رواية .. أتذكرين .. الفصل الأول ..

     خرجت من السجن ، خرجت متعبة ، أرهقتني تلك الجدران ، وأرهقني ذلك الزي الذي كنت أرتديه كل يوم ، وأرهقني النظام الصارم والأوامر التي يجب أن تنفذ دون نقاش ، لكني تعلمت في السجن أشياء كثيرة ، تعلمت كيف أدافع عن نفسي ، فمجتمع النساء المغلق داخل السجن ، به الكثير من المشاكل ، لا يعلمها من هم بالخارج ، وتعلمت أيضاً أن الحرية هي أغلى شيء يملكه الإنسان ، لكني كنت حرة قبل أن أدخل ، ولن أعود لحريتي السابقة ، لأني اكتشفت أن للحرية مجال آخر غير الذي كنت أتصوره ، فلا تدخين ، ولا كحول ، ولا أموال ، فلا شيء منها يمثل الحرية ، لقد اكتشفت أن حريتي تكمن في داخلي ، فالحرية السابقة كانت وهم ، لقد أجهدت نفسي في السابق وراء المال ، ودخلت السجن بسبب ذلك ، وفقدت كل شيء ، ورغم ذلك أنا أخرج من السجن وأنا لا أملك شيء لكني في قمة السعادة ، لقد اكتشفت أن المال لا يمثل السعادة ولا يوصل إليها ، ولا مجال له سوى أن نقضي به حوائجنا فقط ، فما زاد عن حاجتنا ، لا نحتاجه .

     لقد دخلت السجن ، وأنا متحررة ، ليس بالمعنى الذي يدور بخاطر الكثيرين ، فقد كنت متحررة في ملابسي ، في شكلي ، وها أنا ، محتشمة بحجابي ، دون أن يفرض علي أحد ذلك ، وكذلك في لباسي ، فأنا إن جاز التعبير ، كنت أعرف الله ، في السابق ، لكني اقتربت منه أكثر في الفترة الأخيرة ، فاكتشفت أن الحرية هي مخاض في العقل ، وراحة نفس وطمأنينة قلب ، فكل شيء فعلته في السابق من سفور وتبرج وسفر وعمل وعلاقات ، لم يمنحني الشعور بالرضى عن نفسي ، كما أشعر الآن .

    شيء واحد فقط خفت أن أخسره ، ولا زلت خائفة منه حتى الآن ، قلبي ، الذي سلمته لشخص أحبني من كل قلبه ، وينتظرني بكل شوق ، أخاف أن لا يعجبه شكلي بالحجاب ، أو يرفض أن أرتديه ، فدعوت الله كثيراً أن لا يكون حجابي سبب ضيقه ، وأتمنى أن يتقبل شكلي الجديد ، دون أن يطلب مني أن أعود لسابق عهدي ، ولا أدري ما الذي سأفعله لو طلب ذلك ، لكني على موعد قريب معه ، وسأسافر له صباحاً .

     فتحوا لي الباب بعد أن تحدثوا مع والدي الذي كان ينتظرني برفقة شقيقي ، عانقني والدي بشدة ، كنت محتاجة أن يعانقني أحد ، كم أحببت أبي ، وقد كنت السبب في شقائه ، ربما لا يهتم هو بما يدور في عقلي من ذلك الفكر ، لكني لا أغفر لنفسي ما فعلت ، شعرت أن كل شيء تغير ، حتى سيارة والدي التي كانت فخمة وكبيرة في السابق أصبحت  صغيرة ، سألته ما الأمر ؟ فقال : الحياة يا أبنتي ، الحياة متعبة ، وهي متعبة له بالفعل ، وأنا أتعبته كثيراً ، لا أدري لماذا سألته هذا السؤال وأنا اعرف كل التفاصيل ، فكل شيء كنت قد فعلته لإسعاده تسبب في تعاسته ، زواجي ، حياتي ، مشاكلي ، سجني ، قطع أبي تفكيري بكلامه ، قائلاً : لقد ارسلوا تذاكر السفر ، وحجز الفندق ، حتى مصاريف الرحلة ، حاولت الاتصال بأحمد أكثر من مرة دون فائدة وقد تحدثت معي سيدة أسمها كارولين، وعندما سألتها لما كل هذا ؟  قالت : أن كل شيء تم ترتيبه سابقاً وأن كل الأمور جهزها أحمد ، وأنه مشعول في الفتر الحالية ولن يتمكن من الاتصال بكم ، فسألتها : من أنتِ فقالت : كارولين صديقة نور .

