رواية أتذكرين .. الفصل التاسع .. الاخير

الفصل التاسع

سيدي .. سيدتي

الأيام حبيبتي لا تمر ، اعدها عداً ، الشهر الأول أضن أنه أستغرق من عمري سنة أو اثنتين ، لا أدري لماذا كل هذا الشوق الذي أشعر به تجاهك ، ولا أدري كيف سأصبر حتى تخرجين من السجن ، ولا أدري كيف سأقابلك ، وكيف ستقابلينِ ، وكيف سأجدك ، كما رأيتك أول مره أم أن السجن حفر آلامه في صدرك وكسر كبريائك ، وعنجهيتك وغرورك وتعاليكِ ، أم أنكِ لا زلتِ قوية كما عهدتك ، كم أتمنى أن ألتقيكِ ليلة لتتخلصي من ضعفك معي وتعودين قوية ، كما كنتِ تفعلين في السابقة ، شعرت بهذا الشعور وأنا أستلم الرسالة التي كتبتها لي من داخل السجن وسلمتيها لأختك لتعطيني إياها تذكرينها سأعيدها عليكِ :

سيدي ..

     لا يوجد تعبير في هذا الكون يمكنه أن يعبر عن مدى أمتناني وشكري لك ، فأنت سيدي الذي تمنيت أن أقضي حياتي بين يديه ، لكن طمعي لم يترك لي المجال أن انفذ تلك الرغبة التي كانت تسكن قلبي دائما ، تسكنه لتبعث فيني الأمل من جديد أني إنسانة أحبها شخص من كل قلبه ، وجعلها تغير رأيها في كل الرجال بسببه .

     اعرف أنك كنت تحبني وتريد الزواج بي ، ورغم إلحاحك على الزواج إلا أنه كان يخالطني بعض الشك ، أنك بحق تحبني لتلك الدرجة ، وكنت أضن أن حبي لك أكبر بكثير مما يسكن في قلبك لي ، لكني اقسم بكل الأيمان التي في هذه الحياه أني رأيت في عينيك في المحكمة حين شهدت لصالحي أني لا شيء ، وأني لم أمنحك من الحب أي شيء يكفي لكي تقف بجانبي في تلك اللحظة ، ورغم ذلك قلت في نفسي أنك ستبتعد بعدها ، وكأنك أديت واجبك تجاهي ، فوجدتك مع أسرتي ومع المحامي وفي زنزانتي ، وفي أحلامي ، لم تغادر لم ترحل ، وبقيت تنتظرني ، حتى حدثتك في حضور أختي ، التي لم تكن تعرف أن بيننا علاقة عاطفية ، لقد صدمت حين سمعتني أقول لك (( أحبك )) ، فحلفتها بكل الأيمان أن لا تخبر أحد بما سمعت ، وأعطيتها هذه الرسالة لكي تكون رسالتي الأخيرة .

     سيدي ، اعذرني أود أن أقول حبيبي ، لكنها صغيرة في حقك ، فأنت حلم لم يتحقق في السابق ، وحين تحقق لم أصدق أنه تحقق ، حتى أضعتك من بين يدي ، سيدي ، كيف ستنتظرني ، كيف سيقترن رجل شريف بامرأة ذات سوابق ، امرأة خانت زوجها السابق ، وسرقت من أمواله ، ولم تثق في حبيبها ، امرأة كانت تعطيك الحب غزيراً حين تكون معك ، لكنها تعطيك إياه بعد أن يجف قلبك .

     سيدي ، أنزهك أن تقترن بي ، لكني لا أستطيع أن أحرمك من أي شيء تريده مني ، لا أريد أن أضعك في موطن ضعف يعايرك به الناس ، تعال لي وقت تشاء وأرحل وقت تشاء ، واتركني في الظل أو الظلام ، فقد عشت راضية بالظلام طويلاً ولا مانع لدي أن أعيش في الظلام من أجلك .

     سيدي ، أشكرك من كل قلبي ليس على أنك كنت بجانبي فقط بل لأنك علمتني أن هناك أشياء أكبر بكثير من المال أشياء لا يستطيع أي أنسان أن يشتريها ، مهما كان غناه ومهما علا شأنه ، علمتني أن الكنز الذي كنت أبحث عنه لا يسكن في البنوك ، بل يسكن في قلبي ، كنز لا ينضب ، ولا يفنى ، ولا ينتهي ، لقد سكنا سوياً في قصور في أحد الفترات ، وأيضاً أكلنا على الرصيف في فترات أخرى ، وأقسم لك أني لم أشعر بسعادة كما التي شعرتها وأنت بجواري على ذلك الرصيف ونحن سوياً ، حينها أخفتني ، فهربت منك بعد أن قلت لك أحبك ، هربت منك لأني شعرت أن كل قناعاتي السابقة في الغنى والمال لا تساوي شيئاً حين أجد من أحب ، كنت أضنك فقير الحال في تلك الفترة فلم أعلم أنك تاجر وتملك الملايين ، وعندما علمت ، شعرت بك أكثر وأحببتك أكثر ، لأن المال في يدك وليس في قلبك ، فهربت منك مرة أخرى ، وأقسمت لنفسي أن لا أعود لك أبداً ، لكني في تلك الفترة ، اختبرت نفسي ، فاكتشفت أنك أصدق معي منها ، وأنك أقرب لقلبي منها ، فاختلقت لك كذبت الصديق ، فكنت صديقي ، وحبيبي الذي يصادقني ،  وعندما أخذتني للفراش ، كانت ليلة عرسي رغم دموعي ، فلم يكن حلمي أكبر من أن أستلقي بجوارك على سرير يجمعنا ، فكانت نقطة  اللاعودة بالنسبة لي ، وكنت على استعداد أن أبيع الدنيا في تلك الأيام لنكون سوياً .

