رواية الثقب الاعوج

https://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb378388-375162&search=books

اصدار اتمنى ان يحوز على اعجابكم

رواية جديدة في الأفق

قريبا ..

تدشين رواية ثمار القلب

تدشين رواية ثمار القلب في الملتقى القطري للمؤلفين ضمن فعاليات #معرض_الدوحة_الدولي_للكتاب

رواية أتذكرين .. الفصل التاسع .. الاخير

الفصل التاسع

سيدي .. سيدتي

الأيام حبيبتي لا تمر ، اعدها عداً ، الشهر الأول أضن أنه أستغرق من عمري سنة أو اثنتين ، لا أدري لماذا كل هذا الشوق الذي أشعر به تجاهك ، ولا أدري كيف سأصبر حتى تخرجين من السجن ، ولا أدري كيف سأقابلك ، وكيف ستقابلينِ ، وكيف سأجدك ، كما رأيتك أول مره أم أن السجن حفر آلامه في صدرك وكسر كبريائك ، وعنجهيتك وغرورك وتعاليكِ ، أم أنكِ لا زلتِ قوية كما عهدتك ، كم أتمنى أن ألتقيكِ ليلة لتتخلصي من ضعفك معي وتعودين قوية ، كما كنتِ تفعلين في السابقة ، شعرت بهذا الشعور وأنا أستلم الرسالة التي كتبتها لي من داخل السجن وسلمتيها لأختك لتعطيني إياها تذكرينها سأعيدها عليكِ :

سيدي ..

     لا يوجد تعبير في هذا الكون يمكنه أن يعبر عن مدى أمتناني وشكري لك ، فأنت سيدي الذي تمنيت أن أقضي حياتي بين يديه ، لكن طمعي لم يترك لي المجال أن انفذ تلك الرغبة التي كانت تسكن قلبي دائما ، تسكنه لتبعث فيني الأمل من جديد أني إنسانة أحبها شخص من كل قلبه ، وجعلها تغير رأيها في كل الرجال بسببه .

     اعرف أنك كنت تحبني وتريد الزواج بي ، ورغم إلحاحك على الزواج إلا أنه كان يخالطني بعض الشك ، أنك بحق تحبني لتلك الدرجة ، وكنت أضن أن حبي لك أكبر بكثير مما يسكن في قلبك لي ، لكني اقسم بكل الأيمان التي في هذه الحياه أني رأيت في عينيك في المحكمة حين شهدت لصالحي أني لا شيء ، وأني لم أمنحك من الحب أي شيء يكفي لكي تقف بجانبي في تلك اللحظة ، ورغم ذلك قلت في نفسي أنك ستبتعد بعدها ، وكأنك أديت واجبك تجاهي ، فوجدتك مع أسرتي ومع المحامي وفي زنزانتي ، وفي أحلامي ، لم تغادر لم ترحل ، وبقيت تنتظرني ، حتى حدثتك في حضور أختي ، التي لم تكن تعرف أن بيننا علاقة عاطفية ، لقد صدمت حين سمعتني أقول لك (( أحبك )) ، فحلفتها بكل الأيمان أن لا تخبر أحد بما سمعت ، وأعطيتها هذه الرسالة لكي تكون رسالتي الأخيرة .

     سيدي ، اعذرني أود أن أقول حبيبي ، لكنها صغيرة في حقك ، فأنت حلم لم يتحقق في السابق ، وحين تحقق لم أصدق أنه تحقق ، حتى أضعتك من بين يدي ، سيدي ، كيف ستنتظرني ، كيف سيقترن رجل شريف بامرأة ذات سوابق ، امرأة خانت زوجها السابق ، وسرقت من أمواله ، ولم تثق في حبيبها ، امرأة كانت تعطيك الحب غزيراً حين تكون معك ، لكنها تعطيك إياه بعد أن يجف قلبك .

     سيدي ، أنزهك أن تقترن بي ، لكني لا أستطيع أن أحرمك من أي شيء تريده مني ، لا أريد أن أضعك في موطن ضعف يعايرك به الناس ، تعال لي وقت تشاء وأرحل وقت تشاء ، واتركني في الظل أو الظلام ، فقد عشت راضية بالظلام طويلاً ولا مانع لدي أن أعيش في الظلام من أجلك .

     سيدي ، أشكرك من كل قلبي ليس على أنك كنت بجانبي فقط بل لأنك علمتني أن هناك أشياء أكبر بكثير من المال أشياء لا يستطيع أي أنسان أن يشتريها ، مهما كان غناه ومهما علا شأنه ، علمتني أن الكنز الذي كنت أبحث عنه لا يسكن في البنوك ، بل يسكن في قلبي ، كنز لا ينضب ، ولا يفنى ، ولا ينتهي ، لقد سكنا سوياً في قصور في أحد الفترات ، وأيضاً أكلنا على الرصيف في فترات أخرى ، وأقسم لك أني لم أشعر بسعادة كما التي شعرتها وأنت بجواري على ذلك الرصيف ونحن سوياً ، حينها أخفتني ، فهربت منك بعد أن قلت لك أحبك ، هربت منك لأني شعرت أن كل قناعاتي السابقة في الغنى والمال لا تساوي شيئاً حين أجد من أحب ، كنت أضنك فقير الحال في تلك الفترة فلم أعلم أنك تاجر وتملك الملايين ، وعندما علمت ، شعرت بك أكثر وأحببتك أكثر ، لأن المال في يدك وليس في قلبك ، فهربت منك مرة أخرى ، وأقسمت لنفسي أن لا أعود لك أبداً ، لكني في تلك الفترة ، اختبرت نفسي ، فاكتشفت أنك أصدق معي منها ، وأنك أقرب لقلبي منها ، فاختلقت لك كذبت الصديق ، فكنت صديقي ، وحبيبي الذي يصادقني ،  وعندما أخذتني للفراش ، كانت ليلة عرسي رغم دموعي ، فلم يكن حلمي أكبر من أن أستلقي بجوارك على سرير يجمعنا ، فكانت نقطة  اللاعودة بالنسبة لي ، وكنت على استعداد أن أبيع الدنيا في تلك الأيام لنكون سوياً .

     لكن طمعي تدخل ، وتدخلت معه رغبتي في الانتقام ، فحاولت أن أبتعد عنك ، فلم أستطع ، فكنت أخطط أن نكون سوياً بعد أن أنتهي من ذلك الرجل الذي أحمل له كثيراً من الكره ، وقليلاً من العرفان ، أردت أن أتخلص منه فأعيش ملكه أمام الناس ، وأعيش تحت قدمك جارية ، صدقني هذا ما كنت أريد .

     سيدي أنت رجل يملك من الشرف ما يمكنه أن تحبه امرأة أفضل مني ، وأن تعشقه امرأة أطهر مني ، وأن تكون في فراشه امرأه أعف مني ، سأكون تحت أمرك سيدي حين تشاء ، وأين تشاء ، لكني لن أسمح لنفسي أن أسمع أحداً يمسك بسوء ، ولا أن أكون أنا مدخلاً لأحد أن يسئ لك .

     سيدي ، سأخرج ربما بعد سنه أو أقل ، فلا يهمني شيء في هذه الدنيا إلا أن تسامحني ، فإن فعلت فسأكون راضية كل الرضى عن نفسي ، لا أملك سوى هذه الكلمات لأعبر بها عما أكنه لك عساها أن توفيك شيئاً من صبرك معي ، وأستودعك الله .

نور

     حبيبتي لن أعلق على الرسالة ، وردي عليها لم أكتبه ، بل أبلغته شفاهه لأختك ، عساها أن توصله لكِ دون تغيير ، فهو لا يحمل سوى كلمتين أتمنى أن تفهميهم حين تخبركِ بهم ، لأنهي هذا الموضوع حبيبتي ، فأنا لا أضع نفسي موضع السيد ، ولا أريده ، ولو أردته ، لوجدت كثيراً من النساء الآتي خلقن ليكن جواري ، لم تسألي نفسك لماذا أحببتك ، اضنكِ فعلتي ، وأضنك تعرفين لماذا أحببتك ، لكني سأقول لكي شيء أجمل ، قدري أن أحبك ، وهذا كل شيء ، لا أكثر ولا أقل ، أنا أحبك .

     لا زالت الأيام بطيئة حبيبتي ، تسير على مهلها ، ليتني أستطيع أن أخاطب الأيام وتسمعني فأطلب منها أن تحث الخطى لتقربكِ مني ، حاولت أن أزورك في السجن بشتى الطرق لكن القوانين لا تسمح إلا بزيارة ذوي القربى في سجن السيدات ، لكني أعرف كل أخبارك من والدك ، وكل أسبوع يزورك فيه يخبرني بما جرى بينكما ، وكأنه شعر بحاجتي للاطمئنان عليكِ ، أو شعر بحبي لكِ ، فهو يخبرني دون أن أطلب منه ذلك ، أصبحت الأمور مكشوفة حبيبتي للجميع ، هل تصدقين ، حب بالمراسلة ، وحب على الطراز القديم ، لا هواتف ولا أنترنت ، ولا وسائل اتصال ، فرسائلنا تنقل عبر أشخاص ، يخبرونا بما نريد ، وبما نحب ، وعن من نحب .

    كنت لا أتمنى أن أكتب هذه السطور ، لكني يجب أن أخبركِ بكل شيء ، فأنتي حبيبتي التي أحب أن أقول لها كل شيء ، بعد أن انتهت القضية أصبت بالتهاب رئوي حاد وتعالجت منه وشعرت بالتعافي لكني بعد أن أنهيت العلاج عاودني المرض مرة أخرى ، فذهبت إلى المستشفى ، ولم يكن الألم في صدري فقط بل كل أشعر بالوهن في جميع أنحاء جسدي ، فكتبوا لي العلاج مرة أخرى ، وأخذته بانتظام ، وقبل أن انتهي منه ، لكن الألم عاودني من جديد ، كنت أضن أن هذا اختلال طبيعي نتيجة العلاج ، لكن الأمر كان أكبر مما تصورت ، فالدكتور أصيب بالرعب حين رأى الاشعة وحجزني في المستشفى لمدة أسبوعين ، حتى يتبين من نتيجة فحص العينات التي أخذها .

     كان يشك في السرطان ، وقد كانت شكوكه في محلها حبيبتي ، فأنا مصاب بسرطان الرئة ، منذ فترة ليست بالقصيرة ، مما أدى إلى أنتشاره في جسدي ، طلبت من الطبيب أن يتحدث معي بصراحة ، وأن لا يخفي عني شيء ، فقال لي أنه من الصعب الشفاء من هذا المرض ، ولكن يمكن أن تكون عملية الانتشار بطيئة إن بدأت في العلاج الفوري ، أجبت رغبته على الفور ، تعرفين لماذا ؟ لأني لا أريد أن أموت قبل أن أراكِ حرة ، قبل أن امتع ناظري برايتك .

     أعطاني الطبيب جرعتان كيميائيتان حتى الآن ، اشعر بأني عاجز ، فالعلاج الكيميائي ، يهلك الجسد لكن آلام الصدر خفت ، وأنا سعيد بهذه النتيجة ، فهذا يعني أني سأبقى لأراكِ ،  أخبرني الطبيب أنه قام بمخاطبة الجهات المختصة لكي أستكمل علاجي في الولايات المتحدة ، أيدته فيما سار إليه ، وأخبرني بضرورة الاستمرار بأخذ جرعات كيميائية حتى موعد السفر الذي من المحتمل أن يكون بعد شهر من الآن .

     في السابق كنت أشعر أن القدر يبعدكِ عني كلما اقتربت منكِ ، لكن هذه المرة القدر ربما يبعدني أنا عنك ، هل تصدقين ؟ ربما تفقديني للأبد ، أو ربما تجديني ، شخص عاجزاً ، كما كان زوجك السابق ، أو ربما أعود لصحتي ونكون سوياً ، قدر هذا كل ما أستطيع أن أقول ، لم أعترض يوماً على القدر ، ولن أعترض عليه ، لكني كنت أتمنى أن تكوني زوجتي ، لا عشيقتي ، تعيشين معي كسيدة ، يعرفها الجميع بأنها زوجة فلان ، وأن تنجبي لي أبناءً ، ينافسوني في حبك ، وأغار منهم ، وينتزعونكِ مني ، وينتزعوني منكِ ، حلمت بأسرة ، أنتِ سيدتها ، وأنا سيدها ، نتشاجر لكننا نعود لننام ي فراش واحد ، كلها أماني ، لا أدري هل ستتحقق أم لا ، أماني حبيبتي ، لا أريد أن أحرم نفسي منها ، فهي وأحلامي وخيالاتي ، مستودع الحب الذي أحمله لكِ .

     جرعة اخرى من العلاج الكيميائي ، رغم أنه لا توجد آلام ، وسقطت عدة شعرات من رأسي ، ربما أفقد الشعر الطويل ، أو ربما أحلقه قبل أن يسقط ، لا أدري كل شيء يمكن أن يحدث في هذه الفترة ، ربما اعرض جانبية أخرى تحدث لا أعلمها ، لكني أشعر ببإرهاق شديد ، يفوق تحملي ، فأصبح بيتي هو الفراش أنام لفترات طويلة دون أن أشعر ، فترات لم أتعود سابقاً أن أقضيها في الفراش ، أصبحت أنام أكثر من اثنا عشر ساعة يومياً ، ولا رغبة لدي في أن أغادر الفراش ، لا أدري لماذا ؟ بعد يومين زاد تساقط الشعر أكثر ، سألت الطبيب قال هذا شيء طبيعي ، فالأجزاء السليمة في الجسم تتعرض لتأثر العلاج الكيميائي ، وكتب لي بعض الأدوية تخفف الأعراض الجانبية للعلاج .

     لا أدري ما الذي يجري فبعد أن أعطوني الجرعة الثالثة بدأ شعري يتساقط بشكل كبير ، واكتشفت أني فقدت وزني بشكل ملفت للنظر ، ولا زال الشعور بالتعب موجود بل يزداد ، إرهاق وعدم تركيز ، اشعر أن رأسي يدور بي ، لا يوجد فيه شيء ثابت إلا أنتِ ، ينتابني الخوف أني لن أراكِ بعد أن تخرجي من السجن ، لأني أشعر أني أموت بشكل سريع ، لا يمهلني الموت حتى أراكِ .

     أخذت الجرعة الرابعة من العلاج بالأمس ، لكن المفاجأة الكبيرة التي فاجأني الدكتور بها عندما طلب مني أن أحضر للمستشفى بسرعة ، لم أكن أعرف ما الذي يجري ، لأني عندما وصلت ، حجزوني في المستشفى ، وسحبوا مني عينات كثيرة ، من الدم ، ومن الغدد اللمفاوية ، وعينات مني اللسان ، زاد خوفي ، كنت أطلب الطبيب كل خمس دقائق ، لكنه لم يأتي إلا بعد ست ساعات من دخولي المستشفى ، كان الأمر مزعجاً بالنسبة لي ، بعد دخول الطبيب ، فوجهه كان لا يوحي بأي علامات إيجابية تجاهي ، كان متجهماً ، وخائفاً ، سألته ما الأمر ؟ فقال : هناك خطاً ، ضحكت ، ضحكة تهكم صغيرة وكررت : خطأ في ماذا ؟ فقال : نتائج التحاليل التي جاءت من المختبر لم تكن لك ، صدمت لما قال وقد لاحظ الطبيب ذلك فأكمل حديثه : لقد جاءت اليوم نتائج العينات التي أرسلناها الى المختبر في الخارج ومفادها أن العينات سليمة .

     طلبت من الطبيب أن يترك الغرفة ، فنظر لي باستغراب ، فكررت طلبي ، فقال : لا تريد أن تعرف ما الذي يجب فعله في مثل هذه الحالات ؟ فقلت له : اخرج ، بصوت غاضب ، فغادر الغرفة ، كنت أغلي من الداخل ، فما معني أني أخذت اربع جرعات من العلاج الكيميائي ، دون أن أكون مصاب بالسرطان ، ما هذا الإهمال الكبير الذي يحصل ، كيف يترك أنسان مريض بالسرطان دون علاج لمدة شهر ، ويعطى أنسان سليم أربع جرعات ، تصدقين حبيبتي ، وسط هذه المشاعر من الضيق والخوف ، ضحكت من كل قلبي ، ضحكت لأني عندما أخبرني الطبيب أني مصاب بالسرطان ، قلت ربما يبعدني القدر عنكِ ، لكني لست مصاباً بالسرطان ، ورغم ذلك يتدخل القدر ليبعدني عنك ، آه حبيبتي ، أعرف أن الجرعات التي أخذتها ربما تصيبني بالفعل بالسرطان أو الفشل الكلوي ، أو ربما تلف في أجزاء مختلفة من جسمي أو ربما أموت ، القدر ، لا أريد أن أتهمه ، وأعلق عليه خطأ طبيب ، وفني مختبر ، عكس حياة الناس ، فعالج الصحيح ، وترك المريض ، القدر حبيبتي ، يسخر مني من جديد .

     جاءني في المساء رئيس قسم الأطباء وجلس معي ، كان همه أن لا أقدم شكوى رسمية ضده و ضد المستشفى ، وأخذ يقول : أن الخطأ أمر وارد في كل المستشفيات ، وأن الأمور لا زالت في الحدود التي يمكن السيطرة عليها ، وأخبرني أن العلاج الذي كان مقرر أن أكمله في الولايات المتحدة سيتأجل قليلاً ، حتى تأتي نتائج العينات الجديدة ، التي أخذت اليوم ، وأن رحلتي لن تكون للعلاج ، بل للتأكد من أن الجسم تخلص من كل الأعراض الجانبية للعلاج الكيميائي ، وقال أيضاً : أني يجب أن أقضي عشرة أيام أخرى في المستشفى ، هنا قاطعته ، وقلت له : سأغادر للمنزل اليوم ، فقال : ستغادر على مسئوليتك ، نظرت إليه بغضب وقلت : ستجعلني أتخذ ضدكم إجراءات كثيرة ، غير كلامه بسرعة ، فقال : آسف ، لكن جسمك الآن ليس لديه أي مناعة ، ويمكن أن تكون أي عدوى خطيرة بالنسبة لك ، فقلت : لا أريد أن ابقى في المستشفى ، وستخبرني بعد أسبوع من اليوم متى سأغادر فيه للعلاج ، ظل الحديث سجال بيننا ، حتى رجاني أن أبقى ثلاثة أيام على أقل تقدير ليكتب لي بعض العلاجات التي ستساعدني على التخلص من أثر الجرعات الكيميائية التي تناولتها .

     غادرت المستشفى كما أخبرني الطبيب بالفعل في اليوم الثالث ، مع الكثير من الأدوية والنصائح ، المتعلقة بالنظافة ، ونوعيات الأكل وكمياته ، نصحني كثيراً ، كأنه يقول لي أحبس نفسك في مكان معقم ولا تخرج أبداً ، تصدقين أني منذ أن دخلت للمستشفى وعرفت أني كنت غير مصاب ، لم أشعر بأي سعادة ، ولم أشعر بأي راحة ، ولم أشعر بأي ضيق تجاه الطبيب ولا تجاه المستشفى ، وكأني كنت مُسلْم بكل ما يجري ، لكني راجعت كثيراً من أمور حياتي ، بعد أن خرجت من المستشفى ، كل شيء ، شعرت بالفعل أن الموت قريب مني ، بل شعرت أني سأموت بالفعل ، بدأت حساباتي كلها تتلخبط ، ما كنت أعرف أنه صحيح ، أصبحت مقتنع بأنه خطأ ، وما كنت متأكد أنه خطأ ، أصبحت أراه صحيحاً ، إلا علاقتي بكِ ، لا أدري لماذا لم يختلف شيء في مشاعري تجاهك ، ولا تجاه حياتك ولا تجاه أهلك ، فبمجرد خروجي ، أتصلت بوالدك ، وعرفت كل أخبارك ، فانتابني شيء من الخوف ، فالأيام تمر سريعاً ، وأنتِ قضيتي أربعة أشهر في السجن حتى الآن ، ولا أدري ما الذي سيحدث حتى تخرجين .

     بقيت في منزلي أسبوعان ، لم أغادره ، ولم أفكر في مغادرته ، لا لأني أخاف من المرض ، بل لحذري الشديد أن أصاب بأي عدوى خلال تلك الفترة ، حتى أعود لسابق صحتي التي كنت عليها ، فأنا ممتن لله أن منحني تلك الفرصة ، فقد كنت على شفى الموت لولا أن تداركتني رحمة الله ، واكتشفوا ذلك الخطء ، لا يهم حبيبتي كل هذا الكلام ، فأنا الآن اشعر بتحسن ، اشعر أن الحياة التي كادت تفارقني ، عادت لي من جديد ، عادت بكل ما فيها من شجن ، وجمال وحب ، لكنها أعادة تشغيل ذاتي معها من جديد ، فأنا لا أريد أي شيء من هذه الحياة ، سوى أن نكون سوياً ، أنا وأنتِ ، للأبد .

     جاءت تقارير العينات التي أرسلت لتشير أن هناك نسبة عالية من المواد الكيميائية في جسمي ، وقد أخبرني الطبيب ، أن التقارير تتكلم عن فترة خمسة عشر يوم سابقة ، أي أن الآن يوجد نسبة أقل من المواد الكيميائية ، كما أنه كان قد وصف لي بعض الأدوية التي تساعد الجسم على التخلص من تلك المواد ، لكنه قال أيضاً ، أنه لا يضمن أن هناك كميات من المواد الكيميائية تتعدى المستوى الطبيعي في الجسم ، كل الحديث حبيبتي لم يمنحني الراحة التي كنت أنشدها ، فأنا لا زلت في مرحلة الخطر كما قال الطبيب ، ولن أجتازها إلا خلال فترة طويلة ، وشدد على أن أسافر للولايات المتحدة ، لكي استكمل مرحلة العلاج والنقاهة ، الإجراءات كلها قد انتهت ، لكني لا أرغب في السفر في الوقت الحالي ، فلدي أعمال كثيرة مؤجلة منذ أصابتِ  ، وسأظل هنا ما يقارب الأسبوعين حبيبتي قبل أن أغادر .

     العمل يأكل الوقت ، والوقت يأكلنا ، ويأكل أيضاً فترة العقوبة التي تقضينها في السجن ، فقد أكملتِ اليوم شهرك الخامس ، كل الأخبار تتحدث أنك بخير ، لكني أسأل نفسي ، كيف تكونين بخير ، وأنتِ في السجن ؟ لا أتوقع أن يحبس الإنسان ويكون بخير أبداً ، بل أن هناك معاناة ربما لا تكون من وجهة النظر جسدية ، لكنها بكل تأكيد نفسية ، ومن وجهة نظري المعاناة النفسية ، أصعب في بعض الأحبان من المعاناة الجسدية بكثير ، فجرح الجسد يلتأم ، وجرح النفس لا يلتأم ، على أنكِ حبيبتي تتمتعين بصحة جيدة ، هذا ما أكده الجميع .

     سأغادر غداً وأتمنى من كل قلبي أن تمدني هذه الرحلة بما أحتاجه من صحة لكي أراكِ ، تعرفين ما الذي لا أحبه في هذه الرحلة ؟ لا أحب فترة السفر الطويلة التي سأقضيها في الطائرة ، فأنا سأنام وأصحو ، ثم أنام وأصحوا ، وأنا متأكد أني لم أصل حتى الآن ، ثم سأقف في محطة ترانزيت ، ورحلة طويلة أخرى ، لكني مضطر لذلك ، تعرفين حبيبتي ، كنت أود أن أخبر والدك أني أعاني من بعض المشاكل الصحية وسأغادر للعلاج ، لكني كتمت الخبر عنه لكي لا يخبركِ بذلك ، فأنتِ لا تحتاجين لأخبار سيئة ولا أضن أنك تتحملينها في الوقت الحاضر ، وستعرفين كل شيء حبيبتي حين تخرجين ، كل التفاصيل ستعرفينها ، فأنا لن أترك لك مجال أن تتحدثين على معاناتك ، بل سأملأ أذنك من الحديث ، سأحدثك ليل نهار ، حتى تملين مني ، هل ستملين مني بالفعل ؟ لا أدري ؟ ربما ؟

     الوضع مريح هنا ، والاهتمام كبير من قبل الأطباء ، فكل شيء يسير بشكل تلقائي ، دون أن يرهق المريض ، أخذوا مني عينات أخرى ، وجميع أنوع التحاليل التي أجريتها سابقاً ، وطلبوا مني الانتظار مجدداً ، لكن التحاليل التي تقيس نسبة المواد الكيميائية في الجسم ، كانت سريعة فقد أخبروني أن نسبة المواد قد قلت عن التحليل السابق ، حمدت الله ، لكني استفسرت كثيراً عن الأعراض الجانبية ، ولم يطمئنني أحد أني لن أعاني من أي مشاكل صحية في المستقبل ، حتى تصل نسبة المواد الكيميائية للنسبة الطبيعية في الجسم ، ثم ابدأ في مراجعات طويلة الأمد .

     الأيام مرة أخرى تعود بطيئة ، لا تسير ، وأنا أنتظر ، اكره الانتظار ، اكرهه من كل قلبي ، فأنا هنا لا أصدقاء لدي ، ولا أعرف أحد ، ولا أشرب الخمر ، منذ أن خرجت من المستشفى ، وأصبحت أصلي ، بشكل متقطع ، تراودني نفسي أن أذهب لأحد البارات وأتناول كأساً من الشراب ، لكني سألت نفسي ، لماذا لا أستطيع أن أصبر عنها ؟ وأنا قد مر علي أكثر من ثلاثة أشهر لم أشرب أي نوع من الخمر ، فقررت أن ابعد ذا التفكير عني ، سألني الطبيب ، هل تشرب الخمر ، فأخبرته أني كنت أشرب كأس أو أثنين في اليوم لا أكثر ، إلى في بعض المناسبات ، فقال : تستطيع أن تستمر فلا نتائج تبدوا في التحاليل تشير لأي أعراض تمنعك من الاستمرار في الشراب ، لكني حبيبتي ، لا أريد أن أشرب ، حتى بعد أن تخرجين ، فيجب أن تكون حياتنا حياة سوية ، لا أدري ما ستكون عليه نظرتك للحياة بعد أن تنالي حريتك ، لكني أتمنى أن تكوني قد نظرتي لحياتك ولمستقبلك بهدوء ، وأنتِ في عزلتك .

     مضى أكثر من شهر على حضوري للولايات المتحدة ، ولا زلت أراجع الأطباء ، ولا زالوا يأخذون مني العينات والتحاليل بشكل منتظم ، وصحتي تحسنت ، بل أشعر بأني عدت كما كنت ، والحمد لله أن لم تحدث أي أعراض جانبية للعلاج الكيميائي حتى الآن ، والطبيب الذي يتابع حالتي يقول : أن كل يوم يمر وأنا بصحة جيدة يباعد بيني وبين أي أمراض يمكن أن أصاب بها ، لكن لا يزال هناك بعض التحذيرات ، وبعض المحظورات ، لكنها ليست كثيرة كما كان في السابق ، بدأت اللائحة تصغر حت كادت أن تتلاشى .

     اليوم حمل لي أخباراً سعيدة ، لقد حدثني المحامي ، أنه يمكن أن يشملك عفوا خلال الشهر القادم ، فطلبت منه التأكد من ذلك ، من خلال علاقاته لدى وزارة الداخلية ، فطلب مني الانتظار ، وأنا أكره الانتظار ، وأنتظر ماذا ، العفو ، عن من ؟ عن حبيبتي ، الوقت يقصر ، لكن الانتظار طويل بالنسبة لي ، فاليوم الذي أقضيه وأنا أنتظرك ، يمر كأنه سنة في أحوالي العادية ، فما بالك إن كان فعلاً أسمك ضمن لائحة من سيشملهم العفو كيف سأنتظر شهراً ، كاملاً ، أحسبيها حبيبتي ، ثلاثون يوم في سنة ، ثلاثون سنه ، أي انكِ ستريني وأنا شيخ قد شاب شعري ، وتسندني عصاي ، على العموم ، هذه مزحة ، ربما تضحكين حين تقرئيها ، سأترك لكِ دفتر الذكريات هذا ، لتقريه بعد أن تخرجي ، فأنا لا أود أن أكتب لكي أي شيء بعد أن تكوني معي .

