رواية الثقب الاعوج

الثقب الاعوج رواية الكاتب جابر عتيق

https://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb378388-375162&search=books#.YrRgkQYDuKU.link

ضغينة ..

أحياناً يحمل الأشخاص ضغينة أكبر مما نتوقع دون سبب …

ضـغـيـنـة

لم تكن تلك الابتسامات التي كنا نتبادلها مصدر إعجاب بل كانت تخفي ورائها الكثير من الضغينة ، والكثير من الحقد ربما لا احقد عليه أنا لكني دون شك أحمل له من الضغينة مالا يمكنه أن يتصوره ، وحين اعود للواقع لا أجد من ذلك الرجل أي تصرف سبب هذه الضغينة في نفسي ، فمنذ اللقاء الأول كان انطباعي عنه سيء ، نظراته الحادة نبرة صوته المقرفة ، جعلتني لا اتقبله على الإطلاق ، لذا سعيت منذ ذلك اليوم أن أدمره ، فافتعلت المشاكل في كل عمل يقوم به ، وأنا متأكد أنه يعلم أني أقف خلف تلك الأمور المزعجة التي يواجهها في العمل ، ومتأكد أنه لو كان بمقدوره أن يدمرني لفعل ، فكم الفخاخ التي نصبتها له اوقعته في الكثير من المشاكل التي خرج منها مشوهاً ولولا أن علاقاته لا تزال جيدة ببعض المسؤولين ، لتم طرده من العمل دون شك .

لا اعرف لما أبغضه ، ولا اعلم لما ينمو البغض في نفسي ويكبر كلما رأيته ، لا اجد في نفسي سبب حقيقي لذلك ، ورغم ذلك اشعر بالسعادة حين يقع في مشكلة افتعلتها له ، بل ربما يفوق شعوري السعادة ذاتها واصل لمرحلة الرضا عن النفس ، فأكون راضٍ عن نفسي كل الرضى في تلك المواقف .

الغريب في الأمر أن ذلك الشخص لم يتهمني بشكل مباشر ، ولم يقل أي كلمة سيئة في حقي رغم معرفته بكم البغض الذي احمله له ، وفي إيماني أنه إنسان خبيث يخفي ما يريد ولا يصرح به ، بل حين أراه في العمل اشعر بأنه يخبئ سكيناً خلف ظهره .

اخبرني السكرتير اليوم أنه طلب مقابلتي ، تجاهلت حديثه لكنه بعد نصف ساعة اخبرني أنه عاود الطلب ، فطلبت منه أن يأخره قدر المستطاع ، فأنا أتمنى أن يمل ويرحل عن مكتبي دون أن ألتقيه ، ورغم ذلك انتظر ولم يغادر ، فاضطررت أن استقبله ، ولم يكل لقائنا طويلاً ، لأنه جاء كما يقول ليسلم علي ويشكرني ، بعد أن قدم استقالته من العمل ، وبقيت كلماته ترن في اذني إلى الآن “اشكرك لأني تعلمت منك ما لم اتعلمه في حياتي ” .

ما ازعجني ليست كلماته الملغزة ، ولا ملامحه التي لا أطيقها ولا نظراته الحادة التي تستفزني ، بل ما أزعجني أنه سيرحل وسأفقد برحيلة تلك المتعة التي اشعر بها في نفسي من اذيته ، وأيضاً أزعجني أنه سيرحل قبل أن ادمره ، قبل أن اشفي غليلي وأنا اراه ينهار .

لم ادعو له بالتوفيق ، ولم أتمنى له الخير حين اخبرني بأمر الإسقالة ، بل حاولت استفزازه ، كنت اريد أن يخرج من فمه أي كلمة لكي اصرخ في وجهه وأطرده من مكتي لكنه لم يمنحني تلك الفرصة إلى حين صافحني قبل أن يخرج ، حينها قال : أنت مريض نفسي ويجب أن تتعالج ، حينها سحبت يدي من يده وصرخت في وجهه : اخرج من مكتبي .

جلست على الكرسي واسترجعت كل ما افتعلت له من اذى ومشاكل ، وشعرت أن كل ما فعلته لا يصل لأثر كلماته الأخيرة  التي جعلتني أتمنى أن اقتله قبل أن يخرج .

موسم الندوات ..

أن تعقد ندوة فأنت توصل صوت الثقافة لأشخاص ، وأن تعقد موسم للندوات ، فأنت تقيم مهرجان ثقافي يتواصل فيه الجمهور مع مجموعة كبيرة من العلماء والمثقفين والفنانين والأدباء والمبدعين ، فيجب أن نسعد بأن الثقافة أصبح لها موسم يسلط الضوء على مخرجات العقول المبدعة التي يمكنها أن تعطي المواد التي تتعامل معها قيمة حقيقية تعكس مدى أهميتها فالعالم يفتح لنا نوافذ العلم والفنان يحدثنا عن دوره والأديب يرسم لنا صوره لأعماله والمثقف ينقلنا لتصورات أخرى وأفاق جديدة ، وقس على ذلك كل المجالات وكل التخصصات .

موسم للندوات بحد ذاته أنجاز واعتبر أن موسم الندوات هو الموسم الأبرز وسط مواسم المهرجانات والتسوق والاحتفالات ، التي اكتسحت الأقطار العربية ، فكما للبهجة مواسم يجب أن يكون للثقافة والعلم والمعرفة مواسم ، تحتفي بالعقول وترينا الإبداعات المحلية والعربية والعالمية في كل المجالات ، وتتيح لنا الفرصة لكي نلتقي بالنخب المثقفة ونناقشها ونستفيد من معارفها .

الندوات تتجاوز حدود التنظير وتخلق جو من النقاشات وتبادل الآراء ، وهذه الأمور تقلص فجوة التواصل مع الجمهور وتخلق أجواء جاذبة للشباب من الجنسيين للالتقاء بالرموز في كل المجالات لاكتساب المعارف وتنمية الخبرات لديهم ، وعلينا أن نعمل على أنجاح موسم الندوات بكل الوسائل المتاحة ليحصل هذا الموسم على الزخم الذي يجعله يستمر ويتطور ، فحاجتنا للمعرفة ضرورة يجب أن لا نهملها .

من الجيد أن نجد جمهرة ثقافية في هذا العام الذي ستقام فيه بطولة كأس العالم في قطر فمن الجميل أن تكون هناك فعاليات ثقافية مصاحبة للبطولة العالمية التي جعلت من قطر محط انظار العالم ، وعلى العالم أن يعرف أن الرياضة هي أحد المجالات التي تهتم بها الدولة وأن لدينا اهتمامات أخرى لا تقل أهمية عن تلك البطولة العالمية نهتم بها ونقيم لها فعاليات ، وموسم الندوات مرآة جميلة للمشهد الثقافي في قطر وأتمنى أن تنتقل عدوى الفعاليات الثقافية لكل الدول العربية ، وتصبح الفعاليات والمواسم الثقافية والعلمية والأدبية من الأولويات وتتجاوز مرحلة الخمول الحالية .

رمضان كريم

كل عام وأنتم بخير اعاده الله عليكم بالخير واليمن والبركات .

تغليف الواقع بالوهم ..

تغليف الواقع بالوهم ..

تعتمد الأحزاب في العالم على أساليب عدة لكسب الأصوات منها ، سن قوانين ، مشاريع ، سياسات ، تخفيض ضرائب ، وجزء من هذه الوعود وهمية في الأساس لكن الأحزاب تروجها  لكي تكسب الأصوات وتصل لمقعد السلطة .

وهذه المسألة موجودة أيضاً في عالمنا العربي ، لكن الفرق بين الأحزاب التي تصل للسلطة في نظام انتخابي سليم تختلف كل الاختلاف عن الدول التي تعين فيها الحكومات التي تبيع الوهم للمواطنين ، وفي الواقع لا تستطيع تلك الحكومات أن تحقق وعودها ، ولا يستطيع الشعب أن يحاسب تلك الحكومات .

يختلف الهدف من الانتخابات بين وضع ديمقراطي سليم ووضع ديمقراطي مشوه أو معدوم ، ففي الوضع الديمقراطي السليم ، تستخدم الأحزاب تلك الحيل لكي تصل للسلطة ، وبعد وصولها للسلطة تخضع لنظام رقابي ومحاسبي دقيق ربما يطيح بها إن لم تحقق الوعود التي قطعتها للناخبين في مرحلة الانتخابات ، لذا لا تكون المسائل الوهمية كبيرة في برامجها الانتخابية بل محدودة لا تؤثر على مسألة بقاءها في الحكم .

أما في النظام الديمقراطي المشوه أو المعدوم ، تلجئ الحكومات للترويج لنفسها بأمور وهمية كثيرة ، كادعاء النجاح ، أو عبر مشاريع لا تتحقق ، أو عبر وعود زائفة ، أو إخفاء اخطائها وادعاء النجاح وتحقيق الإنجازات ،  لكي تُسكت الشعب عن المطالبة بحقوقه ، وفي النهاية لا يستطيع الشعب أن يراقب أو يحاسب تلك الحكومات أو أن يزيحها عن السلطة .

أمور كثيرة تُروج للشعوب العربية خارج نطاق الواقع ، كخلق تصور لدى الشعوب بأن التطور هو مجموعة مباني جميلة تزين البلد ، وفي الحقيقة أن التطور يختلف كل الاختلاف عن تلك الصورة البراقة التي تروج لها الحكومات العربية ، ربما يكون العمران جزء من التطور لكنه لا يمثله بشكل حقيقي ، فصيانة القانون وخلق نظم وأليات صحيحة في الإدارة وبناء مؤسسات مجتمع مدني فاعلة ورفع المستوى التعليمي والصحي ، تمثل التطور بشكل حقيقي بعكس المباني التي تعتبر صورة جميلة فقط لا تعكس تطور البلد من معدمه .

وفي السنوات الأخيرة أصبحت الديمقراطية العربية وهم يروج على نطاق واسع ، ولا أقول أن الحكومات تسير في هذا الاتجاه بل هي تعمل على الشيء ونقيضه ، فبينما تدعي الحكومات في بعض الدول العربية أنها تسير للديمقراطية بشكل تدريجي ، تروج أيضاً أن الشعوب لا تحمل الثقافة والفكر الذي يؤهلها للعمل الديمقراطي ، فتخلق مجالس وبرلمانات مشوهة وتفتعل أزمات لتثبت حقيقية ادعائها وتخلق جدل مجتمعي يشوه الديمقراطية ، كأن تقرر انشاء مجالس بصلاحيات ناقصة تكبلها ، او ترشيح أعضاء لا يتمتعون بالكفاءة . فينتقد الرأي العام تلك المجالس بل يتهمها بالتقصير والفشل ، وفي الأساس يكون الفشل مفتعل لكي يثبت فشل الشعب في إدارة العملية التشريعية .

أمور كثيرة تروج لنا في الوطن العربي على انها إنجازات ، لكنها للأسف إنجازات وهمية لا تخدم الدول ولا تصب في صالح الشعوب ، وللأسف لا توجد أصوات حرة نتقد الواقع وتكشف حقائقه ، فكل وسائل الأعلام في الدول العربية مسيسة من صحف ومجلات وقنوات تلفزة ، والمثقفون إما تم شرائهم أو تم زرع الخوف في نفوسهم لكي لا يتحدثون .

المعادلة بين الداخل والخارج ..

المعادلة بين الداخل والخارج ..

علينا أن نشعر بالقلق ، وعلينا أن لا نتجاهل الأمور التي تسببه ، فكل شيء يثير القلق في محيطنا ، الاخبار ، الحقائق ، المشاهد المؤلمة ، الموت ، عالم القوى والصراعات ، لكن كل هذا يحدث في الخارج ، والأهم هو ما يحدث في الداخل ، فالأمور العظيمة تصبح مهمة حين تقترب منا ونستشعرها عن قرب ، حين تأثر تلك الأمور على محيطنا ، من حقنا أن نشعر بالقلق .

تحدث أمور كثيرة في العالم صراع على أراضي وصراعات اقتصادية ، كلها صراعات قوى ، وحين نوازن الواقع نكتشف أننا في المحيط تؤثر فينا كل الأحداث العالمية ، وتزعجنا بل وتتدخل في شؤوننا الداخلية أحياناً ، فلو فرضنا أن روسيا سيطرت على اكرانيا ، سنجد أن شأن النفط والغاز طغى على مسائل الاقتصادية المحلية ، ولو افترضنا أن روسيا امتد نفوذها على المنطقة أكثر ، سنكون في موقع مضطرب من العالم ، ولو افترضنا أن أمريكا رفعت يدها عن الشرق الأوسط ستكون الكارثة أكبر .

من الطبيعي أن نتأثر بما حولنا ، ولكي نتجنب تلك الأحداث يجب أن يكون الصف الداخلي متماسك ، ولا توجد به أحداث تفرق الكتلة الصلبة في المجتمع ، بل يكون المجتمع داعم للدولة ولكي نصل لهذه النقطة يجب علينا أن تعمل على تدعيم المجتمع وتقويته ، ورفع مستواه الثقافي والعلمي ، وربطه بمؤسسات مجتمع مدني قوية يمكنها أن تحارب كل الأفكار التي تزرع بذور الانشقاق داخل المجتمع وتحميه من الشروخ الداخلية وتغول السلطة .

