االاستسلام الحضاري في الخليج ..

تنتشر على اليوتيوب وغيره من المواقع الأخرى الكثير من الأفلام القصيرة التي تعالج الواقع ، وتحث على القيم النبيلة من مساعدة الآخرين ومد يد العون لهم ، وخصوصاً كبار السن ، والأطفال ، وهذه النوعية من الأفلام يتم تصويرها باحترافية شديدة لتوصل تلك المشاعر الجميلة التي بدأت تزول في الكثير من المجتمعات في العالم وخالصة التي غزتها الحضارة بشكل كبير وطغت عليها الرأس مالية لتطغى على الكثير من القيم والأخلاق والمبادئ المجتمعية النبيلة والسامية .

ورغم أن يعض المجتمعات لا يربطها روابط قوية فتكون متنوعة الديانات والمعتقدات ، ومتشعبة الأعراق إلا انهم يسعون لإعادة إحياء تلك القيم في تلك المجتمعات أو المحافظة على ما تبقى منها ، لكي لا يفقد المجتمع انسانيته بشكل كامل .

المجتمعات التي انفتحت بشكل سريع على الحضارة في وقت مبكر من القرن السابق ، تعاني بالفعل من انهيار قيمها ومبادئها الأخلاقية وروابطها الاجتماعية , فنرى الانحلال الاسري بشكل قوي في أوروبا وبعض دول الشرق الأقصى والأمريكيتين ، رغم ما وصلت إليه تلك المجتمعات في مستويات الإنتاجية ، والتطور والرقي في المجال الاقتصادي إلا انها تعاني بشكل قوي في المجال الأخلاقي والمجتمعي لدرجة الانهيار .

القارئ لتاريخ اوروبا في القرن الثامن عشر وما تلاه في عصر الحداثة الذي تفتخر به أوروبا كانت بوادر الانحلال المجتمعي تتشكل ، والفرقة بدأت تزيد ، والمسافة بين القرية والمدينة تتسع ، والقوانين بين القرية والمدينة تختلف اختلافاً كبيراً ، فحين كانت القرية تحافظ على تلك الروابط والأخلاق المجتمعية الراسخة ، كانت المدينة تنحل بشكل سريع وتفقد بشكل مستمر تلك الروابط ، دون ان يكون هناك من يحاول الحفاظ عليها ، او الدفاع عنها بل كان الاهتمام الأكبر بالإنتاج والاختراع وفي مجال التجارة والسياسة ، وتأثر بذلك الاف الفلاحين الأوربيين الذين انتقلوا للمدن بحثاً عن الكسب السريع والربح ، وصغر حجم الريف بالنسبة للمدينة ، فأنتقل التأثير بشكل كامل للمدينة ، ومجتمعها وتقلصت تلك العادات الريفية البسيطة التي كانت تربط المجتمع .

ايضاً القارئ لفترتنا الحالية في الوطن العربي عموماً والخليج العربي بشكل خاص ، سيكتشف أن الأوضاع في وقتنا الراهن تشبه لحد كبير الأوضاع في اوروبا في ذلك العصر ، بل تتطابق في بعض جوانبها الأخلاقية والاقتصادية ، مع افضلية لوقتنا الحاضر للإعلام الذي اصبح تأثيره لا يضاهى ولا يقارن بالأعلام في ذلك الزمان ، وان عصر الحداثة الذي تجاوزته اوروبا ، لعصر ما بعد الحداثة يحدث لنا الأن ، لكننا لا نملك من السلطة في تحويل قراراتنا بمعزل عن المجتمع الدولي في هذا الوقت بينما كانت اوروبا هي سيدة العالم والتي فرضت عليه كل مبادئها الأخلاقية والتجارية والعلمية ، ومن بعدها جاءت الولايات المتحدة وما روجت له من الرأس مالية والتجارة الحرة والاقتصاد العالمي المفتوح ، دون التفكير في أي قيم إنسانية ، او مراعاة لأي مجتمع .