     ستقف الذكريات حبيبتي ، وسنبقى نحن ، نسطر الحياة ، وننسجها ، ونرسمها ، ونحولها في اتجاهنا ، لأنها سارت بنا عكسه فترة طويلة ، فيجب أن تكون الحياة في صفنا في المستقبل ، يجب أن تسايرنا فيما نريد ، لقد أتعبتنا وأتعبناها ، وشاكستنا ، وشاكسناها ، وانتصرت على أنسان لا يريد أن يستسلم ، فأنا أستعد لها لأنتصر عليها ، كما انتصرت علي ، وأريد أن أخبرك حبيبتي ، أني لا أريد أن يكون لقائنا كما كان في السابق ، في الظل ، أو الظلام ، بل سيكون في النور ، فأنتِ ستقيمين معي في الفندق ، لا كصديقتي ، ولا معشوقتي ، بل كزوجتي ، لن ألمسك إلا بعد أن نكون زوجان .

     حدثني المحامي منذ قليل ، قال أنه يضمن لي بنسبة تسعون بالمائة أنه سيشملك العفو ، ابهجني هذا الخبر ، ومن حسن حظي أن موعدي مع الدكتور في الصباح ولم يبقى على الصباح سوى ساعات قليلة ، أتمنى أن تمر الأيام سريعاً ، سأسأل الطبيب عن المدة التي سأقضيها هنا ، ولو أخبرني أن فترة علاجي تطول ، سآتي لكِ حيث تكونين ، ثم أعود مجدداً لإتمام العلاج برفقتك .

     أخبرني الطبيب أني أحتاج ما بين الثلاث أسابيع ، وأربعة أسابيع ، وبعد ذلك سأراجعه بعد ثلاثة أشهر ، ثم تطول فترة المراجعة حتى ستة أشهر ، ثم تكون بشكل دوري كل سنه ، هذا إن لم تصبني أي أمراض خلال تلك الفترات ، كل شيء يصب لصالحنا حبيبي ، ، أنتِ ستخرجين ، وأنا إن شاء الله سأكون في انتظارك ، وسنلتقي حبيبتي ، لنحقق كل أحلامنا سوياً ، دون أن ينغص حياتنا أحد .

     تعرفين حبيبتي ، مع من ألتقيت هنا في فترة العلاج ، ستتعجبين ، من الذي وجدته هنا ، ربما لا يصل تفكيرك له ، أبن زوجك ، ألتقيته في المستشفى في آخر موعد ، لا أدري لماذا كذبت عليه حين سألني بعد أن سلم علي : هل تعاني من مرض ؟ فقلت له : سرطان في الرئة ، تعرفين أنه أبتسم حينها ، وقال : لن تبقى طويلاً ! ، لا أدري لماذا لم أرد عليه ، كأنه يشمت بي ، أو ربما كان يريد أن يقول لي ، لو لم تمت بالمرض ، لكنت قتلتك ، لم يقل ذلك بالطبع ، لكن هذا ما جال بفكري حينها ، هل تتوقعين أنه يحاول قتلي في المستقبل ، لو عرف أني لست مصاباً بالمرض الخبيث ، ربما ، ولكن ماذا يستفيد  لو قتلني أو قتلك أنتِ ، فقد حصل على ما يريد ، لقد كان يريد المال ، وحصل عليه ، أضنه لا يمانع حالياً لو أصبحنا أصدقاء ، أو شركاء في التجارة ، لم يطل لقائنا أكثر من ذلك ، عرفت بعدها من بعض الأصدقاء أنه لا يعاني إلى من بعض الغدد الدهنية في قدمه ، أي أنه ربما حضر هنا للتنزه أكثر منه للعلاج .

     لم أتوقع أن تكون مدت حبسك قصيرة أشعر أني مرتبك ، ولم أفعل شيء من أجلك ، كل شيء كنت أتوقع أن يحدث بعد سنة ، لكنه الآن أصبح أقرب ، وأصبح قلبي يخفق أكثر ، من ذي قبل ، لا أضنك تعرفين مدى اشتياقي لكِ ، ولن تعرفي ، لأني رجل أحبك بطريقة مختلفة عن الطريقة التي تحبيني بها ، فأنتِ المرأة التي توقعت أن تكون مثل ما أتمنى ، فكنتي مثل ما تمنيت ، أعرف أنك لست كامله ، فالكمال لله عز وجل ، لكنك في نظري ، لن أقول الأجمل ، بل سأقول ، انك المرأة التي كانت عيناي تبحث عنها ، وقلبي تعلق بها أكثر من عيني ، بعد أن أقترب منكِ ، يدي تشتاق لملامستك ، صوتك ، يتكرر في أذني ، وأنتِ بعيدة ، رائحتك ، ما أشهاكِ ، سنلتقي قريباً .

     مر أسبوعان ، وأنا أنتظر مقابلة الطبيب في نهاية الأسبوع الثالث ، أشعر بتحسن نفسي كبير منذ أن عرفت موعد خروجك ، فكل شيء يرقص في عيني ، كل شيء ، الدنيا كلها ترقص معي ، لكن الوقت ، لازال بطئاً ، كما كان ، أود أن أدفع الأيام دفعاً لكي تقربني منكِ ، لم تحدث أي أحداث وأنا في الولايات المتحدة ، كل شيء يسير بهدوء ، لكني ، فكرت في نفسي هنا كثيراً ، فيما فعلت وفيما سأفعل ، راجعت حياتي كلها ، صدقيني حبيبتي ، لو بيدي أن أعيد الزمن للخلف ، لأعدته ، وعدلت كثيراً مما فعلت ، شعرت أني قريب من الله كثيراً ، ربما بسبب المرض الذي أخافوني منه ، لكن هذا الشعور أستمر حتى الآن ، لمت نفسي كثيراً على كل الأخطاء التي اقترفتها ، وكل الذنوب التي فعلتها ، وأكثر ذنب حبيبتي لمت نفسي عليه ، أني كنت وراء الكثير من المشاكل التي تعرض لها زوجك ، وربما أنتِ ، لكن صدقيني لو أمكنني أن أذهب إليه وأعتذر له عما فعلت ، لما ترددت ، لكني الآن ربما ، أشعر أني عاجز تجاه هذه المسألة بالذات ، فهو لا يشعر بأحد في الوقت الحالي ، ميت سريرياً ، لمت نفسي كثيراً ، كان بإمكاننا أن نسير بعلاقتنا ، دون أن نرتكب أي شيء محرم وأنتِ على ذمته ، لكننا فعلنا كل شيء في ذلك الوقت ، والآن أنتِ حره ، لكننا لا يمكننا أن نلتقي ، انظري حبيبتي كيف هي عجائب القدر ، سنصحح الأمور ، لن تكوني بعد ذلك إلا زوجتي التي أحبها ، لن أسمح لكِ بأي أفكار مجنونة ، فأنتِ لستِ مخيرة في هذا الأمر ، بل ستفعلين ما أقرره أنا ، ولن تعارضيني ، سأسافر إلى فرنسا بعد أن أقابل الطبيب ، ، ولو أنهيت عملي هناك قبل موعد خروجك ، فسآتي لكِ ، وإن لم أتمكن ، ستأتين إلي ، ولن أترك لك أكثر من يوم واحد تقضينه مع أسرتك ، أو لو شأتِ أحضريهم لفرنسا لكي يحضروا حفل زواجنا .

     هكذا ستكون الأمور ، وهكذا ستسير ، لن أتركك تجلسين في ذلك البلد أكثر ، بل ستغادرينه ، معي أو مع أسرتك ، سأرتب كل شيء بعد وصولي لفرنسا ، ستساعدني كارولين ، وأضن أنها ستكون سعيدة لهذا الخبر ، لأنها أكثر امرأة كانت تتناقش معي في مسألة الزواج ، وستسعد أيضاً لأنها قرأت علاقتنا مبكراً منذ لقائنا الأول ، ذكريات جميلة حبيبتي ، وأتمنى أن يكون المستقبل أجمل ، أعرف أن ما مر بحياتك في الفترة السابقة من مشاكل ، ستأثر كثيراً على نفسيتك ، لكني متأكد أنكِ ستجتازينها بسرعة ، ونحن سوياً ، لقد قررت كل شيء ، دون أخذ رأيك ، ولا مشاورة أهلك ، ربما لمعرفتي أنكِ ، لن ترفضي لي طلباً ، لأننا أحباب ، ونتمنى أن نبقى سوياً .

     كان اللقاء مع الدكتور بمثابة الوداع للولايات المتحدة فقد كانت نتائج التحاليل الأخيرة ممتازة ، بكل المقاييس ، خرجت من عنده وأنا أعبث بهاتفي وأبحث عن طائرة تنقلني لفرنسا ، فلا وقت لدي لأبقى في الولايات المتحدة فكل شيء سيكون هناك ، حفلك حبيبتي ، حفلنا ، يجب أن أستقبلك حين تأتين لفرنسا بكل شيء يبهجك ويسر خاطرك ، اتصلت بكارولين وأخبرتها أني سأتزوج ، فقالت : ستتزوج نور أليس كذلك ؟ ، لقد خمنت بسرعة تلك المجنونة ، وكان تخمينها صحيحاً ، فقالت : لا تقلق ، ادفع المال وسيكون حفلكما ملكياً ، ضحكت من كل قلبي ، فهي تعني ما تقول ، وستفعل كل شيء من أجلنا .

     الطائرة في المساء ، وسيكون الأفراج بعد عشرة أيام من الآن ، عشرة أيام قصيرة جداً ، لكني سأفعل كل ما باستطاعتي من أجلك ، كنت اريد أن يكون زواجنا في اليوم التالي لوصولك لباريس ، لكن كارولين هدأتني وتشاجرت معي ايضاً ، متحججة بأنك تحتاجين للراحة اكثر من الزواج ، تلك المجنونة  سألتقيها فور وصولي تقول أن لديها تصور لما يمكننا فعله خلال هذه الفترة ، سأرى ما التصور الذي وضعته ، تصدقين ، لم أكن أتخيل أن كارولين ستكون سعيدة لهذه الدرجة ، لكنها بالفعل سعيدة ، وكذلك زوجها ، شعرت بذلك وأنا أتحدث معهم واخبرهم بالخبر ، لقد صرخة كارولين ، أما وسام فأنتزع منها الهاتف وقال : أخيراً سنراك في القفص أيه العنيد ، هكذا هي الحياة حبيبتي فنحن نفعل ما لا يتوقعه الآخرون منا دائما ، لذا تكون المفاجآت أجمل أحداث الحياة ، أما أنتِ فلكِ مفاجئات كثيرة معي ، كنت أود أن أخبرك بها قبل الزواج لكني أجلتها ، لأقدمها لكِ في الحفل ، ولن أخبر أحد بهذه المفاجآت سوى كارولين ، لأني سأكون مضطر لذلك فهي من سيساعدني في كل شيء .

     حاولت كارولين أن تأجل سفرك لباريس يومين أو ثلاثة ، لكني رفضت ، واتفقت معها أن يكون حفلنا بعد وصولك لباريس بخمسة ايام ، وكان هذا هو الحل الوسط الذي توصلت إليه مع تلك المجنونة ، دخلت أنا وكارولين عشر فنادق لنجد قاعة مناسبة لحفلنا ، وعندما وجدناها ، أعتذر الفندق لأنها محجوزة ، تضايقت كثيراً ، لكن كارولين كانت تضحك وتقول : أنت من عقد الأمور لذا فكل شيء يعاندك ، لقد قالت هذا الكلام لأنها كانت تود أن يكون حفل زفافنا في منزلها ، وأنا لا أود ذلك ، لا لشيء سوى أني أريد أن تكون الحفلة في نفس مكان أقامتك ، لكني لم أتمكن من ذلك ، لأني عدت مع كارولين ، للفنادق العشرة الذين زرناهم ، وكل القاعات محجوزة في ذلك اليوم ، كلهم يقولن نفس الكلام ، لا مجال  وأنا ليس لدي مجال لكي أؤجل حفل زواجنا ، في نهاية المطاف ، استسلمت لرأي كارولين .

     في اليوم التالي ، كانت كارولين هي من تكفل بكل شيء طبعاً بعد أن أخذت بطاقة الفيزا الخاصة بي ، استغربت أنها لم تسحب مبالغ كبيرة في ذلك اليوم ، ولم تتعدى مشترياتها العشرة آلاف يورو ، كان من المفترض أن تشتري فستان الزفاف ، وتدفع قيمة التزيين ، وعندما عادت سألتها فقالت : دفعت العرابين فقط ، والباقي ستدفعه أنت فيما بعد .

     نسيت حبيبتي أن أخبرك عن تصور كارولين للحفل ، فبعد أن قمنا بعد المدعوين اكتشفنا أنهم اثنان وثلاثون شخص فقط ، لقد ضحكت كارولين وقالت : تريد حفل أسطوري والمدعون اثنان وثلاثون ، هي على حق ، فقلت لها : ما العمل ، فقالت : لماذا لا تقتصر الدعوة على المقربين فقط ، فقلت لها : ربما تتضايق نور من ذلك ، كان ردها مقنع حين قالت : هي لا تريد كل هؤلاء ولا أنت تريدهم ، بل تريدون أن تكونوا سوياً ، لذا اقترح عليك أن تعقد القران في منزلنا ثم تدعونا أنا ووسام مع أسرة نور ونتناول العشاء في مطعم راقي ، أو في يخت ، كانت فكرتها رائعة ، وافقت على ذلك دون نقاش فقد مر ثلاثة أيام ولم نعمل شيء حتى الآن .

     في اليوم الرابع رافقتني كارولين لأشتري الدبل ، واخترت لك حينها طقماً جميلاً من الألماس ، أتمنى أن يعجبكِ ، لأني تخيلته عليكِ قبل أن أشتريه ، فجيدك تناسبه الأذواق الكلاسيكية في المجوهرات ، استغربت أن كارولين لم تعترض على سعره رغم أنها كانت تعترض كثيراً على أسعار المتعلقات الخاصة بالحفل ، سألتها عن ذلك فقالت : الرجال يشترون الهدايا ليعبروا عن مدى حبهم ، وهي محقة فيما قالت ، لكني لا أعتبر هذا تعبيراً لحبي لكِ ، فأنتِ أغلى عندي بكثير .

     في اليوم الخامس كانت كل الأمور قد أتضحت وتحددت معالمها ، كما أني استأجرت يخت جميل لتلك الليلة ، وبه خدمة فندقية كذلك ، سيعجبك كثيراً كما أني رأيت بروفة فستانك ، فوضحت لكارولين أنكِ خسرتِ كثيراً من وزنك ، فتحدثت مع صاحب المشغل عن ذلك .

   في اليوم السادس واليوم السابع ، لم أفعل شيء ، فقد أصبت بزكام حاد واضطررت لأن أخلد للفراش ، لا أدري لماذا أكتب هذه التفاصيل مع علمي أنكِ ستشاهدينها عند وصولك ، لكني أريد أن يخلد كل شيء بيننا ، أما في اليوم الثامن فقد أمضيته في الترتيبات الخاصة بي بدلتي حذائي الكرافت الساعة .

     وفي اليوم الثامن ، كانت الترتيبات النهائية قد بدأت ، لكني في هذه اليوم اكتب آخر أسطر في مذكرتي هذه لأني سأذهب لأودعها مع ملكية الأرض التي نقلتها باسمك ودفتر التوفير الذي به الخمسة ملايين يورو ، ورسالة صغيرة أرفقتها لكِ ، وهناك هدية أخرى حبيبتي ، لقد فتحت لكِ حساب آخر به مائة الف يورو ، هذه مهرك ، ستجدين بطاقة فيزا وبطاقة الصراف الآلي وبيانات الحساب في ضرف آخر ، أما مفتاح صندوق الأمانات سيكون في علبه اشتريتها البارحة من الكريستال وضعت بها قليل من الورود المجففة مع عطر رجالي ، كان يمكنني أن أخبركِ بكل تلك التفاصيل عندما تحدثت إليك اليوم لكني أحببت أن تعرفي كل التفاصيل عندما تصلين ، ستسألينني حبيبتي ، لماذا أذكر هذه التفاصيل في دفتري هذا ، لأني سأودعه في صندوق الأمانات بعد قليل مع كل ما ذكرت ، لذا أقول لدفتري وداعاً ، ولكِ حبيبتي إلى اللقاء .

     أغلقت الدفتر وأخذت أبكي بحرقة على فراقه ، لم أتصور في يوم أنه كان يتألم لما كنت أفعل معه ، ولم أكن أتصور أنه أحبني لهذه الدرجة ، ولو أردت أن أكتب قصتي معه لما تمكنت من أن أصفها كما فعل .

عوداً على بدء

تدشين روايتي التي لم تدشن في العام الماضي بسبب الوباء ، أشكر الملتقى القطري للمؤلفين على الإهتمام بهذا الجانب المهم للكاتب . @QatariAuthors

رواية أتذكرين .. الفصل الثامن ..

الفصل الثامن

الانهيار

     تذكرين حبيبتي ، حين أتصلتي في المساء وأنتِ تنقلن لي ما أخبرتك به خادمتك ، حين حضر أبن زوجك لمقابلة والده في منزلك ، وكيف أن والده كان في حالة من الغضب وهو يتحدث معه ، حتى أغشي عليه ، وكيف أن أبنه لم يكلف نفسه أن ينقل والده للمستشفى ، أو أن يتصل بالإسعاف فور سقوط والده ، وكيف أنه أنتظر حتى ضن أن والده مات وحينها أتصل بالإسعاف ثم خرج ، كنتِ تلعنينه وتقولين : السافل ، ما الذي تجديه كلماتك ولعناتك حبيبتي ، جلست أتحدث معك لأكثر من ساعتين ، هدأت من روعك وحذرتك من أشياء كثيرة ، لا أضن أنكِ ستطبقينها ، لكنكِ يجب أن تكوني حذرة حبيبتي ، يجب أن تحذري فالموقف الآن تغير ، وقد حذرتك أن أبنائه لن يتركوكِ تتحكمي بثروة أبيهم وهو يرقد على فراشه .

     لم يطل الوقت كثيراً فبعد يومين كنتِ تتصلين من جديد ، وتخبريني أن مندوب من المحكمة حظر للشركة وسلمك أمراً بتسليم كل ممتلكات زوجك للجنة تم تعينها من قبل المحكمة ، كنتِ متضايقة من الأمر لكن المشاكل لم تقف عند هذا الحد ، فقد أخبرتني في اليوم التالي أن المحكمة جمدة كل أموالك وممتلكاتك لحين الفصل في قضية رفعها أبنه يتهمك باستغلال الحالة الصحية السيئة لوالده في إدارة أملاكه وثروته لصالحك ، كنتِ منهارة حبيبتي ، كنتِ تبكين بشكل هستيري ، وتصرخين وتتوعدين ، لكنكِ أهملتِ جانباً مهماً يجب أن تنتبهي له ، فحذرتك حبيبتي من أن أبناء زوجك لن يقفوا عند هذا الحد ، وطلبت منك مغادرة البلد حتى تتضح الأمور ، لكنكِ رفضتي ، فطلبت منكِ أن تدققي في كل المعاملات المالية التي أقامتها الشركة خلال فترة إدارتكِ لها ، لكن هذا الأمر لم تتمكني منه حبيبتي فقد أخبرتني في اليوم التالي بأن مكتب محاسبة مختص ، جاء للشركة بتفويض من المحكمة للتدقيق في حسابات الشركة والحسابات المالية للمشاريع .

     لا أدري ماذا يمكنني أن أفعله لأجلك ، سوى طلبي منكِ مغادرة البلد ، لكنك رفضتي هذا الاقتراح مجدداً وقلتي : ولو رحلت الآن سيتهمونِ بكل شيء ، ولو رحلت الآن سيأخذون كل شيء أملكه ، صرخت بك : اللعنة على المال ، اللعنة عليه ألف مرة ، ستدمرين نفسك بسببه ، لكنك لم تقول أي شيء آخر سوى أن خادمتك التي حضرت الواقعة التي أصيب بها زوجك بحضور أبنه فد هربت من المنزل .

     آه حبيبتي ، كل الظروف تسير بعكس ما تتمنين ، فخلال أسبوع من هذه المكالمة ، أخبرتني بأنك تحدثيني من مركز الشرطة وتم استدعائك بتهمة تعمد إهمال زوجك لتعجيل وفاته ، شروع في القتل ، وقلتي أنهم ربما يحتجزونك على ذمة التحقيق ، تحدثت مع محامي شركتي حينها وطلبت منه تحديد محامي يمكن الاعتماد عليه في بلدك فرشح لي في اليوم التالي أسم محامي معروف فطلبت منه الاتصال به وتحديد موعد معه ، ففعل ما طلبته وحدد موعد في اليوم التالي ، حينها سافرت لأكون قريب منكِ ، قابلت المحامي ، وشرحت له بعض الأمور فطلب مني أن يكون توكيله من طرف أحد أفراد عائلتك لأن جميع ممتلكاتك تحت الحراسة وقد تتعرضين للمسائلة وأتعرض أنا معك لتلك المسائلة لو كشف أمر توكيله من قبلي ، حاولت الاتصال بكِ تلك الليلة دون جدوى ، لكنكِ أتصلتي بي في اليوم التالي ، فأخبرتك بما أريد ، وقد حظر والدك للمحامي في الصباح ، فوكله ودفعت له نصف أتعابه على أن أدفع له النصف الآخر حين براءتك أو حصولك على حكم مخفف .

     لم أغادر مباشرة ، بل توجهت للشركة في اليوم التالي ، وطلبت مقابلة مديرها الذي تم تعيينه من المحكمة ، فأدخلوني على شخص أنيق لكنه تعامل معي بشيء من التعالي ، حتى حدثته عن المشروع الذي وقعته من زوجك قبل سفرنا لباريس ، فقال : أنت الذي وقع مع الشركة مشروع باريس ، تفضل بالجلوس ، نادى السكرتيرة وطلب منها أن تحضر الأوراق الخاصة بالمشروع ، عرفت حينها أنه الأبن الأكبر لزوجك ، لم يطل الانتظار كثيراً فخلال ربع ساعة جلبت السكرتيرة كل الأوراق الخاصة بالمشروع ، فأخذ يتصفحها بعناية ، ثم قال : والدي هو من وقع معك ، فقلت : نعم هو من وقع معي ، فسألني : هل كان في حالة صحية تسمح له بالتوقيع على مشروع مثل هذا ، فقلت : نعم كان يجلس معي على طاولة الاجتماعات حينها ، أخذ يفرك ذقنه ثم قال : أنت تعرف أن والدي في المستشفى ، فقلت له : منذ متى ؟ فقال منذ أسبوعين تقريباً ، فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله ، فقال : ألم تحظر لمعرفتك بهذا الأمر ؟ فقلت : لا ما أحضرني أني حولت مبلغ العقد لحساب شركتكم وأحاول الاتصال بالسيدة نور مديرة الشركة منذ أسبوع ولا ترد على أتصالي فحضرت لأعرف ما السبب .

     قام الرجل من مكتبه ، وقال تفضل معي ،  فصحبني لغرفة مجاورة بها طاولة اجتماعات صغيرة ثم تكلم معي وقال : تعرف أن والدي يعاني من أمراض كثيرة وهو في غيبوبة الآن والمحكمة تشرف على جميع ممتلكاته وأنا أبنه لكني لا أملك القرار ، ومشروع مثل هذا يستوجب موافقة المحكمة على البدء في تنفيذه ، فسألته : ماذا تريد أن نفعل ، فقال : المشروع جيد لكني لا أضن أننا سننفذه ، لكننا يمكننا أن نسوي المشكلة ونلغي العقد ، قلت : لا مانع لدي ، لكن البند العاشر في العقد ، ينص على أن الشرط الجزائي يبدأ تنفيذه بعد عشرة أيام من التوقيع ، فأخذ يقلب القعد ويقرأ البند العاشر ، ثم قال ثلاثة ملاين ونصف المليون يورو ، لا بأس سندفعها لك ، فطلبت منه أن يقرأ البند الحادي عشر ، فقرأ ثم قال ، كم تريد ثمناً لهذا المشروع لكي تبيعه ، فقلت : مليون ونصف يورو دون أرض المشروع ، بلع ريقه وقال : اتفقنا خمسة ملاين يورو ونوقع ألغاء العقد ، فقلت له : دعني أفكر ! فقال لا أضمن وجودي في الشركة ، لذا فأنا أحاول تصفية الشراكات الخارجية في أسرع وقت لأنهي أمر وصاية المحكمة على ثروة والدي ، فقلت له : لا مانع لدي ، وتم توقيع الاتفاق على إلغاء العقد وعلى طريقة السداد ، على أن تحول المبالغ خلال أسبوع من تاريخه ، وحصلت على شيك بمبلغ خمسة ملاين يورو ، دفعه أبن زوجك من حسابه الخاص ، تعرفين لماذا دفع كل هذا المبلغ ، لأنه يريد أن يبعدني عن القضية التي أتهمكِ فيها فقد قابلت زوجك ووقعت معه عقد قيمته خمسة وثلاثون مليون يورو قبل سفرك بساعات وهذا يثبت أنه بصحة جيدة قبل سفرك ، لقد طلب مني أبن زوجك أن لا أحاول الاتصال بك لأنكِ غادرتي البلاد وتلاحقك شرطة الإنتربول الدولي .

     خرجت من عنده وأنا سعيد فذهبت وصدقت الاتفاق بشكل رسمي ، ووضعت كل أوراق المشروع بين يد المحامي ليكون دليل على براءتك من تلك القضية ، ثم غادرت البلد ، حاولت الاتصال بك ، دون جدوى لكن المحامي كان حلقة الوصل بيننا ، فكان يخبرني عن أمورك ، ويوفر لكِ احتياجاتك في السجن ، كما أخبرني بعد يومين من عودتي أنه سلم الأوراق كاملة للنيابة العامة وأنه سيقدمها للمحكمة في الجلسة التي ستعقد بعد أسبوع من اليوم ، وأنهم ربما يستدعوني في تلك الجلسة أو الجلسة التي ستليها , حمدت الله على أنه كان بيدي أمر مكنني من مساعدتك .

     لكن حبيبتي لم تفلح كل محاولاتي مع المحامي لإطلاق سراحك ، ربما تذكرين ما الذي جرى في المحكمة ، حين حظرت وكان الجميع موجود ، وصدمة أبن زوجك بحضوري ، وحين قدمت شهادتي وخرجت من المحكمة لحقني وقال : لقد دفعت لك ثمن صمتك ، فأجبته : دفعت لي حقي ، ولم أكترث بما قاله بعد ذلك ، بل غادرت وأنا أرجو أن تتم تبرأتك من تهمة الشروع في القتل ، وأن تخرجي بكفالة في التهمة الأخرى التي أقحمت في القضية ، تهمة التربح غير المشروع من أموال زوجك ، لكن الأمر لم يتم بالشكل الذي تمنيت ، فقد طلبت النيابة أن يتم التحفظ عليك من قبل المحكمة حتى النظر في التهمة الثانية ، على الأقل حبيبتي تخلصتِ من تهمة كادت أن تقضي على كل أمالك وأحلامك .

