ملل الانتظار ، انتظار الملل

ملل الانتظار  …  انتظار الملل

الانتظار مجموعة مشاعر تضعك في مكان محدد ، كأن الزمان والمكان اتفقا أن تكون هناك وأن تكون أنت معها فتمتزجون في هذه التوليفة العجيبة مكونين الملل ، نعم أشعر بالملل في الانتظار وفي أحد المواقف هناك جلست أسترجع بعض الأمور لكن هذا لم يجدي نفعاً فأخذت اقرأ في كتاب كعادتي في تلك المواقف فأمزج الملل بالمعرفة ، كأني أضيف السكر إلى القهوة السادة … لكن للأسف أنا أشربها سادة من الأساس .. الكتاب شيق نعم شدني كثير وتساقطت الكلمات فالكتاب الجيد كالمطر يشد الانتباه ويحاور العقل ولكلماته القدرة على تحريك الركود .

تابعت القراءة ومن حولي السيارات تتحرك ، أخترت موقفاً بعيد نوعاً ما لأستمتع بما أقرأ نعم القراءة متعه لمن أراد أن تكون كذلك ومملة لمن أرادها كذلك .

لأصف لكم المشهد مواقف أسمنتية مغطاة بجواري سيارة مغلقة أمريكية ضخمة الحجم ذهب صاحبها إلى الداخل وأمامي سياره أخري مغلقة ويبدوا كذلك أن صاحبها ذهب إلى الداخل والمكان هادئ وقد مرت بوجهي نسائم ديسمبر الباردة ما أروعها وفجأة انكسر الصمت لم أنتبه إلى وقد حدث صوت مزعج نسبياً فرفعت عيني من الكتاب فإذا بصاحب السيارة الأمريكية فد فتح باب سيارته برعونة وكأنه واقف في السماء لا يجاوره أحد فأصطدم ذلك الباب بسيارتي فعاد إلى رشده وانتبه أنه أخطأ فخاطبني : سسوورري فرفعت رأسي وهززته بالرضا فبتسم وأدار السيارة ورحل عدت إلى كتابي ، لأستمتع به وعاد الصمت للانكسار وجاءت سياره أخرى لتقف وترجل صاحبها وذهب إلى الداخل وجاء آخر بسيارة أمريكية أشبه بالتي فتح صاحبها الباب بعنف ووقف أمامي وكان يتحدث بالهاتف ولكونه أمامي لم يزعجني فصوته كان يصلني كالهمس لا أفهم ما يقول أو بأي لغة يتكلم وفجأة عاد صاحب السيارة التي بجواري فركب سيارته ورحل فتشجع صاحب السيارة الأمريكية فجاء ووقف بجانبي وهو لا يزال يتحدث بالهاتف  .

آه .. وألف آه … أن صوته أصبح قريباً ومزعجاً وأنا منهمك في القراءة أريد أن أكمل ما بيدي وأن أستمتع به دون إزعاج حاولت أن لا أعيره اهتمام فأنا لا أفهم ما يقول فهو يتحدث بلغة هندية وأنا لا افهم الهندية ، لكن صوته مزعج ، مزعج جداً أدخلت إصبعي في آذني اليسرى لعلي أخفف من حدة صوته … لا فائدة لا فائدة .. تمنيت أن تفرغ بطارية هاتفه الذي يتحدث منه وذهبت أماني أدراج الرياح … لا فائدة … كدت أصرخ في وجهه ولكني تماسكت وصبرت وكان ينهي المكالمة ويرن هاتفه مجدداً ، إزعاج ،  إزعاج متواصل يتحدث بسرعة فائقة وبصوت حاد جداً لا يتشاجر ، لا لا لا  هو يتحدث فقط وفي غمرت هذا الموقف وفجأة أنهى مكالمته فرحت ولكن هاتفه عاود الرنين من جديد ، فرد وقال بسرعة أوكي ، أوكي ، وكي  ، لقد تخلا عن لغته الهندية  ، غريب ولكن الأمر شرح نفسه بسرعة فقد أدار المحرك وحركت السيارة فعرفت ما حصل لقد اتصلت به صاحبة العمل (  المعزبة  ) فذهب ليأخذها انقطع الإزعاج رائع سوف أكمل ولكن للأسف انتهي الفصل الذي كنت مندمج فيه وأريد إتمامه ولا أستطيع أن ابدأ فصلاً آخر فالوقت لا يسمح لي إلا بقراءة صفحات ،  أدرت محرك سيارتي وانصرفت .

