المعادلة بين الداخل والخارج ..

المعادلة بين الداخل والخارج ..

علينا أن نشعر بالقلق ، وعلينا أن لا نتجاهل الأمور التي تسببه ، فكل شيء يثير القلق في محيطنا ، الاخبار ، الحقائق ، المشاهد المؤلمة ، الموت ، عالم القوى والصراعات ، لكن كل هذا يحدث في الخارج ، والأهم هو ما يحدث في الداخل ، فالأمور العظيمة تصبح مهمة حين تقترب منا ونستشعرها عن قرب ، حين تأثر تلك الأمور على محيطنا ، من حقنا أن نشعر بالقلق .

تحدث أمور كثيرة في العالم صراع على أراضي وصراعات اقتصادية ، كلها صراعات قوى ، وحين نوازن الواقع نكتشف أننا في المحيط تؤثر فينا كل الأحداث العالمية ، وتزعجنا بل وتتدخل في شؤوننا الداخلية أحياناً ، فلو فرضنا أن روسيا سيطرت على اكرانيا ، سنجد أن شأن النفط والغاز طغى على مسائل الاقتصادية المحلية ، ولو افترضنا أن روسيا امتد نفوذها على المنطقة أكثر ، سنكون في موقع مضطرب من العالم ، ولو افترضنا أن أمريكا رفعت يدها عن الشرق الأوسط ستكون الكارثة أكبر .

من الطبيعي أن نتأثر بما حولنا ، ولكي نتجنب تلك الأحداث يجب أن يكون الصف الداخلي متماسك ، ولا توجد به أحداث تفرق الكتلة الصلبة في المجتمع ، بل يكون المجتمع داعم للدولة ولكي نصل لهذه النقطة يجب علينا أن تعمل على تدعيم المجتمع وتقويته ، ورفع مستواه الثقافي والعلمي ، وربطه بمؤسسات مجتمع مدني قوية يمكنها أن تحارب كل الأفكار التي تزرع بذور الانشقاق داخل المجتمع وتحميه من الشروخ الداخلية وتغول السلطة .

فالمجتمع الداخلي لأي دولة لا ترسمه سياسة حكومة بل يرسمه تصور المجتمع ، ورغم أنه يتأثر بقرارات السلطات إلا أن به قدر من الاستقلالية رغم أنه مربوط بشكل أو بآخر بتلك القرارات وكلما اقتربت السلطات الحاكمة من المجتمع ، كلما قلت الفجوة بين المجتمع والسلطة ، فالمجتمع يحتاج تنظيم السلطات لا شك في ذلك لكن السلطات تحتاج المجتمع الذي يمدها بالقوى البشرية والخبرات لكي يعمل معها على وضع أسس مشتركة لا تكون فيها السلطة معزولة عن المجتمع .

ما نشاهده في الأعوام الماضية أن الفجوة بين القيادة والمجتمع بدأت تتسع ، ولها أسباب بلا شك ، أسباب منطقية وغير منطقية ، فالأسباب المنطقية تكون حين تخالف سياسات الحكومات توجه الشعب في بعض الأمور ، والغير منطقية حين تخالف سياسة الحكومات كل رغبات الشعب أو جلها ، فينتج بذلك صراع خفي ، وأقول خفي لأنه لا توجد وسائل لدى المجتمع لكي يخلق صراع صريح ومعلن مع السلطة ، وعند هذه النقطة يجب أن نتوقف ، فلا توجد مؤسسات مجتمع مدني حقيقية ، ولا توجد نقابات وجمعيات ومنظمات أهلية يمكنها أن تتبنى قضايا المجتمع وتدافع عنه .

على السلطات التي تمنع مؤسسات المجتمع المدني أن لا تبتعد كثيراً عن المجتمع وتطلعاته ورغباته لأنها في تلك اللحظة لن تسمع صوته فدائماً الافواه المكبوتة لا تصدر صوتاً لكنها تتحرك أو تتمرد ، والأفضل أن تترك تلك السلطات المساحة للأفواه أن تصرخ وتحدث الصخب لكي تشعر بوجودها ولا تضطر أن تحدث فوضى لكي تلتفت لها السلطات .