     أصعب موقف مر في حياتي أن أراكِ في المحكمة بالكلبشات كادت نظراتك تقتلني ، كنت أود الاقتراب منك ، والسلام عليك ، بل كان بودي أن احتضنك ، لكني لم أتمكن ، لكي لا ألفت الانتباه لنا حبيبتي ، تغير شكلكِ كثيراً ، فقد خسرتِ كثيراً من وزنك ، أصبحتِ نحيلة جداً ، لكنكِ لا تزالين جميلة ، ولا زلتي رغم قساوة ظروفك ، متألقة ، أه حبيبتي ، لو أطعتني لما حصل لك كل هذا ، لو تركته من البداية ، لكنا الآن سوياً ننعم بحياة هادئة .

     تعرفين حبيبتي لماذا يريد أبن زوجك أن يدخلكِ السجن ، يريد أن لا يكون له منافس في ثروة والده ، فلا يكون أحد باستطاعته إدارة الشركات إلا هو ، فيخلو له الجو لكي يأخذ ما يشاء من الثروة ، ولا يريدك أيضاً أن ترثي والده بعد أن يموت ، فقد حاول اتهامك بالشروع في القتل ، لكي يتمكن من حرمانك من الميراث ، وسيفعل هذا لو أستطاع أن يثبت أنك أخذتي شيء من ثروة والده ، هكذا هي الحياة ، وهكذا يستغل المتخاصمون المواقف لكي ينتقموا من بعضهم ، وهكذا كنتِ ستفعلين لو كان بإمكانك أن تنتقمي من زوجك وأسرته ، فقد بدأتي هذه الخطوة ، لكنكِ ضعيفة حبيبتي ، أكثر مما تتصورين .

     اكتشفوا تجاوزات كثيرة في الشركة التي كنتِ تديرينها باسم زوجك ، وكذلك بعض التجاوزات في مجموعة الشركات التي أدرتها في الفترة الأخيرة ، هذا ما أخبرني به المحامي  ، لقد قال لي : إن القضية تعقدت ، وأنه لن يفرج عنك ، صدمني حبيبتي ، فذهبت لمقابلته وأنا أعرف أن الكل في هذه المواقف يستغل الظروف لمصلحته ، والمحامي وجد فرصة سانحة أن يستفيد ، وتعرفين حبيبتي كم طلب لكي يخفف عنك الحكم فقط ثلاثة ملايين ، لا يهمني المبلغ ، بل ما جعلني متضايق أنه قال أنك على أقل تقدير ستسجنين ما بين الثلاث والست سنوات ، لا أدري حبيبتي كيف ستصبرين ، فالسجن يعني أنكِ عدتي للحظيظ مرة أخرى .

     لا أدري كيف سأصبر أنا على فراقك كل تلك المدة ، لكني أتمنى أن تحدث في الأمور معجزة ، تخرجك مما أنتِ فيه ، كالقبول بتسوية مثلاً ، أه حبيبتي لقد طرحت هذا الأمر على المحامي ، لكنه قال : كل أموال مدام نور المحجوزة لا يمكن التصرف بها ، وستنظر المحكمة بالفعل هل ستغطي المبالغ التي سحبتها من الشركات ، التجاوزات التي اكتشفت ، وستعاد مبالغ التجاوزات للشركة ( أي لأبناء زوجك ) وإذا زادت تلك المبالغ عن تلك التجاوزات ستكون هناك مطالبة من قبلهم لاستردادها ، ثم أستطرد قائلاً : لكن عليك أن تعرف أن التجاوزات التي حصلت كبيرة تتجاوز الثلاثمئة مليون ، وضعت يدي على رأسي وسألت نفسي : لماذا فعلتي هذا ؟ هل لتستمتعي بالمال ، أم لتضمني مستقبلك ، أه حبيبتي كان يمكنك أن تظمني مستقبلك بما كان يعطيه لكِ زوجك ، فقد كان يعطيك الكثير ، لكن الكثير هذا لم يكن يقنعك ، لأن طمعك كان أكبر بكثير ، كنتِ تنظرين لما يعطيك ِ إياه على أنه فتات وأنكِ تستحقين أكثر ، اكثر بكثير .

     ليس مهم كل ما قلته كان الأهم أنتِ فقط ، لا المال ولا المحكمة ولا السرقة لم تغير صورتك في عقلي ولم تغير مكانك في قلبي فأنتِ نور التي أحببت ، مهما فعلتي ، وهما سمعت عنك ، سألني المحامي ذات مرة ما سر اهتمامي بكِ ، أحترت ماذا أقوله ، وما حجم الكذبة التي يمكنني أن اختلقها وتقنعه ، لكي يعرف أن اهتمامي بك لم يأتي نتيجة خيانة زوجية ، أو عمليات احتيال مشتركة ، أو عمليات تجارية مشتركة ، أخذت أفكر وأقلب علبة السجائر بين أصابعي ، وكان ينتظرني في صمت ، لم يقل أي كلمة حتى رفعت رأسي ، حينها قال : إذا كان سؤالي محرج فلا تجب ، ابتسمت ، وشعرت لأول مرة في رغبتي أن أخرج ما في قلبي تجاهك ، لكني تمالكت نفسي وأخبرته أن علاقتنا كانت مبنية على تبادل مصالح تجارية ، فسألني ، هل هذا سبب كافي لاهتمامك بها ؟ ضحكت حينها ، وقلت : لها مواقف لا تنسي معي ، سألني :عاطفيه ؟ انتبهت أنه يحقق معي ، لكني تركته يسأل ، وقلت له : لم تكن العاطفة أساس تعاملنا ، سألني حينها : والمشروع الأخير ؟ فأخبرته أن المشروع وقع بحضور زوجها ،  سكت حينها ، فسألته : انتهى التحقيق أم هناك أسئلة أخرى ؟ قال : لم أكن أحقق معك لكن أثار فضولي اهتمامك الكبير بالسيدة نور التي لا تمت لك بصلة ، فقلت له : سيدى عندما أكسب صديق فإني أحترمه ، وعندما أكتشف أن هذا الصديق محترم بالفعل ، أوقره ، وكنت اعرف عن السيدة نور كل شيء ، فجعلني هذا أحترمها أكثر لأنها لم تستغل حريتها في خيانة زوجها ، سيدي نور تستحق الاحترام فعلاً ويجب أن يكون كل الأصدقاء حولها الآن .

     كانت نهاية مقابلتي مع المحامي ، وكانت بداية التفكير في تغييره ، فأسلوبه أثار في نفسي الشكوك من أنه على علاقة مع أحد أبناء زوجك ، أو أشتراه أحدهم بالمال ، فاتصلت بمحامي آخر وطلبت منه الاطلاع على القضية ، فأخبرني بأشياء أخرى لم أنتبه لها ، ولم أفكر بها ، وحلول لم يطرحها المحامي الأول ، فزاد ذلك الأمر من شكوكي ، وخفت أن كل تأخير أو أجراء خاطئ يتم سيأثر على الحكم الذي سيصدر ، فتحدثت مع والدك ، وسحب التوكيل والقضية من عند المحامي الأول وأعطاها المحامي الثاني ، والغريب في الأمر أن المحامي الأول لم يتحدث معي ولم يسأل والدك عن سبب سحب القضية ، والأغرب أني تلقيت مكالمة هاتفية من الأبن الأكبر لزوجك ، كان يحدثني عن شراء الأرض التي كان سيقام عليها المشروع ، ولا أدري هل عرف من هو مالكها السابق ، فإن عرف فإنه كشف جانب خفي من علاقتنا ، لكني لا أتوقع ذلك ، لأنه سألني هل أرغب في بيع تلك الأرض ، فأخبرته أني أنوي إقامة مشروع آخر عليها ولا أفكر في بيعها ، لكنه بعد فترة أرسل لي وسيط لكي يفاوضني في بيع الأرض فرفضت ، فعاود الاتصال بي ، شككت في الأمر بل كدت أجزم أنه يخطط لأمر ما ، فرفضت أن أبيع الأرض ، كان إلحاحه شديداً في هذا الجاني ، كدت أن أوافق ، لكني لم أغلق باب الشكوك ، وأيضاً لا يحق لي التصرف في الأرض دون استشارتك حبيبتي ، فرغم أنه تم تسجيل الأرض باسمي إلا أن ملكيتها تؤول لكِ في الحقيقة ، وشيء آخر منعني ، فالمبلغ الذي أخذته من إلغاء العقد وثمن فكرة المشرع ، هي لك ، فعندما تخرجين من سجنك عاجلاً أم آجلاً ، ستجدين مبلغاً من المال ، وأرضاً في موقع ممتاز في باريس ، فتستطيعين أن تبدئي حياتك العملية من جديد ، هذه هي فكرتي ، أن لا تحتاجي لأحد ولا ترجعي للحظيظ بعد خروجك من السجن .

أعرف أن خروجكِ مفلسة سيدمرك ، بل ربما يكون أكبر مما أتصور ، فأنتِ لن تستطيعي العيش في مستوى أقل من المستوى الذي كنتِ تعيشين فيه ، وشيء آخر حبيبتي أريد أن أخبركِ به ، فأنا أحاول أن أبعدكِ عن تفكيري وعن قلبي بشكل مستمر ، لكنكِ تعودين ، فرغم إحساسي القوي بما تعانينه من أزمات ، إلا أن الخوف انتابني تجاهك ، فربما تجعليني الضحية التالية بعد زوجك ، صحيح اني لست في نفس سنه ، لكني أكبرك بعشر سنين أو أكثر ، ربما لا يكون هذه هو مصدر خوفي منكِ ، فربما يكون طمعك هو مصدر خوفي ، لكني متأكد أني الشخص الوحيد الذي ترغبين في الاستسلام له والخضوع له برغبة وشوق .

     نعم أنتِ مشكلتي الأزلية متابعة القضية متابعة أحوالك وأمور عائلتك التي أصبحت أحد أفرادها بعد دخولك السجن ، ولا أعرف كيف نبتت عقلية الطمع في رأسك فوالدك ووالدتك أناس لا تعني لهم الدنيا الكثير ، فهم بسطاء في كل شيء ، ومتعففون أكثر مما تصورت ، لقد عرض علي والدك منزله لكي يعوضني عن الأموال التي دفعتها للمحامي ، مسكين والدك ، ومسكينة هي والدتك ، عرفت منهم أشياء كثيرة ، عن حياتك ، وكيف أنكِ أنتِ من اختار الزواج من ذلك الشيخ ولم يفرض عليك أحد ذلك القرار ، حبيبتي لقد دفعك طمعك من البداية لذلك ، أو ربما دفعك الضيق من الفقر وقلة ذات اليد ، لا أدري حبيبتي ، لكني وضعت لكِ كل المبررات ، ووجهت لكِ كل التهم ، في نفس الوقت ، اعذريني ، فأنا العاشق المجنون الذي كان يتبع سراب ، ولا زال يتبع وهم .

     أخبرني والدك بأشياء كثيرة ، كيف كنتِ وأنتِ طفلة ، ورفضك التعليم لكي تعملي وتعينيه على تربية أخوتك الخمسة ، الذين لم تخبريني عنهم سابقاً ، وكيف كان حالك بعد الزواج وكيف أصبحتِ حين أدمنتِ الخمر والحشيش ، وكيف تجاوزتِ تلك المحنه ، وعادت رغبتك للحياة ، فبدأتي تدرسين من جديد ، وتهتمي بتفاصيل حياتك وحيات أخوتك ، أخبرني أيضاً عن زوجك ، كيف كان يعاملهم باحتقار وعدم رغبته في رؤية أياً منهم في منزلك ، أو في عملك ، وأخبرني أن كل ما كنتِ تعطينهم إياه كان دون علم زوجك ، وأمور أخرى كثيرة حبيبتي ، لا أريد أن اذكرها أو أذكركِ بها ، لكني عرفت كل جوانب حياتك ، ورغم كل ذلك أشعر بأني أحبك أكثر من السابق ، بل أشعر بحاجتي لك تزداد كل يوم .

     نعم تزداد حاجتي لكِ كل يوم عن سابقه فأنا لا أملك شيء سوى أن أنتظر عل القدر أن يكتب لنا لقاء ولو كان قصيراً ، أو طويلاً ، فحاجتي لكِ لا تعني حاجة الفراش لا بل أمور ربما لم تتوقعيها ، أمور بسيطة ، حاجتي لنظرتك ، لشعور يمنحني الراحة وأنتِ بجانبي ، تشابك أيدينا ونحن نسير سوياً ، ضحكاتك المجنونة ، بحثي الدائم عن سبب صمتك ، توقعاتي لما ستفعلين وما ستقولين ، خسرت كثيراً حبيبتي أثناء غيابك ، خسرت قلبي ، ضحكاتي ، جنوني ، سيطرتي على من أحب ، تعرفين حبيبتي ، حين قلتي : أنكِ تأتين إلي عازمة على ألا تمنحيني شيء وتخرجين من عندي وقد فعلتي كل ما أنا أريد ، لو أردت أن أصف شعوري في تلك اللحظة لن أستطيع ، فما قلتي لا يثبت حبي لكِ بل يثبت حبكِ لي ، وعجزك أمامي ، واستسلامك ، ويعني ، اني في قلبك ، وأقوى من نفسك ، شعور جميل افتقدته ، أحبك .

     حدثني المحامي اليوم عن أمر بعث السرور في نفسي ، قال أن كثير من المبالغ التي قالوا في البداية أنك استوليتِ عليها من ثروة زوجك ، موجودة بالفعل في حسابات مشاريع متفرقة في الداخل والخارج ، لكنه قال أيضاً أن المبلغ المتبقي كبير يتجاوز المائة مليون ، وقال أيضاً انه ربما يصل إلى تسوية مع أبناء زوجك ، حول المبالغ المتبقية ، بعد أن تطرح ممتلكاتك في المزاد العلني ، فسألته عن قيمة ممتلكاتك ، فقال لي : أنها ربما تتجاوز الثمانين مليون ، وهذا جيد بحد ذاته ، وقال : ربما تكون التسوية على أساس نقل كل ممتلكاتك لأبناء زوجك مقابل تنازلهم عن الدعوى المقدمة ضدك ، ولو توصل المحامي لهذا الحل يكون قد قدم لكِ خدمة العمر حبيبتي ، لكنه طلب مني مبلغ إضافي من الأتعاب ، لا يهم حبيبتي ، فكل شيء في سبيل أن تخرجي من السجن يعتبر أمراً سهلاً ما دمت أستطيع فعله .

لا يزال أبن زوجك يحاول أن أبيعه الأرض التي سجلتها باسمي في باريس ، ويقول أن المشروع الذي أشتراه مني لا يمكن أن ينفذ إلا على تلك الأرض فكل التصاميم وضعت لخدمة المشروع على تلك المساحة ، لم يقنعني حديثه ، ولا زلت أشك أن ورائه أمراً يخفيه ، وما زاد شكوكي أن المحامي الذي كلفته باستلام القضية أخبرني أن المحامي السابق يماطل في تسليمه بعض المستندات وأنه حذره شخصياً مني ، لا أدري ما ورائه فطلبت من المحامي أن يرى هل هناك علاقة بينه وبين أبناء زوجك مثلاً ، فقال أنه سيتأكد من الأمر لا حقاً ، شكوك حبيبتي شكوك كثيرة ، أعرف أن رغبة الانتقام التي كنتِ تحملينها في نفسك لابن زوجك الأكبر تقابلها رغبة منه في الانتقام منكِ ، تعرفين شعرت أنه كان يحبك بجنون ، قبل أن تتزوجي والده ، لا أدري لماذا يزورني هذا الشك بين فترة وأخرى ، لكنه ماضي على كل حال ، لن يعود .

     مر شهر حبيبتي على جلسة المحكمة ولا زلتي في السجن ، وقد بدأ المحامي يفاوض أبن زوجك الأكبر بشأن الممتلكات والتنازل ، يبدو أنه صعب المراس أو على أقل تقدير أستطيع أن أقوله هو مصمم على حبسك ، وأتوقع أن يحاول أن يشتري ممتلكاتك في المزاد العلني الذي سيتم عليها من قبل المحكمة فلا يريد أن يقيمها بأكثر من سعره فيخسر بعض الملاين التي أضن أنه بحاجتها ، فهو الآخر في قضية أخرى في المحكمة ، لأن أخوه الأصغر لم يتنازل عن القضية التي رفعها والده ضده حين عزله من إدارة أملاكه ، المسألة معقدة حبيبتي ، والأمور متداخلة أكثر مما كنت أتصور ، لاكن على ما أضن سنصل لاتفاق في نهاية المطاف ، أو أن أحضر بنفسي المزاد وأزايد معه لرفع قيمة العقارات ، لكن هذا هو الاحتمال الأخير بالنسبة لي ، ولو فعلته فقد كشفت جميع أوراقي أمامه ، وهو اعتراف صريح مني أنكِ تشكلين الاهتمام الأول لي ، وعندها ستكون الأمور لا تدع مجال للشك أن بيننا أمراً لا يعلمه الجميع ، فكرت أن أرسل أحد غيري ليقف في المزاد ، لكن أسم شركتي معروف لديهم ، سأحاول لفت أنتباه بعض التجار الذين تربطهم علاقات بي لذلك المزاد علي أن أقنع أحدهم بالدخول فيه لأني لا أضمن ألاعيب أبن زوجك .

     شهر آخر ولا حل يلوح في الأفق ، فأنتِ في السجن والمبلغ الذي طرحه أبن زوجك لممتلكاتك يعتبر صغير جداً ولن يغطي إلا نصف المبالغ المستحقة فقد طرح خمسون مليوناً كقيمة للمجمع التجاري والمجمع السكني ورفض أن يشتري المنزل الذي كنتِ تقيمين فيه ، ربما لشعوره بالذنب الذي أرتكبه في حق والده في ذلك المنزل ، أو ربما فعلاً لا يحتاج في عمله التجاري لمنازل سكنية ، وقد حددت المحكمة تاريخ الزاد ، بعد أسبوعين من الآن ، سأكون موجود حبيبتي ، وسيكون مدير شركتي العقارية حاضراً المزاد مكاني ، أريد أن أخبرك أني سألت كثيراً عن قيمة العقارات قبل أن أدخل في المزاد فاكتشفت أن المجمع التجاري ربما يرجح الكفة فقيمته رغم صغر حجمة كبيرة فهو في منطقة هامة وموقع ممتاز ، وقد أخبرني المحامي أن المزاد سيبدأ على المجمع التجاري من مبلغ خمسة وثلاثون مليوناً ، والمجمع السكني من العشرين مليوناً ، والمنزل من ستة ملاين ، وهذا يعني أن ابن زوجك كان يريد استغلال الفرصة ويشتري الممتلكان بأقل من سعرها بكثير ، لا يهم حبيبتي ، الأهم أن تسير الأمور في الاتجاه الذي نريد ، وتخرجين من السجن ، سألت المحامي حول هذه النقطة فقال ربما يكون هناك حكم مخفف فلا مشاكل أخرى مع أبناء زوجك وسيبقى الحق العام ، ويمكن أن يكون مخفف في حال تم تسوية كل المستحقات .

     خبر سيء آخر حبيبتي ، فقد تمكن أبناء زوجك من تطليقك من والدهم عن طريق المحكمة الشرعية التي استندت إلى الإدانة التي توصلت لها المحكمة الجزائية تجاهك ، حتى أنها أسقطت حقك في مؤخر الصداق ، لم أستنكر هذا فأنتِ مدانة في أدارة أموال زوجك وخيانة الأمانة ، لكن يجب أن تصدقي أني سعيد لسماع هذا الخبر ، سعيد جداً ، أكثر مما تتصورين مع أني أعرف أن هذا الخبر سيحبطك حين تسمعينه ، فكل صبرك على ذلك الرجل لم ينتهي بالشكل الذي كنتِ تتمنينه ، هذه هي الحياة حبيبتي ، أشياء كثيرة نملكها لا تكون لنا في نهاية الأمر .

     غادر مدير أعمالي قبل أسبوع لدفع رسوم المزاد الذي سيقام على أملاكك ، وانا وصلت البارحة ، اخبرني مدير شركتي العقارية حين بدأ المزاد على المجمع التجاري أن عدداً كبيراً من التجار حضروا المزاد فطلبت منه أن لا يزايد ويكتفي بالمشاهدة هل ستكون المزايدة في الحجم المطلوب ام أن هناك تلاعب ، فكان يخبرني بكل التفاصيل ، فالمجمع التجاري وصلت قيمته لثمانية وأربعين مليوناً ، فطلبت منه عدم المشاركة لأن قيمته بالفعل لا تتجاوز ذلك المبلغ بل إنه يعتبر بيع بأعلى من قيمته السوقية بمليونين ، بدأت المزايدة على المجمع السكني فأبن زوجك كان حاضراً ذلك المزاد بنفسه ، وزايد بنفسه ولم يتدخل مدير شركتي في ذلك لأن المزايدة كانت أيضاً قوية بل أقوى من المتوقع بكثير فالمجمع بيع بأربعين مليونا ، يبدوا أن لأبن زوجك منافسين كثر ، وقد أشتراه هو بالفعل قد أكتشف مدير أعمالي أنه يملك الأراضي المحيطة بذلك المجمع ، ولا يريد أن يخسر هذا الموقع ، جاءت الأمور لصالحك حبيبتي في تلك المزادات ، لكن المشكلة التي حدثت حين بدأت المزايدة على المنزل فلم يكن حاضراً سوى مدير شركتي وأبن زوجك ومزايد آخر فقط ، فلم تكن هناك أشخاص آخرون ، كان الموقف صعباً بالنسبة لي هذا منزلك ، وأريده أن يبقى منزلك ، وقد بدأت المزايدة بمبلغ الست ملاين كما هو مقرر وهذا يكفي لتسديد جميع المستحقات ، لكن أبن زوجك رفع المبلغ منذ البداية لعشرة ملاين ، وكان مدير أعمالي يتحدث معي على الهاتف ويخبرني بالتفاصيل ، فطلبت منه أن يزايد بمليون ، ففعل فرفع أبن زوجك المبلغ بشكل مفاجأ لخمسة عشر مليوناً ،فطلبت أن يتوقف مدير شركتي عن المزايدة وينسحب ، لكنه قبل أن يخرج ، امسكه أبن زوجك ، وقال له وهو يناوله كرته الخاص : أعطي هذا الكرت لأحمد ، وتركه يخرج بعد ذلك .

     يبدوا أن أبن زوجك كان يريد أن يفتعل بعض المشاكل حبيبتي ، فقد هددني حين تحدثت معه ، هددني بأنه سينتقم مني بسبب المشروع وما أخذته منه على غير وجه حق ، وأخبرني أنه عرف أن ملكية الأرض كانت لكِ قبل أن تسجل باسمي ، وأنه وصل لذلك بعد أن عرف من هو صاحب فكرة المشروع ، فقد عرف من المكتب الهندسي الذي نفذ المخططات ، وطلب مني بكل صراحة أن أعيد الأرض له وأعيد الخمسة ملاين يورو التي أعطاني شيكاً بها ، لم يكن أبن زوجك يمزح حينها بل كان جاداً ، لكنه لم يخفني ، أتصل بي أكثر من مرة في تلك الليلة ، وفي آخر أتصال ، طلبت مقابلته ، فحضر للفندق ، وجلس معي وتحدث بكل وقاحة لكن وقاحته تلك لم توصله لنتيجة معي ، فقد جعلته يتشكك في كل شيء قاله فعدما سألني عن مخططات المشروع التي اشتراها مني ، أخبرته أني واضع التصميم الأصلي وأن مكتب الاستشارات الهندسية الذي تعاملت معه السيدة / نور كان مبنياً على فكرة سابقة أنا واضعها لذا تم تسجيل هذا الشرط في العقد ، وعن الأرض فقد أخبرته أنك من حاول استغلال سلطتك بأنك بعتي لي الأرض ثم أقحمتها بالمشروع ، لكنه بعد كل ذلك ، سألني : ألا توجد علاقة بينك وبين نور ، تضايقت حينها ، فقلت له : تجارة عزيزي فهد ، تجارة ، ولو استطعت شرائك أنت لفعلت ، فرد علي : أنت تكذب في كل شيء ؟ فقلت له حتى لو أكذب في كل شيء كما تقول فقد استفدت منك ومن زوجة أبيك كل الاستفادة ولا بد أنك ستسألني عن المحامي ، سأخبرك دون أن تتعب نفسك ، لو كسبت من السيدة نور خمسين مليوناً ، وأخذ المحامي خمسة ملايين فأنا المستفيد في نهاية المطاف ، صمت لكن نظرته كانت غاضبة بل شعرت أني سأكون على لائحة الأشخاص الذين يريد الانتقام منهم ، ليفعل حبيبتي ما يريد ، لا يهم .

      كل ما جرى لا يهمني ما دامت الممتلكات غطت المبالغ المستحقة وهناك مبلغ خمسة ملايين زائدة ، هذا جيد ، كانت سعادة والدتك لا توصف وهي تسمع الخبر ، لكنها كانت سعيدة أكثر أنكِ تخلصت من ذلك الرجل الذي كانت تكرهه من أعماق قلبها ، مسكينة والدتك كانت تبكي كثيراً وأنتِ في السجن ، وبكت كثيراً بعد أن عرفت أن فترة بقائك في السجن لن تتجاوز السنة على أكبر تقدير .

زارك والدك بعد ذلك في السجن ، لا أعرف لماذا لم تحدثيني وهو معك ، كنت مشتاقاً لسماع صوتك ، لكنكِ لم تمنحيني تلك الفرصة ، لكن حين زارتك شقيقتك بعد أسبوع اتصلتِ بي ، تذكرين أول كلمة قلتها حينها ، قلتي ، شكراً ، وبكيتِ كثيراً ثم قلتي : أحبك ، لم تخرج الكلمات من فمي فقد كنت فرحاً لسماع صوتك ، سألتك عن حالك ؟ وأخبرتك : أني أنتظرك بكل شوق ، فبكيتِ ، وصل بكائك لقلبي ، لم أتوقع أن يكون البكاء تعبيراً قوياً للحب لهذه الدرجة ، تحدثت معك بعد أن هدأتي وطلبت منك أن تهتمي بصحتك ، لتعودي لي متألقة كما كنتِ ، فوعدتني بذلك .

     كان حكم المحكمة بعد هذا الاتصال بيومين ، وقد حكموا عليكِ بسنتين ، قضيتي منها ثلاثة شهور في السجن وستسقط ثلث المدة إن كنتِ حسنة السلوك في تلك الفترة أو أن يشملك عفو ، لكنكِ حبيبتي ستمكثين في افضل الحالات بالسجن ما يقارب العام ،  لا مشاكل حبيبتي ، فالأيام تمر ، وستمر بطيئة كانت أم سريعة ، فالزمن لا يتوقف أبداً ، وأنا سأنتظرك ، عام أو أثنان أو أكثر ، لا يهم ، فأنتِ في نظري تستحقين أكثر من ذلك ، تحدث معي والدك بعدها وقال لي أن المحكمة أذنت أن تستلمي مبلغ الخمسة ملاين الفائضة من المزادات وقال أنك مصممة على دفع مستحقات المحامي ، ورغم أني لا أرغب في أن تفعلي ذلك إلا أني تركتك تفعلين ما أردتِ ، واحتفظت لك بحقك في الأرض بباريس ومبلغ الخمسة ملايين يورو التي أخذتها من أبن زوجك وأودعتها بعد انتهاء القضية في حساب توفير باسمك في باريس .

رواية أتذكرين .. الفصل السابع ..