     لكن طمعي تدخل ، وتدخلت معه رغبتي في الانتقام ، فحاولت أن أبتعد عنك ، فلم أستطع ، فكنت أخطط أن نكون سوياً بعد أن أنتهي من ذلك الرجل الذي أحمل له كثيراً من الكره ، وقليلاً من العرفان ، أردت أن أتخلص منه فأعيش ملكه أمام الناس ، وأعيش تحت قدمك جارية ، صدقني هذا ما كنت أريد .

     سيدي أنت رجل يملك من الشرف ما يمكنه أن تحبه امرأة أفضل مني ، وأن تعشقه امرأة أطهر مني ، وأن تكون في فراشه امرأه أعف مني ، سأكون تحت أمرك سيدي حين تشاء ، وأين تشاء ، لكني لن أسمح لنفسي أن أسمع أحداً يمسك بسوء ، ولا أن أكون أنا مدخلاً لأحد أن يسئ لك .

     سيدي ، سأخرج ربما بعد سنه أو أقل ، فلا يهمني شيء في هذه الدنيا إلا أن تسامحني ، فإن فعلت فسأكون راضية كل الرضى عن نفسي ، لا أملك سوى هذه الكلمات لأعبر بها عما أكنه لك عساها أن توفيك شيئاً من صبرك معي ، وأستودعك الله .

نور

     حبيبتي لن أعلق على الرسالة ، وردي عليها لم أكتبه ، بل أبلغته شفاهه لأختك ، عساها أن توصله لكِ دون تغيير ، فهو لا يحمل سوى كلمتين أتمنى أن تفهميهم حين تخبركِ بهم ، لأنهي هذا الموضوع حبيبتي ، فأنا لا أضع نفسي موضع السيد ، ولا أريده ، ولو أردته ، لوجدت كثيراً من النساء الآتي خلقن ليكن جواري ، لم تسألي نفسك لماذا أحببتك ، اضنكِ فعلتي ، وأضنك تعرفين لماذا أحببتك ، لكني سأقول لكي شيء أجمل ، قدري أن أحبك ، وهذا كل شيء ، لا أكثر ولا أقل ، أنا أحبك .

     لا زالت الأيام بطيئة حبيبتي ، تسير على مهلها ، ليتني أستطيع أن أخاطب الأيام وتسمعني فأطلب منها أن تحث الخطى لتقربكِ مني ، حاولت أن أزورك في السجن بشتى الطرق لكن القوانين لا تسمح إلا بزيارة ذوي القربى في سجن السيدات ، لكني أعرف كل أخبارك من والدك ، وكل أسبوع يزورك فيه يخبرني بما جرى بينكما ، وكأنه شعر بحاجتي للاطمئنان عليكِ ، أو شعر بحبي لكِ ، فهو يخبرني دون أن أطلب منه ذلك ، أصبحت الأمور مكشوفة حبيبتي للجميع ، هل تصدقين ، حب بالمراسلة ، وحب على الطراز القديم ، لا هواتف ولا أنترنت ، ولا وسائل اتصال ، فرسائلنا تنقل عبر أشخاص ، يخبرونا بما نريد ، وبما نحب ، وعن من نحب .

    كنت لا أتمنى أن أكتب هذه السطور ، لكني يجب أن أخبركِ بكل شيء ، فأنتي حبيبتي التي أحب أن أقول لها كل شيء ، بعد أن انتهت القضية أصبت بالتهاب رئوي حاد وتعالجت منه وشعرت بالتعافي لكني بعد أن أنهيت العلاج عاودني المرض مرة أخرى ، فذهبت إلى المستشفى ، ولم يكن الألم في صدري فقط بل كل أشعر بالوهن في جميع أنحاء جسدي ، فكتبوا لي العلاج مرة أخرى ، وأخذته بانتظام ، وقبل أن انتهي منه ، لكن الألم عاودني من جديد ، كنت أضن أن هذا اختلال طبيعي نتيجة العلاج ، لكن الأمر كان أكبر مما تصورت ، فالدكتور أصيب بالرعب حين رأى الاشعة وحجزني في المستشفى لمدة أسبوعين ، حتى يتبين من نتيجة فحص العينات التي أخذها .

     كان يشك في السرطان ، وقد كانت شكوكه في محلها حبيبتي ، فأنا مصاب بسرطان الرئة ، منذ فترة ليست بالقصيرة ، مما أدى إلى أنتشاره في جسدي ، طلبت من الطبيب أن يتحدث معي بصراحة ، وأن لا يخفي عني شيء ، فقال لي أنه من الصعب الشفاء من هذا المرض ، ولكن يمكن أن تكون عملية الانتشار بطيئة إن بدأت في العلاج الفوري ، أجبت رغبته على الفور ، تعرفين لماذا ؟ لأني لا أريد أن أموت قبل أن أراكِ حرة ، قبل أن امتع ناظري برايتك .

     أعطاني الطبيب جرعتان كيميائيتان حتى الآن ، اشعر بأني عاجز ، فالعلاج الكيميائي ، يهلك الجسد لكن آلام الصدر خفت ، وأنا سعيد بهذه النتيجة ، فهذا يعني أني سأبقى لأراكِ ،  أخبرني الطبيب أنه قام بمخاطبة الجهات المختصة لكي أستكمل علاجي في الولايات المتحدة ، أيدته فيما سار إليه ، وأخبرني بضرورة الاستمرار بأخذ جرعات كيميائية حتى موعد السفر الذي من المحتمل أن يكون بعد شهر من الآن .