السياسة لعبة كبيرة بها كفي ميزان احدهما خارجي والآخر داخلي ، ولو ركزنا على الكفة الخارجية وتركنا الكفة الداخلية سيكون الخلل واضح ، ولو فعلنا العكس أيضاً سنحدث خلل ، وعلينا أن نعرف أهمية التوازن بين الداخل والخارج لكي يكون هناك توازن صحيح فكفة الميزان الخارجية لا تستطيع السلطات مواجهتها بشكل مفرد بعيداً عن المجتمع ، لكن عليها أيضاً أن تخلق الوسائل التي تعطي المجتمع الحق في مواجهة الخارج ، ولنوضح هذه الفكرة لنفرض أن دولة عظمى فرضت علينا اتفاقية مجحفة ، وقبلت بها السلطات ، ما الذي سيحدث لو أن الدولة لا يوجد بها برلمان حقيقي وفعال ، ستقبل الدولة تلك الاتفاقية وستتحمل هي والمجتمع تبعات تلك الاتفاقية ، لكن لو فرضت تلك الاتفاقية على الدولة في وجود برلمان حقيقي وفعال ، سيكون ذلك البرلمان هو خط الدفاع الثاني الذي يمكنه أن يرفض التصديق على تلك الاتفاقية فيحمي الدولة والمجتمع من الاستغلال العالمي .

أمور كثيرة يمكن للمجتمع أن يساند فيها السلطات ، لكن يجب على تلك السلطات أن تخلق له المساحات التي يستطيع من خلالها أن يصنع له وزن داعم للدولة دون تكميم أفواه أو تكبيل حريات ، ومنع تحركات ، بل المساحة دائماً مطلوبة لكي يشعر المجتمع بقيمته ولا يشعر أنه مهمش وينتظر القرارات فقط .

قطر وتصورات مجلس الشورى المنتخب ..

قطر وتصورات مجلس الشورى المنتخب ..

بقلم جابر عتيق ..

علينا ان لا نتفاءل كثيراً بانتخابات مجلس الشورى ، رغم أن المجلس المنتخب مهم إلا أنه يعتبر الخطوة الأولى في الديمقراطية ، وكثيراً ما تشوب التجارب الأولى الكثير من الأخطاء لذا يجب أن تكون هذه المرحلة مرنه لحد كبير ليتمكن المجلس من الوقوف على قدميه وتصحيح الأخطاء ليكون مجلس أصيل يمثل الرأي الشعبي داخل الدولة ، ويعكس رغبة الشعب في القضايا المحلية والسياسية .

علينا أن لا نتفاءل كثيراً بانتخابات مجلس الشورى فالمقترح الانتخابي لم يتولد من ضغط شعبي بل خرج من أدراج الحكومة ووضع على الطاولة ، والكثير من القرارات من هذا النوع تكون تصوراته محدودة وصلاحياته محدودة أيضاً ، ولا أعرف ما هي الصلاحيات التي ستمنح للمجلس وكيفية الانتخاب ، وهل سيكون المجلس بكامله منتخب أم سيكون مقسوم لجزئين منتخب ومعيين .

مجالس الشورى المنتخبة أو البرلمانية ، ليست مهمة فقط للشعب بل هي مهمة أيضاً لحكومات الدول خاصة الدول الصغيرة الحجم فهو يعتبر جدار حماية للحكومة من المشاريع العابرة للقارات مثل مشروع صفقة القرن ، فيكون المجلس منقذ لتلك الحكومة ومبرر لكي لا توافق على صفقات سياسية خاسرة أو مجحفة بسبب وجود برلمان شعبي يملك صلاحية اعتماد الاتفاقيات الدولية التي تفرض على الدول دون أن تكون مقتنعة بتلك الاتفاقات .

لذا يجب على الحكومات التي تفكر بأنشاء مجالس برلمانية منتخبة أن تراعي هذه النقطة وتعطي تلك المجالس الصلاحيات التي تجعلها مجالس فاعلة ، لأن المجلس المنتخب وإن كان يمثل الشعب ويبرز صوته ومطالبه إلا أنه أيضاً يصون كرامة الدولة ويحافظ على مكتسباتها ، ويجعلها أبعد ما تكون عن التبعية السياسية والاقتصادية ، ويعطي للحكومة مساحة لأعاده التفكير في أي قرار سواء داخلياً أو خارجياً ، ويعتبر المجلس المنتخب أو البرلمان أيضاً كابح للنزعات الفردية والقرارات غير المدروسة .

مجلس الشورى المنتخب يجب أن يكون مؤسسة مستقلة ، تبتعد عن هيمنة القبيلة ، وعن هيمنة المصالح ، لذا من المهم أن توضع شروط قوية للمرشحين ، بحيث لا يصل للمجلس إلى الأشخاص ذوي الكفاءة العالية بعيداً عن قوة المال أو القبيلة أو النفوذ ، لكي يكون مجلس عقول لا مجلس بطون .