فالمجتمع الداخلي لأي دولة لا ترسمه سياسة حكومة بل يرسمه تصور المجتمع ، ورغم أنه يتأثر بقرارات السلطات إلا أن به قدر من الاستقلالية رغم أنه مربوط بشكل أو بآخر بتلك القرارات وكلما اقتربت السلطات الحاكمة من المجتمع ، كلما قلت الفجوة بين المجتمع والسلطة ، فالمجتمع يحتاج تنظيم السلطات لا شك في ذلك لكن السلطات تحتاج المجتمع الذي يمدها بالقوى البشرية والخبرات لكي يعمل معها على وضع أسس مشتركة لا تكون فيها السلطة معزولة عن المجتمع .

ما نشاهده في الأعوام الماضية أن الفجوة بين القيادة والمجتمع بدأت تتسع ، ولها أسباب بلا شك ، أسباب منطقية وغير منطقية ، فالأسباب المنطقية تكون حين تخالف سياسات الحكومات توجه الشعب في بعض الأمور ، والغير منطقية حين تخالف سياسة الحكومات كل رغبات الشعب أو جلها ، فينتج بذلك صراع خفي ، وأقول خفي لأنه لا توجد وسائل لدى المجتمع لكي يخلق صراع صريح ومعلن مع السلطة ، وعند هذه النقطة يجب أن نتوقف ، فلا توجد مؤسسات مجتمع مدني حقيقية ، ولا توجد نقابات وجمعيات ومنظمات أهلية يمكنها أن تتبنى قضايا المجتمع وتدافع عنه .

على السلطات التي تمنع مؤسسات المجتمع المدني أن لا تبتعد كثيراً عن المجتمع وتطلعاته ورغباته لأنها في تلك اللحظة لن تسمع صوته فدائماً الافواه المكبوتة لا تصدر صوتاً لكنها تتحرك أو تتمرد ، والأفضل أن تترك تلك السلطات المساحة للأفواه أن تصرخ وتحدث الصخب لكي تشعر بوجودها ولا تضطر أن تحدث فوضى لكي تلتفت لها السلطات .

السياسة لعبة كبيرة بها كفي ميزان احدهما خارجي والآخر داخلي ، ولو ركزنا على الكفة الخارجية وتركنا الكفة الداخلية سيكون الخلل واضح ، ولو فعلنا العكس أيضاً سنحدث خلل ، وعلينا أن نعرف أهمية التوازن بين الداخل والخارج لكي يكون هناك توازن صحيح فكفة الميزان الخارجية لا تستطيع السلطات مواجهتها بشكل مفرد بعيداً عن المجتمع ، لكن عليها أيضاً أن تخلق الوسائل التي تعطي المجتمع الحق في مواجهة الخارج ، ولنوضح هذه الفكرة لنفرض أن دولة عظمى فرضت علينا اتفاقية مجحفة ، وقبلت بها السلطات ، ما الذي سيحدث لو أن الدولة لا يوجد بها برلمان حقيقي وفعال ، ستقبل الدولة تلك الاتفاقية وستتحمل هي والمجتمع تبعات تلك الاتفاقية ، لكن لو فرضت تلك الاتفاقية على الدولة في وجود برلمان حقيقي وفعال ، سيكون ذلك البرلمان هو خط الدفاع الثاني الذي يمكنه أن يرفض التصديق على تلك الاتفاقية فيحمي الدولة والمجتمع من الاستغلال العالمي .

أمور كثيرة يمكن للمجتمع أن يساند فيها السلطات ، لكن يجب على تلك السلطات أن تخلق له المساحات التي يستطيع من خلالها أن يصنع له وزن داعم للدولة دون تكميم أفواه أو تكبيل حريات ، ومنع تحركات ، بل المساحة دائماً مطلوبة لكي يشعر المجتمع بقيمته ولا يشعر أنه مهمش وينتظر القرارات فقط .

شيء من الواقع ..

شيء في الواقع ..

على ماذا نتحس في دولنا العربية ، هل نتحسر على مجد قد ضاع من قرون ؟ ام نتحسر على ثروة لم نحسن استخدامها ؟ أم نتحسر على شعوب لا تبحث إلا عن المأكل والمسكن فقط ؟

تستهلكنا الحياه وندور في دوامتها التي افتعلت من حولنا ، لنبقى ندور فيها حتى النهاية ، لا نبحث عن شيء سوى الأساسيات ثم بعد الأساسيات اصبحنا نبحث عن التفاهة والكماليات ، ولا نسأل أنفسنا لما تتجاهل الشعوب العربية في الكثير من الأحيان القضايا الملحة التي تمس الإنسان العربي بشكل مباشر ؟ لكن حين ندقق في الأمور حولنا سنكتشف لما يحدث هذا التجاهل ولما الشعوب العربية إن اهتمت بقضية اهملت عشر قضايا غيرها .

هناك عدة أسباب نستطيع أن نبني عليها التفسير أولها : تفكك الأسرة بسبب عمل الزوج والزوجة وأن الأسرة التي كانت تعتمد في تربيتها على الإسلام ومبادئ الاخلاق أصبحت تعتمد في التربية على أمور أخرى دون أن تزرع العقيدة والمبادئ بشكل أصيل في نفوس الأطفال ، وثانيها : أن الأولويات لا تغرس في الكبر بل تغرس في الصغر ولو انتبهنا للتعليم وما تحتويه المناهج التعليمية لاكتشفنا أن التعليم انحنى لمنحى علمي في الوطن العربي واهمل تلك المناهج الانسانية أو لنقل تم تصفية المواضيع الحساسة من تلك المناهج كالجهاد والقضية الفلسطينية وغيرها من القضايا ، فيخرج الطفل لا يحمل تصور حقيقي لمحيطه الإقليمي ولا يعرف أولوية القضايا التي تمس الكيان العربي والإسلامي أم ثالها : فوسائل الإعلام العربية التي ترى الأحداث المهمة والحساسة دون أن تضعها موضع الاهتمام ، فقنوات الأغاني والأفلام والمسلسلات التي يتعلق بها الشباب على وجه الخصوص ، لا تتوقف مهما حصل في الأمة من كوارث ومصائب وفواجع ، فهي تعمل على الترفيه فقط دون الأخذ بالاعتبار أن التسلية لها موضعها من الحياة ولا تشمل الحياه كلها كذلك لا ننسى أن وسائل الإعلام في الوطن العربي كلها مسيسة ولا تخرج عن التوجيهات التي تأتيها من السلطات الحاكمة .

وحين ننظر للواقع نكتشف حجم الضياع الذي نعيشه فالهوية المشتركة للعالم العربي تفككت وأنحلت واصبح كل قُطر يبني هويته بتوجيهات السلطات الحاكمة ، ويزرع في نفوس النشء ما تريده تلك السلطات التي تضع جدول الأولية للأمن دون غيره من القضايا ، ولا اعني أمن المواطن بالتأكيد بل أمن السلطات نفسها ، فتم زرع الخوف والحذر في نفس الإنسان العربي ليكبل نفسه بنفسه ويفكر ألف مره حين ينظر لنفسه في مرآة الحقيقة ويكتشف أنه لا شيء في الواقع .

علينا أن نعيد الاعتبار للعلوم الإنسانية في عالمنا العربي فالعلوم الإنسانية هي التي تخاطب الإنسان وتجعله يتصرف بشكل سوي ، وعلى الحكومات العربية أن تخفف من واقع الرعب الذي تحبس فيه الإنسان لكي يتحرر عقله ويضع الأمور حسب اولوياتها في حياته ، وأن يعرف أنه لا شيء إن انعزل عن محيطه .

حدود الفكر ..

حدود الفكر ..

علينا أن لا نؤمن بأفكار أحد ، يمكننا أن نعجب بأفكاره دون أن نعتبرها مسلمات ، فحين نؤمن بأفكار أي إنسان فنحن نسلم له دون تفكير ، وعند هذه النقطة نحن نلغي عقولنا تماما ، فالإيمان تسليم دون نظر أو تفكير أو نقاش ، وهذا ما نعانيه نحن المسلمون حين يكون الحديث عن الدين ، فليس كل الدين إيمان ومسلمات ، بل أجزاء منه وأجزاء بسيطة محددة لا تتجاوز القواعد الأساسية التي يبنى عليها الدين .

فالإيمان بوحدانية الخالق وصدق الرسل والأركان ، والغيب الذي لا يمكننا أن نراه وسلما به كيقين أن الخالق لا يقول إلا صدقاً ، فنقاط الأيمان في الدين لا ننقضها ويمكننا أن نبررها أو ندافع عنها بواقع فكري ، لكن ما سوى تلك النقاط الأساسية في الدين ، يمكننا أن نتحدث عنها ويقع هذا تحت طائلة الأخذ والرد والنقاش .

ولنضع القرآن الكريم كمقياس لما أراد الخالق أن نكون عليه نحن البشر ، فالله عز وجل أنزل القرآن لكنه ترك تفسيره للبشر ، ولم يضع له تفسير محدد يلتزم به كل المسلمون ، بل ترك هذه المهمة للاجتهاد والاجتهاد بحد ذاته فكر لأنه يقع في حيز التفسير لما هو موجود وما هو ممكن .

فإذا كان كلام الله عز وجل يمكننا أن نفسره على أوجه مختلفة ، دون أن نخرج عن الأساسيات والمسلمات ، فعلينا أن نفهم أن حدود الفكر أكبر بكثير في واقعنا من حدود الأيمان لأن حدود الفكر هي التي ترسم لنا شكل الحياة بواقع سليم ، دون أن نكون مكبلين بأفكار لا نفهمها ولا نناقشها ولا ننقضها ، وإذا كان الفكر هو مصدر الإيمان ، فمبدأ التبصر والتفكر رسخ بشكل قوي في كتاب الله ، علينا أن لا نتركه وعلينا أن نعمل من خلاله ، فلا يمر شيء دون أن ننظر ونفكر فيه ، وعلينا أن لا ننظر للدين كله كمسلمات ايمانية دون أن نسأل ونستوضح ونتحقق ونناقش ، فالإنسان في تكوينه النفسي والجسدي الذي يتضمن العقل ، حين يقتنع بأي فكرة يتبناها ويعمل بها ، لكن حين تفرض عليه الأفكار دون قناعة يبحث عن مخارج أخرى لكي يتخلص منها ، لأنها بكل بساطة فرضت عليه دون أن يقتنع بها .

لذا علينا أن لا نسلم لأي فكرة لا نكون مقتنعين بها ، يمكننا أن نتجاهلها أو نحللها وننقضها لكننا لا يجب أن نعتبر الأفكار الدينية أو غير الدينية مسلمات ، بل علينا أن نضعها في سياقها الصحيح ، فهي إما نتجت من واقع تفسير للنصوص أو من واقع معايشة وخبرة أو من واقع اجتهاد فكري ، وكل هذه الأمور يجب أن نضعها في مجال الفكر لنخرج فكرة عامة يتقبلها الجميع .

رواية أتذكرين .. الفصل التاسع .. الاخير

الفصل التاسع

سيدي .. سيدتي

الأيام حبيبتي لا تمر ، اعدها عداً ، الشهر الأول أضن أنه أستغرق من عمري سنة أو اثنتين ، لا أدري لماذا كل هذا الشوق الذي أشعر به تجاهك ، ولا أدري كيف سأصبر حتى تخرجين من السجن ، ولا أدري كيف سأقابلك ، وكيف ستقابلينِ ، وكيف سأجدك ، كما رأيتك أول مره أم أن السجن حفر آلامه في صدرك وكسر كبريائك ، وعنجهيتك وغرورك وتعاليكِ ، أم أنكِ لا زلتِ قوية كما عهدتك ، كم أتمنى أن ألتقيكِ ليلة لتتخلصي من ضعفك معي وتعودين قوية ، كما كنتِ تفعلين في السابقة ، شعرت بهذا الشعور وأنا أستلم الرسالة التي كتبتها لي من داخل السجن وسلمتيها لأختك لتعطيني إياها تذكرينها سأعيدها عليكِ :

سيدي ..

     لا يوجد تعبير في هذا الكون يمكنه أن يعبر عن مدى أمتناني وشكري لك ، فأنت سيدي الذي تمنيت أن أقضي حياتي بين يديه ، لكن طمعي لم يترك لي المجال أن انفذ تلك الرغبة التي كانت تسكن قلبي دائما ، تسكنه لتبعث فيني الأمل من جديد أني إنسانة أحبها شخص من كل قلبه ، وجعلها تغير رأيها في كل الرجال بسببه .

     اعرف أنك كنت تحبني وتريد الزواج بي ، ورغم إلحاحك على الزواج إلا أنه كان يخالطني بعض الشك ، أنك بحق تحبني لتلك الدرجة ، وكنت أضن أن حبي لك أكبر بكثير مما يسكن في قلبك لي ، لكني اقسم بكل الأيمان التي في هذه الحياه أني رأيت في عينيك في المحكمة حين شهدت لصالحي أني لا شيء ، وأني لم أمنحك من الحب أي شيء يكفي لكي تقف بجانبي في تلك اللحظة ، ورغم ذلك قلت في نفسي أنك ستبتعد بعدها ، وكأنك أديت واجبك تجاهي ، فوجدتك مع أسرتي ومع المحامي وفي زنزانتي ، وفي أحلامي ، لم تغادر لم ترحل ، وبقيت تنتظرني ، حتى حدثتك في حضور أختي ، التي لم تكن تعرف أن بيننا علاقة عاطفية ، لقد صدمت حين سمعتني أقول لك (( أحبك )) ، فحلفتها بكل الأيمان أن لا تخبر أحد بما سمعت ، وأعطيتها هذه الرسالة لكي تكون رسالتي الأخيرة .