اوراق قديمة ٢٠٠١

الرجل الذي باضت النحلة في بطنه .

نحلة

الرجل الذي باضت النحلة في بطنه .

يحكى أنه في سالف الزمان كان هناك رجل يحرث في أرضه وقد نال منه التعب ما نال فاستراح إلى جذع شجرة في بستانه ، وما أن شعر بالنعاس شعر بشيء يبلل وجهه ، فمسح ما أصاب وجهه ونظر للأعلى فإذا هو خفاش قد حل على تلك الشجرة ، وألقى سلحه على ذلك المزارع ، فستشاط المزارع غضباً وأخذ حجر وألقاه على الخفاش ، وكان له من الرمية ما أرد فسقط الخفاش على الأرض فأخذه وسلخه ، وطبخه ثم كان وجبته الشهية على مائدة الغداء .

قال أحد التلاميذ : هل يأكل الفرنجة الخفافيش يا أستاذ ؟

فأجاب الأستاذ : لم يكمن ذلك الرجل ممن الفرنجة يا أولاد بل يقال أنه من قوم يأجوج ومأجوج .

قال تلميذ آخر : ومن هم يأجوج ومأجوج يا أستاذ ؟

فرد الأستاذ : هم قوم أتوا من شرق الأرض ، استباحوا البلاد وقتلوا العباد ، ونشروا الفساد ، ثم اصابهم الطاعون فماتوا دون البشر ، ودعوني أكمل لكم حكاية ذلك الرجل :

بعد أن أكل ذلك المزارع النشيط الخفاش بثلاثة أيام قام من نومه في المساء فزعاً فقد رأى فيما يرى النائم أن في بطنه نحله وأنها وأنها قد باضت ، ولم يكن في بطنه نحله لكنه المرض ، الذي كان في بطنه مما أكل ثم مرض ، وشعر بتعب خفيف وألم في جسده ، وكان يسعل بين الفترة والأخرى ، ولم يطل ذلك المرض بل رحل سريعاً كما جاء ، فتعافى المزارع وعاد ليحرث أرضه بنشاط ، وجهز الغلال وذهب للسوق وباعها كلها بأفضل الأثمان .

كان زمانهم زماناً عجيباُ فقد كان الحديد ينطق وأيضاً يطير في زمانهم وأن الرجل يخاطب الحديد ، فيرد عليه صاحبه القول ، بل ويجتمع أناس كثيرون على حديدة يستمعون لمن يتحدث من حديدة أخرى ، وقد سمع ذلك المزارع من حديدته أن الناس قد حلمت حلماً واحداً ، وهو أن نحلة قد باضت في بطن كل من أكل من التفاح الأحمر ، فنظر المزارع إلى بطنه ، وتذكر حلمه ، فقام وذهب لصاحب تلك الحديدة التي يملكها حاكم البلاد والتي يستمع الناس لما يقوله الجالس ورائها ، وأخبره بحلمه ، وأخبره أنه هو من باع التفاح الأحمر في البلاد .

فقال احد التلاميذ : هل يوجد تفاح أحمر يا أستاذ ؟

فقال الأستاذ : نعم يا أبنائي يقال أن التفاح كان بعضه أحمر ، ولذا فقد أصابه المرض لأن به شيء من الدم ودعوني أكمل لكم الحكاية حين وصل الخبر لحاكم تلك البلاد ضحك وهو يسمع تلك الحكاية وطلب التفاح الأحمر ، وأكل منه ليتأكد بنفسه من النحلة ، وأقسم بأنه سيسألها هل يبيض النحل في بطن كل من يأكل من التفاح الأحمر ، وعاد المزارع إلى أرضه وهو يضحك ويقول ، جنت الناس ، كيف يبيض النحل في بطن الأنسان ، وفي اليوم التالي ، عادت الأحلام يتردد صداها عبر الحديد ، وكثر الكلام عن النحل ، وفي اليوم التالي ، تعب الكثيرون ، فمنهم من مرض مرضاً شديداً ومنهم من شعر بتعب قليل ومنهم من مات .