     في السابق كنت أشعر أن القدر يبعدكِ عني كلما اقتربت منكِ ، لكن هذه المرة القدر ربما يبعدني أنا عنك ، هل تصدقين ؟ ربما تفقديني للأبد ، أو ربما تجديني ، شخص عاجزاً ، كما كان زوجك السابق ، أو ربما أعود لصحتي ونكون سوياً ، قدر هذا كل ما أستطيع أن أقول ، لم أعترض يوماً على القدر ، ولن أعترض عليه ، لكني كنت أتمنى أن تكوني زوجتي ، لا عشيقتي ، تعيشين معي كسيدة ، يعرفها الجميع بأنها زوجة فلان ، وأن تنجبي لي أبناءً ، ينافسوني في حبك ، وأغار منهم ، وينتزعونكِ مني ، وينتزعوني منكِ ، حلمت بأسرة ، أنتِ سيدتها ، وأنا سيدها ، نتشاجر لكننا نعود لننام ي فراش واحد ، كلها أماني ، لا أدري هل ستتحقق أم لا ، أماني حبيبتي ، لا أريد أن أحرم نفسي منها ، فهي وأحلامي وخيالاتي ، مستودع الحب الذي أحمله لكِ .

     جرعة اخرى من العلاج الكيميائي ، رغم أنه لا توجد آلام ، وسقطت عدة شعرات من رأسي ، ربما أفقد الشعر الطويل ، أو ربما أحلقه قبل أن يسقط ، لا أدري كل شيء يمكن أن يحدث في هذه الفترة ، ربما اعرض جانبية أخرى تحدث لا أعلمها ، لكني أشعر ببإرهاق شديد ، يفوق تحملي ، فأصبح بيتي هو الفراش أنام لفترات طويلة دون أن أشعر ، فترات لم أتعود سابقاً أن أقضيها في الفراش ، أصبحت أنام أكثر من اثنا عشر ساعة يومياً ، ولا رغبة لدي في أن أغادر الفراش ، لا أدري لماذا ؟ بعد يومين زاد تساقط الشعر أكثر ، سألت الطبيب قال هذا شيء طبيعي ، فالأجزاء السليمة في الجسم تتعرض لتأثر العلاج الكيميائي ، وكتب لي بعض الأدوية تخفف الأعراض الجانبية للعلاج .

     لا أدري ما الذي يجري فبعد أن أعطوني الجرعة الثالثة بدأ شعري يتساقط بشكل كبير ، واكتشفت أني فقدت وزني بشكل ملفت للنظر ، ولا زال الشعور بالتعب موجود بل يزداد ، إرهاق وعدم تركيز ، اشعر أن رأسي يدور بي ، لا يوجد فيه شيء ثابت إلا أنتِ ، ينتابني الخوف أني لن أراكِ بعد أن تخرجي من السجن ، لأني أشعر أني أموت بشكل سريع ، لا يمهلني الموت حتى أراكِ .

     أخذت الجرعة الرابعة من العلاج بالأمس ، لكن المفاجأة الكبيرة التي فاجأني الدكتور بها عندما طلب مني أن أحضر للمستشفى بسرعة ، لم أكن أعرف ما الذي يجري ، لأني عندما وصلت ، حجزوني في المستشفى ، وسحبوا مني عينات كثيرة ، من الدم ، ومن الغدد اللمفاوية ، وعينات مني اللسان ، زاد خوفي ، كنت أطلب الطبيب كل خمس دقائق ، لكنه لم يأتي إلا بعد ست ساعات من دخولي المستشفى ، كان الأمر مزعجاً بالنسبة لي ، بعد دخول الطبيب ، فوجهه كان لا يوحي بأي علامات إيجابية تجاهي ، كان متجهماً ، وخائفاً ، سألته ما الأمر ؟ فقال : هناك خطاً ، ضحكت ، ضحكة تهكم صغيرة وكررت : خطأ في ماذا ؟ فقال : نتائج التحاليل التي جاءت من المختبر لم تكن لك ، صدمت لما قال وقد لاحظ الطبيب ذلك فأكمل حديثه : لقد جاءت اليوم نتائج العينات التي أرسلناها الى المختبر في الخارج ومفادها أن العينات سليمة .

     طلبت من الطبيب أن يترك الغرفة ، فنظر لي باستغراب ، فكررت طلبي ، فقال : لا تريد أن تعرف ما الذي يجب فعله في مثل هذه الحالات ؟ فقلت له : اخرج ، بصوت غاضب ، فغادر الغرفة ، كنت أغلي من الداخل ، فما معني أني أخذت اربع جرعات من العلاج الكيميائي ، دون أن أكون مصاب بالسرطان ، ما هذا الإهمال الكبير الذي يحصل ، كيف يترك أنسان مريض بالسرطان دون علاج لمدة شهر ، ويعطى أنسان سليم أربع جرعات ، تصدقين حبيبتي ، وسط هذه المشاعر من الضيق والخوف ، ضحكت من كل قلبي ، ضحكت لأني عندما أخبرني الطبيب أني مصاب بالسرطان ، قلت ربما يبعدني القدر عنكِ ، لكني لست مصاباً بالسرطان ، ورغم ذلك يتدخل القدر ليبعدني عنك ، آه حبيبتي ، أعرف أن الجرعات التي أخذتها ربما تصيبني بالفعل بالسرطان أو الفشل الكلوي ، أو ربما تلف في أجزاء مختلفة من جسمي أو ربما أموت ، القدر ، لا أريد أن أتهمه ، وأعلق عليه خطأ طبيب ، وفني مختبر ، عكس حياة الناس ، فعالج الصحيح ، وترك المريض ، القدر حبيبتي ، يسخر مني من جديد .