     سيدي ، اعذرني أود أن أقول حبيبي ، لكنها صغيرة في حقك ، فأنت حلم لم يتحقق في السابق ، وحين تحقق لم أصدق أنه تحقق ، حتى أضعتك من بين يدي ، سيدي ، كيف ستنتظرني ، كيف سيقترن رجل شريف بامرأة ذات سوابق ، امرأة خانت زوجها السابق ، وسرقت من أمواله ، ولم تثق في حبيبها ، امرأة كانت تعطيك الحب غزيراً حين تكون معك ، لكنها تعطيك إياه بعد أن يجف قلبك .

     سيدي ، أنزهك أن تقترن بي ، لكني لا أستطيع أن أحرمك من أي شيء تريده مني ، لا أريد أن أضعك في موطن ضعف يعايرك به الناس ، تعال لي وقت تشاء وأرحل وقت تشاء ، واتركني في الظل أو الظلام ، فقد عشت راضية بالظلام طويلاً ولا مانع لدي أن أعيش في الظلام من أجلك .

     سيدي ، أشكرك من كل قلبي ليس على أنك كنت بجانبي فقط بل لأنك علمتني أن هناك أشياء أكبر بكثير من المال أشياء لا يستطيع أي أنسان أن يشتريها ، مهما كان غناه ومهما علا شأنه ، علمتني أن الكنز الذي كنت أبحث عنه لا يسكن في البنوك ، بل يسكن في قلبي ، كنز لا ينضب ، ولا يفنى ، ولا ينتهي ، لقد سكنا سوياً في قصور في أحد الفترات ، وأيضاً أكلنا على الرصيف في فترات أخرى ، وأقسم لك أني لم أشعر بسعادة كما التي شعرتها وأنت بجواري على ذلك الرصيف ونحن سوياً ، حينها أخفتني ، فهربت منك بعد أن قلت لك أحبك ، هربت منك لأني شعرت أن كل قناعاتي السابقة في الغنى والمال لا تساوي شيئاً حين أجد من أحب ، كنت أضنك فقير الحال في تلك الفترة فلم أعلم أنك تاجر وتملك الملايين ، وعندما علمت ، شعرت بك أكثر وأحببتك أكثر ، لأن المال في يدك وليس في قلبك ، فهربت منك مرة أخرى ، وأقسمت لنفسي أن لا أعود لك أبداً ، لكني في تلك الفترة ، اختبرت نفسي ، فاكتشفت أنك أصدق معي منها ، وأنك أقرب لقلبي منها ، فاختلقت لك كذبت الصديق ، فكنت صديقي ، وحبيبي الذي يصادقني ،  وعندما أخذتني للفراش ، كانت ليلة عرسي رغم دموعي ، فلم يكن حلمي أكبر من أن أستلقي بجوارك على سرير يجمعنا ، فكانت نقطة  اللاعودة بالنسبة لي ، وكنت على استعداد أن أبيع الدنيا في تلك الأيام لنكون سوياً .

     لكن طمعي تدخل ، وتدخلت معه رغبتي في الانتقام ، فحاولت أن أبتعد عنك ، فلم أستطع ، فكنت أخطط أن نكون سوياً بعد أن أنتهي من ذلك الرجل الذي أحمل له كثيراً من الكره ، وقليلاً من العرفان ، أردت أن أتخلص منه فأعيش ملكه أمام الناس ، وأعيش تحت قدمك جارية ، صدقني هذا ما كنت أريد .

     سيدي أنت رجل يملك من الشرف ما يمكنه أن تحبه امرأة أفضل مني ، وأن تعشقه امرأة أطهر مني ، وأن تكون في فراشه امرأه أعف مني ، سأكون تحت أمرك سيدي حين تشاء ، وأين تشاء ، لكني لن أسمح لنفسي أن أسمع أحداً يمسك بسوء ، ولا أن أكون أنا مدخلاً لأحد أن يسئ لك .

     سيدي ، سأخرج ربما بعد سنه أو أقل ، فلا يهمني شيء في هذه الدنيا إلا أن تسامحني ، فإن فعلت فسأكون راضية كل الرضى عن نفسي ، لا أملك سوى هذه الكلمات لأعبر بها عما أكنه لك عساها أن توفيك شيئاً من صبرك معي ، وأستودعك الله .

نور

     حبيبتي لن أعلق على الرسالة ، وردي عليها لم أكتبه ، بل أبلغته شفاهه لأختك ، عساها أن توصله لكِ دون تغيير ، فهو لا يحمل سوى كلمتين أتمنى أن تفهميهم حين تخبركِ بهم ، لأنهي هذا الموضوع حبيبتي ، فأنا لا أضع نفسي موضع السيد ، ولا أريده ، ولو أردته ، لوجدت كثيراً من النساء الآتي خلقن ليكن جواري ، لم تسألي نفسك لماذا أحببتك ، اضنكِ فعلتي ، وأضنك تعرفين لماذا أحببتك ، لكني سأقول لكي شيء أجمل ، قدري أن أحبك ، وهذا كل شيء ، لا أكثر ولا أقل ، أنا أحبك .

     لا زالت الأيام بطيئة حبيبتي ، تسير على مهلها ، ليتني أستطيع أن أخاطب الأيام وتسمعني فأطلب منها أن تحث الخطى لتقربكِ مني ، حاولت أن أزورك في السجن بشتى الطرق لكن القوانين لا تسمح إلا بزيارة ذوي القربى في سجن السيدات ، لكني أعرف كل أخبارك من والدك ، وكل أسبوع يزورك فيه يخبرني بما جرى بينكما ، وكأنه شعر بحاجتي للاطمئنان عليكِ ، أو شعر بحبي لكِ ، فهو يخبرني دون أن أطلب منه ذلك ، أصبحت الأمور مكشوفة حبيبتي للجميع ، هل تصدقين ، حب بالمراسلة ، وحب على الطراز القديم ، لا هواتف ولا أنترنت ، ولا وسائل اتصال ، فرسائلنا تنقل عبر أشخاص ، يخبرونا بما نريد ، وبما نحب ، وعن من نحب .

    كنت لا أتمنى أن أكتب هذه السطور ، لكني يجب أن أخبركِ بكل شيء ، فأنتي حبيبتي التي أحب أن أقول لها كل شيء ، بعد أن انتهت القضية أصبت بالتهاب رئوي حاد وتعالجت منه وشعرت بالتعافي لكني بعد أن أنهيت العلاج عاودني المرض مرة أخرى ، فذهبت إلى المستشفى ، ولم يكن الألم في صدري فقط بل كل أشعر بالوهن في جميع أنحاء جسدي ، فكتبوا لي العلاج مرة أخرى ، وأخذته بانتظام ، وقبل أن انتهي منه ، لكن الألم عاودني من جديد ، كنت أضن أن هذا اختلال طبيعي نتيجة العلاج ، لكن الأمر كان أكبر مما تصورت ، فالدكتور أصيب بالرعب حين رأى الاشعة وحجزني في المستشفى لمدة أسبوعين ، حتى يتبين من نتيجة فحص العينات التي أخذها .

     كان يشك في السرطان ، وقد كانت شكوكه في محلها حبيبتي ، فأنا مصاب بسرطان الرئة ، منذ فترة ليست بالقصيرة ، مما أدى إلى أنتشاره في جسدي ، طلبت من الطبيب أن يتحدث معي بصراحة ، وأن لا يخفي عني شيء ، فقال لي أنه من الصعب الشفاء من هذا المرض ، ولكن يمكن أن تكون عملية الانتشار بطيئة إن بدأت في العلاج الفوري ، أجبت رغبته على الفور ، تعرفين لماذا ؟ لأني لا أريد أن أموت قبل أن أراكِ حرة ، قبل أن امتع ناظري برايتك .

     أعطاني الطبيب جرعتان كيميائيتان حتى الآن ، اشعر بأني عاجز ، فالعلاج الكيميائي ، يهلك الجسد لكن آلام الصدر خفت ، وأنا سعيد بهذه النتيجة ، فهذا يعني أني سأبقى لأراكِ ،  أخبرني الطبيب أنه قام بمخاطبة الجهات المختصة لكي أستكمل علاجي في الولايات المتحدة ، أيدته فيما سار إليه ، وأخبرني بضرورة الاستمرار بأخذ جرعات كيميائية حتى موعد السفر الذي من المحتمل أن يكون بعد شهر من الآن .

     في السابق كنت أشعر أن القدر يبعدكِ عني كلما اقتربت منكِ ، لكن هذه المرة القدر ربما يبعدني أنا عنك ، هل تصدقين ؟ ربما تفقديني للأبد ، أو ربما تجديني ، شخص عاجزاً ، كما كان زوجك السابق ، أو ربما أعود لصحتي ونكون سوياً ، قدر هذا كل ما أستطيع أن أقول ، لم أعترض يوماً على القدر ، ولن أعترض عليه ، لكني كنت أتمنى أن تكوني زوجتي ، لا عشيقتي ، تعيشين معي كسيدة ، يعرفها الجميع بأنها زوجة فلان ، وأن تنجبي لي أبناءً ، ينافسوني في حبك ، وأغار منهم ، وينتزعونكِ مني ، وينتزعوني منكِ ، حلمت بأسرة ، أنتِ سيدتها ، وأنا سيدها ، نتشاجر لكننا نعود لننام ي فراش واحد ، كلها أماني ، لا أدري هل ستتحقق أم لا ، أماني حبيبتي ، لا أريد أن أحرم نفسي منها ، فهي وأحلامي وخيالاتي ، مستودع الحب الذي أحمله لكِ .

     جرعة اخرى من العلاج الكيميائي ، رغم أنه لا توجد آلام ، وسقطت عدة شعرات من رأسي ، ربما أفقد الشعر الطويل ، أو ربما أحلقه قبل أن يسقط ، لا أدري كل شيء يمكن أن يحدث في هذه الفترة ، ربما اعرض جانبية أخرى تحدث لا أعلمها ، لكني أشعر ببإرهاق شديد ، يفوق تحملي ، فأصبح بيتي هو الفراش أنام لفترات طويلة دون أن أشعر ، فترات لم أتعود سابقاً أن أقضيها في الفراش ، أصبحت أنام أكثر من اثنا عشر ساعة يومياً ، ولا رغبة لدي في أن أغادر الفراش ، لا أدري لماذا ؟ بعد يومين زاد تساقط الشعر أكثر ، سألت الطبيب قال هذا شيء طبيعي ، فالأجزاء السليمة في الجسم تتعرض لتأثر العلاج الكيميائي ، وكتب لي بعض الأدوية تخفف الأعراض الجانبية للعلاج .

     لا أدري ما الذي يجري فبعد أن أعطوني الجرعة الثالثة بدأ شعري يتساقط بشكل كبير ، واكتشفت أني فقدت وزني بشكل ملفت للنظر ، ولا زال الشعور بالتعب موجود بل يزداد ، إرهاق وعدم تركيز ، اشعر أن رأسي يدور بي ، لا يوجد فيه شيء ثابت إلا أنتِ ، ينتابني الخوف أني لن أراكِ بعد أن تخرجي من السجن ، لأني أشعر أني أموت بشكل سريع ، لا يمهلني الموت حتى أراكِ .

     أخذت الجرعة الرابعة من العلاج بالأمس ، لكن المفاجأة الكبيرة التي فاجأني الدكتور بها عندما طلب مني أن أحضر للمستشفى بسرعة ، لم أكن أعرف ما الذي يجري ، لأني عندما وصلت ، حجزوني في المستشفى ، وسحبوا مني عينات كثيرة ، من الدم ، ومن الغدد اللمفاوية ، وعينات مني اللسان ، زاد خوفي ، كنت أطلب الطبيب كل خمس دقائق ، لكنه لم يأتي إلا بعد ست ساعات من دخولي المستشفى ، كان الأمر مزعجاً بالنسبة لي ، بعد دخول الطبيب ، فوجهه كان لا يوحي بأي علامات إيجابية تجاهي ، كان متجهماً ، وخائفاً ، سألته ما الأمر ؟ فقال : هناك خطاً ، ضحكت ، ضحكة تهكم صغيرة وكررت : خطأ في ماذا ؟ فقال : نتائج التحاليل التي جاءت من المختبر لم تكن لك ، صدمت لما قال وقد لاحظ الطبيب ذلك فأكمل حديثه : لقد جاءت اليوم نتائج العينات التي أرسلناها الى المختبر في الخارج ومفادها أن العينات سليمة .

     طلبت من الطبيب أن يترك الغرفة ، فنظر لي باستغراب ، فكررت طلبي ، فقال : لا تريد أن تعرف ما الذي يجب فعله في مثل هذه الحالات ؟ فقلت له : اخرج ، بصوت غاضب ، فغادر الغرفة ، كنت أغلي من الداخل ، فما معني أني أخذت اربع جرعات من العلاج الكيميائي ، دون أن أكون مصاب بالسرطان ، ما هذا الإهمال الكبير الذي يحصل ، كيف يترك أنسان مريض بالسرطان دون علاج لمدة شهر ، ويعطى أنسان سليم أربع جرعات ، تصدقين حبيبتي ، وسط هذه المشاعر من الضيق والخوف ، ضحكت من كل قلبي ، ضحكت لأني عندما أخبرني الطبيب أني مصاب بالسرطان ، قلت ربما يبعدني القدر عنكِ ، لكني لست مصاباً بالسرطان ، ورغم ذلك يتدخل القدر ليبعدني عنك ، آه حبيبتي ، أعرف أن الجرعات التي أخذتها ربما تصيبني بالفعل بالسرطان أو الفشل الكلوي ، أو ربما تلف في أجزاء مختلفة من جسمي أو ربما أموت ، القدر ، لا أريد أن أتهمه ، وأعلق عليه خطأ طبيب ، وفني مختبر ، عكس حياة الناس ، فعالج الصحيح ، وترك المريض ، القدر حبيبتي ، يسخر مني من جديد .