نحل يبيض

أستمر النحل يبيض في بطون البشر ، وأصبح كل بيت فيه مريض أو ميت ، وقد حل موسم الشتاء ، فركب الناس الحديد وطاروا على متنه لكل البلاد ينشدون الدفيء وانتشروا في كل الأصقاع .

قاطعه احد التلاميذ : وهل يجنى التفاح في الشتاء يا أستاذ ؟

فرد الأستاذ : الذي يجعل الحديد يتكلم ويطير ، يجعل التفاح يجنى في الشتاء ، فسبحانه العلي القدير ، ودعوني أكمل لكم الحكاية : حين انتشر أهل تلك البلاد في العالم ، بدأت الأحلام تنتشر في كل الأصقاع ، وبدأ النحل يبيض في بطون البشر كافة ، ومرض الناس ، وكان زمانهم عجيباً ، وكان لهم من العلم ما لم يصل إلينا ، وقالوا أن لهم من التنظيم ما لم نعرفه في القديم أو الجديد من الزمان ، ويقولون أن الأرض كلها قطعت إلى خمس قطع كبيرة ، وأن تلك القطع جزأت إلى قطع أصغر وتسمى كل قطعة دولة ، وتسمى القطعة الكبيرة قارة ، ولم تسلم قاراتهم الخمس ولا دولهم من الوباء .

أنتشر الوباء ، وحبس جنود الحكام الناس في بيوتهم لكي لا يخرجوا وتنتشر العدوى بين العباد ، ويقال أن الناس كانت تموت من الجوع ولا يؤذن لها بالخروج لأرزاقها خوفاً من الوباء ، وظل الحال هكذا طويلاً ، وظل النحل يبيض في بطون البشر ثم يعم الوباء ، فيموت أناس كثيرون ، إلا أن الوباء لم يكن هو المتسبب في الكوارث التي حلت بعد ذلك .

فقال تلميذ : وما حل بعد ذلك يا أستاذ ؟

فأجاب الأستاذ : بعد أن حبس الناس في بيوتهم ، حبس الحكام الطعام لأنفسهم وجنودهم ، ومن لديه فائض من الطعام خزنه وحفضه لكي لا يتلف ، والكل ينتظر أن يزول الوباء ، لكن بعض تلك الشعوب اصابهم الجوع ، فثاروا على حكامهم ، وبعض البلدان ، غزت بلدان أخرى لتستولي على الطعام ، وبعض البلدان لم يبقى منهم إلى القليل بعد أن اصابهم الجوع والوباء ، بسبب رجل أكل خفاشاً فباضت النحلة في بطنه ومرض ونشر المرض في كل الأصقاع ، انهارت البلدان وأنتشر القتل وفنى الكثير من العباد .

ويقال أن التفاح الأحمر اصبح محرماً فلم يأكله أحد بعد ذلك ولم يزرعه أحد وأن الناس قامت بقتل النحل والخفافيش فهربت إلى الجبال ، وأن الحديد بعد ما جرى في تلك الفترة لم يطير ، فقد أصبح ثقيلاً بعد أن أصابه المرض ، وأصابه أيضاً الصم والبكم فلم يسمع ولم ينطق بعدها ابداً ، وأن الفرنجة هم أكثر من أصابهم الحزن فقد مات منهم الكثيرون أما أهل الشرق فقد عادوا أقوياء ، والعرب أيضاً لم يسلموا من النحل فقد مات الكثيرون إلا أن رحمة الله قد أنقذتهم فثاروا على حكامهم ، ووزعوا المؤن على العباد ، وساد العدل بعد ذلك .

