البنيان المرصوص ( قطر من الداخل )

593547f9c36188b4148b45d1

مر شهر رمضان سريعاً وكل الاحداث التي مرت بنا هنا في قطر ايضاً مرت سريعة ، من حصار وأزمة أصبحت دولية تتعاطاها وسائل الاعلام بشكل متكرر ، ويهتم بها اطراف فاعلون حول العالم ، وأصحاب الاطماع وايضاً الدول التي تتمنى أن يكون لها موطئ قدم في شبه الجزيرة العربية التي تعتبر مخزن العالم في النفط .

ما اثار اهتمامي في الفترة الأخيرة ليس الشق السياسي الذي لعبه الساسة القطريون بحرفية تتجاوز حدود المنطق العربي المتعارف عليه في السياسة ، ولا الحصار المجحف الذي فرض على قطر من دول الجوار وما صاحبه من انتهاكات واضحة لحقوق الانسان القطري والخليجي .

ما لفت انتباهي هو حسن إدارة الازمة داخليا ، فكلنا يعرف مدى اعتمادنا سابقاً على دول الجوار في امدادنا بما تحتاج الدولة من مصادر مختلفة ، وما كان ذلك الاعتماد ليكون قوياً لولا ايماننا نحن القطريون قيادة وشعب أن دول الجوار هي عمقنا الاستراتيجي الذي نستند عليه في مواجهة العالم والأزمات الكبيرة التي نشاهدها من حولنا .

لكن هذه النظرة التي كنا نحسبها صائبة وعميقة في الفترة السابقة انهارت في ساعة فقط ، وانهار معها الامن الغذائي والامن الإقليمي ، والعمق الاستراتيجي لدولة قطر ، ولم يتولد ذلك من حرب مجاورة ، بل من الاشقاء في ما يسمى الان بمجلس التعاون الخليجي .

ما حدث على وجه التحديد في شهر رمضان كان المقصود منه ان يصيب الدولة خلل في منظومها الغذائي والاقتصادي والأمني ، خلال الأيام الأولى للازمة على وجه الخصوص ، لكي تكون الحكومة القطرية مجبرة على سماع الشروط والعمل على تنفيذها بأسرع وقت ، ولم يفكر بمن كنا نسميهم الاشقاء الخليجيون في السابق من تداعيات هذه الازمة ، ولا ما سينتج عنها من أمور خطيرة ربما تزلزل المنطقة برمتها ، او على اقل تقدير ، ان تحول الازمة الحالة المنطقة ، لصراع قوى عالمية يصعب السيطرة عليه .

ولا يهمني كل ذلك الان فما اريد ان اخلص إليه بهذه السطور القصيرة ، هو الحرفية في إدارة الازمة داخلياً فهناك نقاط أساسية استطاعة الحكومة القطرية ان تكسبها ويجب الإشادة بها من منطق الانصاف على اقل تقدير ، او بمنطق العدل الذي تقاس به الأمور .

 اول نجاح يسجل للحكومة القطرية ممثلة في اميرها الشاب ، انها استطاعت ان تبني الثقة لدى كل القوى الداخلية من الشعب وأصحاب النفوذ وأصحاب الاعمال ولم تتولد هذه الثقة فقط في هذه الازمة بل عبر جيل كامل استطاع الأمير الوالد ان ينقل قطر فيه نقله نوعية شملت كل جوانب الحياة القطرية مادياً وثقافياً وعلمياً ، وحتى ادبياً ، واستكمل الأمير تميم تلك المسيرة بالسير على نمط والده الذي كان يعتبر ان الاستثمار البشري هو الثروة الأكبر التي يمكنه ان يستند عليها ، وهذا ما حصل بالفعل في هذه الازمة حيث التف الشعب حول قيادته لان جسور الثقة موجودة ولا يعترها أي شك .

ثانياً إدارة الازمة التي وقعت في الأيام الأولى من شهر رمضان في الملف الاقتصادي الداخلي ، من قطع كل خطوط الامداد من دول الحصار والتي كانت قطر تعتمد عليها كممرات تجارية تنقل البضائع إليها او تستورد منها الكثير من المنتجات وخصوصاً منتجات الالبان والمواد الغذائية ، وقد إدارة الحكومة الازمة باحترافية شديدة في هذا الجانب ساعد في ذلك الإمكانيات المادية المتوفرة لدى دولة قطر دون ادنى شكل ، لكن سرعت التجاوب في إيجاد بدائل ، وخطوط امداد أخرى ، وتوفير كل الأساسيات خلال مدة لا تزيد عن 48 ساعة كان عمل متقن لدرجة انها سبب صدمة لتلك الدول التي قامت بحصار قطر بل استطيع انا أقول انه رفع من اسهم الحكومة القطرية ليس في نظر الشعب القطري فقط بل على المستوى العالمي .

ثالثاً في الجانب الأمني ورغم المزيج من الجنسيات الموجودة في دولة قطر لم يشعر أي شخص سواء من الشعب او المقيمين او الزوار بأي خلل في المنظومة الأمنية لدولة قطر ، وسارت الأمور بشكل سلس في هذا الجانب لدرجة أن أجهزة الامن في قطر حازت على اعجاب الجميع ، ولا بد ان نشير هنا انه من الطبيعي ان تكون كل تلك الأجهزة في حالة استنفار في مثل هذه الازمات ، وهو ما وقع بالفعل ، لكن دون المساس بحقوق المواطنين والمقيمين في الدولة ، وهذا ما يثير الاعجاب فرغم الخطر الداهم في هذه الازمة لم تضع تلك الأجهزة الأمنية أي قيود إضافية على الشعب ولا المقيمين في الدولة ، وهذا ما لا يحدث في اغلب الدول التي تحدث فيها أزمات شبيهة .

رابعاً ثقافياً وهذه النقطة اشترك فيها الجميع الحكومة والشعب وحتى إخواننا العرب واصدقائنا المقيمون على ارض قطر بتفاعل لا تكاد تراه في اغلب دول العالم في أزمات اقل تأثير من هذه الازمة ، فكل توجيه تصدره وسائل الاعلام من احد الجهات السياسية او الثقافية كان كل مستخدمي وسائل الاعلام او مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي ، يتفاعلون معه بشكل يثير الاعجاب الشديد ، ولا يأتي هذا الامر بهذه السلاسة والمرونة لولا وجود الثقة بين الشعب والحكومة و بين المقيمين والحكومة ، وهذا نجاح رائع نجحت فيه القيادة القطرية بامتياز ، فقد نجحت في في مد الجسور بين الشعب والحكومة وبين الشعب والاسرة الحاكمة وبين الشعب والمقيمين تحت ظل انظم مرنة تخضع لرقابة أجهزة محترفة .

خامساً وهنا يجب الإشادة بوعي الشعب القطري فحين نرى المأجورين يتمادون في تحريف الحقائق والصاق التهم بقطر ، كنا نرى من يرد عليهم هم افراد الشعب دون الحاجة لتوظيف من يقوم بذلك فتحية لهذا الشعب الواعي وحكومته وقيادته .