الافكار ..

هناك كلمة تجمع حروفها بصعوبة لتكمل الجملة ، وهناك أحياننا قصة تكتبها كاملة دون توقف ، ولا يعني هذا أن الكلمة صعبة أو أن القصة سهلة بل يعني أن كثافة الجملة تجعلك تحتار في اختيار الكلمات المناسبة لتوصل المعنى الذي تريد .
مجرد أفكار تجيد ترتيبها عبر السطور  وتحاول توصيل الفكرة كما تخيلتها دون أن يخرج المتلقي عن اطارها ، ولو وصلت لهذه اللحظة تكون قد حققت ما تريد .

الرواية .. تأثير الرواية على القارئ ..

تأثير الرواية على القارئ ..

في الرواية أمور كثيرة تبعث على الحيرة ، فالاهتمام الذي يقع على هذا النوع من الأدب كبير جداً لأنها تغذي قطاعات كثيرة في السينما والتلفزيون ، وبغض النظر عن هاتين المحطتان الهامتان في تدرج الرواية نجد أن الرواية وجدت الاهتمام قبل تاريخ السينما ، حين كان الخيال هو من يرسم الصورة ويعطي للقراءة ذلك الشعور السلس الذي يسري بين أوراق الرواية دون انقطاع حتى النهاية .

ولا زلت مُصر أن الرواية لها تأثير خاص على القارئ سواء شعر بهذا التأثير أو لم يشعر به ، فتأثير القصة أكبر من ما سواها ، لأنها تروي حياة مشابهة لحياتنا أو حياة نتشوق أن نعيشها أو حياه تصف لنا مآسي وآلام بشر أخرين في بقاع شتى ، وتعرفنا على أنماط حياة شعوب لم نتعرف عليها من قبل وربما لن نتعرف عليها في المستقبل ، فالرواية تخوض في الشخصيات ، وتتغلغل في مشاعر ابطال العمل الروائي حتى النخاع ، تنقل مشاعرهم وأحاسيسهم وطغيانهم ، وفضائلهم وكل شيء يمكن أن يفعله البشر في كل الأرجاء .

وحين يأخذ القارئ الرواية ويجلس في مكان ما فهذه الرواية تعزله عما حوله بشرط أن تكون رواية بالفعل تستطيع أنى تنقل للقارئ تلك الأحاسيس وتعطيه الحافز الذي يجعله يهتم بتلك الحياة الموجودة على الورق ، فيبحث عن الأحداث ويتتبعها باهتمام ، وفي تلك اللحظات التي تبعث فيها الرواية ذلك الشعور اللذيذ لدى القارئ فإنها أيضاً تعطيه بعض الصفات وتلفت أنتباهه لبعض الأمور وتجعله يرى المشهد من زاوية مختلفة عن زاويته المعتادة .

الرواية حياة فأحياناً تجعل القارئ ينغمس في شخصية ما لدرجة انه يشعر بها كأنها حية ويبادلها المشاعر ، يحبها أو يكرهها ، يتألم لألمها ، ويرغب في الدفاع عنها ، أو يتمنى التخلص منها ، وهذا بالفعل تأثير الرواية على بعض القراء ، ألا يمكن أن يُضمن الكاتب الكثير من المسائل التي يمكنها أن تأثر في القارئ عبر تلك الشخصيات او تلك الأحداث ويغرسها في نفس القارئ .

الكثير من الروايات فعلت ذلك بنا خلال مسيرة حياتنا ، وخلال مطالعتنا لتلك الروايات العالمية والعربية والمحلية ، وحين يكون العمل صادر من قلب المجتمع ويخاطب البشر فيه ، يكون تأثيره اكبر على القارئ لأنه يمسه بشكل مباشر ويحكي له احداث ربما مرت في حياته ، او وقعت في زمن قريب منه ، او يعطيه تصور للمستقبل ، يجعله يفكر بشكل مختلف ، لأن الرواية في ارجائها فكر وتصورات ومواقف وتخمينات وخيال ،  يمكنها أن تجعلنا نعيد النظر في أمور كثيرة ، بشكل مختلف ، أو نضع تلك المواقف ضمن اطار الخبرة والذكريات في بعض الأحيان .