     صديقتي ، لم ألتقيتها سوى مرتين فقط ، لكنها صديقة أحمد ، كم أنا مشتاقة له ، عاد أبي يتحدث قائلاً : لقد حجز لنا التذاكر على فئة رجال الأعمال ، والفندق في الشانزيليزيه ، حتى مسألة السيارة التي ستنقلنا من المطار لم يتجاهله ، ولا السيارة التي سنستخدمها في باريس ، ثم سكت أبي قليلاً قبل أن يسألني : هل كان بينكما علاقة قوية في السابق ؟ صدمني سؤال أبي فسكت ، ولم يطلب مني أن أجيب ، وأنا متأكدة أن أبي يعرف أن بيننا علاقة قوية ، لكنه لم يسألني في السابق ، ربما لظروف سجني .

     أحمد تجاوز كل شيء في حياتي ، بل وجعل لي بطلبه الزواج مني العذر الذي أواجه به الجميع ، سألت نفسي لو أنه لم يطلب مني الزواج ، ما الذي سيقوله والدي عن علاقتي به ، لا بد أن كل الأفكار السيئة سترد إلى ذهنه ، لكن أحمد جعلني أتجاوز كل ذلك بقوة وأن أواجه الجميع فمن وقف بجانبي ليس صديقاً فحسب ، بل سيكون زوجي في المستقبل القريب ، بهذا أستطيع أن أجيب على والدي دون خوف ولا تردد ، وطبعاً دون أن أشرح له تفاصيل علاقتي بأحمد .

     وصلنا للبيت ، كان عناق والدتي يعبر عن كل الحب الذي تحمله لي ، وكل الشوق ، وكذلك أخواتي ، كن جميعاً سعيدات بخروجي من السجن ، جلست معهن حتى الفجر ، لم يتصل أحمد ، ولم تتصل كارولين ، وعلى الرغم بأني أفكر فيه باستمرار لم أحاول الاتصال به ، فأنا على يقين بأنه رتب كل شيء وأنه سينتظرني في باريس ، أو في أسوء تقدير سأراه في اليوم التالي لوصولي .

     لم أحضر شيء لتلك الرحلة فأنا في أقل من أربعة وعشرين ساعة سأغادر لباريس ، سألتني سعاد أختي ماذا سترتدين للسفر ، ضحكت حينها ، وقلت : شيء من ملابسي القديمة ، فأخبرتني أنها أشترت لي بعض الملابس التي تناسبني ، من الجيد أنها فكرت في هذا الأمر ، لكن ما يشغلني ليست الملابس بل أحمد فقد كنت أتوقع أن يحدثني حين أخرج ، لكنه ترك لي العذر الذي يقنعني ، فهو قد جهز كل شيء ، ولا يعرف بأمر علاقتي بأحمد قبل خروجي من السجن سوى أبي ، وايضاً سعاد أختي فهي كانت تتحدث مع أحمد سابقاً بل كانت هي المرسال الذي ينقل الأخبار حين كنت في السجن ، أخبرتني عندما سألتها متى أخر مرة تواصلتِ مع احمد فقالت : من أكثر من أسبوعين أي أنه لم يحدثها بعد أخر مرة زارتني في السجن .

     كل الأمور تسير بشكل رائع اخواتي مبتهجات فهذه الرحلة الأولى منذ عشر سنوات مضت التي ارافقهم فيها في السفر فأنا لم أكن أسافر معهم إلا في رحلات قصيرة أو التقيهم خلال رحلاتي الكثيرة ، كل شيء كان مرتب في الصباح ، وكانت الرحلة طويلة لكنها مسلية فأنا برفقة أسرتي ، وكلهم مبتهجون ، فسيقضون عشرة أيام في فرنسا ، ولا شيء يعكر مزاجهم ، فأنعكس ذلك على تصرفاتهم ، ما عدى أبي الذي كان يغيب في تفكير عميق لدرجة أننا كنا نناديه ولا يسمعنا ، وحين أسأله عن السبب : يقول هموم الدنيا يا أبنتي ، لم أركز في تصرفات أبي كثيراً لأني بكل بساطة أريد أن تصل الطائرة بسرعة ، فأنا مشاقة أن أرى أحمد ، كيف أصبح شكله ؟ وماذا سيفعل حين يراني ؟ سينتظرني في المطار ؟ أم سينتظرني في الفندق ؟ أم سأقابله في الحفل ؟ لا أدري ، لكني سأراه ، وإن لم أره سأحدثه فور وصولي على الأقل ، وفي داخلي أنا متأكدة أني ساجده ينتظرني في المطار .