قال أحد التلاميذ : ما أسم ذلك الرجل يا أستاذ ؟

فرد الأستاذ : قالوا أن أسمه كورون ، وأطلق على ذلك الوباء أسم كورونا نسبة لذلك الرجل ويقال : أن ذلك الخفاش الذي أكله ذلك الرجل أرسل له من السماء ، فحل على رأسه لكي ينشر الوباء ، فيموت الظلمة ويبقى الصالحين .

فقال تلميذ : هل الفرنجة صالحون يا أستاذ ؟

يقال يا أبنائي أنهم بعد ذلك الوباء وبعد أن ثارت الشعوب ، وبعد أن غزت البلاد بعضها بعضا وأستحر القتل ساد السلام وعم الصلح كل الأرض ، لكن البشر عادوا لفسادهم فيما بعد ، فالشيطان لم يمت في ذلك الوباء ، جنبنا الله الوباء .

وتحدثت عني ..

meditation_3555_advice_32463

     تأرجح الأفكار وتدور في رأسي اجمعها فتميل بي إلى الذكريات والآلام فأبكي ثم أقوم لأصرخ من جديد .. كفى .. كفى .. كفى ، متى ينتهي الألم ؟ متى يرحل ؟ لتستقر روحي  وتتنفس الهواء باردً أو ساخنً  أو جافاً ، كما يكون فقط أريد أن تشعر بالواقع الذي يحيط بها فتعيشه جميلاَ أو تعيساً ، وأن لا تتمادى في الذكريات فتموت في الماضي الذي تعيش فيه فربما يكون الواقع اجمل لا بل يجب أن يكون الواقع اجمل .

     كتمت هذه الكلمات في نفسي لكي اسردها إذا انتابتني نوبة الحزن مع عودة الذكريات لكي اصمد واقف في وجهها وأصرخ كفى لن أبكي مجددا لن ابكي أبدا ، مرت بي الأيام بعد ذلك الشعور متشابهة وأنا اطرد الذكريات لا أريد أن أعود إليها فلا حزن فيها ولا فرح بل وجوم يكسوا ما حولي من أشياء فتمتزج في نفسي وتصبغها بلونها الرمادي الكئيب .

     ذات ليلة بينما كنت متكأ على الكرسي غالبني النعاس بشكل مفاجأ ورأيت أني اتكأ على الكرسي نفسه وأغط في نوم عميق وفجأة شعرت بيد تلامس وجهي وقبله هادئة على جبيني وصوت شفاف يناديني .. أستيقظ .. فتحت عيناي فإذا بفتاه جميلة الوجه جذابة الملامح تسر الناظر فيما اشتهى النظر منها .

     عاودت الحديث : هل استيقظت ؟ نظرت إليها بريبه ولم اجبها فقالت : لقد قضيت ليلتك نائم على الكرسي وقد اشرق الصباح ، وتوجهت إلى النافذة وأزاحت الستارة وهي تتكلم بصوت هادئ : انظر كم هو النور جميل يكشف ما خبأ الليل فيكسوه حلة البهاء .

     خرجت حينها الكلمات من فمي ثقيلة وانا اضع يدي امام عيني لأحجب اشعة الشمس : ذلك النور لا يصل إلى النفس لكي تشرق كما تشرق الدنيا به ، نظرت إلى بتمعن وارتسمت على وجهها تعابير الكلمات ثم مشت بهدوء وجلست على الكرسي المقابل وقالت : نعم لا يصل إلى النفوس فالنفس كائن غريب عن النور لا تحبه ولا تشتهيه ولا تفهمه لكي تفتح له النوافذ ، سألتها : هل تفتح الدنيا نوافذها للنور أم إنه يغزوها شاءت أم أبت ؟ ابتسمت وقالت : بل يفتح لها النوافذ ألم تحط بيتك بالستائر ؟ فقلت : بلا .