     جاءني في المساء رئيس قسم الأطباء وجلس معي ، كان همه أن لا أقدم شكوى رسمية ضده و ضد المستشفى ، وأخذ يقول : أن الخطأ أمر وارد في كل المستشفيات ، وأن الأمور لا زالت في الحدود التي يمكن السيطرة عليها ، وأخبرني أن العلاج الذي كان مقرر أن أكمله في الولايات المتحدة سيتأجل قليلاً ، حتى تأتي نتائج العينات الجديدة ، التي أخذت اليوم ، وأن رحلتي لن تكون للعلاج ، بل للتأكد من أن الجسم تخلص من كل الأعراض الجانبية للعلاج الكيميائي ، وقال أيضاً : أني يجب أن أقضي عشرة أيام أخرى في المستشفى ، هنا قاطعته ، وقلت له : سأغادر للمنزل اليوم ، فقال : ستغادر على مسئوليتك ، نظرت إليه بغضب وقلت : ستجعلني أتخذ ضدكم إجراءات كثيرة ، غير كلامه بسرعة ، فقال : آسف ، لكن جسمك الآن ليس لديه أي مناعة ، ويمكن أن تكون أي عدوى خطيرة بالنسبة لك ، فقلت : لا أريد أن ابقى في المستشفى ، وستخبرني بعد أسبوع من اليوم متى سأغادر فيه للعلاج ، ظل الحديث سجال بيننا ، حتى رجاني أن أبقى ثلاثة أيام على أقل تقدير ليكتب لي بعض العلاجات التي ستساعدني على التخلص من أثر الجرعات الكيميائية التي تناولتها .

     غادرت المستشفى كما أخبرني الطبيب بالفعل في اليوم الثالث ، مع الكثير من الأدوية والنصائح ، المتعلقة بالنظافة ، ونوعيات الأكل وكمياته ، نصحني كثيراً ، كأنه يقول لي أحبس نفسك في مكان معقم ولا تخرج أبداً ، تصدقين أني منذ أن دخلت للمستشفى وعرفت أني كنت غير مصاب ، لم أشعر بأي سعادة ، ولم أشعر بأي راحة ، ولم أشعر بأي ضيق تجاه الطبيب ولا تجاه المستشفى ، وكأني كنت مُسلْم بكل ما يجري ، لكني راجعت كثيراً من أمور حياتي ، بعد أن خرجت من المستشفى ، كل شيء ، شعرت بالفعل أن الموت قريب مني ، بل شعرت أني سأموت بالفعل ، بدأت حساباتي كلها تتلخبط ، ما كنت أعرف أنه صحيح ، أصبحت مقتنع بأنه خطأ ، وما كنت متأكد أنه خطأ ، أصبحت أراه صحيحاً ، إلا علاقتي بكِ ، لا أدري لماذا لم يختلف شيء في مشاعري تجاهك ، ولا تجاه حياتك ولا تجاه أهلك ، فبمجرد خروجي ، أتصلت بوالدك ، وعرفت كل أخبارك ، فانتابني شيء من الخوف ، فالأيام تمر سريعاً ، وأنتِ قضيتي أربعة أشهر في السجن حتى الآن ، ولا أدري ما الذي سيحدث حتى تخرجين .

     بقيت في منزلي أسبوعان ، لم أغادره ، ولم أفكر في مغادرته ، لا لأني أخاف من المرض ، بل لحذري الشديد أن أصاب بأي عدوى خلال تلك الفترة ، حتى أعود لسابق صحتي التي كنت عليها ، فأنا ممتن لله أن منحني تلك الفرصة ، فقد كنت على شفى الموت لولا أن تداركتني رحمة الله ، واكتشفوا ذلك الخطء ، لا يهم حبيبتي كل هذا الكلام ، فأنا الآن اشعر بتحسن ، اشعر أن الحياة التي كادت تفارقني ، عادت لي من جديد ، عادت بكل ما فيها من شجن ، وجمال وحب ، لكنها أعادة تشغيل ذاتي معها من جديد ، فأنا لا أريد أي شيء من هذه الحياة ، سوى أن نكون سوياً ، أنا وأنتِ ، للأبد .

     جاءت تقارير العينات التي أرسلت لتشير أن هناك نسبة عالية من المواد الكيميائية في جسمي ، وقد أخبرني الطبيب ، أن التقارير تتكلم عن فترة خمسة عشر يوم سابقة ، أي أن الآن يوجد نسبة أقل من المواد الكيميائية ، كما أنه كان قد وصف لي بعض الأدوية التي تساعد الجسم على التخلص من تلك المواد ، لكنه قال أيضاً ، أنه لا يضمن أن هناك كميات من المواد الكيميائية تتعدى المستوى الطبيعي في الجسم ، كل الحديث حبيبتي لم يمنحني الراحة التي كنت أنشدها ، فأنا لا زلت في مرحلة الخطر كما قال الطبيب ، ولن أجتازها إلا خلال فترة طويلة ، وشدد على أن أسافر للولايات المتحدة ، لكي استكمل مرحلة العلاج والنقاهة ، الإجراءات كلها قد انتهت ، لكني لا أرغب في السفر في الوقت الحالي ، فلدي أعمال كثيرة مؤجلة منذ أصابتِ  ، وسأظل هنا ما يقارب الأسبوعين حبيبتي قبل أن أغادر .

     العمل يأكل الوقت ، والوقت يأكلنا ، ويأكل أيضاً فترة العقوبة التي تقضينها في السجن ، فقد أكملتِ اليوم شهرك الخامس ، كل الأخبار تتحدث أنك بخير ، لكني أسأل نفسي ، كيف تكونين بخير ، وأنتِ في السجن ؟ لا أتوقع أن يحبس الإنسان ويكون بخير أبداً ، بل أن هناك معاناة ربما لا تكون من وجهة النظر جسدية ، لكنها بكل تأكيد نفسية ، ومن وجهة نظري المعاناة النفسية ، أصعب في بعض الأحبان من المعاناة الجسدية بكثير ، فجرح الجسد يلتأم ، وجرح النفس لا يلتأم ، على أنكِ حبيبتي تتمتعين بصحة جيدة ، هذا ما أكده الجميع .