     وصلت الطائرة ، ونزلنا المطار ، حينها أتصلت بأحمد ، كان هاتفه مغلق ، كررت المسألة ، دون فائدة ، وقع في نفسي أنه يريد أن يفاجئني وأنه ينتظر في الخارج ، فلم أكرر المحاولة ، حتى خرجنا ، فلم أجده ، بل وجدت كارولين ، سلمت عليها فلم تعرفني بعد أن ارتديت الحجاب ، كان يبدو عليها الإرهاق ، أخبرتني حينها أن كل ترتيبات السفر محجوزة ، وأنها ستتركني أرتاح مع اسرتي اليوم ، لكنها ستحضر غداً باكراً ، لم أعارضها ، لكني سألتها عن أحمد ، فقالت : احمد مشغول ولا يرد على الهاتف ، فلا تحاولي الاتصال به اليوم  وسأخبرك بالتفاصيل فيما بعد .

     ازعجني شكل كارولين كثيراً وأزعجني أكثر أن أحمد لم يحضر للمطار لاستقبالي ولم يحاول على الأقل الاتصال بي ، ولم يلفت هذا الموضوع نظري أنا فقط بل لفت نظر أخواتي أيضاً كأنهن يودون أن يقولوا شيئاً لكن الحياء منعهم ، أما أنا فأشعر بالاختناق ، فما يحدث شيء غريب لم أتوقعه ، شعر والدي بانزعاجي فجلس بجواري في السيارة ، وأخذ يحدثني ، لم أكن أرغب في الحديث معه ، أو مع أي شخص آخر ، بكيت بحرقة ، وحينها سمعت أبي يقول : أحمد لا يستطيع أن يتحدث معكِ ، فصرخت في وجهه ، لماذا ؟ فالتفت جميع من في السيارة إلي فأقترب أبي مني أكثر وهمس في أذني : لأنه ميت ، تفهمين ، وقع الخبر علي مسامعي كالصاعقة لم أبكي حينها ، ولم أتكلم ، لكني عندما وصلنا للفندق لم أستطيع الوقوف على قدمي حين حاولت الوقوف وشعرت بدوار فسقطت مغشياً علي .

     لم اتحدث مع أحد طوال الوقت ولم أخرج من غرفتي ولم أتصل بأحد ، حاول والدي أن أفتح له الباب لكني لم أفعل حتى الصباح حين سمعت صوت كارولين وهي تطلب مني أن أفتح الباب ، لم يدور بيننا حديث سوى أني سألتها كيف مات أحمد ، فقالت : حادث سيارة ، منذ خمسة أيام ، لم تتحدث كارولين حتى وصلنا منزلها ، فوجدنا زوجها وسام ، وشخصان آخران واحد منهم يعرف أحمد أذكره جيداً لقد قابلته في منزل وسام من قبل ، لكن الجميع واجم ، أخذتني لغرفة جانبية وضمتني بشدة وقالت : أحمد كان يحبكِ كثيراً ، لكنه لن يستطيع أن يحقق لكِ ما تريدين ، أبعدتها عني ، كانت تبكي ، سألتها : هل دفنوه هنا ، فقالت : رحلوا جثمانه منذ ثلاثة أيام ، كانت كارولين لطيفة معي رغم حزنها ، أخبرتني حينها أن والدي كان يعرف منذ اليوم الأول ، تذكرت وجومه في الطائرة وتفكيره الشارد ، لقد كتم تلك المسألة في نفسه ولم يخبر أحداً .

    قالت كارولين أشياء كثيرة ، عن أحمد ، وعما فعله ، وعما كان ينوي أن يفعله ، فكنت أبكي ، فتهدئني ، وأبكي مجدداً ، وتهدئني ، حتى قالت : أحمد ترك شيء ، لكي أعطيكِ إياه فور وصولك لباريس ، لكني تأخرت في ذلك بسبب ما جرى ، وأخرجت علبة من الكريستال ، وطلبت مني أن أفتحها ، فتحتها فوجدت بها ورود مجففة ومفتاح ، وبطاقة بها رقم متسلسل طويل وعنوان بنك ، فسألتها : ما هذا : فقالت : صندوق أمانات في أحد البنوك ، فسألتها : ما به ؟ فقالت : كل ما أعرفه أن به أمور تخصك ورسالة طلب مني أحمد أن أخبركِ أن لا تقرئيها قبل أن تري محتويات الصندوق الأخرى ، ثم غادرت كارولين وأحضرت لي ملابس قالت أنها أشترتها لي وطلبت مني أن أستحم وأبدل ملابسي ، لنذهب للبنك .

