الهوية الإسلامية ..

 

     إن ما نعتقده مستحيلاً يكون مستحيلاً فلو قلت لعربي قبل الإسلام أنكم ستفتحون الشام وفارس لضحك عليك وهذا ما واجهه الرسول صلى الله عليه وسلم في بداية الرسالة أن لا أحد يريد تغير معتقداته ومستحيلاته التي رسمها لنفسه .

     وهذا الأمر تغير والغريب انه تغير بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى يد رجال مثلنا لكنهم عملوا بإخلاص وفهموا أن عقيدة الإنسان والأفكار التي يتبناها هي الموجه الأقوى والدافع الأساسي لتحقيق ما يعتقده البعض أو الكل مستحيلاً ، فسقطت الممالك أمام المسلمين لا لشيء سوى أن من يحاربهم لم يكن يحارب أشخاص عاديين بل يحارب عقيدة راسخة جمعت شتاتاً  لتكون اكبر وأطول إمبراطوريات العالم على مر التاريخ ، هذه العقيدة هي من جعل الأمة الإسلامية تمتد شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً لأن من يتبنى هذه العقيدة ولو كان في الصين يصبح احد أفراد الأمة وله حقوق وعليه واجبات نفس الشخص الذي يسكن العاصمة الإسلامية في ذلك الوقت.

     ما جعل الإسلام قوة ليست أرض الجزيرة العربية ولكنها العقيدة التي خرجت من وسط الشتات والنزاعات والتمزق والضياع ، فأساس العقيدة الإسلامية هو استيعاب الشعوب بكل ألوانها والتعايش مع الديانات الأخرى على أساس الاحترام لذا امتدت وانتشرت لمخاطبتها العقل بشكل مباشر ، بقيت هذه الأسس والأفكار العقائدية هي الرابط الأقوى وكثير ممن حموا الإسلام ليسوا عرباً حركتهم نفس العقيدة التي حركت العرب قبلهم .

     إذن من الطبيعي أن من يحارب هذه الأمة يركز على عقيدتها لإيمانه أنه لا عزة للمسلمين دون التمسك بعقيدتهم ، لكن الخطأ الأكبر لم ينتج عن المنتسبين لأديان أخرى بل نتج من المسلمين أنفسهم ، فبعد حكم الخلفاء الراشدين انتقل الحكم إلى سلالات معينة حتى سقوط الدولة العباسية ، والمشكلة الأكبر حصلت في فترة الخلافة العثمانية حيث تركزت القوة والثراء والمعرفة بيد الأتراك وقد خدموا الإسلام خدمات جليلة لكنهم أضاعوا عقيدة العرب وهمشوهم في فترات حكمهم الأخيرة فانتشر الجهل والقومية وعاد لسان الماضي يصرخ من جديد (( نـحـن عرب )) وهذا هو الخطأ الأكبر الذي فعلناه أن ننتمي لقومية دون الانتماء لعقيدة فالقومية ليست محرك للانتشار بل محرك للتقوقع والفردية .

     لم تجد بريطانيا وفرنسا مشاكل كثيرة في تقسيم أناس تركوا عقيدتهم وتقوقعوا في قوميتهم فجزئوا تلك القومية (( انتم عرب ولكنكم مصريون أو سعوديون أو سوريون أو قطريون )) وبهذا أصبح الانتماء الإسلامي في الدرجة الثالثة من سلم أولويات الفرد المسلم ففي المرتبة الأولى الدولة ثم القومية ثم العقيدة  ، ومع مرور الزمن أصبحت الدول منتمية لنفسها محتضنة لتاريخها القديم جداً فأصبحنا نسمع نـحـن فراعنة أو نـحـن بابليون ونـحـن أصحاب الحضارة .

     وفي هذا الزمن جاء دور تجزيء المجزئ وتقسيم ما قسم وتقطيع أوصاله وهدم أركانه بل دخل معنى التقسيم في نفوسنا فلا يشعر من هو في مصر بمن هو في السودان وإن شعر لا يتحرك وإن تحرك بعد فوات الأوان ، فلا نلوم غيرنا نـحـن المسلمون العرب لأننا قبلنا كل ما طرح لنا دون الحفاظ على عقيدتنا التي كانت سبب المجد والعزة والمنعة التي كنا ننعم بها ، إننا  نقبل كل شيء لأي شيء وسيطرت علينا الفردية والأنانية والغرور فأصبح كل شعب ينظر للشعوب الأخرى نظرة دونية أو نظرة إحتقارية أو نظرة استغلالية فيقيس علاقته بالشعوب الأخرى على مدى استفادته منها .

     لقد بدأت المسافة تزداد بعداً بين الشعوب العربية بالفعل وبدأت الانتماءات تزداد فبعد الانتماء للدولة جاء الآن دور الانتماء للطائفة أو المذهب ليمزق أرجاء هذه الأمة التي أصبحت تستمتع بالتمزق وتقدس المصالح الجزئية فلا تنظر بعين العقل لما فيه الرفعة والتقدم والمصلحة العامة .

     أصبحنا نتبنى مذاهب ونظريات غربية لا تمت إلينا بصلة بينما بدأت بعض الدول الغربية تطبق بعض النظم الإسلامية في الاقتصاد وهناك أصوات أخرى في الغرب تدعوا أن يقتبس بعض أجزاء قانون الأحوال الشخصية من الإسلام ، وأورد نقطه مهمة جداً لمن يخاف من الإسلام أن اغلب العلماء والمفكرين الإسلاميون لا يتميزون بالتشدد لكنهم وجدوا في الفكر الإسلامي فكر جامع يمكن أن يتفق عليه الجميع ، وسأطرح ما طرحه غيري ، لماذا لا نجرب الإسلام ؟ كما جربنا الشيوعية والعلمانية وغيرهما من المذاهب والنظريات أليس السلام جدير بأن يجرب كما جرب غيره ؟