     سأغادر غداً وأتمنى من كل قلبي أن تمدني هذه الرحلة بما أحتاجه من صحة لكي أراكِ ، تعرفين ما الذي لا أحبه في هذه الرحلة ؟ لا أحب فترة السفر الطويلة التي سأقضيها في الطائرة ، فأنا سأنام وأصحو ، ثم أنام وأصحوا ، وأنا متأكد أني لم أصل حتى الآن ، ثم سأقف في محطة ترانزيت ، ورحلة طويلة أخرى ، لكني مضطر لذلك ، تعرفين حبيبتي ، كنت أود أن أخبر والدك أني أعاني من بعض المشاكل الصحية وسأغادر للعلاج ، لكني كتمت الخبر عنه لكي لا يخبركِ بذلك ، فأنتِ لا تحتاجين لأخبار سيئة ولا أضن أنك تتحملينها في الوقت الحاضر ، وستعرفين كل شيء حبيبتي حين تخرجين ، كل التفاصيل ستعرفينها ، فأنا لن أترك لك مجال أن تتحدثين على معاناتك ، بل سأملأ أذنك من الحديث ، سأحدثك ليل نهار ، حتى تملين مني ، هل ستملين مني بالفعل ؟ لا أدري ؟ ربما ؟

     الوضع مريح هنا ، والاهتمام كبير من قبل الأطباء ، فكل شيء يسير بشكل تلقائي ، دون أن يرهق المريض ، أخذوا مني عينات أخرى ، وجميع أنوع التحاليل التي أجريتها سابقاً ، وطلبوا مني الانتظار مجدداً ، لكن التحاليل التي تقيس نسبة المواد الكيميائية في الجسم ، كانت سريعة فقد أخبروني أن نسبة المواد قد قلت عن التحليل السابق ، حمدت الله ، لكني استفسرت كثيراً عن الأعراض الجانبية ، ولم يطمئنني أحد أني لن أعاني من أي مشاكل صحية في المستقبل ، حتى تصل نسبة المواد الكيميائية للنسبة الطبيعية في الجسم ، ثم ابدأ في مراجعات طويلة الأمد .

     الأيام مرة أخرى تعود بطيئة ، لا تسير ، وأنا أنتظر ، اكره الانتظار ، اكرهه من كل قلبي ، فأنا هنا لا أصدقاء لدي ، ولا أعرف أحد ، ولا أشرب الخمر ، منذ أن خرجت من المستشفى ، وأصبحت أصلي ، بشكل متقطع ، تراودني نفسي أن أذهب لأحد البارات وأتناول كأساً من الشراب ، لكني سألت نفسي ، لماذا لا أستطيع أن أصبر عنها ؟ وأنا قد مر علي أكثر من ثلاثة أشهر لم أشرب أي نوع من الخمر ، فقررت أن ابعد ذا التفكير عني ، سألني الطبيب ، هل تشرب الخمر ، فأخبرته أني كنت أشرب كأس أو أثنين في اليوم لا أكثر ، إلى في بعض المناسبات ، فقال : تستطيع أن تستمر فلا نتائج تبدوا في التحاليل تشير لأي أعراض تمنعك من الاستمرار في الشراب ، لكني حبيبتي ، لا أريد أن أشرب ، حتى بعد أن تخرجين ، فيجب أن تكون حياتنا حياة سوية ، لا أدري ما ستكون عليه نظرتك للحياة بعد أن تنالي حريتك ، لكني أتمنى أن تكوني قد نظرتي لحياتك ولمستقبلك بهدوء ، وأنتِ في عزلتك .

     مضى أكثر من شهر على حضوري للولايات المتحدة ، ولا زلت أراجع الأطباء ، ولا زالوا يأخذون مني العينات والتحاليل بشكل منتظم ، وصحتي تحسنت ، بل أشعر بأني عدت كما كنت ، والحمد لله أن لم تحدث أي أعراض جانبية للعلاج الكيميائي حتى الآن ، والطبيب الذي يتابع حالتي يقول : أن كل يوم يمر وأنا بصحة جيدة يباعد بيني وبين أي أمراض يمكن أن أصاب بها ، لكن لا يزال هناك بعض التحذيرات ، وبعض المحظورات ، لكنها ليست كثيرة كما كان في السابق ، بدأت اللائحة تصغر حت كادت أن تتلاشى .

     اليوم حمل لي أخباراً سعيدة ، لقد حدثني المحامي ، أنه يمكن أن يشملك عفوا خلال الشهر القادم ، فطلبت منه التأكد من ذلك ، من خلال علاقاته لدى وزارة الداخلية ، فطلب مني الانتظار ، وأنا أكره الانتظار ، وأنتظر ماذا ، العفو ، عن من ؟ عن حبيبتي ، الوقت يقصر ، لكن الانتظار طويل بالنسبة لي ، فاليوم الذي أقضيه وأنا أنتظرك ، يمر كأنه سنة في أحوالي العادية ، فما بالك إن كان فعلاً أسمك ضمن لائحة من سيشملهم العفو كيف سأنتظر شهراً ، كاملاً ، أحسبيها حبيبتي ، ثلاثون يوم في سنة ، ثلاثون سنه ، أي انكِ ستريني وأنا شيخ قد شاب شعري ، وتسندني عصاي ، على العموم ، هذه مزحة ، ربما تضحكين حين تقرئيها ، سأترك لكِ دفتر الذكريات هذا ، لتقريه بعد أن تخرجي ، فأنا لا أود أن أكتب لكي أي شيء بعد أن تكوني معي .