     جاءني في المساء رئيس قسم الأطباء وجلس معي ، كان همه أن لا أقدم شكوى رسمية ضده و ضد المستشفى ، وأخذ يقول : أن الخطأ أمر وارد في كل المستشفيات ، وأن الأمور لا زالت في الحدود التي يمكن السيطرة عليها ، وأخبرني أن العلاج الذي كان مقرر أن أكمله في الولايات المتحدة سيتأجل قليلاً ، حتى تأتي نتائج العينات الجديدة ، التي أخذت اليوم ، وأن رحلتي لن تكون للعلاج ، بل للتأكد من أن الجسم تخلص من كل الأعراض الجانبية للعلاج الكيميائي ، وقال أيضاً : أني يجب أن أقضي عشرة أيام أخرى في المستشفى ، هنا قاطعته ، وقلت له : سأغادر للمنزل اليوم ، فقال : ستغادر على مسئوليتك ، نظرت إليه بغضب وقلت : ستجعلني أتخذ ضدكم إجراءات كثيرة ، غير كلامه بسرعة ، فقال : آسف ، لكن جسمك الآن ليس لديه أي مناعة ، ويمكن أن تكون أي عدوى خطيرة بالنسبة لك ، فقلت : لا أريد أن ابقى في المستشفى ، وستخبرني بعد أسبوع من اليوم متى سأغادر فيه للعلاج ، ظل الحديث سجال بيننا ، حتى رجاني أن أبقى ثلاثة أيام على أقل تقدير ليكتب لي بعض العلاجات التي ستساعدني على التخلص من أثر الجرعات الكيميائية التي تناولتها .

     غادرت المستشفى كما أخبرني الطبيب بالفعل في اليوم الثالث ، مع الكثير من الأدوية والنصائح ، المتعلقة بالنظافة ، ونوعيات الأكل وكمياته ، نصحني كثيراً ، كأنه يقول لي أحبس نفسك في مكان معقم ولا تخرج أبداً ، تصدقين أني منذ أن دخلت للمستشفى وعرفت أني كنت غير مصاب ، لم أشعر بأي سعادة ، ولم أشعر بأي راحة ، ولم أشعر بأي ضيق تجاه الطبيب ولا تجاه المستشفى ، وكأني كنت مُسلْم بكل ما يجري ، لكني راجعت كثيراً من أمور حياتي ، بعد أن خرجت من المستشفى ، كل شيء ، شعرت بالفعل أن الموت قريب مني ، بل شعرت أني سأموت بالفعل ، بدأت حساباتي كلها تتلخبط ، ما كنت أعرف أنه صحيح ، أصبحت مقتنع بأنه خطأ ، وما كنت متأكد أنه خطأ ، أصبحت أراه صحيحاً ، إلا علاقتي بكِ ، لا أدري لماذا لم يختلف شيء في مشاعري تجاهك ، ولا تجاه حياتك ولا تجاه أهلك ، فبمجرد خروجي ، أتصلت بوالدك ، وعرفت كل أخبارك ، فانتابني شيء من الخوف ، فالأيام تمر سريعاً ، وأنتِ قضيتي أربعة أشهر في السجن حتى الآن ، ولا أدري ما الذي سيحدث حتى تخرجين .

     بقيت في منزلي أسبوعان ، لم أغادره ، ولم أفكر في مغادرته ، لا لأني أخاف من المرض ، بل لحذري الشديد أن أصاب بأي عدوى خلال تلك الفترة ، حتى أعود لسابق صحتي التي كنت عليها ، فأنا ممتن لله أن منحني تلك الفرصة ، فقد كنت على شفى الموت لولا أن تداركتني رحمة الله ، واكتشفوا ذلك الخطء ، لا يهم حبيبتي كل هذا الكلام ، فأنا الآن اشعر بتحسن ، اشعر أن الحياة التي كادت تفارقني ، عادت لي من جديد ، عادت بكل ما فيها من شجن ، وجمال وحب ، لكنها أعادة تشغيل ذاتي معها من جديد ، فأنا لا أريد أي شيء من هذه الحياة ، سوى أن نكون سوياً ، أنا وأنتِ ، للأبد .

     جاءت تقارير العينات التي أرسلت لتشير أن هناك نسبة عالية من المواد الكيميائية في جسمي ، وقد أخبرني الطبيب ، أن التقارير تتكلم عن فترة خمسة عشر يوم سابقة ، أي أن الآن يوجد نسبة أقل من المواد الكيميائية ، كما أنه كان قد وصف لي بعض الأدوية التي تساعد الجسم على التخلص من تلك المواد ، لكنه قال أيضاً ، أنه لا يضمن أن هناك كميات من المواد الكيميائية تتعدى المستوى الطبيعي في الجسم ، كل الحديث حبيبتي لم يمنحني الراحة التي كنت أنشدها ، فأنا لا زلت في مرحلة الخطر كما قال الطبيب ، ولن أجتازها إلا خلال فترة طويلة ، وشدد على أن أسافر للولايات المتحدة ، لكي استكمل مرحلة العلاج والنقاهة ، الإجراءات كلها قد انتهت ، لكني لا أرغب في السفر في الوقت الحالي ، فلدي أعمال كثيرة مؤجلة منذ أصابتِ  ، وسأظل هنا ما يقارب الأسبوعين حبيبتي قبل أن أغادر .

     العمل يأكل الوقت ، والوقت يأكلنا ، ويأكل أيضاً فترة العقوبة التي تقضينها في السجن ، فقد أكملتِ اليوم شهرك الخامس ، كل الأخبار تتحدث أنك بخير ، لكني أسأل نفسي ، كيف تكونين بخير ، وأنتِ في السجن ؟ لا أتوقع أن يحبس الإنسان ويكون بخير أبداً ، بل أن هناك معاناة ربما لا تكون من وجهة النظر جسدية ، لكنها بكل تأكيد نفسية ، ومن وجهة نظري المعاناة النفسية ، أصعب في بعض الأحبان من المعاناة الجسدية بكثير ، فجرح الجسد يلتأم ، وجرح النفس لا يلتأم ، على أنكِ حبيبتي تتمتعين بصحة جيدة ، هذا ما أكده الجميع .

     سأغادر غداً وأتمنى من كل قلبي أن تمدني هذه الرحلة بما أحتاجه من صحة لكي أراكِ ، تعرفين ما الذي لا أحبه في هذه الرحلة ؟ لا أحب فترة السفر الطويلة التي سأقضيها في الطائرة ، فأنا سأنام وأصحو ، ثم أنام وأصحوا ، وأنا متأكد أني لم أصل حتى الآن ، ثم سأقف في محطة ترانزيت ، ورحلة طويلة أخرى ، لكني مضطر لذلك ، تعرفين حبيبتي ، كنت أود أن أخبر والدك أني أعاني من بعض المشاكل الصحية وسأغادر للعلاج ، لكني كتمت الخبر عنه لكي لا يخبركِ بذلك ، فأنتِ لا تحتاجين لأخبار سيئة ولا أضن أنك تتحملينها في الوقت الحاضر ، وستعرفين كل شيء حبيبتي حين تخرجين ، كل التفاصيل ستعرفينها ، فأنا لن أترك لك مجال أن تتحدثين على معاناتك ، بل سأملأ أذنك من الحديث ، سأحدثك ليل نهار ، حتى تملين مني ، هل ستملين مني بالفعل ؟ لا أدري ؟ ربما ؟

     الوضع مريح هنا ، والاهتمام كبير من قبل الأطباء ، فكل شيء يسير بشكل تلقائي ، دون أن يرهق المريض ، أخذوا مني عينات أخرى ، وجميع أنوع التحاليل التي أجريتها سابقاً ، وطلبوا مني الانتظار مجدداً ، لكن التحاليل التي تقيس نسبة المواد الكيميائية في الجسم ، كانت سريعة فقد أخبروني أن نسبة المواد قد قلت عن التحليل السابق ، حمدت الله ، لكني استفسرت كثيراً عن الأعراض الجانبية ، ولم يطمئنني أحد أني لن أعاني من أي مشاكل صحية في المستقبل ، حتى تصل نسبة المواد الكيميائية للنسبة الطبيعية في الجسم ، ثم ابدأ في مراجعات طويلة الأمد .

     الأيام مرة أخرى تعود بطيئة ، لا تسير ، وأنا أنتظر ، اكره الانتظار ، اكرهه من كل قلبي ، فأنا هنا لا أصدقاء لدي ، ولا أعرف أحد ، ولا أشرب الخمر ، منذ أن خرجت من المستشفى ، وأصبحت أصلي ، بشكل متقطع ، تراودني نفسي أن أذهب لأحد البارات وأتناول كأساً من الشراب ، لكني سألت نفسي ، لماذا لا أستطيع أن أصبر عنها ؟ وأنا قد مر علي أكثر من ثلاثة أشهر لم أشرب أي نوع من الخمر ، فقررت أن ابعد ذا التفكير عني ، سألني الطبيب ، هل تشرب الخمر ، فأخبرته أني كنت أشرب كأس أو أثنين في اليوم لا أكثر ، إلى في بعض المناسبات ، فقال : تستطيع أن تستمر فلا نتائج تبدوا في التحاليل تشير لأي أعراض تمنعك من الاستمرار في الشراب ، لكني حبيبتي ، لا أريد أن أشرب ، حتى بعد أن تخرجين ، فيجب أن تكون حياتنا حياة سوية ، لا أدري ما ستكون عليه نظرتك للحياة بعد أن تنالي حريتك ، لكني أتمنى أن تكوني قد نظرتي لحياتك ولمستقبلك بهدوء ، وأنتِ في عزلتك .

     مضى أكثر من شهر على حضوري للولايات المتحدة ، ولا زلت أراجع الأطباء ، ولا زالوا يأخذون مني العينات والتحاليل بشكل منتظم ، وصحتي تحسنت ، بل أشعر بأني عدت كما كنت ، والحمد لله أن لم تحدث أي أعراض جانبية للعلاج الكيميائي حتى الآن ، والطبيب الذي يتابع حالتي يقول : أن كل يوم يمر وأنا بصحة جيدة يباعد بيني وبين أي أمراض يمكن أن أصاب بها ، لكن لا يزال هناك بعض التحذيرات ، وبعض المحظورات ، لكنها ليست كثيرة كما كان في السابق ، بدأت اللائحة تصغر حت كادت أن تتلاشى .

     اليوم حمل لي أخباراً سعيدة ، لقد حدثني المحامي ، أنه يمكن أن يشملك عفوا خلال الشهر القادم ، فطلبت منه التأكد من ذلك ، من خلال علاقاته لدى وزارة الداخلية ، فطلب مني الانتظار ، وأنا أكره الانتظار ، وأنتظر ماذا ، العفو ، عن من ؟ عن حبيبتي ، الوقت يقصر ، لكن الانتظار طويل بالنسبة لي ، فاليوم الذي أقضيه وأنا أنتظرك ، يمر كأنه سنة في أحوالي العادية ، فما بالك إن كان فعلاً أسمك ضمن لائحة من سيشملهم العفو كيف سأنتظر شهراً ، كاملاً ، أحسبيها حبيبتي ، ثلاثون يوم في سنة ، ثلاثون سنه ، أي انكِ ستريني وأنا شيخ قد شاب شعري ، وتسندني عصاي ، على العموم ، هذه مزحة ، ربما تضحكين حين تقرئيها ، سأترك لكِ دفتر الذكريات هذا ، لتقريه بعد أن تخرجي ، فأنا لا أود أن أكتب لكي أي شيء بعد أن تكوني معي .

     ستقف الذكريات حبيبتي ، وسنبقى نحن ، نسطر الحياة ، وننسجها ، ونرسمها ، ونحولها في اتجاهنا ، لأنها سارت بنا عكسه فترة طويلة ، فيجب أن تكون الحياة في صفنا في المستقبل ، يجب أن تسايرنا فيما نريد ، لقد أتعبتنا وأتعبناها ، وشاكستنا ، وشاكسناها ، وانتصرت على أنسان لا يريد أن يستسلم ، فأنا أستعد لها لأنتصر عليها ، كما انتصرت علي ، وأريد أن أخبرك حبيبتي ، أني لا أريد أن يكون لقائنا كما كان في السابق ، في الظل ، أو الظلام ، بل سيكون في النور ، فأنتِ ستقيمين معي في الفندق ، لا كصديقتي ، ولا معشوقتي ، بل كزوجتي ، لن ألمسك إلا بعد أن نكون زوجان .

     حدثني المحامي منذ قليل ، قال أنه يضمن لي بنسبة تسعون بالمائة أنه سيشملك العفو ، ابهجني هذا الخبر ، ومن حسن حظي أن موعدي مع الدكتور في الصباح ولم يبقى على الصباح سوى ساعات قليلة ، أتمنى أن تمر الأيام سريعاً ، سأسأل الطبيب عن المدة التي سأقضيها هنا ، ولو أخبرني أن فترة علاجي تطول ، سآتي لكِ حيث تكونين ، ثم أعود مجدداً لإتمام العلاج برفقتك .