تأثير الرواية ربما يتخطى الفرد أحياناً ويصل للمجتمع بأسره ، فالأعمال التلفزيونية والأفلام السينمائية ، لا تخاطب عقل فردي بل تخاطب عقل جمعي يتمثل في مجتمع أو مجتمعات مختلفة ، وأغلب الأفلام والمسلسلات اقتبست من قصص وروايات ، ظهر من خلالها الفن في أبهى صورة ، بسبب قصة جميلة وضعها كاتب أو رواية مشوقة تخطت كل الحواجز لتصل للشاشة .

الرواية .. قيود المنهج ..

الرواية .. قيود المنهج ..

في اعتقادي اليقيني أن أي شيء يقيد الكاتب فكرياً يكون ممقوت لكن في الواقع يجب أن نقيد أنفسنا في بعض الأحيان عن أمور تثير الرأي العام أو تثيرنا نفسياً كأمور الدين والأخلاق والمجتمع مثلا ، ولا أقصد فيما أعتقد هذه الأمور بل أقصد المنهج في كل المجالات الأدبية وخاصة أدب الرواية ، ومن المعروف أن المنهج الذي ندرسه لكي نكتب يعطينا من الخبرات والنماذج والقواعد ما يثري أفكارنا وينمي بعض القدرات لدينا ، لكنه أيضاً يقيدنا في حدوده “حدود المنهج” وكأننا نعمل على فورمات جاهزة نعيد تعبئتها كل مرة بصيغة مختلفة .

ولو نظرنا للواقع نجد أن النقد والمنهج التعليمي يخرج بعد العمل الأدبي ، أي أن الرواية الأولى خرجت دون منهج ودون نقد ، ثم بدأ النقد والتحليل ، ثم أصبح لتلك الرواية منهج يحتذى به ، وكذلك في الرواية الثانية والثالثة حتى تراكمت المناهج والخبرات ، وتعمق النقد والتحليل لأقصى درجة .

والابداع هو الخروج عن المنهج بما هو جديد وجميل ، فنكسر المنهج لنضيف إليه صورة أخرى لم تكن موجودة فيه لكن بعد فترة من الزمن تصبح تلك الرواية المبدعة منهج جديد يضاف للمناهج الموجودة ، وتدخل في النقد والتحليل ، والرواية في هذا الجانب كسائر الفنون الأدبية ، تخرج منها مدارس تتلمذ مجموعة من البشر عليها .

لا اقصد فيما ذكرت أن المناهج الأدبية في فن الرواية بها قصور أو شذوذ أو أني أرفضها البته ، لكني أرى أن التقيد الزائد عن الحد بالمنهج الأدبي للرواية يفقدها لحظات الأبداع التي تميز بين الكاتب والآخر ، بحيث يعمل المبدع وغير المبدع ضمن أطر لا يمكنهم أن يتجاوزوها نفسياً بسبب تأثرهم بالمنهج الذي يتبعونه في أدب الرواية .

الأبداع هو ما يمنح التميز لأي عمل ، سواء أُكتشف هذا الأبداع في بدايات الكاتب أو بعد فترة من حياته أو بعد رحيله ، فالأعمال المميزة لا بد لها أن تكتشف وتبرز وتأخذ مكانها الصحيح في على رفوف المكتبات وفي العقول .

الرواية .. ما تفرضه الرواية وما تنفيه ..

أحياناً النصوص والقضايا التي نطرحها في الرواية تحكمنا ، وليس صحيحاً اننا نتحكم في الرواية بشكل كامل كما يقال ، فالنص الأدبي محكوم بفكرة أو طرح معين أو تحدده القضية التي يناقشها الكاتب في روايته ، فيضع اطار فكري محدد لتلك الرواية ، ومن الصحيح أن الكاتب يقيد نفسه بنفسه لكن ذلك التقييد يكون مفيداً في أحيان كثيرة خصوصاً إذا كانت القضايا التي يناقشها الكاتب في روايته ذات طابع خاص ، فلو شط وترك فكره يجول دون اطار محدد سيخرج لا شك عن نسق الرواية ولن يحقق تلك السلاسة التي تجعل القارئ يسترسل في النص بشكل مريح .