     ستقف الذكريات حبيبتي ، وسنبقى نحن ، نسطر الحياة ، وننسجها ، ونرسمها ، ونحولها في اتجاهنا ، لأنها سارت بنا عكسه فترة طويلة ، فيجب أن تكون الحياة في صفنا في المستقبل ، يجب أن تسايرنا فيما نريد ، لقد أتعبتنا وأتعبناها ، وشاكستنا ، وشاكسناها ، وانتصرت على أنسان لا يريد أن يستسلم ، فأنا أستعد لها لأنتصر عليها ، كما انتصرت علي ، وأريد أن أخبرك حبيبتي ، أني لا أريد أن يكون لقائنا كما كان في السابق ، في الظل ، أو الظلام ، بل سيكون في النور ، فأنتِ ستقيمين معي في الفندق ، لا كصديقتي ، ولا معشوقتي ، بل كزوجتي ، لن ألمسك إلا بعد أن نكون زوجان .

     حدثني المحامي منذ قليل ، قال أنه يضمن لي بنسبة تسعون بالمائة أنه سيشملك العفو ، ابهجني هذا الخبر ، ومن حسن حظي أن موعدي مع الدكتور في الصباح ولم يبقى على الصباح سوى ساعات قليلة ، أتمنى أن تمر الأيام سريعاً ، سأسأل الطبيب عن المدة التي سأقضيها هنا ، ولو أخبرني أن فترة علاجي تطول ، سآتي لكِ حيث تكونين ، ثم أعود مجدداً لإتمام العلاج برفقتك .

     أخبرني الطبيب أني أحتاج ما بين الثلاث أسابيع ، وأربعة أسابيع ، وبعد ذلك سأراجعه بعد ثلاثة أشهر ، ثم تطول فترة المراجعة حتى ستة أشهر ، ثم تكون بشكل دوري كل سنه ، هذا إن لم تصبني أي أمراض خلال تلك الفترات ، كل شيء يصب لصالحنا حبيبي ، ، أنتِ ستخرجين ، وأنا إن شاء الله سأكون في انتظارك ، وسنلتقي حبيبتي ، لنحقق كل أحلامنا سوياً ، دون أن ينغص حياتنا أحد .

     تعرفين حبيبتي ، مع من ألتقيت هنا في فترة العلاج ، ستتعجبين ، من الذي وجدته هنا ، ربما لا يصل تفكيرك له ، أبن زوجك ، ألتقيته في المستشفى في آخر موعد ، لا أدري لماذا كذبت عليه حين سألني بعد أن سلم علي : هل تعاني من مرض ؟ فقلت له : سرطان في الرئة ، تعرفين أنه أبتسم حينها ، وقال : لن تبقى طويلاً ! ، لا أدري لماذا لم أرد عليه ، كأنه يشمت بي ، أو ربما كان يريد أن يقول لي ، لو لم تمت بالمرض ، لكنت قتلتك ، لم يقل ذلك بالطبع ، لكن هذا ما جال بفكري حينها ، هل تتوقعين أنه يحاول قتلي في المستقبل ، لو عرف أني لست مصاباً بالمرض الخبيث ، ربما ، ولكن ماذا يستفيد  لو قتلني أو قتلك أنتِ ، فقد حصل على ما يريد ، لقد كان يريد المال ، وحصل عليه ، أضنه لا يمانع حالياً لو أصبحنا أصدقاء ، أو شركاء في التجارة ، لم يطل لقائنا أكثر من ذلك ، عرفت بعدها من بعض الأصدقاء أنه لا يعاني إلى من بعض الغدد الدهنية في قدمه ، أي أنه ربما حضر هنا للتنزه أكثر منه للعلاج .

     لم أتوقع أن تكون مدت حبسك قصيرة أشعر أني مرتبك ، ولم أفعل شيء من أجلك ، كل شيء كنت أتوقع أن يحدث بعد سنة ، لكنه الآن أصبح أقرب ، وأصبح قلبي يخفق أكثر ، من ذي قبل ، لا أضنك تعرفين مدى اشتياقي لكِ ، ولن تعرفي ، لأني رجل أحبك بطريقة مختلفة عن الطريقة التي تحبيني بها ، فأنتِ المرأة التي توقعت أن تكون مثل ما أتمنى ، فكنتي مثل ما تمنيت ، أعرف أنك لست كامله ، فالكمال لله عز وجل ، لكنك في نظري ، لن أقول الأجمل ، بل سأقول ، انك المرأة التي كانت عيناي تبحث عنها ، وقلبي تعلق بها أكثر من عيني ، بعد أن أقترب منكِ ، يدي تشتاق لملامستك ، صوتك ، يتكرر في أذني ، وأنتِ بعيدة ، رائحتك ، ما أشهاكِ ، سنلتقي قريباً .