     أخبرني الطبيب أني أحتاج ما بين الثلاث أسابيع ، وأربعة أسابيع ، وبعد ذلك سأراجعه بعد ثلاثة أشهر ، ثم تطول فترة المراجعة حتى ستة أشهر ، ثم تكون بشكل دوري كل سنه ، هذا إن لم تصبني أي أمراض خلال تلك الفترات ، كل شيء يصب لصالحنا حبيبي ، ، أنتِ ستخرجين ، وأنا إن شاء الله سأكون في انتظارك ، وسنلتقي حبيبتي ، لنحقق كل أحلامنا سوياً ، دون أن ينغص حياتنا أحد .

     تعرفين حبيبتي ، مع من ألتقيت هنا في فترة العلاج ، ستتعجبين ، من الذي وجدته هنا ، ربما لا يصل تفكيرك له ، أبن زوجك ، ألتقيته في المستشفى في آخر موعد ، لا أدري لماذا كذبت عليه حين سألني بعد أن سلم علي : هل تعاني من مرض ؟ فقلت له : سرطان في الرئة ، تعرفين أنه أبتسم حينها ، وقال : لن تبقى طويلاً ! ، لا أدري لماذا لم أرد عليه ، كأنه يشمت بي ، أو ربما كان يريد أن يقول لي ، لو لم تمت بالمرض ، لكنت قتلتك ، لم يقل ذلك بالطبع ، لكن هذا ما جال بفكري حينها ، هل تتوقعين أنه يحاول قتلي في المستقبل ، لو عرف أني لست مصاباً بالمرض الخبيث ، ربما ، ولكن ماذا يستفيد  لو قتلني أو قتلك أنتِ ، فقد حصل على ما يريد ، لقد كان يريد المال ، وحصل عليه ، أضنه لا يمانع حالياً لو أصبحنا أصدقاء ، أو شركاء في التجارة ، لم يطل لقائنا أكثر من ذلك ، عرفت بعدها من بعض الأصدقاء أنه لا يعاني إلى من بعض الغدد الدهنية في قدمه ، أي أنه ربما حضر هنا للتنزه أكثر منه للعلاج .

     لم أتوقع أن تكون مدت حبسك قصيرة أشعر أني مرتبك ، ولم أفعل شيء من أجلك ، كل شيء كنت أتوقع أن يحدث بعد سنة ، لكنه الآن أصبح أقرب ، وأصبح قلبي يخفق أكثر ، من ذي قبل ، لا أضنك تعرفين مدى اشتياقي لكِ ، ولن تعرفي ، لأني رجل أحبك بطريقة مختلفة عن الطريقة التي تحبيني بها ، فأنتِ المرأة التي توقعت أن تكون مثل ما أتمنى ، فكنتي مثل ما تمنيت ، أعرف أنك لست كامله ، فالكمال لله عز وجل ، لكنك في نظري ، لن أقول الأجمل ، بل سأقول ، انك المرأة التي كانت عيناي تبحث عنها ، وقلبي تعلق بها أكثر من عيني ، بعد أن أقترب منكِ ، يدي تشتاق لملامستك ، صوتك ، يتكرر في أذني ، وأنتِ بعيدة ، رائحتك ، ما أشهاكِ ، سنلتقي قريباً .

     مر أسبوعان ، وأنا أنتظر مقابلة الطبيب في نهاية الأسبوع الثالث ، أشعر بتحسن نفسي كبير منذ أن عرفت موعد خروجك ، فكل شيء يرقص في عيني ، كل شيء ، الدنيا كلها ترقص معي ، لكن الوقت ، لازال بطئاً ، كما كان ، أود أن أدفع الأيام دفعاً لكي تقربني منكِ ، لم تحدث أي أحداث وأنا في الولايات المتحدة ، كل شيء يسير بهدوء ، لكني ، فكرت في نفسي هنا كثيراً ، فيما فعلت وفيما سأفعل ، راجعت حياتي كلها ، صدقيني حبيبتي ، لو بيدي أن أعيد الزمن للخلف ، لأعدته ، وعدلت كثيراً مما فعلت ، شعرت أني قريب من الله كثيراً ، ربما بسبب المرض الذي أخافوني منه ، لكن هذا الشعور أستمر حتى الآن ، لمت نفسي كثيراً على كل الأخطاء التي اقترفتها ، وكل الذنوب التي فعلتها ، وأكثر ذنب حبيبتي لمت نفسي عليه ، أني كنت وراء الكثير من المشاكل التي تعرض لها زوجك ، وربما أنتِ ، لكن صدقيني لو أمكنني أن أذهب إليه وأعتذر له عما فعلت ، لما ترددت ، لكني الآن ربما ، أشعر أني عاجز تجاه هذه المسألة بالذات ، فهو لا يشعر بأحد في الوقت الحالي ، ميت سريرياً ، لمت نفسي كثيراً ، كان بإمكاننا أن نسير بعلاقتنا ، دون أن نرتكب أي شيء محرم وأنتِ على ذمته ، لكننا فعلنا كل شيء في ذلك الوقت ، والآن أنتِ حره ، لكننا لا يمكننا أن نلتقي ، انظري حبيبتي كيف هي عجائب القدر ، سنصحح الأمور ، لن تكوني بعد ذلك إلا زوجتي التي أحبها ، لن أسمح لكِ بأي أفكار مجنونة ، فأنتِ لستِ مخيرة في هذا الأمر ، بل ستفعلين ما أقرره أنا ، ولن تعارضيني ، سأسافر إلى فرنسا بعد أن أقابل الطبيب ، ، ولو أنهيت عملي هناك قبل موعد خروجك ، فسآتي لكِ ، وإن لم أتمكن ، ستأتين إلي ، ولن أترك لك أكثر من يوم واحد تقضينه مع أسرتك ، أو لو شأتِ أحضريهم لفرنسا لكي يحضروا حفل زواجنا .

     هكذا ستكون الأمور ، وهكذا ستسير ، لن أتركك تجلسين في ذلك البلد أكثر ، بل ستغادرينه ، معي أو مع أسرتك ، سأرتب كل شيء بعد وصولي لفرنسا ، ستساعدني كارولين ، وأضن أنها ستكون سعيدة لهذا الخبر ، لأنها أكثر امرأة كانت تتناقش معي في مسألة الزواج ، وستسعد أيضاً لأنها قرأت علاقتنا مبكراً منذ لقائنا الأول ، ذكريات جميلة حبيبتي ، وأتمنى أن يكون المستقبل أجمل ، أعرف أن ما مر بحياتك في الفترة السابقة من مشاكل ، ستأثر كثيراً على نفسيتك ، لكني متأكد أنكِ ستجتازينها بسرعة ، ونحن سوياً ، لقد قررت كل شيء ، دون أخذ رأيك ، ولا مشاورة أهلك ، ربما لمعرفتي أنكِ ، لن ترفضي لي طلباً ، لأننا أحباب ، ونتمنى أن نبقى سوياً .

     كان اللقاء مع الدكتور بمثابة الوداع للولايات المتحدة فقد كانت نتائج التحاليل الأخيرة ممتازة ، بكل المقاييس ، خرجت من عنده وأنا أعبث بهاتفي وأبحث عن طائرة تنقلني لفرنسا ، فلا وقت لدي لأبقى في الولايات المتحدة فكل شيء سيكون هناك ، حفلك حبيبتي ، حفلنا ، يجب أن أستقبلك حين تأتين لفرنسا بكل شيء يبهجك ويسر خاطرك ، اتصلت بكارولين وأخبرتها أني سأتزوج ، فقالت : ستتزوج نور أليس كذلك ؟ ، لقد خمنت بسرعة تلك المجنونة ، وكان تخمينها صحيحاً ، فقالت : لا تقلق ، ادفع المال وسيكون حفلكما ملكياً ، ضحكت من كل قلبي ، فهي تعني ما تقول ، وستفعل كل شيء من أجلنا .

     الطائرة في المساء ، وسيكون الأفراج بعد عشرة أيام من الآن ، عشرة أيام قصيرة جداً ، لكني سأفعل كل ما باستطاعتي من أجلك ، كنت اريد أن يكون زواجنا في اليوم التالي لوصولك لباريس ، لكن كارولين هدأتني وتشاجرت معي ايضاً ، متحججة بأنك تحتاجين للراحة اكثر من الزواج ، تلك المجنونة  سألتقيها فور وصولي تقول أن لديها تصور لما يمكننا فعله خلال هذه الفترة ، سأرى ما التصور الذي وضعته ، تصدقين ، لم أكن أتخيل أن كارولين ستكون سعيدة لهذه الدرجة ، لكنها بالفعل سعيدة ، وكذلك زوجها ، شعرت بذلك وأنا أتحدث معهم واخبرهم بالخبر ، لقد صرخة كارولين ، أما وسام فأنتزع منها الهاتف وقال : أخيراً سنراك في القفص أيه العنيد ، هكذا هي الحياة حبيبتي فنحن نفعل ما لا يتوقعه الآخرون منا دائما ، لذا تكون المفاجآت أجمل أحداث الحياة ، أما أنتِ فلكِ مفاجئات كثيرة معي ، كنت أود أن أخبرك بها قبل الزواج لكني أجلتها ، لأقدمها لكِ في الحفل ، ولن أخبر أحد بهذه المفاجآت سوى كارولين ، لأني سأكون مضطر لذلك فهي من سيساعدني في كل شيء .

     حاولت كارولين أن تأجل سفرك لباريس يومين أو ثلاثة ، لكني رفضت ، واتفقت معها أن يكون حفلنا بعد وصولك لباريس بخمسة ايام ، وكان هذا هو الحل الوسط الذي توصلت إليه مع تلك المجنونة ، دخلت أنا وكارولين عشر فنادق لنجد قاعة مناسبة لحفلنا ، وعندما وجدناها ، أعتذر الفندق لأنها محجوزة ، تضايقت كثيراً ، لكن كارولين كانت تضحك وتقول : أنت من عقد الأمور لذا فكل شيء يعاندك ، لقد قالت هذا الكلام لأنها كانت تود أن يكون حفل زفافنا في منزلها ، وأنا لا أود ذلك ، لا لشيء سوى أني أريد أن تكون الحفلة في نفس مكان أقامتك ، لكني لم أتمكن من ذلك ، لأني عدت مع كارولين ، للفنادق العشرة الذين زرناهم ، وكل القاعات محجوزة في ذلك اليوم ، كلهم يقولن نفس الكلام ، لا مجال  وأنا ليس لدي مجال لكي أؤجل حفل زواجنا ، في نهاية المطاف ، استسلمت لرأي كارولين .

     في اليوم التالي ، كانت كارولين هي من تكفل بكل شيء طبعاً بعد أن أخذت بطاقة الفيزا الخاصة بي ، استغربت أنها لم تسحب مبالغ كبيرة في ذلك اليوم ، ولم تتعدى مشترياتها العشرة آلاف يورو ، كان من المفترض أن تشتري فستان الزفاف ، وتدفع قيمة التزيين ، وعندما عادت سألتها فقالت : دفعت العرابين فقط ، والباقي ستدفعه أنت فيما بعد .

     نسيت حبيبتي أن أخبرك عن تصور كارولين للحفل ، فبعد أن قمنا بعد المدعوين اكتشفنا أنهم اثنان وثلاثون شخص فقط ، لقد ضحكت كارولين وقالت : تريد حفل أسطوري والمدعون اثنان وثلاثون ، هي على حق ، فقلت لها : ما العمل ، فقالت : لماذا لا تقتصر الدعوة على المقربين فقط ، فقلت لها : ربما تتضايق نور من ذلك ، كان ردها مقنع حين قالت : هي لا تريد كل هؤلاء ولا أنت تريدهم ، بل تريدون أن تكونوا سوياً ، لذا اقترح عليك أن تعقد القران في منزلنا ثم تدعونا أنا ووسام مع أسرة نور ونتناول العشاء في مطعم راقي ، أو في يخت ، كانت فكرتها رائعة ، وافقت على ذلك دون نقاش فقد مر ثلاثة أيام ولم نعمل شيء حتى الآن .

     في اليوم الرابع رافقتني كارولين لأشتري الدبل ، واخترت لك حينها طقماً جميلاً من الألماس ، أتمنى أن يعجبكِ ، لأني تخيلته عليكِ قبل أن أشتريه ، فجيدك تناسبه الأذواق الكلاسيكية في المجوهرات ، استغربت أن كارولين لم تعترض على سعره رغم أنها كانت تعترض كثيراً على أسعار المتعلقات الخاصة بالحفل ، سألتها عن ذلك فقالت : الرجال يشترون الهدايا ليعبروا عن مدى حبهم ، وهي محقة فيما قالت ، لكني لا أعتبر هذا تعبيراً لحبي لكِ ، فأنتِ أغلى عندي بكثير .

     في اليوم الخامس كانت كل الأمور قد أتضحت وتحددت معالمها ، كما أني استأجرت يخت جميل لتلك الليلة ، وبه خدمة فندقية كذلك ، سيعجبك كثيراً كما أني رأيت بروفة فستانك ، فوضحت لكارولين أنكِ خسرتِ كثيراً من وزنك ، فتحدثت مع صاحب المشغل عن ذلك .