أحيانا تحكمنا الفكرة ، فمثلاً لو أن القضية التي تطرحها محلية لا يمكنك أن تتجاوز القيم والأعراف المحلية ولا أن تتجاوز معاير الاخلاق التي تحدد صيغة الخطاب الموجع للقارئ بحيث يكون بصيغة سلسة تخاطب الموروث الثقافي لدى ذلك الموطن دون تجاوزه أو إدخال أي قيم شاذة لا تنتمي للمجتمع ، وهذا لا يعني أننا لا نطرح الأفكار الجديدة ، على العكس يجب أن تطرح لكنها تطرح بالصيغة التي تجعلها مقروءة ومؤثرة ، ولا تكون مصدر شذوذ في العمل ، هذا بعكس أن تكتب رواية خيالية ، فحين تدخل الخيال في الرواية ، تفتح امامك كل مساحات الحرية في تعاطي الأمور الحساسة أو في العلاقات ، أو في طرح أي شيء بشرط أن ما تكتبه يخدم العمل ولا يشوهه .

انا ادعي أن الكاتب هو رب الرواية ، فهو من يحيي شخصياتها ويميتهم ، وهو من ينفي ويثبت ويبعد ويقرب كل ما يريد في الرواية ، لكن يقيني في هذا الامر يختلف اختلاف كلي عما أدعيه ، فالرواية حين نبدأ فيها ننطلق بسرعة فمعظم الاحداث والشخصيات تكون مرسومة في عقل الكاتب في البداية ، فيسترسل في البداية ، ثم ينسق احداثه ويرتبها ويجمع بين الشخصيات ويفتعل كل القضايا في الوسط ، وهنا تكمن مشكله فالكاتب بعد أن ينجز البدايات يظن أنه متحكم بشكل كامل في الرواية إلا أن الرواية تبدأ من الوسط تتحكم به ، فهو لا يستطيع أن يتجاوز الشخصيات التي رسمها والاطر التي وضعها لتلك الشخصيات ، ولا يستطيع أن يتجاوز شخصية مؤثرة مثلاً دون أن يضع أسباب كافية ومقنعة ، ولنفرض أن هناك شخصية مؤثرة في الرواية يريد الكاتب أن يبعدها عن روايته ، فهو لا يستطيع أن يتجاهلها ولا يذكرها دون سبب يقنع القارئ ، ولو اهمل ذكرها دون سبب يكون هناك خلل في بناء الرواية والحبكة .

لذا فإن الرواية تتحكم فينا كما نتحكم فيها وهذا التوازن الذي يحدث يضع النص الروائي في حدود المعقول وحدود المنطق ، فكما يحق للكاتب ان يؤلف كل شيء في الرواية يكون الحدث في الرواية محسوب بدقة بعد أن نتجاوز البدايات ويقيدنا في الكثير من الجوانب وخلق احداث من واقع مختلف عن الرواية يجعل بناء الرواية مختل او مهزوز ، وفي اغلب الأحيان يعتمد الكاتب على اقناع القارئ بالحدث حين يقحم حدث جديد أو شخصية جديدة في الرواية لم تكن موجودة ولم يضع لها مؤشرات ، فالأحداث في الرواية تبنى بناءً على شخصيات الرواية وعواملها النفسية ، والمؤثرات التي تقع عليها .

الرواية التي تستقي احداثها من قصص حقيقية يجب أن لا يضع الكاتب فيها أي حدث مفتعل أو يقحم فيها شخصية لم تكن موجودة في الواقع الحقيقي للقصة ، وعلى الكاتب أن يستخدم مهارته في صياغة الرواية ليضفي على تلك القصة واقع جمالي في النص ، وربما يحتاج الكاتب أن يكثف الشرح في نقطة معينة لكي يوصل للقارئ الأسباب أو الدوافع التي حركت الاحداث أو أن يصف بكثافة مشاعر الشخصيات لتحقيق القيمة في ذهن القارئ لذلك الحدث ومدى تأثيره على المجتمع .