الفصل السابع

انتِ من جديد

يبدو أننا سنظل هكذا كثيراً نلتقي خلسة فأنتِ رافضة أن تنفصلي عن زوجك ، لا بل أنتِ خائفة منه ، أريد أن أسألك : هل هو مرعب لهذه الدرجة ؟ لا أدري ما الذي تشعرين به وأنت تتحدثين عنه ! لماذا تتغير نبرة صوتك ؟ ويصبح وجهك شاحباً ؟ لماذا تبكين كثيراً وأنتِ تتحدثين عنه ؟ اعرف أن له الفضل الكبير عليكِ أنتِ وأهلك ، وأنه نقلكم من الفقر للغنى ومن الحضيض للقمة كما تقولين ، لكنه لم يفعل هذا لوجه الله بل فعله ليحصل على فتاة في السابعة عشر من العمر ، ويستمتع بها ، أو يتسلى بها ، إن جاز هذا التعبير ، ربما أنتِ أصغر من بناته أو ربما أنتِ في عمرهن ؟ لا أدري ماذا أقول أو كيف أصف مشاعري ، خصوصاً بعد أن عرفت حجم خوفك من ذلك الرجل ، وحجم تقديركِ له ، وكيف تُجلينه ، لكن صدقيني لن أعجز عن أيجاد الحلول المناسبة ، وصدقيني سوف انتزعك من أحضانه رغماً عن أنفه .

     لدي علاقا كثيرة تخدمني حبيبتي فيما اصبوا إليه ، حتى في بلدك التي لا يعرفك فيها احد ، استطيع أن أصل إليكِ هناك ، لا أخفي حذري من سلطة زوجك لكن كما يملك زوجك سلطات كبيرة في بلده ، فأنا لدي من يحميني منه في بلدي فلن يستطيع أن يصل إلي مهما حاول ، لذا قررت أن العب معه لعبة ، سأسميها لعبة الفضائح ، لأرى مدى قوته ، لقد عرفت عنه أشياء كثيرة منكِ ومن غيرك من الأصدقاء ، واكتشفت أن له أولاد يملكون من السلطة ربما مثل ما يملك ، ويخشون على سمعة أبيهم أن تتأثر بأي شيء ، لأنها ستأثر على سمعتهم ، سأعرف ما الذي سيفعله ولده الأكبر حين يعرف أن لأبيه زوجة ثانية ربما تنجب له أولاد فتأثر على ميراثه أو ربما تأثر على سمعته ، كرجل أعمال معروف أو على منصبه في الدولة .

     بسهولة استطعت حبيبتي أن أصل لوسيلة الاتصال التي توصلني لأبن زوجك ، وبسهولة استطعت أن أخبره أن لأبيه زوجة ثانية ، ومن الطبيعي أنه لا يعرفني ، ولا يعرف أي شيء عني ، فكل ما فعلته أرسلت له رسالة مجهولة تخبره أن أبوه متزوج بامرأة شابة ، ولم اكتب له سوى تلك الكلمات في الرسالة ، وانتظرت أن تأتيني الأخبار منك ، وأول شيء أخبرتني به ، بعد أسبوع من تلك الرسالة أنك طلبتي تأجيل لقائنا الذي كان بعد أيام ، فعرفت أن هناك مشكلة بدأت تتجلى في حياتك ، بل في حياة زوجك .

     حبيبتي ها أنتِ تأجلين موعدنا مرة أخرى ولا تخبريني عن السبب ، من الجميل أني من حرك الأمور التي تجهلينها ، رغم أني لا أعرف ما الذي فعلوه معكِ ، لكني لست خائف فزوجك قوي لدرجة أن أبنه لا يستطيع أن يضرك بشيء وأبوه لا يزال حياً ، لكن من المؤكد أنك ستكونين تحت المجهر لفترة ليست بالقصيرة ، أو ربما يراقب هاتفك المحمول أيضاً ، فلا تستطيعين الاتصال بي ، تعرفين حبيبتي رغم خوفي عليكِ إلا أني سعيد بما فعلت ، رغم عدم تأكدي من أن زوجك سيبعدك عن حياته أم لا ، لكنه في وضع حرج فسلطته التي تتحدثين عنها حبيبتي جاءت من زوجته الأولى ولم يكتسبها من مهارته ولا خبرته ولا أسرته ، اضنك تعرفين هذا جيداً ، ولم تخبريني به بل عرفته بكل سهولة ، فالناس المعروفة تكون أمورهم مكشوفة دائماً والغريب أن ذلك الرجل نجح في أن يخفي زواجك به ما يزيد عن العشر سنوات ، لكن جاء الوقت ليعرف الجميع ذلك .

     كنتِ متوترة وأنتِ تتحدثين معي من هاتف مجهول ، وتشرحين لي ما جرى ، وكيف افرغ زوجك جل غضبه عليكِ ، ثم عاد إليك نادماً ، وكيف أن ابنه هدده بنشر الخبر إن لم يعطه نصف ثروته ، ورويتي لي كيف انه متمسك بكِ ، وأنه على أستعدد أن يخسر ثروته كلها إن لزم الأمر ، كنتِ سعيدة وأنتِ تقولين جملتك الأخيرة ، كأنكِ أول مرة تكتشفين أنه يحبك من كل قلبه .

     هل تحبينه ؟ كان هذا هو السؤال الذي جعلك تصمتين ، وتترددين ، وتغيري مجرى الحديث ، أعدت السؤال مرة أخرى : هل تحبينه ؟ عاد الصمت ، لم اعد سؤالي حينها ، وتركتك تفكرين في الإجابة المناسبة ، وحينها تكلمتِ عنه ، تكلمت باستفاضة ، كنت متضايق جداً وأنتِ تتحدثين عنه ، اكتشفت مقدار الحب الذي تكنيه لذلك الرجل رغم سنه الكبير ، رغم انه لا يلبي حاجتك العاطفية والجسدية ، إلا أنك تحبينه ، أنتِ ممتنة لما فعله وسعيدة بحبه لكِ ، وتلك العشرة الطويلة بينكم ، ثم قلتي : أنا أحبه ، لكنه حب يختلط بكل ما أخبرتك به ، فحبي له بني على طول العشرة والامتنان والأعجاب بشخصية وهيبة الأب إن جاز التعبير ، أما أنت فمختلف عنه كل الاختلاف بالنسبة لي ، فأنت حبيبي ، ومالك قلبي ، لكن هناك أمور تجبرني أن ابقى مع ذلك الرجل حتى يتركني .

     متى سيتركك لتعيشي حياتك ، متى سيتركك لأعيش أنا حياتي مع من أحب ، كان لدي أمل أن يضغط عليه أبنه حتى يطلقك لكني فشلت في هذا المسعى ، لا أدري ما الذي سأفعله ، لكن هناك حلول أخرى تصب في نفس الاتجاه ، سأتجاوز هذا الأبن المريض بحبه للمال وأرسلت رسالة لأخيه الأصغر بعد حديثي معك مباشرة ، وسرعان ما عاد الاضطراب لحياتك مرة أخرى ، لأن ذلك الأبن كان الأقرب لوالدته ، وقد أخبرها أن لأبيه زوجة ثاني ، يبدو أنه خاف من أن يضيع ميراثه ما بين أخيه الأكبر الذي يسيطر على الكثير من تجارة والده وبين زوجة أب شابة يمكنها أن تسيطر على قلب أبيه وجيبه أيضاً .

     كان التحرك سريعاً هذه المرة كل شيء حدث بسرعة غير متوقعة ، فزيارة زوجته الأولى لك ، وكمية الشتائم التي أسمعتكِ إياها والأوصاف القبيحة التي وصفتكِ بها ، أزعجتكِ كثيراً ، وسببت لكِ التوتر والخوف ، رأيت هذا جلياً وأنتِ تتحدثين معي وتشرحين ما جرى ، لا أدري ما الذي ستفعلينه حين تعرفين أني المتسبب في كل ذلك ، كذلك تهديد أبنه الصغير الذي أرعبك ، انقلبت حياتك رأساً على عقب ، وأصبحت أمورك مكشوفه ، وأعرف أن الأمور لن تهدئ في الوقت الحالي ، لكني آمل أن تنتهي المسألة بنفس السرعة التي بدأت بها ، فلا صبر لدي استخدمه إلى أن تنفصلي عن زوجك أو أن يموت .

     كان حديثي معك مطولاً وكان زوجك هو محور الحديث ، لقد صدمت عندما عرفت أنه أخبرك بأنه أعلم الجميع بمسألة زواجه منكِ ، وأنه جرد أبنه الكبير من مسؤولياته التجارية التي كان يقوم بها وكلفكِ أنتِ بإدارة جميع أعماله ، يبدو أن ذلك الرجل قد أستغنى عن الجميع ليبقى معك ويمنحك كل حياته وممتلكاته ، أنا متأكد أنك لستِ سعيدة بذلك التكليف ، ولا بالقطيعة التي ستحدث بينه وبين أبناه ، لكني لست متأكد من رغبتك في السيطرة على تلك الثروة العملاقة التي يملكها زوجك ، تذكرين حين سألتك لماذا لا تطلبين منه الانفصال حفاظاً على تماسك أسرته ؟ ماذا قلتي ، سأذكركِ سيدتي بتلك الكلمات ، قلتي : الوقت غير مناسب لذلك ، وأنا أعرف ذلك سيدتي جيداً ، لكن من الأفضل أن يبقى ذلك الرجل مع أسرته وأبنائه ما بقي له من العمر ويترككِ تعيشين حياتك .

     يبدو أن المسألة لا تتوقف عنده هو فقط بل أنتِ أيضاً تشتركين معه في الكثير من الجوانب التي يراها والكثير من الأمور التي يريدها ، فأنتِ الآن زوجته أمام الجميع ، وهو متمسك بكِ لدرجة الاستغناء عن الجميع بسببكِ ، شيء يدعو للاحترام ، ليس من وجهة نظره هو فقط بل من وجهة نظري أنا أيضاً .

     إنه يقيم معك الآن في منزلك ، ويذهب معكِ لكل مكان ، وقد أثر هذا على علاقتي بك ، لم استطع أن اتصل بك بحرية كما في السابق ، ولا أن ألتقيك كما في السابق ، وتبدا لي أن كل ما فعلته جاء بنتائج عكسية ربما تهدم علاقتنا من الأساس ، لكني لست عاجزاً لهذه الدرجة آنستي ، فلدي أوراق كثيرة يمكنني أن أستخدمها لكي أزعج ذلك الرجل ، لكن لم يحن وقتها بعد ، صدقيني سيدتي ، لا يزعجني ذلك الرجل كثيراً ، بل ما يزعجني ويوترني هو أنتِ ، فسعادتك التي شعرت بها حين أنكشف أمر زواجك ، وإقامة زوجك معك في المنزل لا توصف ، أنتِ سعيدة لدرجة أنكِ بدأتي تهمليني أكثر مما توقعت ، تعرفين ما معنى أن تهمليني حبيبتي ؟ تعني أن كل شيء في حياتي سيضيق ، وسأشعر بالاختناق الدائم عندما أتذكر أن ذلك الرجل يقيم معك فيراكِ وقت يشاء ، ويلمسك وقت يشاء ، وينام بجوارك ، وأنا مهمل هنا لا تتذكريني .

     متعبة هذه المشاعر سيدتي ، فعندما أرسلت تلك الرسالة لأبنه الأكبر لكي استفزه ليضغط على والده ، لم أتوقع أنه سيستغل الموقف ليطلب المال ، وعندما أرسلت الرسالة الثانية لأبنه الأصغر لم أتوقع أن يترك زوجك الجميع من أجلك ، ولم أتوقع أيضاً مدى تمسككِ به ، فانتقلت من ضيق إلى ضيق ، ومن هم إلى هم ، هكذا لعبتي بمشاعري ، وسيطرتي على عقلي وقلبي ، دون أن يكون لي سيطرة على شيء ، ومن الأكيد أنكِ استخدمت كل تلك الأساليب مع زوجك في السابق ، لذا هو متمسك بك ، بل هو مجنون بك ، فقد باع الجميع من أجلك ، ناعمة أنتِ كالأفعى سيدتي ، لكنكِ سامة ، يصل سمكِ للقلب بسرعة لا يتوقعها من يقترب منكِ .

     صدقيني من الصعب علي أن أفعل تلك الألاعيب التي احتقرها أساساً ، احتقرت نفسي أكثر من مرة ، بسبب ما فعلت ، فقد فككت تلك الأسرة التي كانت تبدو متماسكة أمام الجميع ، وأضعت احترام زوجك أمام أبنائه وأقربائه ، وكيف أن أبنائه تعاملوا معه بطمع ، ولم يتعاملوا معه أنه رجل من حقه أن يحب ويتزوج ويستمتع بحياته ، وأنتِ حبيبتي الأهم ، أنتِ كل شيء ، وفعلت كل شيء من أجل أن تكوني معي ، ولم أستطع أن أجعلكِ معي حتى الآن ويبدو أني لن أستطيع ذلك في وقت قريب ، فالحلقة بدأت تضيق بينك وبين زوجك ، وبدأ الكثير من اللاعبون يخرجون ، ولم نبقى سوى نحن الثلاثة ، أنا وأنتِ وزوجك ، ويبد أني سأخرج قريباً من اللعبة ، لكني لن أخرج وحيداً صدقيني .

     اتصالك الأخير بعث الأمل في قلبي ، وطلبكِ لقائي بعث تلك الرغبات التي كادت تموت بسبب ابتعادكِ عني في فترة المشاكل التي حدثت لكِ ، ولم يكن لقائنا سوى ليلة في فندق نقضيها سوياً ، لكنها كانت فرصة مناسبة لي لكي احيي في نفسك كل شيء تحبينه ، فرصة لأشعرك أنك أنثى ترغب برجل يملكها ، فكان لقائنا عنيفاً ، لم أترك لك المجال لأن تبتعدي عني ، ولم أجعلكِ تنامي تلك الليلة ، فبإمكانك أن تنامي بجوار زوجك لترتاحي .

     بهدوء أتحول لذلك المعشوق الذي تحتاجين إليه ليعيد لك الحياة بين حين وحين ، الرجل الذي تمنحينه كل ضعفك لتواجهي العالم بكل قوتك ، سامحيني حبيبتي ، فأنا لم أكن بريئاً هذه المرة فكل ما جرى معك كان مسجل ، لقد سجلت لقائنا كاملاً ، لكي تكوني تحت أمري ، لم ولن أخبرك بتلك الأمور ، لكني محتاج أن يكون لدي شيء أستطيع أن أضغط عليكِ به وقت أشاء فأنا لست مؤمن كثيراً بمقدار حبكِ لي ، ولست مؤمن كما تقولين بأنك لا تستطيعين الاستغناء عني ، فأنت شيطاني الذي يدمرني برغبتي ، سيبقى الأمر بيني وبين نفسي حتى تعصيني ، فيتحول الأمر بيني وبينكِ ، حتى تعصيني ، فيصبح الأمر بيني وبينك وبين زوجك ، فإن لم يفعل شيء ، كان الأمر أمام الملأ ، لن أخسر وحدي حبيبتي صدقيني .

     لا أرغب في تهديدك ، ولا أخافتك ، ولن تعرفي بموضوع ذلك التسجيل أبداً ، إذا بقيتي وفية لي ولحبي ، تصدقين حبيبتي أني ندمت أني قمت بتسجيل تلك الليلة ، فوضعت التسجيل في خزنتي الخاصة ، كي لا يشاهده أحد ، حبيبتي لا أدري لما أنا مشتاقٌ لكِ الليلة كثيراً ، لم أحيي كل الشجن في نفسك في لقائنا الأخير ، بل أنتِ من حيا ذلك في قلبي ، فالليلة هي الثالثة بعد لقائنا الأخير ، لكني مشتاق لكِ ، حين بعثت لك رسالتي لكي أخبرك بذلك ، لم أتوقع أن تقولي أنك مشتاقة لي أكثر ، ولم أتوقع أن أقابلك في اليوم التالي ، لكن اللقاء سيكون بحد ذاته جنوناً ،  لا أنكر أني لم أفكر في إقامة أي أعمال تجارية مشتركة بيننا من قبل ، وأن الفكرة أعجبتني ، فيمكنني مقابلتك بشكل رسمي في بعض الأحيان ، وأن أتعرف على الأشخاص المحيطين حولك ، ربما أتعرف على زوجك ، لما لا ؟ .

     خفق قلبي بشدة وأنا أقف أمام مكتبك قبل أن تدخلني السكرتيرة على المدير العام ، لا أدري كيف تحكمت في نفسي حين دخلت ، كانت مشاعري في حالة هياج ، وأنتِ كنتِ مثيرة بلباسك الرسمي ، وحين خرجت السكرتيرة ، القيتِ أمامي ظرفاً فتحته ، فوجدت فيه تذكرة طيران الليلة ، وجهتها باريس ، وجناح في فندق محجوز باسمي ، نظرت إليكِ حينها ، فسألتني : ما حجم السيولة التي يمكنك أن توفرها ؟ قلت : ما بين العشرين إلى الثلاثين مليون دولار خلال يومين ، ومن الخمسين إلى الستين مليون دولار خلال ستة أيام ، ولو كان المبلغ أكبر أحتاج لمدة أطول ، ضحكتي حينها ، ثم قلتي : أنت مرنٌ جداً أكثر مما توقعت ، أنا أحتاج خمسة عشر مليون يورو ، خلال شهر ، ثم دنوتِ مني وهمستي ، لكني أحتاجك غداً بجواري على الغداء في باريس ، ابتسمت ، كنت أود أن ألعن شيطانك بصوت عالي ، لكني لم أفعل ، لأنك طلبتي السكرتيرة في ذلك الحين ، فدخلت وبيدها مخططات وأوراق أخرى ، وضعتها على طاولة الاجتماعات ، فأشرتي لي بأن ننتقل لنراجع المشروع هناك .

     جلست في الجهة المقابلة ، وكنتِ تمررين الخائط المعمارية والصورة الفتوغرافية ، وأنا أشاهدها باستغراب ، فسألتك : ما الأمر ؟ وضعتي يدك على شفتيك لكي لا أتكلم ، وأمسكتِ هاتفك المحمول ، وبعثتي لي رسالة : حدثني بشكل رسمي ، ثم رسالة أخرى : من المفروض أن تكون أنت الشخص الذي يطرح هذا المشروع على شركتنا ، ورسالة ثالثة : ستجد كل هذه الأوراق على أيميلك ، أذهب للفندق الآن وبعد ثلاث ساعات ، سألتقي بك أنا وزوجي لنناقش المشروع ، ثم مررتِ لي ورقتان كتب عليهم بعض الملاحظات .

     دار الحديث بشكل رسمي بيننا بعد ذلك ، ولم نتكلم كثيراً في تلك المقابلة ، فخرجت بعدها بعشر دقائق ، نظرت لساعتي حينها ، كانت الثانية عشر ظهراً ، وسألتقيك وزوجك الساعة الثالثة تقريباً ، رفعت هاتفي المحمول ، فكان هناك عدت رسائل ، احدها منك ، توقعت أنك ستتكلمين عن المشروع ، لكنكِ كتبتي : احبك ، ضحكت وأنا سعيد لسماع هذه الكلمة ، لكني ذهبت للفندق ودرست المشروع الذي أعطيتني إياه وقرات الملاحظات التي سجلتها لكي أطبقها وأنا أجلس مع زوجك ، وورقة أخرة تتكلمين فيها عن المشروع وتكاليف شراء الأرض والسمسرة والتسجيل ، وكتبتي في أخر الورقة يجب أن تحفظها عن ظهر قلب .

    كنت اضحك بعد أن أنتهى لقائنا ، تعرفين لماذا سيدتي ، لأنك أيضاً كنتِ تضحكين وأنتِ تودعيني فزوجك الذي لم يجلس معنا إلا عشر دقائق غالبه النعاس ، فنام ، ثم أستيقظ ليسألني عن البورصة ، ولا أدري ما دخل البورصة بمشروعنا ، ثم نام مرة أخرى ، ثم قام ليسألك ما الذي تفعلينه في مع هذا الرجل ؟ تصدقين حبيبتي أني شككت أنه يفتعل هذا الأمر ليراقبنا ويسمعنا ، فكنت حذراً لكني أيقنت أنه نائم فعلاً حين غط في النوم للمرة الثالثة ، ورغم ذلك كنت حذراً وأنتِ كذلك يبدو أن مشاعرنا مشتركة تجاه الرجل ، تذكرين حين أيقظته ليوقع العقود ، ناديته بحبيبي ، تصدقين كدت أصفعك حينها لكني لم أفعل ، ربما لو كنا وحدنا لفعلتها .

     خرجتِ معي وأنتِ تتحدثين عن المشروع حتى وصلنا لمدخل الشركة ، ففتح لي السائق باب السيارة حينها نظرتي لساعتك وقلتي بصوت منخفض ، بقي ثلاث ساعات على رحلة باريس ، ضحكت ، وضحكتي أنتِ حين قلت : لا تنسي زوجك نائماً ، رددتِ حينها : أتمنى أن يضل نائماً حتى أعود من باريس ، سألتك : كم يوم ستظلين معي ، قلتي : حبيبي أسبوع كامل ، غادرت بعدها للفندق ، ثم للمطار ثم الفندق ، والتقيتك في اليوم التالي على الغداء ، وطلبت منك ألا تفرغي حقائبك ، سألتني لماذا ؟ فأخبرتك : أننا سنقضي أيامنا السبعة في منزل ريفي خارج باريس ، ابتسمتِ وبدت السعادة مرتسمة على وجهك .

      لكني لم أقصد أن نبقى وحدنا فقط بل كنت عازماً على أن أغير رأيك تجاه زوجك ، ذلك الشيخ المسكين الذي تلعبين بمزاجه كيف تشائين ، لم أتوقع أن زوجك تجاوز السبعين من العمر أو ربما أكثر رغم معرفتي بأنه يكبرك بكثير ، كنت أضن أنه يتمتع بصحة جيدة على الأقل ، لكني رأيت رجل منتهي الصلاحية ، رجل يعاني من أمراض شتى ، وبجواره امرأة شابة تدمره وتمص دمه ، أخرجته من أتزانه ، ودمرت أسرته ، وتمارسين كل الحيل العاطفية التي تفعلها النساء ، لتتمتعي بما يملك ، صدقيني لم يخطر ببالي أنك تستغلين ذلك الرجل ، ربما جاءت رسائلي لأبنائه في صالحك ، فكنت أنا ضد أبنائه معك دون أن أقصد ، لكني لن أستمر في هذا الفعل الحقير ، مهما فعلتي معي ، أو مهما قلتي ، أو مهما كانت أسبابك مقنعه .

     لقد تكلمتِ عن نفوذ زوجك وقوته ، وثروته ، لكنك لم تذكري في أي مرة تحدثتِ عنه أمراضه المزمنة ، ووضعه الصحي التعيس ، نعم أحبك ، وأقسم على ذلك ، بل إني لا أستطيع الاستغناء عنك حبيبتي ، لكني لن أشترك معكِ في استغلال الرجل ، نعم كنت شيطان كثير من النساء ، لكني لم أدمرهن أو أدمر أزواجهن ، وحين قررت أن ادمر حياة زوجك ، كان بدافع الحب وبدافع أنك كنتِ تصفين الرجل بالطاغية صاحب النفوذ القوي ، ربما هذا ما جعلني افعل ما فعلت ، ولو كان لديكِ طفل منه لما أقدمت على ذلك .

     رافقتني بهدوئك ، ومشاعرك المجنونة ، ورغباتك القوية ، للمنزل الريفي ، وأبديتي لي كل ما أحب ، كنتِ لطيفة لدرجة أني نسيت كل ما كنت أود أن أحدثكِ عنه ، كنتِ راغبة لدرجة أني أجهدت بسببك ، كنتِ رومنسية لدرجة أن الشموع لم تفارقنا في أي ليلة ، لكني تمكنت في الليلة الأخيرة أن أتحدث معك بصراحة مطلقة ، فتفاجأت بصراحتك المطلقة ، ربما خدعتك مرة أخرى حين خلطت لك المشروب مع العصير ، ندمت في البداية لكني بعد أن سمعتك تتكلمين ، تمنيت أني خلطت لك السم بدلاً من الفودكا .

     لا أنسى تلك الليلة ولن أنساها ، عرفت فيها مدى طغيانك ، ومدى جبروت حبيبتي ، ومدى طمعك ، لا أنسى كلماتك : حبيبي سيموت قريباً وسنتمتع بثروته ، همست في أذنك حينها : أنتِ تحتاجين الثروة لأنك خرجتي من الحظيظ لكني لا أحتاج ثروته لأني لم اعش ذلك الحظيظ ، قلتي : ثمن عمري ، ثم أعدتها : ثمن عمري ، هل سألت نفسك ما الذي يدفع فتاة في السابعة عشر من العمر أن تتزوج رجل غزت التجاعيد وجهه ؟ وهل تعرف كيف تصبر امرأة على رجل لم يجامعها منذ سبع سنوات ؟ هل تضن أن كل هذا الصبر كان من فراغ ؟ أم ماذا تضن حبيبي ؟ .

     لم أرد على أسألتك لا لأني لا أريد الإجابة بل من الصدمة ، فلم أتوقع أنك تحسبين حياتك بتلك الحسابات ، ولم أتوقع أن تكوني ماكرة لهذه الدرجة ولا غامضة لهذه الدرجة ، ولا خبيثة لهذه الدرجة ، ربما أدرت أن يطلقك زوجك أو أن يموت فتتخلصين منه لكي أحظى بكِ لا بثروته ، فهو لا يعني لي شيء إن تركك ، أنتِ مقصدي وهدفي لا قصد لي به ، ولا هدف لي معه سواكِ أنتِ .

     كنتِ تنظرين لي بتمعن ، وتنتظرين أي كلمة أقولها ، ربما بدت ملامحي التفكير والضيق بادية على وجهي لكني كتمت كل شيء في نفسي لأترك لكِ المجال لكي تقولي كل شيء ، ثم سألتني : لماذا لا تتحدث ؟ لم أجب على سؤالك بل قبلت يدك وسكت ، فقلتي : احبك أكثر مما تتوقع ، وبودي أن أعيش معك طوال حياتي ، لكني لا أريد أن اخرج من حياتي هذه دون فائدة فقد كانت تكلفة حياتي بين أحضان ذلك الرجل باهظة جداً ، قبلتك ، فقلتي أنت شيطان ، ضحكت وقلت : لا حبيبتي ، أنتِ الشيطان الآن ، فما تفعلينه بزوجك لا يتجرأ الشيطان على فعله ، ضحكتِ بتهكم ثم قلتي : لا تدري ما الذي سأفعله بأبنائه وخاصة أبنه الكبير سأمسحه من على وجه الأرض ، ضاق صدري من حديثك حبيبتي ، لكني كنت أريد أن أعرف كل شيء ، فقد تبدى لي أن هناك عداء قوي بينك وبين أبن زوجك ، وزوجك أيضاً لا أدري لماذا أشعر أنك تريدين الانتقام منه .

     قمت من مكاني وحضرت لي كأساً وحضرت لك كأساً ولم أخلط كأسك بأي شيء هذه المرة حبيبتي ، ووضعته أمامك ، ضحكتي حينها ، وقلتي : جعلتني أسكر أيه الشيطان ، عليك اللعنة ، لكنك حبيبتي مع كل اللعنات التي أطلقتها تلك الليلة شربتي الكأس وطلبتي آخر بعده بساعة ، أنتِ ثملة وتتحدثين عن حياتك ، تذكرين حبيبتي ما الذي قلتيه في تلك الليلة عن أبن زوجك الذي كان صديقك قبل أن تتزوجي أباه ، وكيف وظفك في شركة والده الذي أعجب بك ، وحاول أن يغويك ، وقاومته حتى طلب منك الزواج ، وكيف تعامل معك ببشاعة بعد الزواج ، وكيف كان يذلك حين ينام معك ، وكيف كان يذلك ويهينك ويعايرك بأهلك وفقرك ، وكيف عودك على شرب الخمر ، وتعاطي الحشيش ليحصل على رغباته المجنونة ، ومعاناتك لكي تتخلصي من الإدمان ، أشياء كثيرة حبيبتي ، لكنها أصبحت من الماضي .