     مر أسبوعان ، وأنا أنتظر مقابلة الطبيب في نهاية الأسبوع الثالث ، أشعر بتحسن نفسي كبير منذ أن عرفت موعد خروجك ، فكل شيء يرقص في عيني ، كل شيء ، الدنيا كلها ترقص معي ، لكن الوقت ، لازال بطئاً ، كما كان ، أود أن أدفع الأيام دفعاً لكي تقربني منكِ ، لم تحدث أي أحداث وأنا في الولايات المتحدة ، كل شيء يسير بهدوء ، لكني ، فكرت في نفسي هنا كثيراً ، فيما فعلت وفيما سأفعل ، راجعت حياتي كلها ، صدقيني حبيبتي ، لو بيدي أن أعيد الزمن للخلف ، لأعدته ، وعدلت كثيراً مما فعلت ، شعرت أني قريب من الله كثيراً ، ربما بسبب المرض الذي أخافوني منه ، لكن هذا الشعور أستمر حتى الآن ، لمت نفسي كثيراً على كل الأخطاء التي اقترفتها ، وكل الذنوب التي فعلتها ، وأكثر ذنب حبيبتي لمت نفسي عليه ، أني كنت وراء الكثير من المشاكل التي تعرض لها زوجك ، وربما أنتِ ، لكن صدقيني لو أمكنني أن أذهب إليه وأعتذر له عما فعلت ، لما ترددت ، لكني الآن ربما ، أشعر أني عاجز تجاه هذه المسألة بالذات ، فهو لا يشعر بأحد في الوقت الحالي ، ميت سريرياً ، لمت نفسي كثيراً ، كان بإمكاننا أن نسير بعلاقتنا ، دون أن نرتكب أي شيء محرم وأنتِ على ذمته ، لكننا فعلنا كل شيء في ذلك الوقت ، والآن أنتِ حره ، لكننا لا يمكننا أن نلتقي ، انظري حبيبتي كيف هي عجائب القدر ، سنصحح الأمور ، لن تكوني بعد ذلك إلا زوجتي التي أحبها ، لن أسمح لكِ بأي أفكار مجنونة ، فأنتِ لستِ مخيرة في هذا الأمر ، بل ستفعلين ما أقرره أنا ، ولن تعارضيني ، سأسافر إلى فرنسا بعد أن أقابل الطبيب ، ، ولو أنهيت عملي هناك قبل موعد خروجك ، فسآتي لكِ ، وإن لم أتمكن ، ستأتين إلي ، ولن أترك لك أكثر من يوم واحد تقضينه مع أسرتك ، أو لو شأتِ أحضريهم لفرنسا لكي يحضروا حفل زواجنا .

     هكذا ستكون الأمور ، وهكذا ستسير ، لن أتركك تجلسين في ذلك البلد أكثر ، بل ستغادرينه ، معي أو مع أسرتك ، سأرتب كل شيء بعد وصولي لفرنسا ، ستساعدني كارولين ، وأضن أنها ستكون سعيدة لهذا الخبر ، لأنها أكثر امرأة كانت تتناقش معي في مسألة الزواج ، وستسعد أيضاً لأنها قرأت علاقتنا مبكراً منذ لقائنا الأول ، ذكريات جميلة حبيبتي ، وأتمنى أن يكون المستقبل أجمل ، أعرف أن ما مر بحياتك في الفترة السابقة من مشاكل ، ستأثر كثيراً على نفسيتك ، لكني متأكد أنكِ ستجتازينها بسرعة ، ونحن سوياً ، لقد قررت كل شيء ، دون أخذ رأيك ، ولا مشاورة أهلك ، ربما لمعرفتي أنكِ ، لن ترفضي لي طلباً ، لأننا أحباب ، ونتمنى أن نبقى سوياً .

     كان اللقاء مع الدكتور بمثابة الوداع للولايات المتحدة فقد كانت نتائج التحاليل الأخيرة ممتازة ، بكل المقاييس ، خرجت من عنده وأنا أعبث بهاتفي وأبحث عن طائرة تنقلني لفرنسا ، فلا وقت لدي لأبقى في الولايات المتحدة فكل شيء سيكون هناك ، حفلك حبيبتي ، حفلنا ، يجب أن أستقبلك حين تأتين لفرنسا بكل شيء يبهجك ويسر خاطرك ، اتصلت بكارولين وأخبرتها أني سأتزوج ، فقالت : ستتزوج نور أليس كذلك ؟ ، لقد خمنت بسرعة تلك المجنونة ، وكان تخمينها صحيحاً ، فقالت : لا تقلق ، ادفع المال وسيكون حفلكما ملكياً ، ضحكت من كل قلبي ، فهي تعني ما تقول ، وستفعل كل شيء من أجلنا .

     الطائرة في المساء ، وسيكون الأفراج بعد عشرة أيام من الآن ، عشرة أيام قصيرة جداً ، لكني سأفعل كل ما باستطاعتي من أجلك ، كنت اريد أن يكون زواجنا في اليوم التالي لوصولك لباريس ، لكن كارولين هدأتني وتشاجرت معي ايضاً ، متحججة بأنك تحتاجين للراحة اكثر من الزواج ، تلك المجنونة  سألتقيها فور وصولي تقول أن لديها تصور لما يمكننا فعله خلال هذه الفترة ، سأرى ما التصور الذي وضعته ، تصدقين ، لم أكن أتخيل أن كارولين ستكون سعيدة لهذه الدرجة ، لكنها بالفعل سعيدة ، وكذلك زوجها ، شعرت بذلك وأنا أتحدث معهم واخبرهم بالخبر ، لقد صرخة كارولين ، أما وسام فأنتزع منها الهاتف وقال : أخيراً سنراك في القفص أيه العنيد ، هكذا هي الحياة حبيبتي فنحن نفعل ما لا يتوقعه الآخرون منا دائما ، لذا تكون المفاجآت أجمل أحداث الحياة ، أما أنتِ فلكِ مفاجئات كثيرة معي ، كنت أود أن أخبرك بها قبل الزواج لكني أجلتها ، لأقدمها لكِ في الحفل ، ولن أخبر أحد بهذه المفاجآت سوى كارولين ، لأني سأكون مضطر لذلك فهي من سيساعدني في كل شيء .