     رافقت كارولين للبنك ، اعطيتهم رقم الحساب ، فتحوا لي خزنة الأمانات ورافقني موظف البنك ، ووضع المفتاح في الصندوق ، وطلب مني أن أضع المفتاح الآخر الذي بحوزتي في الفتحة الثانية ثم غادر وتركني ، فتحت الصندوق ، وجدت به ثلاثة أظرف أحدها كبير ، والثاني متوسط الحجم ، وآخر صغير ، ودفتر مذكرات ، أخذت الأظرف الثلاث والدفتر وغادرت البنك .

     ركبت السيارة ، وأمسكت الظرف الصغير لأنه ظرف رسائل ورفعت الورقة من الظرف ، فقالت كارولين : نور يجب أن تحترمي رغبة أحمد أعدت الظرف مع الأظرف الاخرى ، ولم أفتح أياً منها ، ولم أفتح دفتر المذكرات وأنا في السيارة ، فلا أريد أن يشغلني أي شيء وأنا أقرأه ، وطلبت من كارولين أن نمر بعائلتي قبل أن نذهب للمنزل فأخذتني لهم كانوا قد عرفوا بوفاة احمد فغشاهم الحزن ، وخصوصاً والدي الذي كان يكلمه دائماً في الفترة السابقة ، مكثت معهم ما يقارب الساعتين ، ثم غادرت بصحبة كارولين ، لكي أحصل على بعض الهدوء لأستطيع أن أقرأ دفتر المذكرات بتركيز ، فأنا أريد أن أعرف كل شيء حصل ، وأنا في السجن .

     وصلت لمنزل كارولين وما أن غادرت الغرفة  فتحت الظرف الكبير اولاً فوجدت فيه سند ملكية الأرض التي كانت لمشروع مشترك كنا سنقيمه ، وفتحت الطرف المتوسط ، فوجدت فيه دفتر توفير ، به مبلغ خمسة ملايين يورو ، وبطاقتا بنك ، وأوراق لحساب جاري بها مئتا ألف يورو ، ثم الظرف الصغير وأخرجت الرسالة وبدأت أقرأها .

السيدة : نور ..

    يليق لقب السيدة بك أكثر من أي أسم آخر ، فبعد عشرة أيام ستصبحين السيدة : نور بشكل رسمي ، وستقولين هذا على الملأ دون خوف ، أتطلع أن أراكِ في ذلك الوضع ، بل أتطلع أن تكوني بجانبي دائماً .

     كان يجب أن لا أكتب هذه الرسالة ، وكان بإمكاني أن أحكي لكِ كل شيء حدث شفاهية ، لكني لن أتحدث عن الماضي أبداً ، لكونه ماضي ، ولكونه سبب لك الألم والحزن ، لذا قررت أن لا أحدثك عنه ، وسأقول لكِ بعض الأمور في هذه الرسالة ، لكني أريدك أن تقرئي دفتري الذي ستجدينه في صندوق الأمانات ، فهو يعني لي الكثير ، وأرجوكِ حبيبتي ، أن لا تسأليني عن أي شيء قد كتبته ، لماذا كتبته ؟ لأني كتبت كل شيء في ذلك الدفتر بمشاعر لم يخالطها كذب ، ولا نفاق ، بكل تجرد ، كتبت ما شعرت به وما خفت منه ، وما كنت أتوقعه ، وما حدث .

    الخمسة ملاين يورو التي وضعتها في حساب التوفير ، هذه حقك في مشروع فرنسا الذي وقعته مع زوجك قبل أن يمرض ، والأرض هي أرض المشروع الذي كان من المفترض أن يقام عليها ، أما بطاقات البنك ، فهي مهرك ، اعرف أني لم أقدم لكِ الكثير ، ربما لم أشأ أن أجعل المادة هي مقياس علاقتنا ، لكني سأكون معك دائماً ، ولن تحتاجي شيئاً أبداً وأنتِ معي ، لأني سأحقق لكِ كل رغباتك .

     أتمنى أن تستمتع عائلتك في الفندق الذي حجزت أقامتهم فيه ، أما أنا وأنتِ ، لن يرونا قبل شهر من زواجنا ،  فحياتنا الخاصة ستبدأ بعد أيام ، لقد أخبرت والدك بكل التفاصيل ، وقد وافق عليها ، وأنتِ أيضاً وافقتِ ، على الزواج ، لكنكِ لا تعرفين التفاصيل الأخرى .

إلى اللقاء حبيبتي .

أحمد