     اقتربت منك ، قبلتك بكل مشاعري ثم همست في أذنك : أحبك ، فتركتني أدغدغ أذنك بشفتي ، ثم همست مرة أخرى : أرجوك أتركيه ولنعيش سوياً ، ضحكت بصوت عالي ثم قلتي : أنت تحصل على كل شيء تريده ، فأنا تحت أمرك حين نكون سوياً ، لا اعصي لك أمر ولا أمنعك من شيء ، ولن أمنعك من شيء ، تعرف لماذا ؟ لأنك أنت الرجل الذي شعرت معه بكل ثوراتي وجنوني ، الرجل الذي جعلني حرة من كل شيء ، الرجل الذي أعاد لي رغبتي كامرأة وأعاد قلبي ، صدقني لم أشعر بالغرام إلى معك ، ولم أشعر بلذة الحب العنيفة إلا معك ، آتيك وأنا مصممة أن لا أفعل معك شيء ، وأخرج وقد فعلت أنت بي كل شيء تريده ، عليك اللعنة لم أشعر أني ضعيفة مع أنسان مثلما شعرت بذلك معك .

     تذكرين حبيبتي أننا قضيتا بقيت الليل في الفراش وأخرنا سفرنا ثلاثة أيام بعد ذلك ، فأنتِ تسكرين معي الآن ، لكنك حذرة وخائفة أن تعودي لإدمان الخمر من جديد ، لقد أشفقت عليك مما سمعته عن حياتك السابقة ، لكني أشفق على زوجك مما هو فيه ، منك ومن أبنائه وزوجته ، فلو تركتهِ الآن لمن سيعود ، لزوجته التي لا تريده أو لأبنائه الذين يريدون الثروة ، أضن أنه سيصبح أشبه بالمتشرد لكن تشرده ليس في الشوارع ، بل تشرده سيكون أقسى من ذلك ، فسيتشرد بين أهله وأبنائه ، وأنتِ تنعمين بالثروة ، وأبنائه ربما إن نجحتِ في انتقامك سيعيشون في الحضيض الذي كنتِ تعيشين فيه .

     ما أثار قلقي  طمعك ، فأنتِ ترغبين في الثروة ، كل الثروة ، وترغبين في أن تدمري أبنائه ، كل أبنائه ، حذرتك كثيراً وقلت لكِ : انتبهي حبيبتي ، أنتِ وحيدة ، وصاحبك المضمون هو المال ، لا صاحب لك سواه ، لقد أخبرتني سابقاً بأنك ستجعلين الأبناء يندمون على عصيانهم أبيهم ، هل أنتِ فعلاً تريدين الانتقام لزوجك أم تريدين الانتقام لنفسك ، أم تريدين أن تثبتي لزوجك أنكِ الوحيدة التي تشعر بمعاناته ، إن تدميرك لأبنه الكبير والتأثير على أعماله التجارية لن يشفع لك كثيراً ، فهو لم يعد يملك الكثير بعد أن سحب والده منه كل الصلاحيات وكل السيولة وحجز على أمواله ليفصل القضاء في المشاكل المالية بين الولد وأبيه ، وهو يقوم الآن بإدارة أموال والدته ، وإياك حبيبتي أن تثيري عداء أسرتها فكل شيء يملكه زوجك هو جزء يسير مما يملكون ، وكل نفوذ زوجك لا يتعدى جرة قلم احد أنسبائه .

     لم تهتمي لحديثي ، تعرفين لماذا ؟ لأن رغبتك في الانتقام كانت أكبر من أن تستخدمي عقلك ، أو أن تفكري بحكمة ، تجعلكِ تستفيدي دون أن تضري الرجل ، وأضن أنك تملكين الآن من المال ما يجعلك لا تحتاجين لأحد ما حييتي ، لكنكِ لم تغيري رأيك رغم محاولاتي ، تصدقين حبيبتي كنت أود أن أترككِ للأبد ، لكن قلبي رفض ذلك ، لقد خفت منكِ ، فأنتِ تملكين مستوى خبث لم أره في امرأة قبلك ، لكني أشفقت عليك لا من زوجك ، بل من نفسك حبيبتي ، فأنتِ تسعين لتدميرها ، وتزرعين الكره فيها ، ربما دون أن تقصدي ، لكنها ستتشرب الكره ويصبح صفة غالبة عليكِ .

     مرت الأيام كعادتها سريعة وأنتِ معي ، لم أشعر بالوقت ، ولم أنتبه لشيء سواكِ ، وكالعادة ، رحلتي ، لكنكِ بعد ساعة من وصولك ، أتصلتي بي ، كنتِ تبكين وتقولين : أخذوا كل شيء لم يتركوا سوى ملابسي والأثاث ، لم أستوعب في البداية لكني فهمت بعدها حين قلتي : زوجي في غيبوبة في المستشفى ، أه حبيبتي لم تحسبي حساب هذه اللحظة ، ستتوقف الساعة الآن ، وستكونين وحدك بالفعل في مواجهة الجميع ، دون نفوذ زوجك ، طلبت منك أن تبلغي الشرطة ، لكنكِ رفضتي وقلتي لا أريد أن تحدث مشكلة الآن ، كنت مصر أن تطلبي الشرطة ، لكنكِ رفضتي رفضاً قاطعاً ، كنت أريد أن تثبتي عداء أبنائه لكِ ، لكنكِ لا زلتي تشعرين أنكِ قوية ، وأنا لا أضن ذلك بعد الآن .

رواية أتذكرين .. الفصل السادس ..

الفصل السادس

أنت صديقي

     عام مضى على آخر لقاء تم بيننا ، وأقبل عام جديد ، بكل ما فيه من أيام تتكرر في أرقام متسلسلة ، تُكرر نفسها كل شهر وكل يوم ، لكنه عام جديد أتى بأخبار جديدة ، فأنتِ قد ظهرتي فجأة في حياتي من جديد ، كما ظهرتي في السابق ، برقم جديد ومشاعر جديدة ، لا تحمل الحب ، كما تدعين ، بل تحمل الصداقة ، فقط تريدين صديق تستطيعين أن تثقين به ، فتذكرتني ، هذا ما قلته لي في رسائلك الجديدة ، لم أمنعك من ما تريدين ، لا لرغبتي أن أجدد العلاقة معك ، ولا لرغبتي أن أصل لما لم أصل له من قبل ، لكني منحتك الثقة التي تبحثين عنها ، لكي تشعرين بالسكينة ، ولكي تمنحيني السكينة ، فأنا محتاج لصديقة أيضاً ، مثلك ، تحمل نفس صفاتك ، وجنونك ، أحدثها ، وأشتكي لها ، لكن كيف سأحدثك عن نفسك ، وكيف سأشتكي لكِ منكِ ، لا أدري كيف سأحل هذا التناقض ، لكني أتوقع أن اكبت ما في نفسي لوقت طويل ، أكثر مما أتوقع .

     عدتِ آنستي ، لتطرقي باب الذكريات ، عند شخص اعترف لك بالحب ، عدتِ لتقولي له أنه صديق تثقين به ، لا أدري كيف أفسر ذلك ، ربما هي وسيلة لكي تبرري بها هربك في السابق ، أو وسيلة لتتقربي مني من جديد ، والاحتمال الأضعف أن تكوني بالفعل تحتاجين لصديق تثقين به ، وتلجئين إليه حين تقسو عليكِ الحياة ، لكني لم أطلب منكِ حين عدتي أن تفسري أي شيء ، أو أن تفعلي أي شيء لتكفري عن ذنبك معي ، بل استمعت لكِ كما كنت أستمع في السابق ، وتحدثت معك كما كنت في السابق ، دون أن أتطرق لمشاعري ، تعرفين لماذا ؟ لأحقق رغبتك في أن أكون صديق ، فقط صديق .

     عدتي أنستي ، بأسلوبك الناعم ، عادت تلك الرسائل الثلاث التي تبعثينها يومياً لتطرق باب هاتفي ، لتقول لي أنكِ موجودة في هذا الكوكب ، ولم تختفي بعد ، ولم امنع نفسي من أن أكتب لك هذه المرة بل كنت أكتب كل شيء إلى ما أشعر به تجاهك ، فأنتِ في قلبي ، ولست في لساني آنستي ، لذا من الأجدر أن تبقي في قلبي دون أن تعرفي أين أنتِ ، فلا استعداد لدي أن أقول أحبك من جديد ، فربما تهربين ، وتختفين كما فعلتي سابقاً ، كتمت تلك المشاعر ، لكي ترتاحي آنستي ، لكي تتحدثي ، لكي أعرف كل شيء عنكِ لم تخبريني به من قبل ، تحتاجين لصديق تتحدثين معه وتخرجين معه دون أن تشعري أنك ملتزمة تجاهه بشيء ، هذا ما قلته لي ، أليست الصداقة التزام آنستي ، لكن الحب التزام أكبر من الصداقة ، التزام ربما عرفتيه سابقاً فأتعبك ، لذا تتهربين منه .

     عدتِ آنستي ترسلين لي الرسائل الثلاث ، وأحياناً كثيرة كنتي تتجاوزينها ، وتكتبين خمس رسائل ، أو ست رسائل ، أو أكثر من ذلك ، بعد الثامنة وقبل الثامنة ، وحتى الفجر ، ترسلين لي ، في كل وقت ، ثم تعودي لرسائلك الثلاث ، فلا تستطيعين الصمود ، فترسلين أكثر ، وتكسرين الحاجز أكثر ، وتتحدثين أكثر ، لكنك لا تشتكين ، ولا تتحدثين عن نفسك ، بل تتحدثين عن أمور شتى ، هموم صغيرة ، وأمور تحصل لك في العمل ، وأمور تضحكك ، وأمور تدغدغ مشاعرك ، وخواطر لطيفة ، تحمل شيئاً من الحب .

     عدت أنا آنستي ، أهتم بهاتفي ، وأحمله معي في كل مكان ، وأنظر إليه كل حين ، أترقب رسائلك فتأتيني ، وأنتظرك ، فلا أطيل الانتظار ، وأرسل إليك ما أريد ، وما أتمنى من الحياة ، دون أن يعبر حديثي عن مشاعري تجاهك ، صنعت هذا الحاجز لكي تستريحي ، وتبني ثقتكِ بصديقك الذي أخترتِ ، صدقيني لا أريد أن تحبيني ، أو ربما لا أريد أن تخبريني أنك تحبيني ، فنحن آنستي نتشابه في أمور كثيرة ، فنضع الحواجز والحدود ، التي لا نتمنى وجودها من الأساس ، الحواجز التي تقيدنا دون أن نشعر ، على عكس ما نتمنى .

     عدتي آنستي لتستعجلي وجودي معك ، وتطلبين أن نلتقي من جديد ، في أي مكان بعيد تشعرين فيه بحريتك ، بانطلاقك ، قلتِ أنك تودين أن تتركي اللباس الرسمي في خزانة ملابسك ، وترتدين الجينز ، والقمصان ، تودين أن تنتعلِ أي شيء في قدمك لا تفكرين ماهي ماركته ، وتخرجين بلا ساعة ثمينة ، وتركبين المواصلات العامة ، وتتركين شعرك للريح ، أذكر حين فعلتي ذلك من قبل ، كنتِ سعيدة ومتحررة من كل القيود ، حتى حديثك ذلك اليوم تغير ، تذكرين جيداً وترغبين أن تعيدي الذكريات ، التي كادت أن تتلاشى .

     أخبرتني بأنك ستختارين المكان الذي نلتقي فيه ، فلم ألبي رغبتك ، واخترت أنا أين سنلتقي فوافقتِ ، وحددت التاريخ الذي سنلتقي فيه ، فوافقتِ ، وتركت لك مدة اللقاء مفتوحة ، لكي تحدديها أنتِ ، لأعرف مدى اشتياقك لي ، ورغبتك في البقاء معي ، أريد أن أعرف في هذه الرحلة هل فعلاً عدتي لتجعليني صديقاً ؟ أم لأكون حبيباً ؟ فبعدها سأحدد ما نوع العلاقة التي ستتكون بيننا ، وسأعرف خفايا تلك النفس الغامضة التي تختبئين خلفها ، وسأعرف لماذا هربتِ في السابق ، ولماذا عدتي من جديد .

     مشتاق للقائك ، ومشتاقٌ أكثر لأعرف من أنتِ ، اسمك الثلاثي ، مهم لدي ، عمرك الحقيقي ، هل سأناديك آنستي أم سيدتي ، لماذا تأتين ؟ ولماذا تهربين ؟ ولماذا تعودين ؟ ولماذا أنا من أخترتِ لأكون صديقك ؟ أولم تتعرفي على رجل سواي ، هل لم يعجبك رجل سواي ، أو قولي ، هل لم يستطع رجل سواي استطاع أن يكسب ثقتك ، لتسافري معه وتخرجي معه ، وتقتربي منه دون وجل ودون خوف ، هل ستتركين حذرك هناك في خزانة ملابسك مع لباسك الرسمي الذي لا تريدين أن تلبسينه في هذه الرحلة ، وأنتِ معي .

     أسئلة كثيرة آنستي ورغبات كثيرة ، وأعرف أني ربما حين أراكِ سأصبح عاجزاً عن سؤالك عما دار بخاطري وأنتِ بعيدة عني ، ربما ينتابني ذلك الشعور الذي شعرت به في السابق حين التقيتك ، الخوف من أن ترحلي أو تهربي ، أو الخوف من أن أخسرك للأبد ، اعرف أني ربما أكون ضعيفاً أمامك ، لكني متأكد أنك ستكونين ضعيفة معي أكثر هذه المرة ، أكثر من السابق بكثير ، وستقتربين مني أكثر ، وستضحكين في كل وقت وفي كل حين ، حتى تنسي كل همومك ، وتتخلصي من حواجزك التي صنعتها بيننا ، وتتحرري من قيودك التي تكبلك ، ربما أنستي للأبد .

     كان لقائنا هذه المرة مختلف فقد ألتقينا صدفة سابقاً ، والتقينا في موعد آخر في فندق ، وهذه المرة كانت محطة الترانزيت التي نزلت بها هي موعد لقائنا فجلسنا في الطائرة متجاورين ، أتذكرين ، أول شيء قلته بعد أن سلمتي علي : لا زال شعرك طويلاً ؟ ابتسمت حينها ، وتركتك تعبثين به ، ضحكت آنستي لأنك لم تتركي لباسك الرسمي في خزانة ملابسك ، ولم تتركي شعرك للريح ، فأخبرتك بذلك ، فضحكتي وقلتي : عندما نصل لوجهتنا ستجدني مختلفة ، لكني وجدتك مختلفة ونحن في الطائرة ، شيء فيكِ آنستي اختفى لم أجده ، خوفك وحذرك وترددك ، فقد أمسكتِ يدي في الطائرة أكثر من مرة ، لم ألفت نظرك لهذه المسألة حينها ، ولم أمنعك ، فأنا صديقك كما تدعين ، أتذكرين آنستي كم مرة نظرتي لي وأنتِ مبتسمة في الطائرة ، أنا أتذكر جيداً آنستي كم كانت ابتسامتك تنم عن السعادة ، وأذكر أيضاً أن يدك لم تعد باردة كما في السابق بل أصبحت دافئة .

     أتذكرين حين بقينا أكثر من ساعة في المطار بعد وصولنا ونحن ننتقل من مكتب سفريات إلى مكتب آخر لنجد فندقاً مناسباً لذوقك ، وبعد كل هذا عدنا للإنترنت وحجزنا عبره ، لم ألحظ على وجهك الإرهاق ولا التعب ، ولم تطلبي أن نستعجل لكي نغادر المطار ، بل كنتِ سعيدة وتضحكين ، فكنتِ تشديني من يدي تارة ، وتقتربي مني تارة أخرى ، حينها  كنت أنظر إليكِ لا لصور الفندق ، استغربت من تصرفاتك ، لكني كنت سعيداً بذلك ، وتركتك تختارين بنفسك ، فطال الانتظار ، ورغم ذلك كنتِ مرحة ، مبتهجة ، دل اختيارك للفندق على ذوقك الراقي ، فحجزنا جناحين ، هل تذكرين حين سألتك : لماذا لا نحجز جناحاً واحداً لنا نحن الأثنين ، فتحت عيناك ونظرتي إلي ، وقلتي : لا ، لا يجوز ، ضحكت حينها وضحكتي أنتِ أيضاً ، ولم تقولي أكثر من ذلك ، ولم تغضبي ، ولم تبدو ملامح الضيق على وجهك ، لقد تغيرتِ آنستي ، تغيرتِ كثيراً .

     لم أقصد أي شيء بكلمتي تلك ، لم اقصد إغوائك أنستي ، بل أردت أن أقيس مدى تقبلك أن أمزح معك بهذا الشكل ، أو تستطيعين القول أني أريد أن أرى ردة فعلك فيما سيكون بيننا في المستقبل ، فكانت نظرة الاستغراب التي نظرتي لي بها ، جميلة ، رافقتها ابتسامة ، وأسلوب لطيف في الرد ، هل ستتقبلين آنستي أن نكون سوياً في غرفة واحدة غداً أو بعد غد ، أو في مستقبل الأيام ، هل ستقبلين أن تكوني شريكة فراشي مثلاً ، أو شريكة حياتي ، تصدقين آنستي كنت أتوقع أن يحدث ذلك الشيء في تلك الرحلة ، لا أدري لماذا ربما رغبتي في الاقتراب منكِ أكثر ، ربما ذلك الحب اللعين الذي جعلني أتوق إلى كل شيء له صلة بك ، لا أدري آنستي ، ولا ألوم نفسي ، فتلك كانت مشاعر ورغبات يشعر بها أي محب .

     أتذكرين كان جناحانا متجاورين ، وأنا ، لم أكن هادئاً ، ولم تستكين نفسي ، فسببت لكِ كثيراً من الإزعاج في أول يوم ، تذكرين ، كم مرة أتصلت بكِ ، بعد أن وصلنا ، خمس مرات أو ربما أكثر سبع أو ثمان مرات ، حتى تستعجلي الخروج ، فخرجتي أنستي وقد فككتِ شعرك , وارتديتِ ملابسك البسيطة ، قلتي : ترفق يا صاحب الشعر الطويل ولا تستعجل ، أه اسألي نفسك أنستي لما لم تترفقي أنتِ بشخص أحبك ، وأهملته سنة كاملة دون عذر مقبول ، وعدتي لتقولي إننا أصدقاء فقط ، لا يوجد مجال أن يضيع أي وقت وأنتِ معي ، فالوقت كله لي ، ما عدى فترة نومك ، غير مسموح لكِ بغير ذلك .

     تشابكت أيدينا منذ أو يوم خرجنا فيه سوياً ، كنتِ حريصة أنستي أن تبقى يدك بيدي ، وحريصة على أن تستمتعي بكل وقتك وأنتِ معي ، شعرت بذلك جلياً ، في كل تصرفاتك ، لقد تركتي لي كل القرارات ، وتركتني ارسم جدول إجازتنا كما أشاء ، فكانت إجازة مجنونة ، بها الكثير من الرحلات والكثير من المغامرات ، والكثير من الجنون ، كنتِ مجنونة آنستي ، وكنت أنا مجنونك .

      أتذكرين ، في أول ليلة كنا بها سوياً ، حين سألتني : هل تريد أن تشرب كأساً ، خطر ببالي أنك تريدين أن تشربي شيئاً من الخمر ، فسألتك ، فكانت أجابتك : أنا لا أريد أن أسكر لكن لا مانع لدي إن أردت أن تشرب ، حينها صحبتك إلى البار وشربت كأسين ، ثم خرجنا ، سألتني حينها : هل اكتفيت ؟ فقلت : نعم ، صدقيني أنستي ، لا أريد أن أصل لمرحلة السكر وأنتِ معي ، لا أريد أن أفقد أي ذكريات ، ولا أريد أن أفقد سيطرتي على نفسي ، فأقول ما لا أريد أن تعرفي ، فقط أنا مستمتع بصحبتك ، وهذا يكفي .

     مر اليوم الثاني سريعاً ، وأنتِ معي ومر اليوم الثالث كذلك ، توقعت أن تغادري في ذلك اليوم ، فقد حجزت الفندق لمدة ثلاث أيام بناءً على رغبتك ، لكنك لم تذهبي ، بل قلتي : أين سنذهب ؟ ألتفت إليك حينها وقد بدت ملامح الدهشة على وجهي ، تذكرين ماذا قلتي ، أه مما قلتي ، وأه من قلب لا يهدأ إن كنتِ معه أو بعيدة عنه ، قلتي : صدقني لن أغادر حتى أخبرك عن موعد رحيلي ، كنت أود أن أحتضنك حينها ، كن بودي أن أصرخ وأقول أحبك ، لكني كتمت سعادتي في نفسي ، فأنتِ ، أنتِ ، ربما لا تستطيعين أن تستوعبي مدى سعادتي بذلك .

     تغير الفندق ، وتغير المكان ، ولم يتغير شيء في علاقتنا ، بقينا أصدقاء ، رغم أن تصرفاتك أصبحت تحمل شيئاً من الدلال ، وشعرت برغبتكِ أن تسمعي كلاماً لطيفاً مني ، نظرتك أوحت لي بذلك وتصرفاتك ، قليل من الغنج ، وقليل من اللطف ، وقليل من الحنان ، يكفيان أن أحدثكِ ، بلطف وأتغزل بك طوال الرحلة ، لكني كنت لطيفاً ، وودوداً ، وعاطفياً دون أن أصرح لحبيبتي بأي شيء عن حبي ، صحيح أني ، تغزلت بك ، ولاطفت وجهك بأصابعي ، لكني لم أكسر ذلك الحاجز حبيبتي ، وحين أريد أن أكسره ، لن أنتظر حتى تسمحي لي بذلك ، بل سأفعله دون أذنك ، وستتقبلينه ، كما تقبلتِ كل تصرفاتي في تلك الإجازة ، لكني لم أفعل ولم أخبركِ أني أحببتك من كل قلبي ، وأني ربما وصلت لمرحلة عدم التحكم في مشاعري حين أراك ، كان كتمان مشاعري متعباً جداً أكثر مما تتصورين ، أكثر بكثير ، لكني كتمتها .

     أسبوعاً كاملاً قضيناه سوياً مر كأنه ساعة ، لم أشعر بتتابع الأيام ، ولا انقضائها إلا حين عرفت موعد رحيلك ، هنا عادت الساعة لتعمل ببطء ، واكتشفت أنه لم يبقى لي من الزمن معك الكثير ، أذكر أنك بقيت تلك الليلة معي ، وفضلتي أن تكون فترة راحتك في الطائرة ، وأذكر أنك بكيتِ تذكين تلك الدموع التي نزلت من عينيك بسبي ، كدت أبكي آنستي ، بسببك ، فأنتِ تعنين لي الكثير ، لكن كعادتها ، دموعي لم تنزل ، وما كنت لأسمح لها أن تنزل ، فلا معنى للبكاء لدي ، فأنتِ راحلة بكيت أم لم أبكي ، ولا أدري متى سأراكِ ثانية ، ورغم ذلك أنا متأكد أنك مختلفة كل الاختلاف عن السابق ، ومتأكد أكثر من أننا تجاوزنا مرحلة الصداقة المفتعلة التي طلبتِ أن تتكون بيننا .

     احتضنتك مرة واحدة وأنتِ تغادرين ، لم أقبلك كما فعلت في السابق ، لا أقول أني لم أفكر أن افعلها ، بل فكرت كثيراً ، لكني لا أريد أن أعكر صفو صداقتك ، أردتك أن تحققي ما طلبته ، ورغم أني شعرت بقربك مني ، وبرغبتك في ما أرغب ، إلا أني كنت عند وعدي لك آنستي أن نكون أصدقاء ولا تتجاوز صداقتا ذلك الحد ، أليس هذا ما تريدين ، وها هو قد تحقق ، فاستمتعتِ برحلتك ، ولم تتقيدي بأي شيء ، فصديقك ، كان وفياً كما توقعتِ ، ولم يتهور ، ولم يستغل لحظات ضعفك ، تعرفين لماذا آنستي كل هذا الصبر ؟ من الأكيد أنك تعرفين ، ومن الأكيد أنك كنتِ تتمتعين وأنتِ بجوار شخص يحبك من كل قلبه ، دون أن يطلب منكِ أي شيء .

     عشت معك سبعة أيام لم أعشها من قبل ، فشكراً يا صاحب الشعر الطويل ، ضحكت وأنا أقرأ الرسالة ، فأنا شخص أستطاع أن ينسيكِ الدنيا سبعة أيام ، وأستطاع أن يعلمك ما معنى الاستمتاع والبهجة والضحك والمرح والسعادة والسرور ، لسبعة أيام لا أكثر ، ربما أكون في نظرك صاحب الشعر الطويل ، الذي احتقرته أول مره ، وضعفتي أمامه ثاني مره ، وشعرتي بالأمان معه ثالث مرة ، لكنك في الثلاث مرات رحلتي وتركته ، لا يهم صدقيني إن كنتِ رحلتي وهو لا يعلم أو وهو يعلم بموعد رحيلك ، فقد رحلتي آنستي ، وتركتيه خلفك ، يقلب أوراقه ويملئها بتلك الحروف التي تسألك ، تستعطفك وترجوكِ أن لا ترحلي ، فربما لا تجدين صاحب الشعر الطويل على حاله الذي تركتهِ عليه .

     لم أتوقع أن يكون لقائي قد أثر فيكِ لدرجة أنك بعد أسبوع طلبتي مني أن نلتقي مجدداً ، لم أتخيل هذا أبداً بل توقعت أن تغيبي عاماً آخر ، وتخرجين بعذر جديد ، تجددين به صداقتنا كما تقولين ، توقعت أن تسليتك معي انتهت ، لكن التعيير الذي رأيته جلياً في كل شيء وأنتِ معي يبدو أنه حقيقي ، فأنتِ مختلفة عن السابق كثيراً ، لقد تحدثتِ معي بعد أن عدنا من رحلتنا أكثر من مرة ، وطلبتي مني أن اتصل بك وقت أشاء ولا أتردد في ذلك ، لم تطاوعني أناملي لكي أضغط على زر الاتصال ، ولم تطاوعني نفسي أن أمنحك ما تريدين ، وقد فهمتي مقصدي من عدم الاتصال بك رغم أن سماع صوتك يسعدني آنستي ، لكني لم أفعل ، بل بقيت أرسل لك الرسائل فقط ، أضن أنك فهمتي أني ما كنت لأسمح لنفسي بفعل ذلك لأحقق رغبتك ، ولا أن أكسر كبريائي .

     نعم آنستي أتصلي بي وقت تشائين وتحدثي عما تريدين ، ولا تمنعي نفسك من ذلك الأمر ، فما تفعليه يسعدني بلا شك ، ويسعدني أيضاً أن أراكِ تهتمين بي ، ويسعدني أيضاً أن تلاحظي أني أحبك ، ويسعدني أني سألتقي بك مجدداً بعد أيام قليلة ، رغم أنه لقاء قصير لكنه يثبت لي مدى تعلقكِ بي ، وشوقك للقائي ، فأنا أيضاً مشتاق لكِ ، ومتعلق بك أكثر من ذي قبل فلم تعودي لي حبيبه فقط ، بل صديقة أيضاً .

