ما هذا الجدل .. 1

ما هذا الجدل .. 1

ما هذا الجدل ؟ وما هذه النزاعات التي تثور بشكل دائم بين البشر على بسبب قضايا حدثت من مئات السنين ؟

عندما أنظر للمشادات التي تحدث بين السنة والشيعة ، والمشاجرات التي تحدث بين أنصار تركيا واعدائها ، وبين الموالين للغرب والاسلامين ، وأرى الغوص في التاريخ للبحث عن الأخطاء من جهة ، ومن جهة أخرى لتبرير احداث التاريخ ، وحين أرى تلك النزاعات انتقلت من وسائل التواصل الاجتماعي لأروقة السياسة ، اتأكد أن أمتينا الإسلامية والعربية ، ستبقى ضمن مراجع التاريخ ولن تخرج منه للأبد .

نريد أن نعيش في الواقع ، بقوانين القرون الماضية ، ونريد أن نفسر أحداث الماضي ، بقوانين الحاضر ، ونريد أن يكون الطرف الآخر مجرم بأي شكل من الأشكال ، ونريد أن ننتصر مهما كان الثمن ، ويا ليت الصراعات التي سنخوضها بخلفياتنا التاريخية ستحرر الأوطان أو ستبني لنا مجداً تفتخر به الأجيال في المستقبل ، أو ستعطينا قوة نستطيع من خلالها أن نبسط نفوذنا على العالم أو نكون في مصاف الدول الكبرى على أقل تقدير .

جدل متواصل من يدخل فيه لا يخرج منه أبداً باحثون واكاديميون لا يقدمون لنا دراسات منهجية بل دراسات ممولة في توجه معين إما مع أو ضد ، وحوارات جانبية كثيرة تدور ، واعمال فنية ومسلسلات كل هذا يحدث لكي يزرعونا في الماضي ، ولكي نبتعد عما نعانيه من مشاكل كثيرة في الواقع ، فلو استبدلنا الجدل بين الشيعة والسنة عن أحداث كربلاء مثلاً بمناقشة مشكلة الفقر في الوطن العربي لوجدنا لتلك المشكلة آلاف الحلول ، ولو أننا حولنا المحاضرات التي تنتقد أو تؤيد الدولة العثمانية لدراسات تبحث في سبب تخلف البحث العلمي في دولنا الإسلامية ، لتمكنا من بناء جامعات ومدارس على اعلى مستوى .

لكننا مصممون أن نبقى ضمن سجلات الزمن الماضي ، وفي فهارسه وسطوره الباهتة ، نبحث عن الأخطاء أو نبحث عن الامجاد ، ولا ننظر لواقعنا المتدهور ولا نبحث عن الحلول المناسبة لمشاكلنا التي نعيشها ولا نواجه أعداءنا ، ولا نفكر في تنمية البشر ولا الحجر ، سخرنا كل وسائل التطور لتساعدنا في التنقيب في سجلات الزمن الماضي في حين أن اغلب دول العالم استخدمت نفس الوسائل لترتقي وتصنع لها مجداً تفتخر به ، بينما نحن صنعنا لأنفسنا مشاكل جديدة تضاف لمشاكلنا الحالية .

لا أدري متى سينتهي هذا الجدل ؟ ومتى سنفيق من سكرة الماضي التي نعيشها ، نريد أن نفسر كل شيء حصل في التاريخ ، ونريد أن نجد له حلول ، ونريد أن ننتصر بأثر رجعي على أعدائنا ، لكننا في الواقع نخسر حاضرنا ولا نستغل الفرص التي تتاح لنا لكي نتعلم وننتج ونصنع ونزرع ونتطور .

المؤسف أن الجدل الذي يحدث لا يستخدمه الأشخاص فقط في سائل التواصل الاجتماعي بل تستخدمه بعض الدول لتبرر وجودها وتقنع شعوبها أننا اعمق من غيرنا ، ولنا حضارة اقدم ونملك ثروة اكبر ، ونحن اقوى ، ونحن ارقى ، ونحن ، ونحن ، ونحن .

نفتخر بالسراب ، ونبني لا لكي نصنع تاريخاً بل لكي نتفاخر على بعضنا البعض ، ويعاير بعضنا بعضاً ، وفي العشر سنوات الأخيرة أصبحنا نقتل بعضنا بعضاً للأسف .

علينا أن نعود للواقع ونطرح مشاكلنا على الطاولة ، على الحكومات أن تنظر للتاريخ على أنه مصدر للعبرة ، ومصدر للمعلومات لا أكثر ، وتنظر للواقع بشكل جاد تناقش مشاكله وتعالجها وتصنع تاريخ جديد يجعلنا على أقل تقدير نكسب احترام العالم ، وعلى الشعوب أن تكون أكثر وعياً ولا تنساق خلف كل فكرة ، وتتبع كل حوار او جدل يثور ولا يولد إلى الدخان ، على الشعوب أن تعرف أن الماضي انتهى بما له وما عليه وأن ما يمكننا التأثير فيه هو الواقع ، وما يمكنها أن تبني فيه هو المستقبل .

يتبع ….