، سيعجبك كثيراً كما أني رأيت بروفة فستانك ، فوضحت لكارولين أنكِ خسرتِ كثيراً من وزنك ، فتحدثت مع صاحب المشغل عن ذلك .

   في اليوم السادس واليوم السابع ، لم أفعل شيء ، فقد أصبت بزكام حاد واضطررت لأن أخلد للفراش ، لا أدري لماذا أكتب هذه التفاصيل مع علمي أنكِ ستشاهدينها عند وصولك ، لكني أريد أن يخلد كل شيء بيننا ، أما في اليوم الثامن فقد أمضيته في الترتيبات الخاصة بي بدلتي حذائي الكرافت الساعة .

     وفي اليوم الثامن ، كانت الترتيبات النهائية قد بدأت ، لكني في هذه اليوم اكتب آخر أسطر في مذكرتي هذه لأني سأذهب لأودعها مع ملكية الأرض التي نقلتها باسمك ودفتر التوفير الذي به الخمسة ملايين يورو ، ورسالة صغيرة أرفقتها لكِ ، وهناك هدية أخرى حبيبتي ، لقد فتحت لكِ حساب آخر به مائة الف يورو ، هذه مهرك ، ستجدين بطاقة فيزا وبطاقة الصراف الآلي وبيانات الحساب في ضرف آخر ، أما مفتاح صندوق الأمانات سيكون في علبه اشتريتها البارحة من الكريستال وضعت بها قليل من الورود المجففة مع عطر رجالي ، كان يمكنني أن أخبركِ بكل تلك التفاصيل عندما تحدثت إليك اليوم لكني أحببت أن تعرفي كل التفاصيل عندما تصلين ، ستسألينني حبيبتي ، لماذا أذكر هذه التفاصيل في دفتري هذا ، لأني سأودعه في صندوق الأمانات بعد قليل مع كل ما ذكرت ، لذا أقول لدفتري وداعاً ، ولكِ حبيبتي إلى اللقاء .

     أغلقت الدفتر وأخذت أبكي بحرقة على فراقه ، لم أتصور في يوم أنه كان يتألم لما كنت أفعل معه ، ولم أكن أتصور أنه أحبني لهذه الدرجة ، ولو أردت أن أكتب قصتي معه لما تمكنت من أن أصفها كما فعل .