     صديقتي ، جميلة هذه الكلمة ، جميلة أكثر مما تتوقعين ، فقد أصبحت تعني لي أنك عدتي ، وأنك لم تنسيني ، وأنك امرأة مميزة ، وقعت في حب صديقها الذي اختارته من دون كل الأصدقاء ، وتعني لي أيضاً ، أني سألتقي حبيبتي أو صديقتي في أي وقت وسأحدثها في أي وقت وستحدثني في كل وقت ، ابقي صديقتي ، ولا ترحلين ، ربما أخطأت في السابق حين أخبرتك أني أحبك ، ربما كنتِ فعلاً تبحثين عن صديق تلجئين إليه ، فوجدتِ شخصاً أحبك بسرعة ، وحاول أن تحبيه أيضاً بسرعة ، وحاول أن يقترب منك بسرعة ، جعلته يكاد أن يخسرك للأبد .

     ما العجب أن نكون أصدقاء ، هل تعرفين آنستي ، العجب كل العجب في نظري ، أن تطلبي من شخص يتعامل معك بقلبه أن يتعامل معك بعقله ، فيفكر ألف مرة حين يقترب منك ، ومثلها حين بنظر إليكِ ، وأكثر حين يشتاق أن يشعر أنك حبيبته ، تعرفين آنستي كم عانيت في رحلتنا من هذه الأمور التي ربما تبدو لكِ صغيرة ، لكنها متعبة بالنسبة لي ، فكيف امنع نفسي من فتاة أحببتها ولا أحاول إغوائها واستمالتها ، لا لكي تقع في المحظور لكن على الأقل أن ترضي غروري كرجل ولو ببعض الكلمات التي أتمنى أن أسمعها ، ومتعبة بالنسبة لي أن لا أقول أي شيء لفتاتي التي أحبها من كل قلبي ، كثيراً من الأمور دارت في نفسي ولم أجعلكِ تشعرين بها ، لكي تستمتعي بوقتك ، وصدقي أني أنا أيضاً استمتعت بوقتي معك أكثر مما كنت أتصور وضحكت معكِ ، ولعبت معكِ ، ومشيت معك ، واستمتعت بيدك وهي تستقر في يدي ، دون أن أطلب ذلك ، واستمتعت أيضاً ببكائك وأنتِ تودعيني ، كل هذا وأنا صديقك ولست حبيبك .

     طلبتي مني أن نلتقي وها أنا ذا أستعد للسفر ، لن يكون لقائنا طويلاً هذه المرة بل سنلتقي على مائدة عشاء وسنجلس بعدها سوياً لبعض الوقت ، لن تسهري معي حتى الصباح كما كنت تفعلين في السابق ومع ذلك أنا مسرور أن نلتقي مجدداً ، فجأت لك بكل الشوق الذي بداخلي ، جئت مندفعاً يملئني الحنين ، فوجدتك آنستي متألقة كما أنتِ دائماً بلباسك الرسمي ، ونظرتك الجميلة ، وشوقك الذي جعلك تطلبين لقائي ، بدى على وجهك وفي عينيكِ وفي حديثك ، كنتِ سعيدة وأنتِ تمسكين يدي قبل أن نتناول العشاء ، أصبحت يدكِ دافئة حبيبتي ، وأصبحت نظرتكِ أكثر عمقاً من السابق .

     أتذكرين آنستي ملامحك حين سألتك : هل تحبيني ، حين أمسكتِ يدى قبل أن نتناول العشاء ، ابتسمتِ ، وهززتِ رأسك بنعم ، كانت لحظة سعيدة بالنسبة لي ، كان بودي أن أمنحك الدنيا كلها ، كم انتظرت هذه الكلمة أن تخرج منك وأنتِ مبتسمة ، لا عابسة ولا متضايقة كما قلتيها في السابق ، فاللحب طعم لذيذ ، لا يدفع للحزن ولا البكاء ، بل يدفع صاحبه للانشراح والسعادة ، في السابق قلتي : أحبك وأنتِ متضايقة ، وتركتني ، أما هذه المرة ، ابتسمتِ وضحكتي ، وتصرفتِ بصبيانية ، واحتضنتني بعد أن خرجنا من المطعم كأن لم تحتضنيني من قبل ، تذكرين تلك القبلة التي منحتينِ إياها حبيبتي ، تذكرين كم دامت ، فأن لا أذكر ، فقط ما أتذكره طعم شفتاكِ ، ودفئ جسدك ، ورغبتك في احتضاني .

     غادرتي بعد أربع ساعات من لقائنا ، وغادرت أنا بعدكِ بساعتين ، حدثتني حتى ركبتي الطائرة ، وحدثتني بعد أن وصلتي ، وحدثتينِ بعد أن وصلت بدقائق ، قلتي كلاماً كثيراً ، وأشياء كثيرة ، فتحت لي قلبكِ ، لم أسمعك تتحدثين هكذا من قبل بل لم أتوقع أن تتحدثي هكذا ، فأن تعبري عن مشاعركِ بصراحة وتقولي أني أعجبتك من أول مرة رأيتني فيها ، لم يكن ذلك يخطر ببالي ، ولم يخطر ببالي أن تحبيني بعدها ، لكنكِ آنستي وقفتي عند نقطة لم تتحدثي بعدها ، تذكرين حين سألتك ، عن لقائنا الثاني ، حين قلتي أحبك ، وأنتِ متضايقة ، وابتعدتِ عني ، ثم غادرتي دون علمي ، كان مهم بالنسبة لي أن اعرف تلك الأسباب التي كانت ستدمرني ، لكن لم تخبريني ، ورجوتنِ أن لا أسألكِ عنها ثانية ، وقلتي : ألا يكفي أني أحبك ، بلا يكفي آنستي ، لكن يبقى زمن محير في نفسي ، لا يضرني إن لم اعرف عنه شيئاً ، ولكن لا يسعدني أن يبقى بيني وبين حبيبتي زمن مجهول يشاغلني .

     نعم آنستي ، أصبحتِ ممتعة بالنسبة لي حديثك ضحكاتك ، وقتي الذي أصبح ملكك ، تحدثيني دائماً وتسألين عني دائماً ، شغلتي كل وقتي ، وطلبتي لقائي مجدداً ، سألتني حينها : ما المدة التي تريد أن نقضيها سوياً ، قلت : شهر أو أثنان ؟ قلتي : لا أستطيع ، كنت أعرف ذلك ، ثم عدتي لتخبريني أنه  من الممكن أن نقضي أسبوعاً أو أثنان معاً لا أكثر ، ستكون هذه هي المرة الثالثة التي سنقضيها خلال هذا الشهر سوياً قصرت المسافة بيننا كثيراً ، واقتربت مشاعرنا كثيراً ، وكبر اشتياقنا لبعضنا ، فلا نستطيع أن نفترق فترة طويلة ، هذا ما كان واضحاً من تصرفاتنا ، وواضحاً من لقاءاتنا التي أصبحت تتكرر .

     من الممكن أن نكون سوياً إن شئتِ ، يمكنك أن تكوني سيدتي ، وحبيبتي ، وكل شيء ، ويمكنني أن أهبكِ وقتي كله ، وعمري كله ، وكل شيء تريدينه مني ، هل تتزوجيني ؟ أضن أنكِ ستكونين سعيدة وأنتِ تسمعين شخصاً يحبك يطلب منك الزواج ، لكني أجلت ذلك الأمر حتى ألتقيكِ وأرى ما ستكونين عليه في هذه الرحلة ، وما ستفعلينه بعد أن أصبحت حبيبك الذي تشتاقين إليه .

      التقينا في الطائرة مرة أخرى وجلسنا بجوار بعضنا ، وكنتِ قد منحتني قبلة حين التقينا ، فأنتِ حبيبتي في قمة الشوق ، كما أنا ، وتريدين أن تعرفي كل شيء كما أنا تماماً ، لم أنم في الطائرة ، لكن أنتِ نمتِ في الطائرة نوماً عميقاً ، وبدأت متعتك منذ لحظة وصولنا ، وقد رتبت كل الأمور مسبقاً ولم أترك لكِ الخيار آنستي ، ولم أتوقع ردة فعلك ، حين عرفتي أن أقامتنا كانت مشتركة في فيلا شاطئية ، حينها ألتفتي لي وقلتي : أنت مجنون ، تذكرين حين شددتك من ذراعك ثم احتضنتك وقلت لك : لا تخافي فقط أنا محتاج أن أكون بقربك ، أذكر دموعكِ التي نزلت قبل أن تقولي : وأنا أحبك ، مسحت دموعك وقبلت شفتاك المرتخيتان ، وهمست في أذنك ، هل تقبلين أن نتزوج ، شعرت بالراحة تتسلل لصدرك وابتسامتك التي خالطت دموعك ، قبل أن تقولي : انتظر يجب أن تعرف من أنا قبل أن نرتبط ، فربما تغير رأيك حينها .

     تركتك لتستحمي وتغيري ملابسكِ ، وجلست أفكر ما الذي سيجعلني أغير رأيي في علاقتنا ، فأنتِ حبيبتي ، ومهما علا شأنك فأنتِ امرأة ، جاءت إلى هنا لتقابل حبيبها ، وأنتِ تملكين كل الفرص باستقلاليتك التي ألاحظها كل مرة ، أنتِ مستقلة تملكين قرارك ولا يشاركك فيه أحد ، ما الذي سيجعلني أغير رأيي أنستي ، وقد ماتت كل عادات العرب القديمة في هذه المجال ، وأصبح من النادر أن نسمع عن أب يرغم أبنته على الزواج ، ما الذي يمكنني أن أخافه ، وأنتِ تحملين أسماً عادياً كبقية أسماء سكان الارض ، ما الذي يمكنه أن يجعلني أغير رأيي ، وأنا غير مهتم بماضيكِ إن كان لكِ ماضي ، فتاريخك يبدأ معي ، لا أدري ما الذي ستقولينه لي حين تخرجين من غرفتك ، لكني متأكد أن كل هذا التأخير كان مرحلة تفكير قضيتها في غرقتك ، تمددت على الأريكة وأنا أنتظرك فغالبني النعاس فنمت واستيقظت بعد اربع ساعات ، التفت حولي أبحث عنكِ فلم أجدك ، بدأت أناديكِ ، فلم تردي ، صعدت للأعلى ، دخلت غرفتك ، ولم تكوني موجودة ، بحثت عنك عند حمام السباحة فلم أجدك ، وكانت السيارة كما هي في الكراج لم تتحرك ، أدركت حينه أنك رحلتي ، جلست على سلم المدخل وضعت وجهي بين كفيي وبكيت ، هل تصدقين أني بكيت ، آنستي من أجلك ، لم أبك من أجل امرأة غير أمي ، لكني بكيت من أجلك ، أو ربما بكيت حزناً على حالي ، فبعد كل شعور يثبت لي أنكِ قريبة مني ، ترحلين لماذا ؟ .

     كانت يدك لطيفة وهي تلامس كتفي وأنتِ تقولين : أحمد ، نظرت إليك وقلت : لم ترحلي ، فقلتي بعد أن جلستي بجاري : ذهبت لأشتري بعض الاحتياجات فلا يوجد شيء في ثلاجة المطبخ ، قطعت كلامك وسألتك : أين حقيبتك ، فقلتي : وضعتها في الخزانة بعد أن رتبت ملابسي ، ثم نظرتي إلي وقلتي : هل كنت تبكي ، لم أجب على سؤالك بل واصلت النظر لعينيك ، كنتِ مغرية ، قبلتك كما لم أقبل امرأة من قبل ، وتركتني ألهو بشفتيكِ كما أشاء ، حتى قلتي : أحمد أرجوك ، نظرت إليكِ حينها ثم عدت لأقبلك دون أن أعطي أي اهتمام لرجائك .

     لا زلتي خائفة أنستي ، قرات ذلك في طريقة ابتعادك عني ، فقد ابتعدتِ بسرعة وكأن شيئاً سيحدث ، لحقت بك ، شددتك من ذراعك ، صرختي في وجهي : يجب أن تعرف ظروفي أولاً ، نظرت إليك بغضب وقلت : غنية أنا أيضاً غني ، بنت عائلة محترمة ، وأنا لا أقل عنكِ شأنناً في هذا عنكِ ، ما الوضع الاجتماعي الذي تتحدثين عنه ، نزلت دموعك وأصابتكِ حالت بكاء هستيرية احتضنتك حتى هدأتي وحينها تكلمتِ بهدوء وقلتي : أنا متزوجة ، لم يكن الأمر مفاجئاً لي لكنه سبب لي نوعاً من الصدمة ، ضحكت حينها لا من سعادة بل من ضيق ، وانتابني شعور غريب ، حين قبلتك من جديد واستسلمتِ لتلك القبلة ، طالت فترة الجنون آنستي أتذكرين ، حتى وصلنا للسرير ، وسقط كل شيء بيننا ، كنتِ سعيدة جداً ، عنيفة جداً ، كأنك لم تلتقي رجلاً على سريرك منذ زمنٍ طويل .

     كنت أتابع التلفاز حين أنهيتِ استحمامك وخرجتي لتجلسي بجواري ، منحتني قبلة لطيفة على خدي وقلتي : أحمد يجب أن أخبرك بأمور كثيرة ، قلت : قولي كل ما تريدين حبيبتي ، قلتي : لن اشرح لك سبب اهتمامي بك ؟ ولا سبب تمسكي بك ؟ ولا لماذا أحببتك ؟ لكني سأخبرك بشيء يجب أن تعرفه ! لكي تلتمس لي الأعذار ، فالمشكلة ليست في عائلتي أو مدى غناي ، بل المشكلة تكمن في من هو زوجي ، فزوجي رجل مهم جداً ، وقوي جداً ، ليس بدنياً ، بل نفوذه قوي ، أقوى مما تتوقع ، وأنا لا أستطيع فعل الكثير في حضوره ، بل لا أستطيع فعل شيء يعارض رغباته ، فهو يمسكني من رقبتي ، ولا أقصد بكلامي أنه يتعامل معي بعنف بل بكل لطافة ، لكنه يستطيع أن ينسفني أنا وعائلتي إن أراد ذلك ، لقد تزوجني وانتشلني أنا وأسرتي من الفقر الذي كنا نعيش فيه ، وما تراه الآن كله من فضل ذلك الرجل ، لكن حياتي لم تكن سعيدة وأنا أتزوج رجل يكبرني بأكثر من اربعين سنة ، كنت صغيرة حينها في السابعة عشر من العمر ، سعدت بالمال في البداية فقد حقق لي كل رغباتي ، وأصبح وضعي الاجتماعي والمالي محترم ، لم يبخل علي ذلك الرجل بشيء ولم يقصر في شيء ولبى كل رغباتي ، لكني كنت افقد شيئاً احتاج إليه ، الحب العاطفة ، بمعنى آخر حبيب أجلس معه برغبة وأقبله برغبة ، وأنام معه برغبة  ، نزلت دموعك بغزارة تبكين وتقولين : لقد خنت زوجي الليلة ، خنته بسببك ، تركتك تبكين آنستي حتى هدأتي ثم قلتي : كنت أهرب من هذه اللحظة منذ أن قابلتك ، لكن قلبي كان يعيدني إليك ، أنت شيطان لكني أحبك ، احبك من كل قلبي .

     هذا ما قلته بالتحديد لم أنسى منه شيئاً سيدتي ، بل أني أتخيله وأذكر تفاصيل وجهك وتعابيره وأكاد أحصي عدد الدموع التي نزلت من عينيكِ لم أتخيل أن تكوني هكذا ، لم أتخيل أنك استطعتِ أن تكبحي جماحك تجاه الرجال اربعة عشرة سنه دون أن تكوني علاقة مع رجل بسبب امتنانك لزوجك ، هذا ما يمنعك سيدتي لا نفوذ زوجك ، أنت ممتنة له ، وله كل الحق في ذلك ، نعم له الحق ، فلو كنت مكانه لما قبلت أن تخونني زوجتي ، ولا أن تعرف رجلاً سواي ، لكني أيضاً اقع في هواجس عميقة ، وأشواقٌ عميقة ، فأنا أيضاً أحبك من كل قلبي ، كما أنتِ تماماً ، وربما أكثر ، ولا أستطيع أن أستغني عنك تحت أي ظرف من الظروف ، بعد أن وصلنا لما نحن فيه الآن ، لقد أصبحتِ سيدتي ، وإن لم يكن بطريقة شرعية لكنكِ فعلت ذلك من أجلي ساعدني في ذلك حبكِ لي ورغباتك الأنثوية ، لم أسألك عن أسم زوجك ، ولا مكانته ، لا أحتاج لذلك ، بل أنا محتاج لك أنتِ ، محتاجٌ لحبيبتي .

     سألتك بعدها عن أشياء كثيرة ، وأجبتِ عن كل أسئلتي دون تردد ، ودون حذر ودون خوف ، كل شيء أصبح مكشوفاً أمامي ، أنتِ حبيبتي ، أنتِ سيدتي ، الآن اقسم على حبكِ لي ، أقسم أيضاً على حبي لكِ ، عدنا للفراش تلك الليلة وكل ليلة ، قضيناها معاً كانت كليلتنا الأولى عنيفة ، أتذكرين سيدتي ، أسبوعان قضيناهما معاً كأنهما يوم واحد ، كنتِ خائنه وكنت خائن ، لكننا كنا سعيدين بتلك الخيانة ، سعيدين لحد أننا نسينا أنفسنا ، ولم نفكر في شيء آخر سوانا ، أذكر أني لم أرى دموعك بعد الليلة الأولى إلى عندما ودعتني لتعودي لزوجك ، فكان لقائنا بين دموعٍ ودموع ، هكذا هي الحياة سيدتي لا تمنحنا ما نريد منها ، بل تنتزع ذلك الشيء انتزاعاً ، وهكذا فعلت أنا فانتزعتك من أحضان زوجك لتكوني في حضني لمدة أسبوعين كاملين .

     أعرف انك تشعرين بالذنب أكثر مني وتأنبين نفسكِ وتلومينها أكثر مني بكثير ، وربما أنساكِ قلبكِ وأنتِ معي ذلك الشعور وسينسيك شوقكِ لي ذلك الشعور بعد أن ترحلين ، لكننا مخطئون ، في حق أنفسنا ، وفي حق الرجل الذي اقترن بكِ ، ربما تستغربين أن تسمعي هذا الكلام من رجل كان في السابق عربيد ، وزير نساء ، لأخبرك ما الذي جعلني أترك تلك الأمور سيدتي دون أن يضغط علي أحد ، ودون أن تستطيع امرأة أن تمنعني من ما كنت أحب في السابق ، تذكرين حبيبتي المرأة التي أخبرتك أني أحببتها ، ودمر علاقتنا غيرتها الزائدة ، تعرفين لماذا رحلت عني ، لأنها كانت تعرف أن لي في كل مدينة أحل فيها امرأة آوي إليها ،  ولم تجد ما يثبت شكها ، مع أني لم أخنها منذ أن أقترنا ، تصدقين آنستي أنها خانتني لكي تنتقم مني ، لأن شكها كان أكبر من أن تصدقني ، هل تعرفين الألم الذي شعرت به بعد أن عرفت خيانتها ، لا تستطيعين أن تشعري بما يشعر به الرجل تجاه المرأة حين يعرف أنها خانته بقلبها وجسدها ، فللقلب خيانة سيدتي ، كما للجسد خيانة ، آه من الخيانتين ، فكلاهما احقر من بعض ، فخيانة الجسد ، تجعل المرأة لا تستكين لزوجها في الفراش ، وخيانة القلب لا تجعلها ترغب في أن ترى زوجها ، يصبح كل ما يطلبه منها مفروض ، ويصبح هو أبعد أنسان عنها ، رغم وجوده معها .

     استطيع سيدتي أن أتكلم عن الخيانة كثيراً لكني أريد أن أعترف لك بشيء تمنيت أني لم أفعله ، عندما قلتي أنك متزوجة ، أصابتني صدمة لكن لعنة الخيانة ، دفعتني أن أفعل معك ما فعلته مع ألف امرأة غيرك ، فللخيانة طعم لذيذ سيدتي ، لكنه يدمر من يقترب منه ، مخدر يشعرنا باللذة كلما نتناوله ، لكنه يدمرنا فيما بعد ، أنا وأنتِ مشينا في هذا الطريق ولا أدري لأين سنصل سيدتي فقد بدأنا الخطوة الأولى ، فإما أن نفترق لنستريح ، أو نستمر لنحافظ على ذلك الحب الذي ولد بيننا ، الحب الذي جعلني أنتظرك أكثر من سنة ، وجعلك تعودين إلي وتختلقين الأعذار والمواقف لنلتقي ، فأنا وأنتِ قد تحقق حلمنا ، ويا ليته تحقق في شيء أفضل مما وصلنا إليه .

     بعد أن عدنا من رحلتنا الأخيرة بثلاثة أيام ، تحدثتِ معي عن لقاء جديد ، لقاء يجمعنا في مكان لا يشاركنا فيه أحد ، وأنا مثلك أتمنى أن ألتقيك في مكان لا يشاركنا فيه أحد ، أريد أن أستمتع مع حبيبتي ، حتى أثمل ، فأنتِ كأسي المحرمة التي أشتهيها ، و ألتقينا سيدتي ، ألتقينا بكل مشاعرنا وحبنا ، وجنوننا ، فقط ليلة واحدة ، تستطيعين أن تجعليني فيها مجنوناً أكثير ، وعاشقاً أكثر ، فأنتِ لعنتي التي خلقت لتقتلني ، لعنتي التي أدمنها أكثر كلما أتذوقها ، يقتلني إحساسي بحبك وشوقك لي ورغبتك لكل شيء معي ، كان لقائنا حميماً لأبعد مدى ، جميلاً جداً ، لكننا لم نبحث عن الحب ، بل أصبحنا نبحث عن مستقر الحب الأخير ، نبحث عن فراش يضمنا سيدتي ، هل تصدقين ، أصبح حبنا على الفراش ، أكثر من أي شيء ، فبعد أن دمرنا ذلك الحاجز ، أصبحنا مدمنان على تحطيمه كل مره ، ليلة نلتقي فيها ، فتأوين إلي وآوي إليكِ ، يدفعنا ما يدفعنا لا نفكر ولا نريد أن نفكر في صواب أو خطاً ، أصبحت الأنانية سمة مشتركة بيننا .

     عرفت عنك الكثير في الآونة الأخيرة ، بل عرفت عنكِ كل شيء سيدتي ، لم تبخلي علي بأي سر كنتِ تكتمينه عني ، لا عنك فقط بل حتى عن زوجك وأسرتك وأسرته ، كل شيء قلتيه لي بتفاصيله ، كشفتِ كل أوراقك أيتها العاشقة ، ولا أدري لما كنت أدقق على التفاصيل وأنتِ تتحدثين معي عن أمورك الخاصة ، تصدقين أني مهتم بكل شيء يتعلق بك ، بل أني أود معرفة التفاصيل الأدق ، التفاصيل السرية في كل أمر ، أريد أن أعرف كل شيء وأي شيء له علاقة بك ، فضول كبير يدفعني لهذا الأمر ، ربما تكونين أنتِ السبب ، لأنك لم تتكلمي معي عن نفسك في السابق ، أو ربما ، أقول ربما أحاول بكثرة أسئلتي أن أتغلغل في تفاصيل حياتك ، فلا يبقى مجال مخفي تختبئين ورائه أو تجعلينه سبباً لترحلي في يوم من الأيام .

      هل تدركين مدى خوفي من رحيلك سيدتي ، هل تدركين مدى تعلقي بكِ ، ومدى حبي ، ربما تدركين ذلك ، لكن من الأكيد أنك لن تعرفي مدى ذلك الحب الذي يشاغلني ، فأنتِ لدي لستِ امرأة عادية ، بل أنتِ كل النساء ، ولا أنتِ حبٌ عابر ، بل مستقر قلبي ، وبصري ورغبتي ، لقد عانيت في السابق ولم يكن بيننا الكثير فكيف ستكون معاناتي لو رحلتي بعد أن أصبح بيننا الكثير من الأمور ، والكثير من العواطف والمشاعر المشتركة ، وأكثر من ذلك لقد خنتي زوجك من أجل قلبك ، وتركتُ دنياي من أجلك ، فلا تجعليني أشعر في يوم من الأيام أن كل شيء حصل من أجل رغبة مجنونة لا تدوم طويلاً .

     كل الهوى سيدتي ، أنتِ ، وكل الحب ، أنتِ ، وكل الجنون ، أنتِ ، فلو أني أمتلك القوة التي تمكنني من أن انتزعكِ من ذلك الرجل الذي يمكن أن أدعوه والدك أكثر مما هو زوجك ، وازرعك في كل مكانٍ في دنياي ، وكل زاوية في حياتي ، لفعلت ذلك دون تردد ، لكني لا أملك سوى قلبي الذي ينتظرك بين حين وآخر لكي تكوني معه على طاولة عشاء ، أو ليلة في فراش أحد الفنادق ، صدقيني سيدتي أحتقر نفسي ألف مرة حين ألتقيك على سرير أي فندق ، تعرفين لماذا ؟ لأني أعتبر أنكِ ، أرقى من ذلك وأسمى ، فمثلك سيدتي ، تستحق قصراً تأمر فيه الدنيا فتأتيها ، وتشير فتتحقق رغباتها ، وزوج يعشقها ، بكل ما في العشق من جنون ، تستحقين في نظري أكثر من هذا ، فلو أردت أن أصفك ، فسأقول أنكِ دنياي التي بحثت عنها منذ مراهقتي ، ولم أجدها إلا بعد أن وصلت الأربعين من العمر ، ذلك الحلم الذي كان يراودني ، عن امرأة تكون مأواي الأخير ، وملجأي الأخير .

     خطر في بالي أمر سيدتي ، لماذا لا تنفصلين عن زوجك ، ونتزوج ، وقررت أن أفاتحك في ذلك الموضوع ، ألم يكتفي ذلك الشيخ منك بعد ، ألم لبيتِ رغباته أكثر من عشر سنين عشتيها تحت أمره ، تحققين كل رغباته ، لقد منحك الكثير سيدتي ، لكن الكثير الذي تتكلمين عنه ، لا يساوي عمرك الذي تضيعينه مع رجل أعطاك كل شيء ليستمتع بك لا أكثر ، فلا حب بينكم ، وحتى الفراش لا أضن أن ذلك الكهل الذي ربما اقترب من السبعين في العمر يلبي رغباتك حين تأوين إليه ، فلماذا يتمسك بك ؟ ولماذا لا تفكرين أنتِ في تركه ، لا أدري ، نظرت لكأسي حينها ، وعرفت أنها الكأس العاشرة التي أشربها ، أو ربما شربت أكثر من ذلك ، وأنا أفكر في مستقبل علاقتنا ، لعنت كأسي ، ولعن نفسي ، لأني من أقتحم حياة ذلك الرجل ، وأكاد أن أدمر حياته ، ثم عدت ولعنته ، لأنه يقف بيني وبين حبيبتي ، ثم لعنت نفسي ، لأني شربت كثيراً ، ولم أتعود على ذلك من قبل ، بل جعلني احتياجي لك أن أجالس كأسي بدلاً منكِ ، أمسكت زجاجة الخمر حينها ، وكسرتها ، ثم قمت وألقيت نفسي على السرير ولم أستيقظ حتى أنتصف نهار اليوم التالي ، أتعرفين سيدتي ، لا أدري من الشيطان منا ، أنا ، أم أنتِ ، أم أن شيطان الهوى يسكن بين قلبي وقلبك ، ويلعب بنا كيف يشاء ويغوينا متى يشاء .

     أنتِ شيطاني وأنا شيطانك ، فكل منا يبحث عن رغبته لدى الآخر ، ويريد أن يحقق أحلامه مع من أحب ، ورغبتي سيدتي أن ابقى معك ، فهل توافق رغبتي رغبتك في هذا الأمر ، أم أن لك رأي آخر ؟ ربما يكون لك رأي آخر لكنك بلا شك تودين البقاء معي ، كل تلك الشكوك والهواجس سيدتي لا تعرفينها ولم أخبرك بها ، كتمتها في نفسي ، لا من خوف أن ترحلي كما كان في السابق ، بل لحين أن أجد الوقت المناسب ، لكي نبدأ حياتنا المشتركة ، الحياة التي نكون فيها سوياً ، يجمعنا بيت واحد وفراش واحد ، وتنجبي لي أطفالاً ، تذكري سيدتي أن ذلك الرجل حرمك من ذلك الشعور ، شعور الأم ، فقط يريد أن تكوني معه مثل صورة يتفرج عليها حين يشاء ، ويزين بها حياته .