   في اليوم السادس واليوم السابع ، لم أفعل شيء ، فقد أصبت بزكام حاد واضطررت لأن أخلد للفراش ، لا أدري لماذا أكتب هذه التفاصيل مع علمي أنكِ ستشاهدينها عند وصولك ، لكني أريد أن يخلد كل شيء بيننا ، أما في اليوم الثامن فقد أمضيته في الترتيبات الخاصة بي بدلتي حذائي الكرافت الساعة .

     وفي اليوم الثامن ، كانت الترتيبات النهائية قد بدأت ، لكني في هذه اليوم اكتب آخر أسطر في مذكرتي هذه لأني سأذهب لأودعها مع ملكية الأرض التي نقلتها باسمك ودفتر التوفير الذي به الخمسة ملايين يورو ، ورسالة صغيرة أرفقتها لكِ ، وهناك هدية أخرى حبيبتي ، لقد فتحت لكِ حساب آخر به مائة الف يورو ، هذه مهرك ، ستجدين بطاقة فيزا وبطاقة الصراف الآلي وبيانات الحساب في ضرف آخر ، أما مفتاح صندوق الأمانات سيكون في علبه اشتريتها البارحة من الكريستال وضعت بها قليل من الورود المجففة مع عطر رجالي ، كان يمكنني أن أخبركِ بكل تلك التفاصيل عندما تحدثت إليك اليوم لكني أحببت أن تعرفي كل التفاصيل عندما تصلين ، ستسألينني حبيبتي ، لماذا أذكر هذه التفاصيل في دفتري هذا ، لأني سأودعه في صندوق الأمانات بعد قليل مع كل ما ذكرت ، لذا أقول لدفتري وداعاً ، ولكِ حبيبتي إلى اللقاء .

     أغلقت الدفتر وأخذت أبكي بحرقة على فراقه ، لم أتصور في يوم أنه كان يتألم لما كنت أفعل معه ، ولم أكن أتصور أنه أحبني لهذه الدرجة ، ولو أردت أن أكتب قصتي معه لما تمكنت من أن أصفها كما فعل .

رواية أتذكرين .. الفصل الثامن ..

الفصل الثامن

الانهيار

     تذكرين حبيبتي ، حين أتصلتي في المساء وأنتِ تنقلن لي ما أخبرتك به خادمتك ، حين حضر أبن زوجك لمقابلة والده في منزلك ، وكيف أن والده كان في حالة من الغضب وهو يتحدث معه ، حتى أغشي عليه ، وكيف أن أبنه لم يكلف نفسه أن ينقل والده للمستشفى ، أو أن يتصل بالإسعاف فور سقوط والده ، وكيف أنه أنتظر حتى ضن أن والده مات وحينها أتصل بالإسعاف ثم خرج ، كنتِ تلعنينه وتقولين : السافل ، ما الذي تجديه كلماتك ولعناتك حبيبتي ، جلست أتحدث معك لأكثر من ساعتين ، هدأت من روعك وحذرتك من أشياء كثيرة ، لا أضن أنكِ ستطبقينها ، لكنكِ يجب أن تكوني حذرة حبيبتي ، يجب أن تحذري فالموقف الآن تغير ، وقد حذرتك أن أبنائه لن يتركوكِ تتحكمي بثروة أبيهم وهو يرقد على فراشه .

     لم يطل الوقت كثيراً فبعد يومين كنتِ تتصلين من جديد ، وتخبريني أن مندوب من المحكمة حظر للشركة وسلمك أمراً بتسليم كل ممتلكات زوجك للجنة تم تعينها من قبل المحكمة ، كنتِ متضايقة من الأمر لكن المشاكل لم تقف عند هذا الحد ، فقد أخبرتني في اليوم التالي أن المحكمة جمدة كل أموالك وممتلكاتك لحين الفصل في قضية رفعها أبنه يتهمك باستغلال الحالة الصحية السيئة لوالده في إدارة أملاكه وثروته لصالحك ، كنتِ منهارة حبيبتي ، كنتِ تبكين بشكل هستيري ، وتصرخين وتتوعدين ، لكنكِ أهملتِ جانباً مهماً يجب أن تنتبهي له ، فحذرتك حبيبتي من أن أبناء زوجك لن يقفوا عند هذا الحد ، وطلبت منك مغادرة البلد حتى تتضح الأمور ، لكنكِ رفضتي ، فطلبت منكِ أن تدققي في كل المعاملات المالية التي أقامتها الشركة خلال فترة إدارتكِ لها ، لكن هذا الأمر لم تتمكني منه حبيبتي فقد أخبرتني في اليوم التالي بأن مكتب محاسبة مختص ، جاء للشركة بتفويض من المحكمة للتدقيق في حسابات الشركة والحسابات المالية للمشاريع .

     لا أدري ماذا يمكنني أن أفعله لأجلك ، سوى طلبي منكِ مغادرة البلد ، لكنك رفضتي هذا الاقتراح مجدداً وقلتي : ولو رحلت الآن سيتهمونِ بكل شيء ، ولو رحلت الآن سيأخذون كل شيء أملكه ، صرخت بك : اللعنة على المال ، اللعنة عليه ألف مرة ، ستدمرين نفسك بسببه ، لكنك لم تقول أي شيء آخر سوى أن خادمتك التي حضرت الواقعة التي أصيب بها زوجك بحضور أبنه فد هربت من المنزل .

     آه حبيبتي ، كل الظروف تسير بعكس ما تتمنين ، فخلال أسبوع من هذه المكالمة ، أخبرتني بأنك تحدثيني من مركز الشرطة وتم استدعائك بتهمة تعمد إهمال زوجك لتعجيل وفاته ، شروع في القتل ، وقلتي أنهم ربما يحتجزونك على ذمة التحقيق ، تحدثت مع محامي شركتي حينها وطلبت منه تحديد محامي يمكن الاعتماد عليه في بلدك فرشح لي في اليوم التالي أسم محامي معروف فطلبت منه الاتصال به وتحديد موعد معه ، ففعل ما طلبته وحدد موعد في اليوم التالي ، حينها سافرت لأكون قريب منكِ ، قابلت المحامي ، وشرحت له بعض الأمور فطلب مني أن يكون توكيله من طرف أحد أفراد عائلتك لأن جميع ممتلكاتك تحت الحراسة وقد تتعرضين للمسائلة وأتعرض أنا معك لتلك المسائلة لو كشف أمر توكيله من قبلي ، حاولت الاتصال بكِ تلك الليلة دون جدوى ، لكنكِ أتصلتي بي في اليوم التالي ، فأخبرتك بما أريد ، وقد حظر والدك للمحامي في الصباح ، فوكله ودفعت له نصف أتعابه على أن أدفع له النصف الآخر حين براءتك أو حصولك على حكم مخفف .

     لم أغادر مباشرة ، بل توجهت للشركة في اليوم التالي ، وطلبت مقابلة مديرها الذي تم تعيينه من المحكمة ، فأدخلوني على شخص أنيق لكنه تعامل معي بشيء من التعالي ، حتى حدثته عن المشروع الذي وقعته من زوجك قبل سفرنا لباريس ، فقال : أنت الذي وقع مع الشركة مشروع باريس ، تفضل بالجلوس ، نادى السكرتيرة وطلب منها أن تحضر الأوراق الخاصة بالمشروع ، عرفت حينها أنه الأبن الأكبر لزوجك ، لم يطل الانتظار كثيراً فخلال ربع ساعة جلبت السكرتيرة كل الأوراق الخاصة بالمشروع ، فأخذ يتصفحها بعناية ، ثم قال : والدي هو من وقع معك ، فقلت : نعم هو من وقع معي ، فسألني : هل كان في حالة صحية تسمح له بالتوقيع على مشروع مثل هذا ، فقلت : نعم كان يجلس معي على طاولة الاجتماعات حينها ، أخذ يفرك ذقنه ثم قال : أنت تعرف أن والدي في المستشفى ، فقلت له : منذ متى ؟ فقال منذ أسبوعين تقريباً ، فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله ، فقال : ألم تحظر لمعرفتك بهذا الأمر ؟ فقلت : لا ما أحضرني أني حولت مبلغ العقد لحساب شركتكم وأحاول الاتصال بالسيدة نور مديرة الشركة منذ أسبوع ولا ترد على أتصالي فحضرت لأعرف ما السبب .

     قام الرجل من مكتبه ، وقال تفضل معي ،  فصحبني لغرفة مجاورة بها طاولة اجتماعات صغيرة ثم تكلم معي وقال : تعرف أن والدي يعاني من أمراض كثيرة وهو في غيبوبة الآن والمحكمة تشرف على جميع ممتلكاته وأنا أبنه لكني لا أملك القرار ، ومشروع مثل هذا يستوجب موافقة المحكمة على البدء في تنفيذه ، فسألته : ماذا تريد أن نفعل ، فقال : المشروع جيد لكني لا أضن أننا سننفذه ، لكننا يمكننا أن نسوي المشكلة ونلغي العقد ، قلت : لا مانع لدي ، لكن البند العاشر في العقد ، ينص على أن الشرط الجزائي يبدأ تنفيذه بعد عشرة أيام من التوقيع ، فأخذ يقلب القعد ويقرأ البند العاشر ، ثم قال ثلاثة ملاين ونصف المليون يورو ، لا بأس سندفعها لك ، فطلبت منه أن يقرأ البند الحادي عشر ، فقرأ ثم قال ، كم تريد ثمناً لهذا المشروع لكي تبيعه ، فقلت : مليون ونصف يورو دون أرض المشروع ، بلع ريقه وقال : اتفقنا خمسة ملاين يورو ونوقع ألغاء العقد ، فقلت له : دعني أفكر ! فقال لا أضمن وجودي في الشركة ، لذا فأنا أحاول تصفية الشراكات الخارجية في أسرع وقت لأنهي أمر وصاية المحكمة على ثروة والدي ، فقلت له : لا مانع لدي ، وتم توقيع الاتفاق على إلغاء العقد وعلى طريقة السداد ، على أن تحول المبالغ خلال أسبوع من تاريخه ، وحصلت على شيك بمبلغ خمسة ملاين يورو ، دفعه أبن زوجك من حسابه الخاص ، تعرفين لماذا دفع كل هذا المبلغ ، لأنه يريد أن يبعدني عن القضية التي أتهمكِ فيها فقد قابلت زوجك ووقعت معه عقد قيمته خمسة وثلاثون مليون يورو قبل سفرك بساعات وهذا يثبت أنه بصحة جيدة قبل سفرك ، لقد طلب مني أبن زوجك أن لا أحاول الاتصال بك لأنكِ غادرتي البلاد وتلاحقك شرطة الإنتربول الدولي .

     خرجت من عنده وأنا سعيد فذهبت وصدقت الاتفاق بشكل رسمي ، ووضعت كل أوراق المشروع بين يد المحامي ليكون دليل على براءتك من تلك القضية ، ثم غادرت البلد ، حاولت الاتصال بك ، دون جدوى لكن المحامي كان حلقة الوصل بيننا ، فكان يخبرني عن أمورك ، ويوفر لكِ احتياجاتك في السجن ، كما أخبرني بعد يومين من عودتي أنه سلم الأوراق كاملة للنيابة العامة وأنه سيقدمها للمحكمة في الجلسة التي ستعقد بعد أسبوع من اليوم ، وأنهم ربما يستدعوني في تلك الجلسة أو الجلسة التي ستليها , حمدت الله على أنه كان بيدي أمر مكنني من مساعدتك .

     لكن حبيبتي لم تفلح كل محاولاتي مع المحامي لإطلاق سراحك ، ربما تذكرين ما الذي جرى في المحكمة ، حين حظرت وكان الجميع موجود ، وصدمة أبن زوجك بحضوري ، وحين قدمت شهادتي وخرجت من المحكمة لحقني وقال : لقد دفعت لك ثمن صمتك ، فأجبته : دفعت لي حقي ، ولم أكترث بما قاله بعد ذلك ، بل غادرت وأنا أرجو أن تتم تبرأتك من تهمة الشروع في القتل ، وأن تخرجي بكفالة في التهمة الأخرى التي أقحمت في القضية ، تهمة التربح غير المشروع من أموال زوجك ، لكن الأمر لم يتم بالشكل الذي تمنيت ، فقد طلبت النيابة أن يتم التحفظ عليك من قبل المحكمة حتى النظر في التهمة الثانية ، على الأقل حبيبتي تخلصتِ من تهمة كادت أن تقضي على كل أمالك وأحلامك .

     أصعب موقف مر في حياتي أن أراكِ في المحكمة بالكلبشات كادت نظراتك تقتلني ، كنت أود الاقتراب منك ، والسلام عليك ، بل كان بودي أن احتضنك ، لكني لم أتمكن ، لكي لا ألفت الانتباه لنا حبيبتي ، تغير شكلكِ كثيراً ، فقد خسرتِ كثيراً من وزنك ، أصبحتِ نحيلة جداً ، لكنكِ لا تزالين جميلة ، ولا زلتي رغم قساوة ظروفك ، متألقة ، أه حبيبتي ، لو أطعتني لما حصل لك كل هذا ، لو تركته من البداية ، لكنا الآن سوياً ننعم بحياة هادئة .