     حركت يدها ووضعت اصبعها السبابة على صدري وهي تقول : كذلك نفسك بها نوافذ وستائر تحجب النور فلا ترى ما يكون خارجها ولا تستمتع به ، صرخت في وجهها : لا بل ترى وتسمع لكن لا تشعر بشيء ، ارتسمت علامات الانزعاج على وجهها قبل ان تتحدث : عزيزي بل تستطيع إن شئت أن تشعر تلك النفس بما يحيط بها لماذا تفصلها عنك أليست جزءاً منك تعيش بداخلك تتحرك معك ، قلت : بلا ، فقالت : أذن لماذا تفصلها لماذا تعيش أنت بداخلها ؟ لماذا تتركها مهملة لا ترى النور الذي حجبته عنها بالنوافذ والستائر والعوازل التي تضعها  في كل جوانب حياتك .

     هاجت مشاعر الغضب شعرت باتهامها يكشفنِ فصرخت مجدداً : لم اعزلها ، لم اعش بداخلها اتسمت ، وقالت : أهدئ عزيزي أنت تكذب ،صرخت بوجهها بكل قوتي : انا لا اكذب ولا احتاج للكذب ، عادت وابتسمت ابتسامتها الجميلة المستفزة وقالت : لا بل تعيش به وتتهم الحزن والذكريات بما لا يناسبها ولا يليق بها ، أنت ترتدي ثياب الماضي وتلف حولك الذكريات فتحجب عن نفسك النور والجمال .. كما البيت تماماً تمسه الشمس من الخارج وإن لم تفتح النوافذ يبقي الداخل كئيباً يلفه الظلام .

     نظرت إليها وأخذت اقلب كلماتها الواثقة في رأسي وفكرت بها برهه من الزمن ثم تناهى إلى فكري سؤال من هي ؟ وكيف دخلت إلى هنا ؟ أنا متأكد أني أغلقت الباب بعد أن دخلت إلى غرفتي فشعرت بشيء من الريبة ولكنها لم تدم طويلا فمثل هذا الوجه الجميل والكلمات الواثقة لا تثير في النفس الخوف بل الأمل ، كنت انظر إلى وجهها وقد غبت في أفكاري وهي كذلك تبادلني النظرات ثم هزت رأسها وقالت بهدوئها المعتاد : اسألني من أنا ؟ وكيف دخلت إلى غرفتك ؟

     ارتسمت الدهشة على وجهي وبادلتها الحديث : كأنكِ قرأتِ ما يجول بخاطري  ، فقالت : نعم حتى ذلك الخوف والريبة التي مرت بك ومسحها منظر وجهي الجميل وكلماتي الواثقة ، جمدت ملامحي ونظرت إليها بذهول فنطقت بنفس الهدوء : هل تريد أن تعرف من أنا ؟ وكيف دخلت ؟ هززت رأسي لكي اسمع الإجابة فقالت : أنا لم ادخل من الخارج بل خرجت من الداخل .

     استغرب من أجابتها وسألتها : خرجتِ من أين ؟ ابتسمت ووضعت سبابتها على صدري وقالت : من داخلك ، فصرخت في وجهها : من أنتِ ؟ قالت بتأفف : ارجوك عزيزي لا تنفعل فأنا محتاجة للهدوء ، تمالكت أعصابي وسألتها بهدوء : من أنتِ ؟ فقالت : أنا نفسك التي حبستها في داخلك ولففت حولها كل أنواع الظلام واعدت عليها كل مشاهد الألم والحزن فأصبحت كئيبة حزينة تنظر بعينيك فلا تستشف الجمال ولا تستمتع به ، أنا نفسك التي حبستها بداخلك وكأنها فتاه جميلة حجبتها عن الظهور خوفا على جمالها فقتلت بها كل أمل ومسحت مشاهد الحياة عنها فأصبحت مظلمة تنظر إلى سواد الحزن وسواد الألم وسواد الظلام فلا ترى جميلا أبداً ، وتتشابه كل المشاهد في عينها ، صرخت قائلاً : لا لم أفعل .