     أنا وأنتِ من حقنا أن نكون معاً ، شريكان في كل شيء ، سأكون فخوراً بأن تمشي بجواري ، وفخور بأن امسك يدك أمام العالم ، ألم تشتاقي أن يمشي زوجك بجوارك ، أم أنك تعودتِ سيدتي على حياتك السرية ، الحياة التي تكونين فيها الزوجة المجهولة التي لا يعرف أحد بمن هي مقترنة ، أنا أعتبر حياتك كحياة الخفافيش ، فأنتِ متزوجة برجل جعل حياتك سرية ، وأحببت رجل تخافين أن يعرف أحد بعلاقتك معه ، حياة مجهولة ، لا شيء ، الآن عرفت أنك كنت لا شيء ، وبحثتي عن الحب لعلك تخرجين من الـ لا شيء ، فاختفيتِ أكثر ، وانتقلتِ من أن تكوني فقط زوجة مجهولة ، لأن تصبحي عشيقة مجهولة أيضاً ، أخرجي للنور ، غادري حياة الظلام سيدتي ، أين تلك القوة التي شاهدتها حين التقيتك أول مرة وثاني مرة  ، أنتِ اضعف بكثير مما تبدين عليه ، كنت ارسم لكِ في خيالي أشياء كثيرة في تلك الفترة ، وقد تصورتك متزوجة ، ومسيطرة على زوجك سيطرة كاملة ، أو أن زوجك مل من تعاليك وكبريائك فتركك تفعلين ما تشائين لكي تنشغلي عنه ، وأشياء كثيرة أخرى ، لكن لم يخطر ببالي أنك بهذا الضعف سيدتي .

      حبيبتي ربما حصلتي على الحبيب الذي تتمنين ، الحبيب الذي تشعرين أنه يحبك من كل قلبه ، ويمنحك كل شيء دون أن يسألك لماذا ، أما أنا حبيبتي فقط وجدت المرأة التي أحبها من كل قلبي لكن أحلامي لم تتحقق معها بعد ، فلم ابحث عن تلك المرأة لأطارحها الغرام على فراش أحد الفنادق ، أو انتزع منها قبلة كل أسبوع وأنا أقابلها في أحد المطاعم ، فحبيبتي يجب أن تبقى معي لكي أستطيع أن أمنحها من الحب ما يكفيها ، وأحصل على ما يكفيني من حبها ، أريد أن ارتوي من حبيبتي ، وأريد أن أسكر من حبها ، وأريد أن لا تفارقني ، وأريد أن لا أفارقها ، حبيبتي ، أنتِ حبيبتي ، هل تفهمين ما قيمة هذه الكلمة ؟ وما وزنها ؟ عندما تخرج من رجل يحب من كل قلبه ، يعرف البشر كيف تحب النساء ، لكن القليل هم الذين يعرفون كيف يكون الحب عند الرجال .

     أنا مجنون بك ، أُمسي وأنتِ في رأسي وأصبح وأنتِ في رأسي وأمشي وأنتِ في رأسي ، واحيا وأنت في رأسي ، كل التفكير أصبح لك وحدك ، تشاغلني هواجسك ، ومخاوفك ، متى نلتقي ومتى نفترق ، متى أقابلك ، متى أشبع ناظري من رأيتك ، ابتسامتك التي تستهويني ، نظرتك التي لا اعرف كيف أصف ما تفعله بقلبي حين انظر إليها ، خجلك الذي يجعلني أشتهيك اكثر ، سكونك تفكيرك سرحانك ، همك الذي أصبح همي ، أنتِ المرأة التي اخترتها ، المرأة التي جعلتني ، أسعى ورائها وأهجر دنياي ، وربما آخرتي ، ألست مجنوناً سيدتي ، ألم يوصلني حبك لكل ما أنا فيه ، كأسي ، سكوني ، وحدتي ، ألم يجعلني امسح كل التاريخ ، وأعيد كتابته من جديد ، لكي تكوني في كل مكان في حياتي ، وذكرياتي ، الم أجعلك مستقر قلبي ، وملجأ مشاعري ، وسكينة نفسي ، الم تلمسي كل هذا ، ألم تشعري به ، أم أنك تبحثين عن حب وحسب ، حب يلبي رغباتك أنتِ فقط ، آه سيدتي ، وألف آه ، لا أجدك حين أقولها ، لأفرغ ألم نفسي بين يديكِ ، فيصبح لا شيء ، لستِ معي لأخرج تلك المشاعر التي تؤرقني ، وذلك الحب الذي يشغلني ، ويشاغلني ، لستِ معي سيدتي لتعرفي ما أعانيه ، آه منك وأنتِ بعيدة وآه منك وأنتِ قريبة ، يعصرني الألم وأنتِ هناك ، ويملكني الهوى وأنتِ هنا فلا أجد الهموم التي أحدثك عنها ، صدقيني تصبح هباءً ، تختفي حين تكونين معي ، وتعاودني حين يحين الرحيل ، صرت أبكي ، مثل الأطفال ، تصدقين لم أتصور أن تكون حاجتي لامرأة بهذا القدر من الجنون ، وهذا القدر من السكون ، فراغ تام حين ترحلين ، يسكنني ، فلا أجد شيئاً يشغلني ، احبك صدقيني أحبك من كل قلبي .

رواية أتذكرين .. الفصل الخامس ..

الفصل الخامس

لدي أمل

     إلى متى أنتظرك ؟ وإلى متى ستظلين تكتبين رسائلك الثلاث ؟ وإلى متى ستنظرين إلى ساعتك وأنتِ تكتبي الرسالة الثالثة ؟ وإلى متى سنبقى بعيدين هكذا ؟ لا أريد علاقات تنهار أو علاقات تنتهي ولا أريد أن أرى المشاعر تموت ، ولا أريد أن أتذوق طعم الخيانة ، ولا أريد أن اهمل قلبي مع امرأة تنساني ، أو تحبسني في قمقم لا أخرج منه ، لكني لا أريد أن أفقد قلبي ثانياً , ولا أريد أن أضيع حبي ثانياً ، ولا أريد أن تموت مشاعري مثلما ماتت قبل أن أقابلك آنستي ، لقد عادت لي المشاعر من جديد معكِ ، وعاد قلبي ينبض من جديد معك ، وعدت أشتاق ، كما كنت شاباً ، وأنا أنتظرك .

     كلنا نقف على خط واحد لا نتجاوزه تعرفين آنستي كم مضى على علاقتنا ، خمسة أيام في أول لقاء ، وشهر من الرسائل والانتظار ، ثم ثلاثة أيام جميلة ، وشهر آخر قلت فيه الرسائل وزاد الانتظار أكثر ، دون أمل ودون رجاء ، فقط انتظار لم أفتح لك موضوع لقاءٍ آخر ، ولم تفتحيه أنتِ ، لم تتجرئي أن تطلبي مقابلتي ، ولم تتجرئي أن تغادري مشاغلك ولا التزاماتك ولا قيودك ، ولا ما لا أعرف من ظروفك التعيسة أو السعيدة وأنتِ بعيدة عني ، صدقيني آنستي أستطيع أن أقاوم مشاعري ، لدي القدرة على ذلك ، وأستطيع أن أهملكِ بعد فترة من المقاومة ، وأستطيع أن أضعك على رف الذكريات بعد فترة أخرى ، لكني لا أريد ، تستهويني مشاعري تجاهك ، ويستهويني جنونك ، ويستهويني غيابك ، ويستهويني بخلك الدائم معي ، كما يستهويني انتظارك ورغبتي في اكتشافك ورغبتي في احتضانك وتقبيلك ، وأكثر من ذلك سيدتي يستهويني حبك الغريب .

     قلت رسائلك آنستي فقد كنتي ترسلين لي ثلاث رسائل كل يوم بانتظام ، ثم أصبحت ثلاث رسائل كل يومين بانتظام ، ثم ثلاث رسائل كل ثلاثة أيام ، أكتشفِ مدى بخلك آنستي ، تصدقين أني بدأت أهمل هاتفي ولا أحمله معي دائما كما كنت في السابق ، فأنا أعرف متى ترسلي رسائلك ومتى تتوقفين ، فلماذا أحمل نفسي عناء النظر للهاتف كل ساعة لأرى هل أرسلتِ لي رسالة أم لا ؟ لماذا أحمل نفسي عناء انتظارك آنستي ؟ لا أدري بدأت رغبتي في نسيانك تطاردني كما يطاردني حبك ، وبدأ قلبي يتألم ويهدأ ، لا يستمر الألم طويلاً كما في السابق ، لا تلوميني آنستي ، فهذا هو الشهر الثالث بعد لقائنا الأخير ، وقد قلت رسائلك حتى أصبحت رسالة كل أسبوع ، تصدقي رسالة واحدة فقط كل أسبوع ، هل هذا ما يثبت ذلك الحب الذي تحدثتِ عنه ؟ وهل الثلاثة أشهر تثبت قرب لقائنا ؟ أسألي نسفك آنستي .

     أنا لا زلت أنا لم أتغير وربما لن أتغير ، لا شيء ، أنا لا شيء ، عدت لا شيء ، كما كنت قبل أن ألتقيكِ ، أعدت ذكرياتك كثيراً في رأسي ، تمر سريعة فذكرياتك أنستي قليلة ، كما حبك القليل الذي رميته لي في أول لقاء وفي ثاني لقاء ، أردت أن أكون بخيلاً مثلك ، اعذريني آنستي ، أرجوك أعذريني أكثر من ما فعلتي ، تصدقين ، كانت رسائلك القليلة التي تبعثين بها تبعث الأمل في نفسي ، وتثير أعصابي أيضاً ، أسلوبك الغريب الذي تسلكينه معي ، اسألي نفسك آنستي ، هل سألتني لماذا لا أرد على رسائلك التي كانت تحمل شيئاً من الشعر أو شيئاً من الضحك أو شيئاً من الوعود ، لم تسأليني آنستي هذا السؤال ، كيف لي أن ارد على رسائلك وأنتِ لا تسألي عمن ترسلين إليه ؟ فربما مات ، أو مرض ، أو ربما وقع في حب امرأة أخرى ، لا أدري منذ البداية شعرت أنكِ تتسلين بي ، ولا زال ذلك الشعور يراودني بين حين وحين ، تتسلين ، فقط تتسلين ، وأنا أيضاً أريد أن أتسلى ، فماذا فعلتي لتسلي خاطري آنستي ، لا شيء .

     (( يا صاحب الشعر الطويل ، منذ متى تقرأ رسائلي ؟ فلماذا لا تجيب ؟ ولا تسأل ؟ ولا تطالبني بلقاء ؟ ليتك تفعل ، فبي أشياء كثيرة ، أود أن أقولها لك ، أود أن أخرجها من جوفي لأتخلص منها ، هيا يا صاحب الشعر الطويل فأنا أنتظرك ، اعطني يدك )) فزعت من نومي ، وأنا أصرخ نور رفعت هاتفي وكتبت لكِ آنستي ، أناديكِ : نور ، لم يكن حلماً مرعباً على الإطلاق ، لكنه أرعبني خفت عليكِ ، صدقيني ، بعدها هدئت ، وسألت نفسي لماذا أرسلت لكِ رسالة ، ماذا تريدين ؟ وما بكِ ؟ ما الذي أصابك ؟ هل أصابك مكروه ؟ أم ماذا ؟ آه وآه ، ما الذي أصابني ، تستهويني امرأة ، وأقع في حبها بسرعة ، وترحل ولا أستطيع أن أنساها ، أو أسلاها ، ما الذي جرى لقلبي ، كدت ألعنك لكني توقفت ، فلا لوم عليك آنستي ، فأنا من تقرب لكِ وطلب ودك .

     حلم ، نعم حلم ، حلم جميل لكنه مزعج جعلني أفكر بكِ كثيراً ، وألوم نفسي لماذا لم أسألك عن حياتك ، ومشاكلك ، ربما كنتِ محتاجة أن تتحدثي ، أن تخرجي ما بداخلك من هموم وتستريحي ، آسف آنستي ، لم يخطر ببالي أن سؤالي عن حياتك سيريحك ، خفت حينها أن تتهربي مني وتوقعت أنكِ لا تريدين الحديث عن حياتك الخاصة ، خفت أن أخسرك إن سألتك ، لذا لم أسألك عن شيء إلا بعد أن أتأكد أنك ترغبين في الحديث عنه ، ظننت أني بهذا التصرف أكسبك أكثر ، وأحافظ على علاقتي معك أكثر وأكثر ، وذهبت ظنوني هباءً كما باقي الظنون التي ذهبت مع رحيلك .

     اعتصرني الألم فجأة ، أخذت هاتفي وكتبت : أحبك ، وتركت الكلمة تعبر عما بي من شعور ، انفجري في وجهي آنستي ، اصرخي ، أبكي ، ثوري ، أي شيء لكني محتاج لك هذه الليلة ، لتجددي أملي في لقائك من جديد ، ولترحلي بعدها دون أن أعرف ، ودون أن تخبريني متى سنلتقي من جديد ، فأنا أحبك ، ليس مثل ما أحببت من قبلك ، ولست طامعاً في مظهرك ولا ثروتك التي لا أعرف عنها سوى ما ترتدينه ، ولست طامعاً في جمالك ، فقد عرفت نساء ، أبهى وأجمل وأصغر منكِ ، ولست طامعاً في شهوة ، وأنا الذي شعر بجسدك يرتخي بين ذراعي أكثر من مرة ، فقط أنتِ آنستي ، بشخصيتك المتعالية ، ونفسك المتأففة ، وروحك الساكنة خلف جدرانها الخرسانية العالية ، لم يستهويني فيك ما أستهواني في النساء قبلك ، ولا فكرت أن افعل معك ما فعلته مع غيرك ، كان أجمل ما فيكِ أني وجد نفس تنساق إليك رغم خوفها وقلبي يتوق إليك رغم تحفظه ، وعيني ترغب في رأيتك ولو من بعيد .

     أمسكت هاتفي مجدداً  وكتبت لكِ : احبك ، وأنا اعرف أنك لن تردي على رسائلي ، لأنها الثانية بعد منتصف الليل ، وأنتِ لا تكتبين لي بعد الثامنة مساءً ، لكني شعرت بك وأنتِ ترفعين هاتفكِ وتشاهدين الرسالة وتبتسمين ، ثم تغلقين هاتفك وتخلدي للنوم وأنتِ مبتسمة ، تطاردني خيالاتي ، فربما لا تلتفتين للهاتف ولا تنظرين إليه من الأساس ، لكني أتخيل وأحلم وأتمنى أن يكون ما أتخيله حقيقة .

     سنلتقي لا أدري لماذا انتابني هذا الشعور ، فقد صحوت من النوم يغمرني التفاؤل ، حملت هاتفي حينها وكأني متأكد أني سأجد به رسالة منكِ ، لا شيء ، لماذا أنا متفائل إذاً ، انتظرت علكِ ترسلين ، رسالة خلال النهار ، وذهب الانتظار ولم تأتي رسالتك ، وتوقعت أن ترسلي رسالة في المساء ، ولم تفعلي وذهب توقعاتي أدراج الرياح ، وتوقعت أن تزوريني في منامي كما فعلتي في الليلة الماضية ولم يأتي طيفك ليسلي خاطري ، وتوالت الأيام وانا أتمنى في كل يوم مثل ذلك ولم يتحقق شيء ، وبقيت ، أنتظر ، فقط أنتظر .

     انقطعت رسائلك آنستي انقطعت تماماً كنت أتمنى أن أسأل عنك أي شخص فلي أصدقاء كثر في كل مكان حتى في بلدك لكن ما الذي سأقوله لهم وأنا أسأل عنك آنستي امرأة تقارب الثلاثين أسمها نور ، نور ماذا ؟ من أبوها ؟ ما أسمها الثلاثي ؟ كيف لي آنستي أن أسأل عن سراب ؟ سيضن من أسأله أني مجنون ، شيء واحد أملكه يمكنه أن يوصلني إليكِ ، رقم هاتفك ، فأنتِ بالنسبة لي نور وبجانبها بضعة أرقام ، فقط ، ولقاءان وبضع رسائل ، هذا كل شيء ، ليست هذه هي المشكلة ، بل المشكلة أني وقعت في حبك ، دون أن أشعر ، ودون أن احسب حساب ذلك .

     سألت كارولين عنك ، فأخبرتني أنه لم يتم بينكما أتصال منذ زمن ، وطلبت منها أن تتصل بك مجدداً ، فلم تجد جواباً ، فهاتفك إما مغلق أو لا يجيب عليه أحد ، اكتشفت آنستي أنك لم تعطي أي أحد قابلته في لقائنا الأول بطاقة التعريف الخاصة بك ، فلا أحد يعرف عنك أكثر من أسمك ، نور ، يا لهذا الاسم ، هل هو حقيقي أم اختلقته لكي لا يعرفك أحد ، لكنه أسمك ، أنا متأكد من ذلك ، فقد سألت عنك في الفندق تلك الليلة التي رحلتي بها في لقائنا الثاني ، فعرفوك بمدام نور ، إذاً أنت حقيقة ، ولستِ من صنع خيالي ، ولستِ حلماً تكرر حتى ظننت أنه واقع ، ولست واهماً أني أحبك .

     أنقطع كل شيء بيننا إلا الذكريات التي بقيت أحتفظ بها ولا أريد التخلي عنها ، مثلما جاء حبك سريعاً لقلبي ، ظننت أنه سيذهب سريعاً كذلك ، لكنه ظل أكثر مما توقعت ، ذهب الألم والضيق ، لكني بقيت أذكركِ بشوق ، وأتذكرك بشوق ، وأتمنى لقائك بشوقٍ أيضاً ، تركتي لي انطباعاً جميلاً فذكرياتك كانت جميلة ، إلا أنها كانت تنتهي بهروب ، وهنا وضعت أسئلتي ، وهنا أيضاً لم أجد الإجابات ، إلا أني كنت أكرر في نفسي أمراً يصب لصالحك دائماً ، هو أن حذرك وهروبك الدائم مني كان نتاج خوف ربما لم يفرضه عليكِ أحد ، بل نبع من داخل نفسك آنستي ، حتى كلمة آنستي التي أكررها دائماً ، لا أضنها حقيقة ، بل أضن أنك مرتبطة ، ربما ، متزوجة ، ربما ، فتخافين أن ينهدم كل شيء أو ينهار كل شيء ، أو ربما أنتِ تحبين شخصاً آخر ، وشعرتي أن علاقتك معي سيعتبرها خيانة ، أو ربما تعتبرينها أنتِ خيانة لمن تحبين ، جعلني هذا التفكير أحترمك أكثر ، وأكرهك أكثر ، فلماذا اقتربتِ مني من الأساس هل كان في اعتقادك أني صديق ، فقط صديق ، لكنك منحتني مؤشرات كثيرة ، جعلتني انسج بسببها خيوط علاقة عاطفية ، ففعلت ما باستطاعتي لكي أتقرب منك .

     مرت الحياة كما تشائين آنستي ، لا كما أشاء أنا ، فقد اقتربتِ مني برغبتك ، ورحلتي برغبتك ، لكني استمتعت بصحبتك ، فقد كان حبك عميقاً جداً ، لم تكوني امرأة عابثة ، تبحث عن شهواتها ، ولم تكوني تبحثين عن الحب ، لكنك وجدته أمامك ، فتعاملتِ معه بحكمة ، ومع من أحبك بلطف ، بالغ ، لدرجة أنكِ ، تركته دون وداع ، ودون أن تذكري له أي سبب ليلتمس لكِ الأعذار ، لم أخطأ حين قلت أنك نوع مختلف من النساء لم أقابله من قبل ، فأنتِ مختلفة عنهن كثيراً ، وما يجمع بينك وبينهن ، أن لك جسد امرأة ، وقلب امرأة ، ولطف امرأة ، ورغبات امرأة ، وجنون امرأة ، كل شيء ، مثلهن تماماً ، لكني أنظر إليك على أنك مختلفة عنهن جميعاً ، في كل شيء ، هكذا هي الحياة ، فالنساء كلهن يحملن نفس الصفات ، ولكن كل امرأة تكون مختلفة عن الباقيات في عين من يحبها آنستي ، مختلفة عنهن تماماً .

     مرت الأيام سريعاً أنستي ، مرت دون شيء يذكر فالحياة تسير وأنا سائر معها سواء كنتِ معي أو بعيدة عني ، عملي وبيتي ورحلاتي الكثيرة ، تمنيت أن ألتقيك في كل رحلة سافرت فيها ، وفي كل مطار نزلت فيه ، لكنكِ مثلما جئتِ من المجهول ، ذهبتي للمجهول ، ولا زلت احتفظ برقم هاتفك ، ولا زلت أتشوق لرسائلك ولقائك ، رغم علمي أنك لن ترسلي أي شيء وربما لن ألتقيك مجدداً ، قابلت نساءً كثيرات لكني كنت زاهداً فيهن قبل أن ألتقيك ، وبقيت زاهداً فيهن بعد أن ألتقيتك ، فلست أنتِ من منعني أن أكون أي علاقة ، بل كنتِ أنتِ استثناء ، لرغباتي التي كنت أكبتها تجاه أي امرأة تعجبني ، استثناء مجنون ، مثلك تماماً ، وكأنه قدري أن ألتقيكِ وأحبك .

     تعرفين آنستي ، أنك أصبحتِ لي شيئاً جميلاً أفرغ فيه كل همومي ، أصبحتِ رفيقة ذكرياتي ، كأنك رمز ، اكتب كل يوم وكأني أحدثك ، لا لشيء ، فقط لأفرغ شحنات نفسي ، وأشرح رغباتها ، وأهوائها ، أكتب كل يوم وأحدثك كل يوم ، عبر أوراقي التي أجمعها ، دون أن افكر في إتلافها أو إعدامها ، لن تقرئي ما أكتب ، لكني احتاج أن أحدثك باستمرار ، يحتاج الرجل لامرأة يسكن إليها ، امرأة يشعر أنه يعود إليها لنفسه ، امرأة تختلف عن العالم الذي يتعامل معه ، فأصبحتِ أنتِ وسيلتي التي ألجأ إليها مع قلمي ، ولكن للأسف ، أصبحت مدمناً على ذلك ، أصبحت مدمنناً عليكِ أنستي ، لدرجة أني أشعر برغبتي الدائمة أن اكتب إليك كل شيء أشعر به تجاهك .

رواية أتذكرين .. الفصل الرابع

الفصل الرابع

لقائنا الثاني

     سنلتقي مجدداً ، ستكونين بجانبي ، لا اعرف متى ولا أين ؟ لكننا سنلتقي ، سعيد أنا هذه الليلة فقد تجرأت وطلبت منكِ أن نلتقي ، فلم ترفضي طلبي ، اكتشفت أنك ترغبين بذلك ، كما أرغب أنا تماماً ، هذا ما قرأته في رسالتك الثالثة هذه الليلة ، تذكرين ما كتبته فيها ، قلتي : سأخبرك غذاً تصبح على خير ، ستخبرينِ غدا متى سنلتقي ، كنت سعيداً وأنتظر الغد بشوق يحرقني حتى أن ذلك الشوق عكر نومي ، لكنه لم يعكر مزاجي ، تعرفين لماذا أنا سعيد ؟ هل تعرفين لماذا لم أنام ؟ وتعرفين لماذا لم يتعكر مزاجي آنستي ؟ الأمر بسيط جداً فأنا أحبك .

     أنتِ نوع مختلف من النساء لم أتوقع وجوده ، غاضبة متوترة عصبية ، تثورين وتصرخين ، قوية لدرجة أنك تفرضين نفسك دون أن تسقطي هيبتك ، لدرجة انه لا يستطيع أحد أن يقترب منك ، متعالية يكتشف ذلك الأمر أي شخص ينظر إليكِ أول مرة دون مزيد من التدقيق ، لكنك لطيفة حين تشائين أن تظهري لطفك ورقيقة حين تتركين غرورك ، وناعمة حين يلمس أحدٌ يدك ، ومغرية حين تقتربين من أحد ، وتملكين ابتسامة ساحرة لا تظهرينها لأي أحد إلا من أردتِ .

     نوع من النساء لا يكترث بمن يقابل ومع من يتحدث ، ولا يخاف من ما يفعل الآخرون ، بل يخاف منه الأخرون ، لا اقصد الخوف بمعناه المجرد ، بل خوف من نوع خاص خوف لطيف يتسلل للنفس دون أن يشعر به من يصيبه ، يجعله لا يقترب منكِ ولا يحدثك وإن رغبتي أن تتحدثي معه يخاف أن يضيع تلك الفرصة فيقبل بكل شيء تقولينه ، وإن سمحتي له أكثر يخاف أن يفقدك ، وإن سمحتي له أكثر يخاف أن يقع في غرامك ، وإن سمحتي له أكثر ، يخاف أن تهجرينه بعد وصالك .

     لا تبذلين الكثير من الجهد وأنتِ تتعاملين مع مشاعر الناس ، لكنكِ تأثرين فيهم أكثر مما تتوقعين ، تصدقين أود أن أكتب لك وأناديكِ بسموك ، لا ادري لماذا ؟ فأنتِ متعالية بشكر ملفت للانتباه لأنه تعالي غير مصطنع ، كأنكِ جبلتِ على ذلك ، حتى غرورك كأنه نما معك منذ صغرك ، أوامرك ، غضبك ، حتى وأنتِ تصرخين ، تصرخين لكي تجدي ما تعودتِ عليه ، من قهوة أو خدمة أو أي شيء ، انتبهت لتلك الأمور مؤخراً وأنا أراجع تصرفاتك في الفندق .

     لا يهم من تكونين ، المهم أني أريدك أنتِ أنستي ، مهما علا مقامك أو صغر ، إن كنتي في السماء أو الأرض فإما أن أصعد لكِ أو تنزلين لي ، هذا قراري ورغبتي ، وسأنفذ قراري وأحقق رغبتي ، سأحققها صدقيني ، وستحققين أنتِ كل الذي أريد ، دون أن تعرفي ، فأنتِ مثلي تماماً ، تبحثين عن قلبك الضائع ، وشريكك المفقود ، تبحثين عن رجل تضعينه في كل مكان وتجلسين معه في كل مكان ، وتحققن له كل ما يريد وقتما يريد ، تحتاجين أن تكوني امرأة بكل مشاعرها وأحاسيسها وجنونها .

     جاءت رسالتك في المساء : سنلتقي في منتصف الأسبوع المقبل ، سألتك حينها : أين ؟ أخبرتني وعرفت أين سنلتقي ، وسألتك عن مدة لقائنا ؟ فأجبتِ : سأخبرك لا حقاً ، هي الرسالة الثالثة لكنك لم تقولي تصبح على خير كعادتك ولم تكتبي لي اكثر تلك الليلة ، كتبت لك : بخيلة أنتِ تصبحين على خير ، كتبتها وأنا أعرف انكِ لن تردي عليها كنت أريد أن أخبرك أني أطمع في المزيد من الرسائل على الأقل ، سألت نفسي ما هذ العلاقة المجنونة ؟ جنون أن أتعرف على فتاه تجلس معي وتخرج معي لكنها ترفض أن أحدثها ، أن أسمع صوتها ، ثم سألت نفسي لماذا لا أحاول أن اتصل بك ؟ فربما تردي على اتصالي ، ثم عدت لإجابتي السابقة ، لا أريد أن أزعجك ، فأنتِ حرة ما دمتي تحافظين على علاقتنا .

