أزمة العالم أزمة طاقة وطعام ..

ونحن نشاهد الازمات التي تحدث للعالم نتيجة الحرب الروسية الاكرانية اكتشفنا أمور كثيرة ربما لم نكن نلتفت إليها في السابق فالأمن الغذائي العالمي كله في خطر نتيجة وقف تصدير  الحبوب الزراعية ومنتجاتها ، كذلك اكتشفنا مدى تشابك الاقتصاد العالمي فلا يمكن لدولة في الوقت الحالي أن تكون مكتفيه ذاتياً في كل شيء ، بل إن الاقتصاد أصبح عالم تختلط فيه الدول بشكل كبير ، وعندما يتم حصار دولة مثل روسيا أو الصين مثلاً سيتضرر الجميع ، المحاصَر والمحاصِر ، بل سيتضرر الاقتصاد العالمي بأكمله إذا كانت الدولة المحاصرة دولة تملك مقدرات كبيرة من الطاقة في باطن الأرض .

وكذلك تبين لنا من الحرب الأوكرانية الروسية أن اقتصاد العالم لا يستغني عن النفط والغاز رغم كل الأصوات التي تنادي باستخدام الطاقة النظيفة وكل المنظمات المدافعة عن البيئة والشركات الصناعية التي تعمل في هذا المجال ، ورغم كل المشاريع التي جَربت كل شيء ، طاقة الرياح الطاقة الشمسية حركة الأمواج إلا أن كل هذه المشاريع لا تتجاوز النسبة التي تجعلها موجودة على خريطة الطاقة العالمية ، بل ما رأيناه من ازمة في أوروبا بسبب مشاكل تصدير الغاز الروسي يجعلنا نجزم أن وقف صادرات الغاز والنفط سيسبب الكثير من الكوارث في العالم ، لذا يقف العالم كله على خط واحد لاستمرار تدفق الغاز والنفط في شرايين الاقتصاد العالمي .

ربما تلعب الأقطاب المتصارعة لعبة عض الأصابع ، لكن الذي يصرخ ليس العالم الأول ولا الثاني بل من صرخ باكراً هي الدول التي تعيش على هامش الحضارة ، تلك الدول التي يعتمد اقتصادها على المساعدات ، فأفريقيا ستضربها المجاعة إن لم تُحل أزمة الحبوب وستعلن الكثير من الدول افلاسها مثلما أعلنت سيريلانكا افلاسها ، والعالم يتفرج من الأعلى على تلك الدول ، والمهم عند الدول الكبرى هو الاستمرار في مد نفوذها لمناطق جديدة حتى لو كان هذا الأمر سيسبب كوارث للعالم بأسره .

أكرانيا .. صراع الولايات المتحدة مع روسيا

أكرانيا .. صراع الولايات المتحدة مع روسيا

علينا أن لا نستغرب من الهجوم الروسي على أوكرانيا ، فهذا أمر طبيعي فأسيا الوسطى عموماً هي الحديقة الخلفية لروسيا وما تعنيه لها تلك الجمهوريات التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي السابق ليس كونها دول فقط بل هي أمن استراتيجي يعلم الغرب بما فيه الولايات المتحدة الامريكية أن روسيا لن تترك لهم المجال للاقتراب منه ، وأن مرحلة انهيار الاتحاد السوفيتي وما تبعه من اختراق غربي في السابق أصبح أمر مرفوض تماماً لدى روسيا .

هذا لا يعني أن ما تفعله روسيا أمر مبرر أو أخلاقي على العكس تماماً فكل الدول الكبرى بما فيها الولايات المتحدة تفعل نفس الشيء فالولايات المتحدة لا زالت تعاقب كوبا كونها أصبحت شيوعية وتدمر أي حكومة معارضة لسياستها في أمريكا اللاتينية .

ودعونا نقرأ الأحداث بشكل صحيح ، فالولايات المتحدة ممثلة في حلف الناتو كانت تدرس ضم أوكرانيا للحلف وهذا بحد ذاته اختراق لمجال الأمن الروسي ، ومنذ العام 2014 واكرانيا تقترب من أوروبا وحلف الناتو بشكل تدريجي ، مما أثار المخاوف الأمنية لدى روسيا ،  ومنذ ذلك الحين كان التدخل الروسي مسألة وقت لا أكثر وهذا ما تثبته الأحداث وتصريحات المسؤولين الأمريكيين لذا لم تحاول الولايات المتحدة أن تزج بجنودها في هذا الصراع ، وهذا النوع من الصراعات وضعت الدول العظمى قواعده في السابق .

ربما تلعب الولايات المتحدة ممثلة في حلف الناتو لعبة التوريط مع روسيا بإشعال منطقة أسيا الوسطى لاستنزاف روسيا وشغلها في ملفات بعيدة عن المصالح الأمريكية في العالم ، فالتمدد الروسي في الأعوام الماضية وصل إلى مناطق نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فتدخل روسيا في سوريا وليبيا وتحالفها مع ايران سبب ارباك للدور الأمريكي في تلك المنطقة وأثر على مصالحها ، وانشغال روسيا في صراعات مفتعلة في أسيا الوسطى سيستنزف روسيا اقتصاديا وعسكرياً ويبعدها عن مناطق النفوذ الأمريكية .

لا يمكننا توقع ما ستؤول إليه الحرب حتى من افتعل الأزمة وحتى من يحارب لا يمكنه أن يجزم بالنتائج فلا روسيا ولا الولايات المتحدة يمكنهما أن تحددان نهاية الحرب فأكرانيا دولة كبيرة المساحة ورغم أن أراضيها في اغلبها سهول إلا أنها يمكن تسبب ازعاج لروسيا لفترة طويلة ، لذى نشاهد أن روسيا تستخدم قوة كبيرة في تحركها العسكري لتثير الرعب وتصل لحل سريع إما عسكرياً أو باتفاق تسيطر من خلاله على ولايتي دونيستك ولوغانسك ، فإذا سيطرت على الولايتين بالقوة العسكرية ستواجه العقوبات الأمريكية والأوربية ، وإذا سيطرت على الولايتين عبر اتفاق مع الحكومة الأوكرانية أتوقع أن تخف العقوبات الاقتصادية المتوقعة على روسيا .

كل شيء ممكن في هذه الحرب استمرارها لوقت طويل او انتهائها بشكل سريع ، وانتهائها بشكل سريع يعني أن الولايات المتحدة نجحت في أن تنشغل روسيا في المناطق القريبة من حدودها وتستنزفها اقتصاديا وتبعدها عن مناطق النفوذ الامريكية ، أو انتهاء الحرب بشكل سريع ، وهذا يعني أن روسيا ستدخل مع الغرب في حرب باردة وتحاول أن تعالج مسألة العقوبات الاقتصادية بتحالفات مع دول مثل الصين ، لكنها ستكون أقوى من ذي قبل وستحاول أن تتمدد أكثر لتكسر الهيمنة الأمريكية .

السياسة والاقتصاد والأمن محور العالم ، وكل المصالح تدور حول هذه النقاط الثلاث ، وكل الحيل والمؤامرات تحاك لكي تستفيد الأطراف القوية وتمد نفوذها بشكل أكبر ، ولا نتصور أن الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين أو أوروبا ستترك تلك الأمور للصدفة أو تتنازل عنها ، لذا أتوقع أن يكون الصراع في الفترة القادمة صراع لا ينتهي في وقت قريب حتى لو انتهت الحرب الأكرانية .