     عزيزي لا تنفعل فقد بذلت جهداً كبيرا كي أتمكن من الخروج من أعماقك ولو أنني عدت ثانية لن أستطيع الخروج أبداً ، أنا كما هذا البيت الذي لم تشرق به الشمس منذ زمن بعيد كئيب حزين لا يدخله سواك ولا يملك مفاتحه أحداً غيرك ، أنا نفسك صدقني ، انظر اللي كم أنا جميلة بهية تختال حولي الزهور إذا رأتني وتشرق من وجهي ملامح السرور .

     سكتت ونظرت إلى نظرت يملئها العطف فسالت دمعه من عيني فقالت لي وهي تواسيني : ابكِ عزيزي فرحاً كما تبكيحزناً ، استرجع من الذكريات ما يفرحك وأطرد ما يحزنك لقد عشت بالألم كثيراً فلماذا لا تغير ملابس الأسى ، فقلت : لا استطيع ، نظرت إلي وابتسمت وهي تقول : حان رحيلي وداعاً .

نظرت إليها مجدداً وسألتها في هدوء خالطه التأثر بما قالت : اكملي حديث ، فعادت تحدثني : أنا نفسك وأنت الوحيد الذي تملك مفاتيح الدنيا التي أريد ، افتح النوافذ والأبواب المغلقة لكي اشعر بالدفء بعد برد الظلام ، أنا نفسك انظر اللي لقد اشرق وجهي لأنك حاولت فقط أن تطرد الذكريات الحزينة وأن لا تبكي فما بالك لو خرجت أنت للنور .

     أردت أن امنعها أو أن اصرخ في وجهها أو أتوسل إليها لكي لا ترحل ولكن ، النعاس غلبني فجأة ثم استقضت بعد فترة  توجهت إلى النافذة مباشرة فأزلت عنها عازل النور وفتحت الستار ورأيت الشمس تكسوا الدنيابنورها وتنشر الجمال على الأرض وتطرد ما ترك الليل من ظلمة وأخذت أتأمل ذلك المنظر الجميل الذي امامي ، وأسترجع ما حدث ليلة أمس ولا أدري أكان حلماً أم واقعاً ، لكني عرفت أن نفسي مظلومة فأنا من تجنى عليها ، عاودت النظر إلى الخارج لأستمتع بالنور وابتسمت .

مات الأول .. ورحل الثاني ..

246327-513x340

من بين كل المشاكل التي واجهته ،  ظهر وتغلب عليها ومع قدرته العجيبة على تخطي العقبات فلم يستطع أن يتخطى البكاء يبكي كالطفل لأسباب عاديه تمس مشاعره .. ربما أو ربما تلامس جرحاً قديماً فآلمه فيعود يبكي ورغم بكائه فهو صلب في مواقف الشدة لا يهتز للصدمات بل يهز الصدمات فينبهها بأنها ستتأثر كما تأثر به فهو لن يتركها المستفيد الأوحد بل سيستفيد منها ، فكل الصدمات التي مرت أكسبته الصبر والجلد والقوة والحنكة التي يواجه بها تعقيدات الحياة ومشاكلها دون ما أطاله تفكير فهو يستنتج بشكل سريع ويعود لواقعة منتصراً .

عندما مات ابني لم تدمع عيناه وكنا جميعاً نبكي بحرارة فهو الابن الأكبر الذي تعودنا عليه والذي أعددناه ليشاركنا مشاكل وهموم الحياة ويخفف عنا وطأتها عند الكبر ، لم يبكي أقسمت ابنتي أن أباها لا يحب ابنه احمد أو بمعنى آخر لم بل يشغر بالحزن على وفاته رغم كل الحب الذي كان يبديه في حياته ،  ولم ألحظ على زوجي أي شيء سوى أن أول يوم لوفاة احمد كان واجماً لا يتكلم ثم عاد لطبيعته فكان يتحدث معي ومع بناته وبعد أسبوع من هذا الحادث جاءني يمازحني فصرخت في وجهه

  • أين تلك الدموع التي تبديها عندما ترى موقفاً مؤلم ألم يؤلمك موت ولدك

لم يرد وأدار وجهه ورحل لعنته ألف مرة وآلاف اللعنات صببتها على رأسه ، ألا يشعر بما نشعر به من ألم من ضيق من كدر من ، ومن ، ومن كل الهموم التي سقطت على رؤوسنا بسبب وفات ابننا الوحيد ألا يشعر .

