الصخب …

الصخب ..

قليلاً من الهدوء لا أكثر هذا ما احتاجه ، ورغم أني أعيش في محيط هادئ إلى أن الصخب ينتشر في داخلي فتلك الأفكار وتلك المشاعر والاحلام والخيالات لا تترك لي مجالاً لأن أتفرد بنفسي في هدوء دون أن يقطع ذلك الانفراد حلم أو شعور أو فكرة أو خيال ، فالصخب لا يكون في الخارج دائماً بل أحياناً يكمن الصخب في داخلنا نحن ، باضطراب افكارنا ومشاعرنا واحلامنا التي نتمنى أن تتحقق ، الصخب أن تتضارب كل تلك الأمور في داخلك دون أن تستطيع السيطرة عليها .

ليست مرحلة الضيق التي تمر بالإنسان نتيجة حدث حزين فقط ، وهذا الأمر حاصل لا شك لكن الاستمرار في الحزن هو دليل على كمون ذلك الحزن في داخلنا دون أن نقاومه أو نتجاهله أو نخلق أمور تعطينا الشعور بالسكينة ، فيبقى الحزن هو ديدن الإنسان وإن ضحك وأن تكلم وإن جامل ، ويعود ليسيطر عليه بمجرد أن يختلي بنفسه ، وشأن الحزن في هذا شأن الأحلام والأمنيات والأهداف التي لم تتحقق ، وترك فينا أشياء تخرج ما أن نستكين لأنفسنا .

هو الصخب الداخلي ، الذي تتضارب فيه كل الأشياء الموجودة في النفس البشرية ، وهو الصخب الذي لا مجال أن نقاومه أحياناً ، ولا مجال أن نمحوه في وقته ، بل يحتاج منا الكثير من الزمن والكثير من التغاضي والكثير من التجاهل ، وأن نقتل أحلامنا ، ونوقف تلك الأفكار الطارئة ونبتعد عن كل شيء في الدنيا ، وربما لا يجدي كل شيء نفعله ويستمر الصخب رغماً عنا .

يستغرب الكثيرون من رغبة البعض في الوحدة والانفراد بأنفسهم ضننا منهم أن الوحدة شيء مرضي إذا أستمر لفترة طويلة ، ولهم الحق في ذلك فالإنسان اجتماعي بطبعه ، لكن يحتاج الأنسان أن يترك لنفسه مجال لكي يرتب ملفاته تلك الأوراق المتناثرة في نفسه ، يريد أحياناً أن يستمع لذلك الصوت الذي في داخله ، ليفهم تلك الأفكار الثائرة ، وتلك الخيالات ، ويعيد ترتيب أمانيه المدمرة وأحلامه الآفلة ، فلا مجال أن يعطي البشر الكثير من وقته ، ولا أن يسمح له أن يدخلوا مجاله النفسي ، فهذه المنطقة محرمة عند من يؤمن بالعزلة والانفراد ، ورغم ما يشعر به من راحه حين يكون وحيداً ، إلا أنه يواجه ذلك الصخب الذي في داخله ويستسلم له ، في الكثير من الأحيان .

جنون لا أكثر

جنون لا أكثر ..

صباحاً بعد نوم متقطع لا أملك بعدة إلا الصداع ، والمزاج المتعكر ، ومزيج من الأفكار السلبية ، حملة حقيبة الكمبيوتر وتوجهت للمقهى ، أجلس هنا وأكتب لكم هذه السطور التي تقرؤنها الآن ، ولا أدري ما سيخرج من تلك النفس المضطربة وأنا اكتبها سوى أصوات وصدى يعكس مدى الفوضى التي تكونت فيها حتى بدت كمخزنٍ قديم ، لم يدخله أحد منذ زمن بعيد ، وبالفعل لم يدخل لتلك النفس أحد ، فالجميع يخشى الظلام ، وأنا تنعكس ظلماتي على ملامحي فلا يقترب منها أحد ، وهذا أمر جيد إلى حد ما ، فهو يجنبني الكثير من الأسئلة والكثير من الملاحظات التي أراها في عيون من أجالسهم .