     تعرفين حبيبتي لماذا يريد أبن زوجك أن يدخلكِ السجن ، يريد أن لا يكون له منافس في ثروة والده ، فلا يكون أحد باستطاعته إدارة الشركات إلا هو ، فيخلو له الجو لكي يأخذ ما يشاء من الثروة ، ولا يريدك أيضاً أن ترثي والده بعد أن يموت ، فقد حاول اتهامك بالشروع في القتل ، لكي يتمكن من حرمانك من الميراث ، وسيفعل هذا لو أستطاع أن يثبت أنك أخذتي شيء من ثروة والده ، هكذا هي الحياة ، وهكذا يستغل المتخاصمون المواقف لكي ينتقموا من بعضهم ، وهكذا كنتِ ستفعلين لو كان بإمكانك أن تنتقمي من زوجك وأسرته ، فقد بدأتي هذه الخطوة ، لكنكِ ضعيفة حبيبتي ، أكثر مما تتصورين .

     اكتشفوا تجاوزات كثيرة في الشركة التي كنتِ تديرينها باسم زوجك ، وكذلك بعض التجاوزات في مجموعة الشركات التي أدرتها في الفترة الأخيرة ، هذا ما أخبرني به المحامي  ، لقد قال لي : إن القضية تعقدت ، وأنه لن يفرج عنك ، صدمني حبيبتي ، فذهبت لمقابلته وأنا أعرف أن الكل في هذه المواقف يستغل الظروف لمصلحته ، والمحامي وجد فرصة سانحة أن يستفيد ، وتعرفين حبيبتي كم طلب لكي يخفف عنك الحكم فقط ثلاثة ملايين ، لا يهمني المبلغ ، بل ما جعلني متضايق أنه قال أنك على أقل تقدير ستسجنين ما بين الثلاث والست سنوات ، لا أدري حبيبتي كيف ستصبرين ، فالسجن يعني أنكِ عدتي للحظيظ مرة أخرى .

     لا أدري كيف سأصبر أنا على فراقك كل تلك المدة ، لكني أتمنى أن تحدث في الأمور معجزة ، تخرجك مما أنتِ فيه ، كالقبول بتسوية مثلاً ، أه حبيبتي لقد طرحت هذا الأمر على المحامي ، لكنه قال : كل أموال مدام نور المحجوزة لا يمكن التصرف بها ، وستنظر المحكمة بالفعل هل ستغطي المبالغ التي سحبتها من الشركات ، التجاوزات التي اكتشفت ، وستعاد مبالغ التجاوزات للشركة ( أي لأبناء زوجك ) وإذا زادت تلك المبالغ عن تلك التجاوزات ستكون هناك مطالبة من قبلهم لاستردادها ، ثم أستطرد قائلاً : لكن عليك أن تعرف أن التجاوزات التي حصلت كبيرة تتجاوز الثلاثمئة مليون ، وضعت يدي على رأسي وسألت نفسي : لماذا فعلتي هذا ؟ هل لتستمتعي بالمال ، أم لتضمني مستقبلك ، أه حبيبتي كان يمكنك أن تظمني مستقبلك بما كان يعطيه لكِ زوجك ، فقد كان يعطيك الكثير ، لكن الكثير هذا لم يكن يقنعك ، لأن طمعك كان أكبر بكثير ، كنتِ تنظرين لما يعطيك ِ إياه على أنه فتات وأنكِ تستحقين أكثر ، اكثر بكثير .

     ليس مهم كل ما قلته كان الأهم أنتِ فقط ، لا المال ولا المحكمة ولا السرقة لم تغير صورتك في عقلي ولم تغير مكانك في قلبي فأنتِ نور التي أحببت ، مهما فعلتي ، وهما سمعت عنك ، سألني المحامي ذات مرة ما سر اهتمامي بكِ ، أحترت ماذا أقوله ، وما حجم الكذبة التي يمكنني أن اختلقها وتقنعه ، لكي يعرف أن اهتمامي بك لم يأتي نتيجة خيانة زوجية ، أو عمليات احتيال مشتركة ، أو عمليات تجارية مشتركة ، أخذت أفكر وأقلب علبة السجائر بين أصابعي ، وكان ينتظرني في صمت ، لم يقل أي كلمة حتى رفعت رأسي ، حينها قال : إذا كان سؤالي محرج فلا تجب ، ابتسمت ، وشعرت لأول مرة في رغبتي أن أخرج ما في قلبي تجاهك ، لكني تمالكت نفسي وأخبرته أن علاقتنا كانت مبنية على تبادل مصالح تجارية ، فسألني ، هل هذا سبب كافي لاهتمامك بها ؟ ضحكت حينها ، وقلت : لها مواقف لا تنسي معي ، سألني :عاطفيه ؟ انتبهت أنه يحقق معي ، لكني تركته يسأل ، وقلت له : لم تكن العاطفة أساس تعاملنا ، سألني حينها : والمشروع الأخير ؟ فأخبرته أن المشروع وقع بحضور زوجها ،  سكت حينها ، فسألته : انتهى التحقيق أم هناك أسئلة أخرى ؟ قال : لم أكن أحقق معك لكن أثار فضولي اهتمامك الكبير بالسيدة نور التي لا تمت لك بصلة ، فقلت له : سيدى عندما أكسب صديق فإني أحترمه ، وعندما أكتشف أن هذا الصديق محترم بالفعل ، أوقره ، وكنت اعرف عن السيدة نور كل شيء ، فجعلني هذا أحترمها أكثر لأنها لم تستغل حريتها في خيانة زوجها ، سيدي نور تستحق الاحترام فعلاً ويجب أن يكون كل الأصدقاء حولها الآن .

     كانت نهاية مقابلتي مع المحامي ، وكانت بداية التفكير في تغييره ، فأسلوبه أثار في نفسي الشكوك من أنه على علاقة مع أحد أبناء زوجك ، أو أشتراه أحدهم بالمال ، فاتصلت بمحامي آخر وطلبت منه الاطلاع على القضية ، فأخبرني بأشياء أخرى لم أنتبه لها ، ولم أفكر بها ، وحلول لم يطرحها المحامي الأول ، فزاد ذلك الأمر من شكوكي ، وخفت أن كل تأخير أو أجراء خاطئ يتم سيأثر على الحكم الذي سيصدر ، فتحدثت مع والدك ، وسحب التوكيل والقضية من عند المحامي الأول وأعطاها المحامي الثاني ، والغريب في الأمر أن المحامي الأول لم يتحدث معي ولم يسأل والدك عن سبب سحب القضية ، والأغرب أني تلقيت مكالمة هاتفية من الأبن الأكبر لزوجك ، كان يحدثني عن شراء الأرض التي كان سيقام عليها المشروع ، ولا أدري هل عرف من هو مالكها السابق ، فإن عرف فإنه كشف جانب خفي من علاقتنا ، لكني لا أتوقع ذلك ، لأنه سألني هل أرغب في بيع تلك الأرض ، فأخبرته أني أنوي إقامة مشروع آخر عليها ولا أفكر في بيعها ، لكنه بعد فترة أرسل لي وسيط لكي يفاوضني في بيع الأرض فرفضت ، فعاود الاتصال بي ، شككت في الأمر بل كدت أجزم أنه يخطط لأمر ما ، فرفضت أن أبيع الأرض ، كان إلحاحه شديداً في هذا الجاني ، كدت أن أوافق ، لكني لم أغلق باب الشكوك ، وأيضاً لا يحق لي التصرف في الأرض دون استشارتك حبيبتي ، فرغم أنه تم تسجيل الأرض باسمي إلا أن ملكيتها تؤول لكِ في الحقيقة ، وشيء آخر منعني ، فالمبلغ الذي أخذته من إلغاء العقد وثمن فكرة المشرع ، هي لك ، فعندما تخرجين من سجنك عاجلاً أم آجلاً ، ستجدين مبلغاً من المال ، وأرضاً في موقع ممتاز في باريس ، فتستطيعين أن تبدئي حياتك العملية من جديد ، هذه هي فكرتي ، أن لا تحتاجي لأحد ولا ترجعي للحظيظ بعد خروجك من السجن .

أعرف أن خروجكِ مفلسة سيدمرك ، بل ربما يكون أكبر مما أتصور ، فأنتِ لن تستطيعي العيش في مستوى أقل من المستوى الذي كنتِ تعيشين فيه ، وشيء آخر حبيبتي أريد أن أخبركِ به ، فأنا أحاول أن أبعدكِ عن تفكيري وعن قلبي بشكل مستمر ، لكنكِ تعودين ، فرغم إحساسي القوي بما تعانينه من أزمات ، إلا أن الخوف انتابني تجاهك ، فربما تجعليني الضحية التالية بعد زوجك ، صحيح اني لست في نفس سنه ، لكني أكبرك بعشر سنين أو أكثر ، ربما لا يكون هذه هو مصدر خوفي منكِ ، فربما يكون طمعك هو مصدر خوفي ، لكني متأكد أني الشخص الوحيد الذي ترغبين في الاستسلام له والخضوع له برغبة وشوق .

     نعم أنتِ مشكلتي الأزلية متابعة القضية متابعة أحوالك وأمور عائلتك التي أصبحت أحد أفرادها بعد دخولك السجن ، ولا أعرف كيف نبتت عقلية الطمع في رأسك فوالدك ووالدتك أناس لا تعني لهم الدنيا الكثير ، فهم بسطاء في كل شيء ، ومتعففون أكثر مما تصورت ، لقد عرض علي والدك منزله لكي يعوضني عن الأموال التي دفعتها للمحامي ، مسكين والدك ، ومسكينة هي والدتك ، عرفت منهم أشياء كثيرة ، عن حياتك ، وكيف أنكِ أنتِ من اختار الزواج من ذلك الشيخ ولم يفرض عليك أحد ذلك القرار ، حبيبتي لقد دفعك طمعك من البداية لذلك ، أو ربما دفعك الضيق من الفقر وقلة ذات اليد ، لا أدري حبيبتي ، لكني وضعت لكِ كل المبررات ، ووجهت لكِ كل التهم ، في نفس الوقت ، اعذريني ، فأنا العاشق المجنون الذي كان يتبع سراب ، ولا زال يتبع وهم .

     أخبرني والدك بأشياء كثيرة ، كيف كنتِ وأنتِ طفلة ، ورفضك التعليم لكي تعملي وتعينيه على تربية أخوتك الخمسة ، الذين لم تخبريني عنهم سابقاً ، وكيف كان حالك بعد الزواج وكيف أصبحتِ حين أدمنتِ الخمر والحشيش ، وكيف تجاوزتِ تلك المحنه ، وعادت رغبتك للحياة ، فبدأتي تدرسين من جديد ، وتهتمي بتفاصيل حياتك وحيات أخوتك ، أخبرني أيضاً عن زوجك ، كيف كان يعاملهم باحتقار وعدم رغبته في رؤية أياً منهم في منزلك ، أو في عملك ، وأخبرني أن كل ما كنتِ تعطينهم إياه كان دون علم زوجك ، وأمور أخرى كثيرة حبيبتي ، لا أريد أن اذكرها أو أذكركِ بها ، لكني عرفت كل جوانب حياتك ، ورغم كل ذلك أشعر بأني أحبك أكثر من السابق ، بل أشعر بحاجتي لك تزداد كل يوم .

     نعم تزداد حاجتي لكِ كل يوم عن سابقه فأنا لا أملك شيء سوى أن أنتظر عل القدر أن يكتب لنا لقاء ولو كان قصيراً ، أو طويلاً ، فحاجتي لكِ لا تعني حاجة الفراش لا بل أمور ربما لم تتوقعيها ، أمور بسيطة ، حاجتي لنظرتك ، لشعور يمنحني الراحة وأنتِ بجانبي ، تشابك أيدينا ونحن نسير سوياً ، ضحكاتك المجنونة ، بحثي الدائم عن سبب صمتك ، توقعاتي لما ستفعلين وما ستقولين ، خسرت كثيراً حبيبتي أثناء غيابك ، خسرت قلبي ، ضحكاتي ، جنوني ، سيطرتي على من أحب ، تعرفين حبيبتي ، حين قلتي : أنكِ تأتين إلي عازمة على ألا تمنحيني شيء وتخرجين من عندي وقد فعلتي كل ما أنا أريد ، لو أردت أن أصف شعوري في تلك اللحظة لن أستطيع ، فما قلتي لا يثبت حبي لكِ بل يثبت حبكِ لي ، وعجزك أمامي ، واستسلامك ، ويعني ، اني في قلبك ، وأقوى من نفسك ، شعور جميل افتقدته ، أحبك .

     حدثني المحامي اليوم عن أمر بعث السرور في نفسي ، قال أن كثير من المبالغ التي قالوا في البداية أنك استوليتِ عليها من ثروة زوجك ، موجودة بالفعل في حسابات مشاريع متفرقة في الداخل والخارج ، لكنه قال أيضاً أن المبلغ المتبقي كبير يتجاوز المائة مليون ، وقال أيضاً انه ربما يصل إلى تسوية مع أبناء زوجك ، حول المبالغ المتبقية ، بعد أن تطرح ممتلكاتك في المزاد العلني ، فسألته عن قيمة ممتلكاتك ، فقال لي : أنها ربما تتجاوز الثمانين مليون ، وهذا جيد بحد ذاته ، وقال : ربما تكون التسوية على أساس نقل كل ممتلكاتك لأبناء زوجك مقابل تنازلهم عن الدعوى المقدمة ضدك ، ولو توصل المحامي لهذا الحل يكون قد قدم لكِ خدمة العمر حبيبتي ، لكنه طلب مني مبلغ إضافي من الأتعاب ، لا يهم حبيبتي ، فكل شيء في سبيل أن تخرجي من السجن يعتبر أمراً سهلاً ما دمت أستطيع فعله .

