خريف رجل ..

6f7485339c04c077deb0ecd24ee43de3

خريف رجل ..

     تتساقط الأوراق مني كأوراق الخريف ، انظر إليها باستغراب أتسأل لماذا سقطت وأبتسم فالإجابة معروفة لدي لقد جفت ، التقطت ورقه وقرأت ما فيها فوجدتها تحكي عني ، في المرحلة الابتدائية ، كنت طفلاً حينها ، بكيت كثيراً وضحكت كثيراً ، وأخذت الثانية فوجدتها تتكلم عن عملي الذي اجتهدت فيه ، وأخرى عن الدراسة والمثابرة والنجاح ، وأخرى عن التجارة والربح والخسارة ، وأخرى عن الحب تلك المتعة الأبدية أو التي كنت أضنها أبديه سقطت .

     تأمل الأخيرة كثيراً ، فكيف تسقط ورقة الحب ؟ ولم أمت بعد ؟ كيف يسقط الحب ؟ وما زال قلبي ينبض بالحياة ، وضعتها على الأرض برفق فلا حيلة لدي ، لقد سقطت كما سقط غيرها من صداقه وقرابة وصحبه وعمل ، وبقيت أنا وحدي ، انفض الغبار عن ذاتي ، فسقطت كل أوراقي لا أدري أتركها على الأرض ؟ أم اجمعها ثانية وأضعها على الرف ؟ مثل أي كتاب قرأته فتصبح ذكريات زمن بدلاً من أن تصبح ذكريات فرد .

     بدأت اجمعها ، ورقة تلو الأخرى ، فوجدتها أوراقاً كثيرة ، هل عشت كل تلك الذكريات ؟ كيف سقطت مني دون أن أشعر ؟ كيف فرطت في ذكرياتي ؟ الم تكن تلك الذكريات جميله ؟ الم تكن تمثل حياتي التي عشتها بالحب والألم والسرور والحزن ؟

     تلمست وجهي ، لكي اكتشف الحقيقة ، لمست عيناي التي كنت انظر بها للدنيا تلك العين التي كانت صلتي بالعالم نقلت لي الجمال والحياة والربيع ، وشفتاي اللتان نطقتها بكل شيء كنت أحبه وأكرهه ، وأذني التي سمعت ما يمتعني وما يؤلمني ، وجهي الذي أقبلت به على الدنيا لقد غزته التجاعيد وضعف البصر وثقل اللسان وخف السمع .

     عرفت لماذا سقطت أوراقي ، لقد سقطت لأنه الخريف ، خريف رجل ، يأتي مره واحده ، فتسقط أوراقه صفراء ، وقد يبست ، أغمضت عيني وتمنيت أن يعود الربيع لي مثلما يعود للأشجار وأنا مدرك أن الحياة لا تعود لبني بالبشر ثانية .