     في اليوم التالي بعثتي لي اسم أحد الفنادق وطلبتي أن احجز فيه ، فعلت ما تريدين في نفس اليوم ، ولم أسألك عن مدت لقائنا ، ولم تخبريني لكني خمنت ما دام اللقاء في وسط الأسبوع أن لا يتجاوز لقائنا بضع ساعات نتناول فيها العشاء مثلاً أو نجلس في لوبي الفندق كما فعنا في السابق ، لم افكر في أكثر من هذا أبداً ولم يخطر ببالي أن تطلبي مني في رسالتك الثانية ذلك اليوم : أن احجز ثلاث ليالي ، وأن أحجز جناحاً ، فتحتي لي مجالاً اكبر لأحلامي وتوقعاتي وخيالاتي ، هل ستظلين معي ثلاثة أيام ، وهل من الممكن أن تزوريني في غرفتي أو تشاركيني فيها ، لم ابعث لكِ أي رسالة ولم أستفسر عن أي شيء فقط رددت على رسالتك الثالثة حين قلتي : تصبح على خير ، حينها عرفت أنها الثامنة مساءً فكتبت لكِ : تصبحي على خير .

     أردت أن أمسح الأيام المتبقية من التاريخ لكي يقترب موعدنا ، شوق كبير يدفعني تجاهك ، أريد أن اكتشف ذلك الغموض الذي زرعتهِ في نفسي ، أريد أن اعرف ما تكون تلك المرأة التي استطاعة أن تشغل تفكيري طوال تلك المدة دون أن تبذل الكثير من الجهد ، كيف ستتصرفين وأنتِ تذهبين إن صح القول لموعد غرامي أو لمقابلة صديق حميم ، هل سترتدين لباسك الرسمي كما كنتي في تلك الرحلة حين التقينا أم أنك ستتحررين من ذلك ، هل ستربطين شعرك أم ستتركينه ، هل ستقتربين مني أكثر من السابق ، أم سأكون وسيلة للتسلية لا أكثر في نظرك ، محيرة أنتِ آنستي ، تزرعين كل الأفكار في رأسي ، وتتركيها لتنمو دون إجابات .

     لم أكتب لكِ أي رسالة قبل أن أغادر ، وما أثار حفيظتي أنكِ لم تسأليني لماذا لم أكتب لك ؟ ولم تتوتري ولم تسأليني هل غيرت رأي في موعدنا ؟ ولم تقطعي تلك الرسائل الثلاث التي ترسلينها لي في كل يوم ، وكذلك لم تخبريني بموعد وصولك ، لماذا لا تقلقين كما أقلق ؟ ولماذا لم تتوتري كما أتوتر وأنا ذاهب للقائك ، أي نوع من النساء أنتِ ، هل بك برود ؟ أم أنك واثقة من كل شيء تفعلينه ؟ اكتشفت جزاءً من تلك الأمور حين وصلت للفندق ورأيتك في اللوبي تشربين قهوتك ، خمنت سريعاً أنكِ هنا قبل يوم أو يومين من لقائنا ، لا ادري لماذا مر في بالي هذا الأمر لكنه على الأقل يفسر كثيراً من تساؤلاتي .

     لم افكر حين حضرت أن أمر وأسلم عليكِ بل صعدت لغرفتي ، القيت بجسدي على السرير لكي أريحه من عناء السفر ، ثم كتبت لك رسالة : أنا في الفندق الآن ، رن هاتفي بعد ذلك ، أنتِ تتصلين بي ، ما هذه التغيير المفاجئ ، كان هذا ما قلته وأنا ارد على اتصالك ، ضحكتِ حينها وطلبتي مني أن انزل لأتناول العشاء معك .

     لم اطل الجلوس في الغرفة بعد أن تحممت وغيرت ملابسي نزلت لأجدك على تلك الطاولة ، تربطين شعرك وترتدين تلك الملابس الرسمية ، شعرت بشيء من الضيق حينها ، شعرت أنكِ هنا لعمل لا لكي تقابليني ، لكن كانتِ متألقة وأنتِ تسلمين علي ، وابتسامتك تحمل الكثير من الدفء كيدكِ تماماً ، تناولنا القهوة معاً ، ثم ذهبنا لمطعم الفندق لنتناول العشاء ، كانت ملامح التعب تبدو واضحة على وجهي تلك الليلة ، سألتني : هل أنت متعب ، فهززت رأسي وقلت : لم استطع النوم في الطائرة ، سألتني : هل أتيت على الدرجة السياحية ؟ اثأر السؤال حفيظتي لا أدري لماذا ؟ كان بإمكاني أن أقول الحقيقة أني أتيت على درجة رجال الأعمال ، لكني كذبت آنستي حين قلت لك : نعم ، بدت ملامح الضيق ترتسم على وجهك ، لكن لم تسأليني ثانية عن ذلك الأمر أعرف ما دار بخاطرك ، ظننتِ أني فقير ، ربما ضايقك ذلك ، أو أنكِ شعرتِ أنكِ ضغطتي علي ماديا بطلبك أن أسافر لمكان بعيد وأحجز جناح في فندق غالي الثمن ، ربما أعجبني ذلك الشعور الذي رأيته في ملامح وجهك ، أعجبني أنكِ تتضايقين لأجلي ،  وإن لم تسأليني عن شيء ، ولم تقولي لي شيء ، لكن ذلك بعث الدفء في قلبي ، شعرت بشيء من الشفقة ، أو ربما الحب في نظراتك .

     سارت الليلة بهدوء ودارت بيننا حوارات لطيفه مسكت يدك وأطلت النطر لعينيكِ واستمتعت بمشاهدة ابتسامتك الساحرة ، لم استطع أن أخفي مشاعري عنك رغم أني لم اصرح بها لكنها كانت واضحة في جميع تصرفاتي ، وأنا امسك يدك وأبقيها بين يدي لفترة طويلة ، وأنا أدقق النظر في وجهك وأنتِ تتحدثين ، وحين تحرجين من نظراتي لعينيك فتطأطئين رأسك ، لم يساعدني المكان لكي أجلس بجوارك ، كنت أود أن اشعر بدفئك كان بودي أن احتضنك لو سمحت لي الظروف ، لكنها لم تمنحني تلك الفرصة ، ربما تعمدتِ آنستي أن يكون بيننا مسافة فاصلة ، مسافة أمان ، تجعلكِ تشعرين بالراحة .

     طلبتي مني أن نلتقي في الصباح ، أن نتناول إفطارنا سوياً ، وأن افرغ نفسي للبقاء معك ، أولى تعلمين آنستي أني أتيت لأجلك ؟ كنت سأكتفي بأقل مما قررتِ أن تمنحيني إياه كان يكفيني أن ألتقيكِ على طاولة عشاء لساعة ، وأتكبد مشقة أكبر مما تكبدت لأجل ذلك ، منحتني أكثر مما أريد في ليلة وصولي فقد بقيتِ معي أربع ساعات متواصلة ، قبل أن تطلبي مني أن أذهب لأستريح لكي أتمكن من البقاء معك طويلاً في اليوم التالي .

     لم أنم جيداً تلك الليلة ، كان نومي متقطعاً ، وأحلامي كثيرة ومزعجة ، أكثر مما تتوقعين ، تعرفين لماذا أنستي ، حصل هذا رغم لقائنا الهادئ وعشاءنا الرومنسي إن جاز التعبير اشعر بكثير من القلق والتوتر لم ينتابني هذا الشعور وأنتِ معي ، بل بعد أن أويت لفراشي ، شعرت أنك حلم لن يتحقق ، وإن كنتِ معي منذ دقائق شعرت ، أنك كفقاعة الصابون ستختفين حين ألمسك ، ولن أجدك أبدا بعد ذلك .

     لخيالاتي وأحلامي ما يدعمها وما يفندها أيضاً ، فكونك شيء مجهول بالنسبة لي تتولد في داخلي الشكوك والظنون ، وما يفند تلك الأحلام هو واقع أنكِ معي ، وعندما يختلط الواقع بالأحلام والخيالات ، يصبح شيئاً مرتبكاً ، وعندما تمس هذه الخيالات والأحلام قلبي تصبح شيئاً مخيفاً ، أخشاه لدرجة أني لا استطيع أن أنتزع ذلك الخوف من نفسي حتى وأنا نائم ، لا أقول أني لم أتذكر تلك الضحكات الجميلة والنظرات الساحرة ، لكنها أصابتني بالخوف أيضاً ، خفت أن لا أستمتع بها ثانية .

     كان الصباح هادئاً قبل أن تحضرين ومشرقاً حين حضرتي ومتألقاً بابتسامتك الرائعة ، أنتِ من أمسك يدي لنذهب للمطعم كان الوقت باكراً حتى أن مطعم الفندق كاد يخلوا إلا من عدد قليل من النزلاء ، توقعت أن هناك أمر تستعجلين من أجله أو تريدين الذهاب لمكان ما ، لكن حين جلسنا وتناولتِ إفطاره بهدوء تام دون استعجال سوياً اكتشفت أمراً رائعاً ، اكتشفت أنك أتيتي مستعجلة من أجلي ، لتجلسي معي ، اسعدني هذا الشعور ، انتقلنا  بعدها لباحة الفندق شربنا قهوتنا ، قاربت الساعة على العاشرة صباحاً حينها نظرتي لساعتك قلتي : هيا بنا ، سألتك : إلى أين ؟ ردك كان سريعاً : للسوق طبعاً .

     ما أثارني في ذاك الصباح ليس لقائنا فقد التقينا قبل ذلك ، ولا خروجنا فقد خرجنا قبل ذلك ، أثارني آنستي أنكِ لم تنتقي الكلمات وأنتِ تتحدثين معي ، فكانت الكلمات تخرج بعفوية دون أن تكرريها في عقلك قبل أن تنطقيها ، لكن كان يشوب تلك العفوية عيب بسيط ، هيئتك الرسمية لباسك الرسمي ، أخبرتك بذلك ، لم تستغربي من حديثي ولم تتضايقي ، بل طلبتي مني أن انتقي لك بعض الملابس ، فاخترت لك كل ملابسك التي اشتريتها ذلك اليوم .

     تذكرين آنستي حين ذهبتي لتنتقي مكياجك تذكرين ذلك الموقف حين اقتربت منك كثيراً وأنا ألمس وجهك لأبين لكي نقاط الضعف فيه التي يجب أن يغطيها المكياج ، أصابك الارتباك بسببي أعرف ذلك وابتعدتِ بشكل سريع ، اذكر أنكِ بعد أن عدنا للفندق لنتناول غدائنا سألتني باستغراب شديد : كيف لك أن تعرف كل هذه الأمور عن المكياج ؟ ضحكت وأجبتك : بأن هذا أحد جوانب تجارتي ، سألتني حينها كثيراً عن تجارتي وأجبت كل تساؤلاتك ، أمر واحد قد ركزتي عليه آنستي تذكرين حين قلتي : أنت غني فلماذا أتيت على الدرجة السياحية إذاً ؟ أخبرتك : أني كنت أريد أن أرى ردة فعلك وأخبرتك أني أتيت على درجة رجال الأعمال ، ضربتنِ على كتفي بيدك ، وقلتي : لماذا ؟ ضحكتي في النهاية ، ضحكتي كثيراً حتى أنك حين استأذنتِ لتغيري ملابسك ذهبتي بسرعة وعدتي بسرعة قبل أن أنزل من غرفتي .

     أنتِ رائعة ! هذا ما قلته حين رأيتك أمسكت يدك ورفعتها ، استدرتِ أمامي ، كانت الملابس بسيطة لكنها تناسبك كثيراً وقد سقط شعرك على كتفييكِ ، نظرت لك بإعجاب ولم تختفي نظرة الأعجاب تلك طوال الوقت أمسكت يدك وخرجنا من الفندق ، كان يوماً جميلاً في ذكرياتي ، كان الكلام كله يدور حولي أنا فلم تتركي جانباً من حياتي إلى وسألتني عنه ، أموراً كثيرة كنت لا أود الحديث عنها وأمور كان يجب ألا تسأليني عنها ، فكيف لي أن أصف عشيقة أو صديقه ، لكن سألتني حتى عن بعض التفاصيل ، لا أدري لماذا أجبت رغباتك في تلك الليلة وأجبت على كل تلك الأسئلة ، هناك أمر كنتِ قد ركزت عليه كثيراً ، كارولين ، أتذكرين كم سؤال طرحته حول كارولين ، سألتك بشكل مباشر بعدها : تريدين أن تعرفي هل بيننا علاقة ؟ هززتِ رأسك بنعم ، فقلت لكِ : لا ، استفسرتِ بصوت عالي حينها : لماذا تتحدث عنك كثيراً ؟ وضعت يدي على فمي لكي ألفت أنتباهك أن صوتك أصبح عالياً ، لم تبالي وسألتني بصوت عالي : لا تشير لي بالصمت بل أجب عن سؤالي ؟  شعرت بغيرتك في ذلك الوقت ، اسعدني أنكِ تغارين ، قلت : أن كارولين ربما كانت تريد لفت انتباهك لي ، أو ربما شعرت أنكِ مهتمة بي فأثارت حفيظتك بكلامها ، وسألتك : هل بدر منك شيء يثير الاهتمام تجاهي لفت نظر كارولين ؟ صمتي ، أعدت سؤالي ، فأجبتِ : بنعم ، فسألتك : هل لي أن أعرف ما هو ؟ صمت آخر وتفكير عميق ، ثم أجبتِ وأنيِ تقتربين مني : كنت أنظر إليك حين اقتربت تلك السيدة منك حتى كادت أن تلتصق بك في الحفلة بعدها لاحظت أن كارولين كانت منتبهة لنظراتي إليك ، آه آنستي تغارين اقتربت منك أكثر حينها ، شعرت باستسلامك ، وضعت يدي حول خصرك وجذبتك إلي ، فلم تقولي شيء ، كنت أتمنى أن ترفعي رأسك قليلاً لكي انظر لعينيك التي كانت ستقول قبلني ، لكنك لم تفعلين ، فككت يدي من حولك ، وأمسكت يدك ومشينا دون أن نتكلم .

     كانت تلك اللحظة نقطة تحول في علاقتنا آنستي ، منذ أن بدأتي تسأليني عن حياتي السابقة شعرت بالسعادة ، فلا تبحث المرأة في ماضي الرجل إلا إذا كانت مهتمة به ، ولا تغار أو تتوتر بسببه إلا إذا كانت تحبه ، هذا ما أعرفه وهذا ما بدأت أتأكد منه بعد أن سألتي كل تلك الأسئلة ، كنتِ لطيفة جداً بعد ذلك الموقف هادئة جداً ، تتحدثين همساً ، لا ادري ما الذي أصابك ، ورغم ذلك أستهواني ما رأيته منك كثيراً ، شعرت أنك في حالة سُكر ، سُكر من نوع خاص لا يشعر به إنسان إلا إن كان محباً وسعيداً بمن يحب .

     هكذا الحياة أنستي ، نكره ونحب ، فكل ما شعرت به في الماضي تجاهك كان هباءً لا يعد شيئاً بعد ذلك ، تذكرين ، لقد تغيرتِ كثيراً ، هل تذكرين لقد جلسنا سوياً حتى صباح اليوم التالي ، لم ادخل غرفتك ولم تدخلي غرفتي ، بل كنا في الفندق نسير قليل ثم نجلس ونتحدث ، كنتِ قريبة مني جداً تلك الليلة شعرت بدفء جسدك وبرودة أصابعك بين يدي ، تذكري سيدتي تلك الليلة كثيراً ولا تغفليها ، فتلك الليلة كانت هاويتي التي لم أتمناها مع أي امرأة مثلما تمنينها معك ، وفي هذه الليلة همست في أذنك (( احبك )) لم تقولي شيئاً حينها لكني شعرت بارتخاء جسدك بين ذراعي وأنا احتضنك ، شعرت بالسكينة شعرت أني ملكت الدنيا في تلك اللحظة الحميمة ، وأنتِ مسترخية لا تتحركين ولا تتكلمين بين ذراعي .

     أنتِ تتحركين بلطف وتتكلمين بلطف وتقتربي مني كثيراً ، كثيراً ، كثيراً ، تسرع خطواتك لكي تصلي لقلبي ، اشعر بك وأنتِ معي ، تبحثين عن الحب عن الهوى عن الغرام ، وكأنك اكتشفتِ أن لكِ قلب ينبض وروحٌ تهوى ، اكتشفتِ نفسك معي ، اشعر بكِ ، لا تودين أن تنتهي لحظاتك الجميلة ، ولا تودين أن تبتعدي عني ، ولا أن ترحلي .

     منذ الصباح كنا سوياً وبقينا سوياً حتى الصباح ، كنت أود في ذلك اليوم لو صحبتينِ لغرفتي ، أو أويت أنا لفراشك ، وأكثر ما حظيت به قبله صغيرة على خدي قبل الوداع ، قبل أن تدخلي غرفتك لتنامي ، كانت رغبتي عنيفة ، لكنها لم تستطع أن تتغلب على قلبي الذي يخاف أن يخسرك ، كان بودي أن تكوني معي أكثر مما بقيتي ، لو كان الأمر بيدي لانتزعتك من دنياكِ لتبقي معي .

     كان يومنا الثالث مختلفاً عن سابقه رغم جماله ، كنتي متلهفة للقائي بعد أن استيقظتِ من نومك ، طرقتي باب غرفتي لتستعجلي خروجي ، كنتِ تريدين أن ننزل سوياً ، تذكرين شددتك حينها لغرفتي ، احتضنتك قبلتك ، كنتِ دافئة حينها ، مستسلمة ، سامحيني ، لم افعل ذلك لكي أزعجك رغم شعوري بأنك ترغبين بكل شيء ، لكني محتاج لتلك القبلة ، محتاج أن أتذوق حبيبتي ، دقائق لا أكثر ، لكنها كانت حلم أردت تحقيقه ، تذكرين ، كنتِ مرتبكة ، حين أبعدت شفتاي ، شعرت بتوترك ، كأنك فعلت شيء لا يجب أن تفعليه ، أسف ، أنا آسف ، كررتها أكثر من مرة ، لكنكِ خرجتي من غرفتي دون أن تقولي شيء .

     كدت أموت آنستي اختنقت مشاعري في صدري ، لكني لم أنتظر كثيراً قبل أن أتصل بغرفتك ، ولم أنتظر كثيراً حتى تجيبي على مكالمتي ، دون مقدمات قلت : أنا جائع ، ورددتِ : وأنا أيضاً ، أتيت لغرفتك لأصحبك للمطعم ، أعطيتني يدكِ حينها ، شعرت بارتعاشك ، لا تزالين متوترة ، لكنك لم تتركيني وحدي ، متوترة ، خائفة ، لكنك أتيتِ معي ، وأعطيتني يدكِ ، وكنتِ تتهربين من نظراتي ، كنتِ صامته في البداية ، لكن صمتك تحدث ، وقلبك تحدث ، وصمت لسانك إلا عن القليل من الكلمات .

     سألتي : هل تحبني حقاً ؟ نظرت إليكِ وفي وجهي ابتسامة وهززت رأسي بإيجاب ، كانت الكلمات تقف على طرف لساني ، كان بودي أن أسألكِ : هل أنتِ تحبيني ؟ لكني لم اسألكِ آنستي ، تعرفين لماذا ؟ لأني شعرت أن كل ما تفعلينها يقول أحبك دون أن تتكلمي ، فما قيمة الكلمة دون فعل ، وما قيمتها إن لم تكوني معي ، أنتِ معي ، احبيني بصمتك ، أو بكلامك ، أو بفعلك ، لا فرق ، ما دمت أشعر بقلبك .

     سألتي : هل تعرف من أنا ؟ هززت رأسي بلا ، كنتِ تودين الكلام لكني منعتك ، تعرفين لما منعتك ، لأني لا أريد أن اعرف من أنتِ ؟ ولا ما تكونين ، ولا أبنت من ولا أين تسكنين ، فأنتِ نور ، وأصبحتِ حبيبتي ، وسكنتي قلبي ، فلا أريد أن اعرف المزيد صدقيني ، كل علامات الاستغراب بدت على وجهك في تلك اللحظة ! وعلامات التعجب واضحة في تفاصيله ، لا تستغربي أنستي ، فأنا أحبك ، قلت لك : أنا أحبك ، سألتي : دون أن تعرف من أنا ومن أكون ؟ قلت : دون أن اعرف أي شيء ، قلتي : أي نوع من الرجال أنت ؟ فقلت لك : أصدقهم .

     طالت فترة الصمت حينها ، انتظرت كثيراً قبل أن تتكلمي ، لكنكِ لم تقولي أي شيء عن المشاعر ولا الحب بل طلبتي أن نخرج من الفندق ، سألتك : إلى أين ؟ فقلتي : لا أدري ، كأنك قلتي خذني لأي مكان تريد ، صحبتك في ذلك اليوم مشينا سوياً مشينا كثيراً ، كنتِ صامته ، لا تتحدثين إلا قليلاً ، لم تضحكي ، ولم أشعر أنك مبتهجة ، كنتِ قلقة آنستي ، شعرت بذلك ، اقتربت منك لمست وجهك ، سألتك : ما الذي أصابك ؟ قلتي : لا أدري ؟ احتضنتك لم تمنعيني من ذلك شعرت بك وأنتِ تبكين ، كنتِ تبكين آنستي حتى أن جسمك كان يرتعش بين يدي ، هدأتي بعد ذلك لكنك لم تبتعدي عني حتى قلتي أحبك  .

     لحقت بكِ ، كانت الدموع لا تزال تنزل من عينيكِ ، طلبت منك أن تعيدي الكلمة ، لم تعيديها استوقفتك شددتك إلي وقلت : أعيدي ما قلتي ، فقلتي : أحبك ، كانت ابتسامتي تنم عن كثير من المشاعر ، أول مرة اشعر بأنك ضعيفة ، لدرجة أنك لم تستطيعي أن تحبسي الكلمة في قلبك ، ولا أن تستسلمي لظروفك التي لا أعرفها ، أو أن تقاوميني إن أردت أن أصل إليكِ ، أنتِ ضعيفة اليوم ، وربما تكونين ضعيفة في الغد وبعد الغد ، أنتِ ضعيفة لدرجة أنك سقطتي في حبي باكراً جداً ، رغم أنكِ لم تعرفي عني الكثير ، أنتِ ضعيفة ، لأنك محتاجة لقلب يحبك ، ولأن قلبك يحتاج أن يحب .

     تعرفين آنستي شعرت أنكِ لي ، لي وحدي ، تبدد الخوف ، تبدد القلق ، وتبدد التوتر الذي كان يحيطني منذ أن عرفتك ، فأنتِ اليوم ، مثلي تماماً لا تستطيعين التخلي عني ، ولا فراقي ، وصل شيطاني إلى قلبك ، ربما قبل أن يصل شيطانكِ إلى قلبي ، لم أتوقع أن تقولي أحبك اليوم ، رغم شعوري بعاطفتك ، وشوقك ، لكني رغم ذلك لم أتوقع أن تقولي أحبك ، لكنكِ خالفتي كل توقعاتي ، واحتمالاتي ، ووقعتي في حبي .

     أنتِ متوترة وبقيتي متوترة ، لم تستكين نفسك ، ولم ترتاح ، على عكس نفسي التي شعرت بالراحة ، لا أدري لماذا بقيتِ متوترة ؟ وددت أن أسألك ، لكني آجلتها لوقت آخر ، حتى تكوني في حالة ذهنية أفضل ، وتركتك ترتاحين حين طلبتي أن تذهبي لغرفتك لم أزعج رغبتك في الجلوس مع نفسك ، فأنا أشعر أنكِ متوترة لا لأنك أحببتِ ، فمن الطبيعي أن يحب أي إنسان ، لكنك متوترة مما سيأتي بعد الحب ، يبدو ذلك جلياً في ملامحك ، أنتِ خائفة ، زال الخوف مني وحل في نفسك ، تحاجين بعض السكينة ، لتراجعي أمورك آنستي .

     طال بقائك في غرفتك ، وطال معه انتظاري فاليوم هو اليوم الأخير في لقائنا ، وأرجو أن لا تحرميني فيه من وجودك معي ، فكرت ألف مرة أن اتصل بكِ ، وألف مثلها أن أذهب لغرفتك وأطرق عليكِ الباب ، لكني تركتك مع نفسك ، حتى ذهب صبري ، ولم تعد أعصابي تتحمل ، حينها توجهت لغرفتك ، طرقت الباب فلم تجيبي ، طرقته كثيراً ، فلم تجيبي ، اتصلت بك ، للأسف كان هاتفك مغلق ، أصابني التوتر والقلق والخوف وكل شيء تتوقعينه ، أو لا تتوقعينه ، أين أنتِ ؟ منذ ساعات كنت أحتضنك وأنتِ تقولين أحبك ، والآن لا أعرف أين أنتِ .

     هربت آنستي ، مرة أخرى تهربين مني ، ومرة أخرة لا أجدك وأنا محتاجٌ لكِ ، أين أنتِ ، لقد غادرتي الفندق ، كما فعلتي سابقاً دون أن تخبريني أنكِ ذاهبة ، تلعبين بمشاعري ، تحطميني ، لا أدري لماذا ؟ ما ورائك ؟ ما الذي يثير كل ذلك الخوف في نفسك ؟ عندما يقترب منك إنسان ، يحبك ، أو تقتربي من إنسان ، تحبينه ، لماذا الهرب ؟ لا أدري ؟ .

     حاولت دون فائدة أن تردي على اتصالي دون جدوى ، وبعثت لك رسائل عديدة ، دون فائدة ، لم أنم في تلك الليلة ، تصدقين أنكِ السبب في ذلك ، حرمتي راحتي آنستي ، وحرمتي هدوئي ، وحرمتيني منكِ ، عدت كما أتيت ، لا بل أسوء ، أسوء بكثير ، فتلك الرسائل الثلاث التي كنتِ تبعثين بها كل يوم ، انقطعت ، لمدة أسبوع ، عشته بين ألمي وظنوني ، حتى تعطفتِ وأرسلتِ لي رسالة تقولين فيها : آسفه ، لا أدري رغم غضبي ، لماذا تخيلتك تبكين وأنتِ تكتبين الرسالة ، تخيلتك تبكين وأنا أقرأ رسالتك الثانية التي قلتي فيها : أحبك ، ما هذا الجنون أنستي ، أسف وحب وهروب ، وتوتر ، وقلق وخوف ، لم تمهليني كثيراً وأنتِ تكتبين رسالتك الثالثة والتي اعرف أنها الأخيرة في ذلك اليوم وقد كتبتِ فيها : سنلتقي قريباً صدقني ، انتظار آخر آنستي ، ما الذي تتوقعينه مني ، أن أسامحك ، فقد سامحتك قبل أن تكتبي لي ، وزال غضبي بعد أن جاءتني أول رسالة ، وسأنتظرك حتى تأتي إلي في أي وقت وأي مكان .

     لا أدري لماذا منعت نفسي أن أرد على رسائلك ، ربما لا أريد أن تشعري بأني غاضب ، صدقيني ، لكني أسفت على نفسي ، وأشفقت عليكِ ، تصدقين ، أنا أشفق عليكِ ، فأنتِ عاجزة حتى أن تعبري عن مشاعرك ، وعاجزة أن تحبي من تشائين ، تفاسير كثيرة وضعتها لكِ دون أن تعرفي ، وأعذار كثيرة اختلقتها منذ أن طرقت باب غرفتك في الفندق ، وبعد أن عرفت برحيلك ، مسكينة ، حبيبتي ، أنتِ مسكينة ، لا تستطيعين التحكم في حياتك ، هذا التفسير الذي شعرت أنه الأصوب بعد أن قرأت رسائلك الثلاث .