لا يزال أبن زوجك يحاول أن أبيعه الأرض التي سجلتها باسمي في باريس ، ويقول أن المشروع الذي أشتراه مني لا يمكن أن ينفذ إلا على تلك الأرض فكل التصاميم وضعت لخدمة المشروع على تلك المساحة ، لم يقنعني حديثه ، ولا زلت أشك أن ورائه أمراً يخفيه ، وما زاد شكوكي أن المحامي الذي كلفته باستلام القضية أخبرني أن المحامي السابق يماطل في تسليمه بعض المستندات وأنه حذره شخصياً مني ، لا أدري ما ورائه فطلبت من المحامي أن يرى هل هناك علاقة بينه وبين أبناء زوجك مثلاً ، فقال أنه سيتأكد من الأمر لا حقاً ، شكوك حبيبتي شكوك كثيرة ، أعرف أن رغبة الانتقام التي كنتِ تحملينها في نفسك لابن زوجك الأكبر تقابلها رغبة منه في الانتقام منكِ ، تعرفين شعرت أنه كان يحبك بجنون ، قبل أن تتزوجي والده ، لا أدري لماذا يزورني هذا الشك بين فترة وأخرى ، لكنه ماضي على كل حال ، لن يعود .

     مر شهر حبيبتي على جلسة المحكمة ولا زلتي في السجن ، وقد بدأ المحامي يفاوض أبن زوجك الأكبر بشأن الممتلكات والتنازل ، يبدو أنه صعب المراس أو على أقل تقدير أستطيع أن أقوله هو مصمم على حبسك ، وأتوقع أن يحاول أن يشتري ممتلكاتك في المزاد العلني الذي سيتم عليها من قبل المحكمة فلا يريد أن يقيمها بأكثر من سعره فيخسر بعض الملاين التي أضن أنه بحاجتها ، فهو الآخر في قضية أخرى في المحكمة ، لأن أخوه الأصغر لم يتنازل عن القضية التي رفعها والده ضده حين عزله من إدارة أملاكه ، المسألة معقدة حبيبتي ، والأمور متداخلة أكثر مما كنت أتصور ، لاكن على ما أضن سنصل لاتفاق في نهاية المطاف ، أو أن أحضر بنفسي المزاد وأزايد معه لرفع قيمة العقارات ، لكن هذا هو الاحتمال الأخير بالنسبة لي ، ولو فعلته فقد كشفت جميع أوراقي أمامه ، وهو اعتراف صريح مني أنكِ تشكلين الاهتمام الأول لي ، وعندها ستكون الأمور لا تدع مجال للشك أن بيننا أمراً لا يعلمه الجميع ، فكرت أن أرسل أحد غيري ليقف في المزاد ، لكن أسم شركتي معروف لديهم ، سأحاول لفت أنتباه بعض التجار الذين تربطهم علاقات بي لذلك المزاد علي أن أقنع أحدهم بالدخول فيه لأني لا أضمن ألاعيب أبن زوجك .

     شهر آخر ولا حل يلوح في الأفق ، فأنتِ في السجن والمبلغ الذي طرحه أبن زوجك لممتلكاتك يعتبر صغير جداً ولن يغطي إلا نصف المبالغ المستحقة فقد طرح خمسون مليوناً كقيمة للمجمع التجاري والمجمع السكني ورفض أن يشتري المنزل الذي كنتِ تقيمين فيه ، ربما لشعوره بالذنب الذي أرتكبه في حق والده في ذلك المنزل ، أو ربما فعلاً لا يحتاج في عمله التجاري لمنازل سكنية ، وقد حددت المحكمة تاريخ الزاد ، بعد أسبوعين من الآن ، سأكون موجود حبيبتي ، وسيكون مدير شركتي العقارية حاضراً المزاد مكاني ، أريد أن أخبرك أني سألت كثيراً عن قيمة العقارات قبل أن أدخل في المزاد فاكتشفت أن المجمع التجاري ربما يرجح الكفة فقيمته رغم صغر حجمة كبيرة فهو في منطقة هامة وموقع ممتاز ، وقد أخبرني المحامي أن المزاد سيبدأ على المجمع التجاري من مبلغ خمسة وثلاثون مليوناً ، والمجمع السكني من العشرين مليوناً ، والمنزل من ستة ملاين ، وهذا يعني أن ابن زوجك كان يريد استغلال الفرصة ويشتري الممتلكان بأقل من سعرها بكثير ، لا يهم حبيبتي ، الأهم أن تسير الأمور في الاتجاه الذي نريد ، وتخرجين من السجن ، سألت المحامي حول هذه النقطة فقال ربما يكون هناك حكم مخفف فلا مشاكل أخرى مع أبناء زوجك وسيبقى الحق العام ، ويمكن أن يكون مخفف في حال تم تسوية كل المستحقات .

     خبر سيء آخر حبيبتي ، فقد تمكن أبناء زوجك من تطليقك من والدهم عن طريق المحكمة الشرعية التي استندت إلى الإدانة التي توصلت لها المحكمة الجزائية تجاهك ، حتى أنها أسقطت حقك في مؤخر الصداق ، لم أستنكر هذا فأنتِ مدانة في أدارة أموال زوجك وخيانة الأمانة ، لكن يجب أن تصدقي أني سعيد لسماع هذا الخبر ، سعيد جداً ، أكثر مما تتصورين مع أني أعرف أن هذا الخبر سيحبطك حين تسمعينه ، فكل صبرك على ذلك الرجل لم ينتهي بالشكل الذي كنتِ تتمنينه ، هذه هي الحياة حبيبتي ، أشياء كثيرة نملكها لا تكون لنا في نهاية الأمر .

     غادر مدير أعمالي قبل أسبوع لدفع رسوم المزاد الذي سيقام على أملاكك ، وانا وصلت البارحة ، اخبرني مدير شركتي العقارية حين بدأ المزاد على المجمع التجاري أن عدداً كبيراً من التجار حضروا المزاد فطلبت منه أن لا يزايد ويكتفي بالمشاهدة هل ستكون المزايدة في الحجم المطلوب ام أن هناك تلاعب ، فكان يخبرني بكل التفاصيل ، فالمجمع التجاري وصلت قيمته لثمانية وأربعين مليوناً ، فطلبت منه عدم المشاركة لأن قيمته بالفعل لا تتجاوز ذلك المبلغ بل إنه يعتبر بيع بأعلى من قيمته السوقية بمليونين ، بدأت المزايدة على المجمع السكني فأبن زوجك كان حاضراً ذلك المزاد بنفسه ، وزايد بنفسه ولم يتدخل مدير شركتي في ذلك لأن المزايدة كانت أيضاً قوية بل أقوى من المتوقع بكثير فالمجمع بيع بأربعين مليونا ، يبدوا أن لأبن زوجك منافسين كثر ، وقد أشتراه هو بالفعل قد أكتشف مدير أعمالي أنه يملك الأراضي المحيطة بذلك المجمع ، ولا يريد أن يخسر هذا الموقع ، جاءت الأمور لصالحك حبيبتي في تلك المزادات ، لكن المشكلة التي حدثت حين بدأت المزايدة على المنزل فلم يكن حاضراً سوى مدير شركتي وأبن زوجك ومزايد آخر فقط ، فلم تكن هناك أشخاص آخرون ، كان الموقف صعباً بالنسبة لي هذا منزلك ، وأريده أن يبقى منزلك ، وقد بدأت المزايدة بمبلغ الست ملاين كما هو مقرر وهذا يكفي لتسديد جميع المستحقات ، لكن أبن زوجك رفع المبلغ منذ البداية لعشرة ملاين ، وكان مدير أعمالي يتحدث معي على الهاتف ويخبرني بالتفاصيل ، فطلبت منه أن يزايد بمليون ، ففعل فرفع أبن زوجك المبلغ بشكل مفاجأ لخمسة عشر مليوناً ،فطلبت أن يتوقف مدير شركتي عن المزايدة وينسحب ، لكنه قبل أن يخرج ، امسكه أبن زوجك ، وقال له وهو يناوله كرته الخاص : أعطي هذا الكرت لأحمد ، وتركه يخرج بعد ذلك .

     يبدوا أن أبن زوجك كان يريد أن يفتعل بعض المشاكل حبيبتي ، فقد هددني حين تحدثت معه ، هددني بأنه سينتقم مني بسبب المشروع وما أخذته منه على غير وجه حق ، وأخبرني أنه عرف أن ملكية الأرض كانت لكِ قبل أن تسجل باسمي ، وأنه وصل لذلك بعد أن عرف من هو صاحب فكرة المشروع ، فقد عرف من المكتب الهندسي الذي نفذ المخططات ، وطلب مني بكل صراحة أن أعيد الأرض له وأعيد الخمسة ملاين يورو التي أعطاني شيكاً بها ، لم يكن أبن زوجك يمزح حينها بل كان جاداً ، لكنه لم يخفني ، أتصل بي أكثر من مرة في تلك الليلة ، وفي آخر أتصال ، طلبت مقابلته ، فحضر للفندق ، وجلس معي وتحدث بكل وقاحة لكن وقاحته تلك لم توصله لنتيجة معي ، فقد جعلته يتشكك في كل شيء قاله فعدما سألني عن مخططات المشروع التي اشتراها مني ، أخبرته أني واضع التصميم الأصلي وأن مكتب الاستشارات الهندسية الذي تعاملت معه السيدة / نور كان مبنياً على فكرة سابقة أنا واضعها لذا تم تسجيل هذا الشرط في العقد ، وعن الأرض فقد أخبرته أنك من حاول استغلال سلطتك بأنك بعتي لي الأرض ثم أقحمتها بالمشروع ، لكنه بعد كل ذلك ، سألني : ألا توجد علاقة بينك وبين نور ، تضايقت حينها ، فقلت له : تجارة عزيزي فهد ، تجارة ، ولو استطعت شرائك أنت لفعلت ، فرد علي : أنت تكذب في كل شيء ؟ فقلت له حتى لو أكذب في كل شيء كما تقول فقد استفدت منك ومن زوجة أبيك كل الاستفادة ولا بد أنك ستسألني عن المحامي ، سأخبرك دون أن تتعب نفسك ، لو كسبت من السيدة نور خمسين مليوناً ، وأخذ المحامي خمسة ملايين فأنا المستفيد في نهاية المطاف ، صمت لكن نظرته كانت غاضبة بل شعرت أني سأكون على لائحة الأشخاص الذين يريد الانتقام منهم ، ليفعل حبيبتي ما يريد ، لا يهم .

      كل ما جرى لا يهمني ما دامت الممتلكات غطت المبالغ المستحقة وهناك مبلغ خمسة ملايين زائدة ، هذا جيد ، كانت سعادة والدتك لا توصف وهي تسمع الخبر ، لكنها كانت سعيدة أكثر أنكِ تخلصت من ذلك الرجل الذي كانت تكرهه من أعماق قلبها ، مسكينة والدتك كانت تبكي كثيراً وأنتِ في السجن ، وبكت كثيراً بعد أن عرفت أن فترة بقائك في السجن لن تتجاوز السنة على أكبر تقدير .

زارك والدك بعد ذلك في السجن ، لا أعرف لماذا لم تحدثيني وهو معك ، كنت مشتاقاً لسماع صوتك ، لكنكِ لم تمنحيني تلك الفرصة ، لكن حين زارتك شقيقتك بعد أسبوع اتصلتِ بي ، تذكرين أول كلمة قلتها حينها ، قلتي ، شكراً ، وبكيتِ كثيراً ثم قلتي : أحبك ، لم تخرج الكلمات من فمي فقد كنت فرحاً لسماع صوتك ، سألتك عن حالك ؟ وأخبرتك : أني أنتظرك بكل شوق ، فبكيتِ ، وصل بكائك لقلبي ، لم أتوقع أن يكون البكاء تعبيراً قوياً للحب لهذه الدرجة ، تحدثت معك بعد أن هدأتي وطلبت منك أن تهتمي بصحتك ، لتعودي لي متألقة كما كنتِ ، فوعدتني بذلك .

     كان حكم المحكمة بعد هذا الاتصال بيومين ، وقد حكموا عليكِ بسنتين ، قضيتي منها ثلاثة شهور في السجن وستسقط ثلث المدة إن كنتِ حسنة السلوك في تلك الفترة أو أن يشملك عفو ، لكنكِ حبيبتي ستمكثين في افضل الحالات بالسجن ما يقارب العام ،  لا مشاكل حبيبتي ، فالأيام تمر ، وستمر بطيئة كانت أم سريعة ، فالزمن لا يتوقف أبداً ، وأنا سأنتظرك ، عام أو أثنان أو أكثر ، لا يهم ، فأنتِ في نظري تستحقين أكثر من ذلك ، تحدث معي والدك بعدها وقال لي أن المحكمة أذنت أن تستلمي مبلغ الخمسة ملاين الفائضة من المزادات وقال أنك مصممة على دفع مستحقات المحامي ، ورغم أني لا أرغب في أن تفعلي ذلك إلا أني تركتك تفعلين ما أردتِ ، واحتفظت لك بحقك في الأرض بباريس ومبلغ الخمسة ملايين يورو التي أخذتها من أبن زوجك وأودعتها بعد انتهاء القضية في حساب توفير باسمك في باريس .