يقولون أني شديد المراس في الجدل ، لكنهم لا يعرفون لما الجدال يكون عنيفاً ولما يكون لطيفاً ، بل يريدون أن نسير في ركب أفكارهم دون أن نناقشهم أو نعترض فإن اعترضت أزعجهم هذا الاعتراض ، واستفزني ذلك الازعاج ، فتكون ردة الفعل على مستوى الحديث لكي استطيع أن أعرف ما وراء الكلام ، وأزيد في الاستفزاز لكي أنقب في نفس المتحدث أكثر ، وأعرف كل شيء ، ثم تصيبني بلادة غريبة ، تربط لساني عن الكلام ، فأصمت أو أنسحب ، ربما تولدت لدي قناعة من نوع ما أن الحديث لن يفضي إلى شيء ، أو أني اكتفيت من الازعاج الذي أحدثه تصادم فكرة احدهم بانتقادي .

لا أعرف لكن الأمور تسير بهذا الشكل في اغلب الأحيان ، دعونا من المناقشات ، ولنعود لتلك النفس المظلمة من جديد ، ولا يعني اني أجلس مع أشخاص أو أتحدث مع بعضهم أني أملك نفس مستقرة ، فما يكمن في نفسي هذا حرام على الآخرين ، وأضن أغلب من يحيطون بي يعرفون حرمة هذا الموضوع ، أو ربما ذلك الشعر الذي كساه البياض يجنبهم الحديث عن تلك الأمور ، أو ربما جوانب أخرى لا أعرفها ، لكن بالفعل أنا لا أريد أن يدخل أي شخص وينقب في نفسي أو يعبث عما فيها ، فتلك الأعوام التي قضيتها والتي تقترب من الخمسين عاماً ، بها الكثير من الخراب والدمار والفوضى والإزعاج .

لا بد أن يكون هناك بشر في حياتنا ، هذا هو الواقع وهذا الأمر الذي حين نهرب منه يلاحقنا أبنائنا أصدقائنا ، معارفنا زملائنا في العمل ، لكني وجدت طريقة أثبتت نجاعتها في بعض الأحيان ، فأنا أتجنب أن أتعرف على أحد ، حين أذهب إلى أي مكان جديد ، وفلا مشكلة لدي في أن يكون هناك بشر إن لزم الأمر ، لكن المشكلة تكمن في أن أجد أناس أعرفهم فأضطر للمجاملة والحديث .

حديث اشباح ..

حديث اشباح ..

أنا هنا ، يوجد أشخاص في الزمان ، لا أعرف هل هم أشباح ، أم أنا قد تحولت لشبح ، يتحدثون معي ولا يقتربون مني ، واحياناً أناديهم ولا يجيبون ، لكنهم حين يتحدثون إلي أجيبهم ، ومع التكرار أصبحوا يتحدثون إلي باستمرار ، ولا زلت لا أعرف من هو الشبح ، هل أنا ؟ أم هم ؟

ذلك الزمان الذي يربط بين الكلمة والكلمة ، في كل طرف ، ذلك المكان الذي يرسل الحروف ويستقبلها ، أشباح ، تحدث أشباح ، لا يرى أحدهم الآخر ولا يلمسه ، فقط يتحدثون ، دون شيء .

1 أغسطس

حديث النفوس ..

حديث النفوس ..

أين هو الحب ، ذلك العالم الجميل ، ذلك العالم الذي تشعر فيه بتألق الأشياء ، وذلك البريق ، وذلك الجنون ، وذلك الشجن ، وأنا أجلس هنا أرى تلك الأشياء التي كانت متألقة ، كساها الغبار ، وأرى البريق قد خفت ، والجنون  قد صمت ، والشجن قد مات ، وساد الصمت منذ شهور ، كنت أراجع الصمت ، وأنا أعيشه وحدي ، وهو أيضاً يعيشني وحده ، الصمت وأنا ، والاشياء ، تلك الأشياء الصغيرة ، أشيائي التي كنت أحتفظ بها داخل نفسي ، ذبلت ماتت ، لا أدري ، لكنها لا تبرق ولا ترقص ولا تثور ولا تنطق .