لحقت به شددته من ثوبه سألته : أين دموعك ؟ أجب ، لم يلتفت لم يعرني اهتماماً فتشبثت بثوبه وأخذت ابكي التفت إلي أخيراً وقبلني على رأسي كعادته فحدثته بلسان ثقيل خالطه البكاء ألا تشعر بفقد ابنك فنظر لي وهز رأسه بمعنى انه يشعر

ومر الأسبوع الثاني ولم ألحض شيء إلا انه قل كلامه ولكن ابتسامته الصامتة لم تفارق شفتاه ولا يحب أن ينظر إلى وجوهنا وجاء الأسبوع الثالث وكنا نجلس معه وهو منشغل بكتاب وكنا نـحدثه فيهز رأسه أنه سمع ما نقول ، ثم اسند رأسه إلى الكرسي وأغمض عيناه فرأيت فيه ما لم أره قط وكأنه يذبل .

شغلت عيناي بشيء أخر لكي لا أعكر عليه غفوته التي لم أتعود عليها ولم أرها من قبل .. أردته أن يرتاح أو ربما يريحني من تهكماته التي يضن أنها تنسيني ولدي لكن فضولي دفعني أن اذهب إليه فقمت من مكاني ومشيت في تباطؤ ، فكلنا ملأنا الضيق منه بعد وفاة احمد ، ولما اقتربت منه بدا شاحب الوجه كسته الصفرة أصابني الرعب وأمسكت يده فإذا بها باردة ، انقبضت أنفاسي وتسارعت يداي إلى وجهه اقلبه وأناديه خالد ، خالد ، فكان رأسه يتأرجح بين كفي كوسادة خفيفة لا تسكنها الروح صرخت بكل صوتي

  • خالد ، خالد

التفت اللي بناتي وتراكضوا ماذا حصل فسقطت عند قديه ابكي وهو لا يشعر بنا تداركت كبرى بناتي الأمر فاتصلت بالإسعاف ورافقناه إلى المستشفى وحيينها عرفنا ماذا أصابه .. ضعف عام وانهيار عصبي حاد ، بسبب الحزن الذي لم يرد أن نشعر به في فقد احمد مكث في المستشفى أسبوعان وعاد بعدها إلى منزله غريباً لا يتكلم إلى ما ندر ولا يأكل إلا القليل فهو يمشي لا بل يتحرك كالريشة لا بل يحركه الهواء لا بل هو خيال إنسان ما إن نلتفت عليه نجده يبكي في صمت تفضحه دموعه نحدثه فلا يرد إلا بكلمات أو يهز رأسه ويبتسم ابتسامة صامته .

وذات يوم كنت أرافقه إلى الطبيب حذرني بأنه لو بقي على تلك الحالة فسوف ينهار ولا يستطيع أن يستنتج ما سوف يصيبه ولم يختلف ضن ذلك الطبيب كثيراً فبعد يومان اتكأ على نفس الكرسي ومسك نفس الكتاب ثم رفع رأسه وأسنده على كرسيه وأغمض عيناه إلى الأبد مات خالد هماً على ولده وقد اتهمناه انه لم يحزن عليه أبدا أتعرفون ما الكتاب الذي كان يقرأه ، عفواً القصة التي يقرأها قصه مدرسيه من كتب احمد كان قد ملأ الحواشي بحروف قليل من النكت وكثيرة من الشعر وبعض الواجبات التي كان يجب أن يفعلها نعم هي أشبه بمذكرات أو ملاحظات كان يكتبها ابني ويبكيها زوجي فمات الأول وترك كلماته ورحل الثاني وهو يقرأها .