     حاولت كارولين أن تأجل سفرك لباريس يومين أو ثلاثة ، لكني رفضت ، واتفقت معها أن يكون حفلنا بعد وصولك لباريس بخمسة ايام ، وكان هذا هو الحل الوسط الذي توصلت إليه مع تلك المجنونة ، دخلت أنا وكارولين عشر فنادق لنجد قاعة مناسبة لحفلنا ، وعندما وجدناها ، أعتذر الفندق لأنها محجوزة ، تضايقت كثيراً ، لكن كارولين كانت تضحك وتقول : أنت من عقد الأمور لذا فكل شيء يعاندك ، لقد قالت هذا الكلام لأنها كانت تود أن يكون حفل زفافنا في منزلها ، وأنا لا أود ذلك ، لا لشيء سوى أني أريد أن تكون الحفلة في نفس مكان أقامتك ، لكني لم أتمكن من ذلك ، لأني عدت مع كارولين ، للفنادق العشرة الذين زرناهم ، وكل القاعات محجوزة في ذلك اليوم ، كلهم يقولن نفس الكلام ، لا مجال  وأنا ليس لدي مجال لكي أؤجل حفل زواجنا ، في نهاية المطاف ، استسلمت لرأي كارولين .

     في اليوم التالي ، كانت كارولين هي من تكفل بكل شيء طبعاً بعد أن أخذت بطاقة الفيزا الخاصة بي ، استغربت أنها لم تسحب مبالغ كبيرة في ذلك اليوم ، ولم تتعدى مشترياتها العشرة آلاف يورو ، كان من المفترض أن تشتري فستان الزفاف ، وتدفع قيمة التزيين ، وعندما عادت سألتها فقالت : دفعت العرابين فقط ، والباقي ستدفعه أنت فيما بعد .

     نسيت حبيبتي أن أخبرك عن تصور كارولين للحفل ، فبعد أن قمنا بعد المدعوين اكتشفنا أنهم اثنان وثلاثون شخص فقط ، لقد ضحكت كارولين وقالت : تريد حفل أسطوري والمدعون اثنان وثلاثون ، هي على حق ، فقلت لها : ما العمل ، فقالت : لماذا لا تقتصر الدعوة على المقربين فقط ، فقلت لها : ربما تتضايق نور من ذلك ، كان ردها مقنع حين قالت : هي لا تريد كل هؤلاء ولا أنت تريدهم ، بل تريدون أن تكونوا سوياً ، لذا اقترح عليك أن تعقد القران في منزلنا ثم تدعونا أنا ووسام مع أسرة نور ونتناول العشاء في مطعم راقي ، أو في يخت ، كانت فكرتها رائعة ، وافقت على ذلك دون نقاش فقد مر ثلاثة أيام ولم نعمل شيء حتى الآن .

     في اليوم الرابع رافقتني كارولين لأشتري الدبل ، واخترت لك حينها طقماً جميلاً من الألماس ، أتمنى أن يعجبكِ ، لأني تخيلته عليكِ قبل أن أشتريه ، فجيدك تناسبه الأذواق الكلاسيكية في المجوهرات ، استغربت أن كارولين لم تعترض على سعره رغم أنها كانت تعترض كثيراً على أسعار المتعلقات الخاصة بالحفل ، سألتها عن ذلك فقالت : الرجال يشترون الهدايا ليعبروا عن مدى حبهم ، وهي محقة فيما قالت ، لكني لا أعتبر هذا تعبيراً لحبي لكِ ، فأنتِ أغلى عندي بكثير .

     في اليوم الخامس كانت كل الأمور قد أتضحت وتحددت معالمها ، كما أني استأجرت يخت جميل لتلك الليلة ، وبه خدمة فندقية كذلك ، سيعجبك كثيراً كما أني رأيت بروفة فستانك ، فوضحت لكارولين أنكِ خسرتِ كثيراً من وزنك ، فتحدثت مع صاحب المشغل عن ذلك .

   في اليوم السادس واليوم السابع ، لم أفعل شيء ، فقد أصبت بزكام حاد واضطررت لأن أخلد للفراش ، لا أدري لماذا أكتب هذه التفاصيل مع علمي أنكِ ستشاهدينها عند وصولك ، لكني أريد أن يخلد كل شيء بيننا ، أما في اليوم الثامن فقد أمضيته في الترتيبات الخاصة بي بدلتي حذائي الكرافت الساعة .

     وفي اليوم الثامن ، كانت الترتيبات النهائية قد بدأت ، لكني في هذه اليوم اكتب آخر أسطر في مذكرتي هذه لأني سأذهب لأودعها مع ملكية الأرض التي نقلتها باسمك ودفتر التوفير الذي به الخمسة ملايين يورو ، ورسالة صغيرة أرفقتها لكِ ، وهناك هدية أخرى حبيبتي ، لقد فتحت لكِ حساب آخر به مائة الف يورو ، هذه مهرك ، ستجدين بطاقة فيزا وبطاقة الصراف الآلي وبيانات الحساب في ضرف آخر ، أما مفتاح صندوق الأمانات سيكون في علبه اشتريتها البارحة من الكريستال وضعت بها قليل من الورود المجففة مع عطر رجالي ، كان يمكنني أن أخبركِ بكل تلك التفاصيل عندما تحدثت إليك اليوم لكني أحببت أن تعرفي كل التفاصيل عندما تصلين ، ستسألينني حبيبتي ، لماذا أذكر هذه التفاصيل في دفتري هذا ، لأني سأودعه في صندوق الأمانات بعد قليل مع كل ما ذكرت ، لذا أقول لدفتري وداعاً ، ولكِ حبيبتي إلى اللقاء .

     أغلقت الدفتر وأخذت أبكي بحرقة على فراقه ، لم أتصور في يوم أنه كان يتألم لما كنت أفعل معه ، ولم أكن أتصور أنه أحبني لهذه الدرجة ، ولو أردت أن أكتب قصتي معه لما تمكنت من أن أصفها كما فعل .