الرواية .. الحشو والتفاصيل ..

لا يختلف فن الرواية عن الفنون الأدبية الأخرى فكل منها يجسد مشهد من مشاهد الادب التي ينتمون إليها جميعاً ، لكن الرواية رغم أنها تحتاج للكثير من الجهد والتركيز ، تفتقر لبعض الجوانب التي تتمتع بها بعض الفنون الأدبية الأخرى مثل الشعر الذي يمكنه أن يختصر لك الموقف في بيت شعر ، أو يحدثك عن قصة كاملة في قصيدة من عدة أبيات فقط ، بخلاف الرواية التي تعتمد اعتماداً كلياً على السرد ، والاختصار في الرواية ربما يضعفها إن لم يوصل المعنى المراد شرحه بشكل يتقبله القارئ .

الرواية فن أدبي لا يعتمد على الاختصار لأنه يتعاطى مع احداث الحياه بشكل يعمل على تجسيدها في سطور يستطيع القارئ من خلالها تخيل المشهد كامل دون اختزال ، فلو فرضنا أن موقف حزين يتمثل فيه رجل ، نجد أن من الاجدى أن يصف الكاتب مشاعر ذلك الرجل بالشكل الذي يضمن فيه وصول ذلك الشعور الذي يبين كثافة الموقف ولو كان الشرح مطولاً فلا ضير في ذلك ما دام سيوصل المعنى كاملاً دون اختزال ودون الخروج عن المشهد .

لأن الرواية لا تشمل موقف واحد فقط ، فهي تحتاج للتفاصيل ، تلك التفاصيل التي تخدم العمل لا التفاصيل التي تبعث الملل لدى القارئ ، فأحياناً نحتاج لشرح تفاصيل مشاعر ، وأحياناً نحتاج لشرح تفاصيل موقف ، وأحياناً نحتاج لشرح تفاصيل حوار ، وأحياناً أخرى نحتاج لشرح تفاصيل المكان إن كان للمكان تأثير في ذلك المشهد المرسوم بالكلمات .

يمكننا أن نختصر أي شيء نقرأه لكن الرواية لا تعتمد على الاختصار والاختصار يختزل الكثير من جماليات الرواية ويجعلها هزيلة في المعاني والتفاصيل التي أعتبرها حساسة جداً لأنها تؤثر على نسيج الرواية ، ولأن القارئ حين يقتني رواية يعرف حق المعرفة أنها قصة طويلة ، وبها الكثير من الكلمات والمعاني والمواقف والمشاعر ، لذا من المهم أن نعرف أين نضع الاختزال وأين نحتاج للشرح ، ومن واقع القراءة يمكننا أن نعرف أين ابتذل الكاتب وأين اختصر ، وهل الابتذال في مشهد في محله الصحيح أم أنه اجهد الرواية وقارئها ، وأثر على النسيج السردي للرواية ، فمثلاً حين نصف المشاعر ، نبتعد كثيراً عن وصف المكان ، وإن تطرقنا له نتطرق له بشكل جزئي لكي لا نشتت تفكير القارئ فيكون تركيزه على العاطفة لا المكان لأننا نريد أن نوصل مشاعر تلك اللحظة لا مكانها ، فنجعل للعاطفة التأثير الأكبر ، وللمكان الأصغر أو ننفي المكان من المشهد من الأساس .

حين نحشو الرواية بتفاصيل متكررة ومملة فإننا نخسر في أكثر من جانب ، أولها أن التفاصيل الكثيرة التي تخرج عن المعقول ، تشتت القارئ عن القصة الأساسية ، وثانيها تجعل نسق الرواية يميل للتكرار والتكرار بحد ذاته يبعث على الملل ، ويؤثر على نسيح الرواية من حيث المضمون والمضمون في الرواية ليست التفاصيل المملة بل هي احداث ومواقف نريد أن نوصلها بشكل موثر وبنسق متصل لكي يستمتع بها القارئ ونصل للفائدة الكاملة التي تعطي القارئ قيمة القصة وما تطرحه .