والغبار في كل مكان ، قد كساني الغبار ، ولوث اشيائي الجميلة ، وألقى عليها طلاسمه الصامتة ، فخلدت لنوم عميق لا تفيق منه أبداً .

1 يوليو

حديث المرايا ..

حديث المرايا ..

أصبحت أحلم بالمرآة كثيراً أرى تلك المرآة أمامي ، لكني فيها مختلف ، لست أنا ، ليست ملامحي ، وكأن الشخص الذي يجلس خلف المرآة سجن منذ زمن طويل ، وحرم من الكلام ، وحرم من النظر ، وكأنه يقول لي ، أنا ، هو أنت ، أنت أنا ، لا توهم نفسك بأنك مختلف ، فأنت تقبع في الجهة الأخرى من المرآة ، وأنا أشاهدك كما تشاهدني.

أحقاً للمرآة وجهان ، يسكنها في كل اتجاه شخص ، وينظر كلاهما للآخر ، دون أن يتحدثوا ، ويعكس كل منهما صورة الآخر ، لكني لم أشاهد شبيهي في المرآة ، بل أني شاهدت روحه ، وهي تشبهني ، بعكس ملامحه ، ذلك الشخص ، هو أنا من الداخل ، أصبحت لا أعرف من المسجون خلف تلك المرآة التي أحلم بها ، هل هو أنا أم هو شخص آخر ، أم كلانا مسجون في طرف .

1 يونيو

حديث الضنون ..

حديث الضنون ..

تحدث الهزات دائماً ، ربما لا اشعر بها ، لكن فجأة أحياناً أكتشف أن كل شيء أهتز من حولك وأن كل شيء بدأ يتحول من جديد ، رمضان ، سأصوم عن الطعام ، كما أصوم عن الحديث ، وأصوم عن الحياة ، فالصوم اختلك عندي بأشياء كثيرة ، غير الطعام ، قرأت كثيراً ، المصحف كان جاري ، وجدت أخيراً شيء اشعر بصداه في نفسي ، كنت سعيداً بذلك الصدى وهو يتردد .

يتردد ، يتردد ، وما أن انتهى رمضان غاب ذلك الصدى ، وكأن شيئاً لم يهتز ولم يتحرك ، وعاد السكون من جديد ، ورأيت الغبار ، ذلك الغبار نفسه ، كان موجوداً لكني لم اره منذ 30 يوماً ، عاد وكأن رمضان لم يأتي من الأساس ، اخبروني بأن العيد قد حان ، وأن العيد قد غادر ، وأن كل شيء لم يتغير .

l مايو

حديث الجنون ..

حديث الجنون ..

عندما تشعر أن كل ما حولك عبارة عن كذبة لا تريد أن تنتهي ، وحين تنتهي تكتشف أن الحقيقة هي الصمت ، وأن الصمت قد غزا كل شيء حولك ، فكساه بتلك الطبقة التي تعبر عنه في السكون ، فتنثر الغبار فوق كل شيء صامت ، وتكتشف أن الغبار قل كسا كل تلك القطع من الأثاث التي لم يزورها أحد من أمدٍ طويل ، فتشعر بهيبتها ، تتسلل إليك ، وتشعر بشعور الخوف الذي يخلقه الصمت على المكان ، وتكتشف أنك لم تكن موجوداً في تلك الأماكن التي كنت تضن نفسك موجوداً فيها .

تلك الأماكن التي كنت تشعر فيها بالدفء ، والحب والشجن ، لم تكن موجوداً فيها من الأساس ، وأن الغبار قد كساك أنت أيضاً ، فتحولت لقطعة باردة ، يعلوها الغبار ، ولا يريد أن يقترب منها أحد .

1 ابريل