ولا استغرب من انهيار القيم وانحلال الاخلاق الذي بدأت بعض المجتمعات تعانيه في منطقة الخليج ، لكني استغرب أن نفقد تلك القيم والأخلاق المتأصلة فينا كمجتمع يحمل صفات مشتركة ، لعرقية واحدة ، ودين واحد وعادات واحدة ، كيف يستغني هذا المجتمع الأصيل عن تلك المبادئ الجيدة لأي مجتمع على وجه الأرض من التراحم والتعاون والمساعدة ، والعفة والكرم وغيرها من العادات والأخلاق النبيلة التي يمتدحها كل من عايشها من قديم العصور ونقلها الكتاب والمترجمين وكل من يعرف ان يميز ما هو الجيد والرديء على وجه هذه الأرض .

ان الحفاض على المبادئ المجتمعية الموجودة كالحفاض على كنز كلما قدم تاريخه غلا ثمنه ، ولا يعني ان الحفاض على تلك المبادئ أن نعود لعصر سابق لم يكن هناك فيه قانون أو دولة ، بل على العكس ، فالأخلاق والمبادئ المجتمعية لا تمنع عمل المرأة ولا تسجنها ، ولا تكبل الرجل بما لا يريد ، بل هي أساس لعمل جاد ، تقوم عليه الحياة ، فلا مانع ان نتطور ونرتقي دون أن نفقد مبادئنا واخلاقنا .

إن ما نراه الأن من تغني بالأخلاق والتراث الأصيل والكرم لا يتعدى أن يكون مظهر اعلامي نتفاخر به نحن العرب على بعضنا البعض ، فليس التراث صور لمباني قديمة ، ومتاحف نزورها بتذاكر لكن التراث هو موروث مجتمع نقل عبر أجيال يحمل معه قوانين ليست مكتوبة ، يسلم بها المجتمع كعرف ، تنقل من جيل إلى جيل يحافظ بها المجتمع  على تميزها عن المجتمعات الأخرى المحيطة به ، فالفخر هو جانب من الموروث والصبر جانب اخر ، والكرم جانب اخر والشجاعة وغيرها من الُمثل التي أصبحت فقط شعارات يتغنى بها الاعلام .

إن غنى مورثنا الشعبي ليس كتاريخ بل هو تأصيل للمجتمع فالمورث الشعبي تأثر بالدين ونقل اغلب احكامه منه ، وبالمحيط من بر وبحر وحياة شاقة في كسب الرزق ، ومن ظروف محيطة من شجاعة وكرم وحروب ، وهذا لا يعني ان نتخلى عن بعض الموروثات السيئة ، لكن لا نتخلى عن مبادئنا التي ورثناها عبر عصور مر بها المجتمع الخليجية متنوعة ومختلفة .

لماذا مثلاً لا نأخذ بعض احكام القانون من العرف المحلي دون أن ننقل قوانين ودساتير من دول غربية وعربية ، دون مراجعتها ومعرفة مدى ملائمتها لمجتمعاتنا واعرافنا وموروثنا الأخلاقي ، ولماذا مثلاً نستسلم لذلك الاعلام الذي يجعل تحرر المرأة هو التعري والرقص والغناء فقط ، وذلك الضغط الذي تمارسه المنظمات الحقوقية وتفرط في كرامة مواطنينا .

اننا نتخلى عن الكثير من تلك القيم بمحض ارادتنا بتأثر كبير من الساسة والمفكرين بآراء لا تمت إلى الحضارة بصلة ، وبغيرهم الذين يربطون الحضارة بالتعري والانحلال ، وبغيرهم الذي يربط الحضارة بالتخلي عن الإسلام ومبادئه وفصل الدين عن الدولة بشكل كامل ، وما لا يقولونه أن فصل الدين عن الدولة بشكل كامل هو الانتقال إلى العلمانية .

ان كل مجتمع يجب أن يكون له حراس من ساسته ، وحراس منه هو ذاته ، بمنضمات مدنية لا يدعمها احد يكون لها تأثير على المجتمع في فكره ، نستطيع من خلالها فرض رأي المجتمع ، ونبني له تأثير على القرار ، وعلى الوافدين وعلى المنظمات الحقوقية التي تدعم الاستقلال الشخصي والفردية ، فمناقشة تلك المنظمات التي تدعي الحفاظ على حقوق الانسان حول العالم ، من منظمات مجتمعية مستقلة عن الدولة ، سيكون له تأثير أكبر من المنظمات الحكومية التي تبنى على مبادئ دولية من الأساس ، منظمات مدنية من المجتمع ، تفرض رأيها وتحارب لأجله نحافظ بها على قيمنا النبيلة التي تنهار بوتيرة سريعة جداً .