الرواية .. صياغة الرواية ..

الرواية .. صياغة الرواية ..

جابر عتيق ..

هناك عدة أنماط لصياغة الرواية عموماً والمجال مفتوح امام الكتاب لخلق أنماط جديدة في الصياغة:

النمط الأول :

عندما تتحدث الشخصية عن نفسها :

وهذا النمط يشابه لحد كبير أن يكتب شخص سيرته الذاتي ، لكن في الرواية يختلف ، فالشخصية التي ربما يتبناها الكاتب تكون وهمية أو خيالية أو واقعية ، فيجوز له أن يخلق أحداث غريبة أحياناً أو المبالغة في أحداث صغيرة ، بينما في السير الذاتية هي سيرة الشخص نفسه ، وتقع تحت طائلة التحقيق والتحقق .

هذا النمط موجود بكثرة وله أشكال كثيرة ، منها مثلاً أن تكون الرواية على شكل مذكرات أو سرد للأحداث بلسان بطل أو بطلة الرواية ، ويغلب على هذا النمط كثرة التبرير واحادية الفكرة ، ويغلب عليه أيضاً الوصف للمعاناة الشخصية العميقة في أكثر من اتجاه .

النمط الثاني :

أن يكون هناك راوي يتناول حياة الشخصية الرئيسية :

أي أن الشخصية الرئيسية لا تتحدث بل تكون تحت مظلة الكاتب الذي ينصب نفسه كـ راوي للأحداث ، ومن خلال هذا النمط يكون للكاتب القدرة الأكبر على إبراز جوانب القوة والضعف في آن واحد ، وأن يجعل الشخصية الرئيسية تحت المجهر بشكل متساوي مع أحداث الرواية ، فيحلل الشخصية ويحلل الأحداث ويمكنه أن يضع منظوره الشخصي ، بالإضافة إلا نظرة الشخصية الرئيسية للأحداث ، ويمكن أن يتخلى أو يهمش نظرة الشخصية الرئيسية للأحداث ويضع تصوره وتحليله هو كبديل .

أن يكون هناك راوي يتناول حياة أبطال مشتركون في الرواية :

في هذا النمط بالذات حين يكون هناك بطولة مشتركة في الرواية من الأفضل أن يلعب الكاتب دور الراوي ، فينتقل من شخصية إلى شخصية أخرى بحسب تصوره دون أن تفرض عليه شخصيات الرواية أية قيود ، فيمكنه أن يدخل في وسط الحوار ويضع تعليقه أو وصفه للمشهد ، أو تأثر الحدث على الشخصيات ، وكما ذكرنا سابقاً سيكون للكاتب الإمكانية أن يضع أحداث أكثر وتفاصيل أكثر ويستطيع أن يعمق الفكرة لأنه سيطرحها بعين مستقلة ، وسيطرحها بمنظور كل شخصية ، وهنا يكون للراوي دور الحكيم او المعلم أحياناً ، فيستطيع أن يصف الحدث ويضع له تفسير محايد يختلف عن نظرة الشخصيات الرئيسية في الرواية .

النمط الثالث :

عندما تتحدث الشخصيات عن طريق المذكرات :

أن تكون الرواية على شكل مذكرات ، لأكثر من شخص وفي الأغلب تكون بين شخصين ، وفي الأغلب تكون بين رجل وامرأة ، وهذا النمط لذيد ، في وصف المشاعر ، ويبين الفروق العاطفية والنفسية بين الجنسين بشكل واضح في قراءتهم للأحداث وتفسيرها ، وفي وصف السعادة بشكل قوي والمعاناة بشكل قوي أيضاً ، ويجعل للحدث تصوران مختلفان ، يتفقان أحياناً ويختلفان أحيان أخرى ، ويعطي للقراء القَدر الأكبر من الإمتاع خصوصاً في الروايات العاطفية .

النمط الرابع :

عندما تتحدث الشخصيات عن طريق الرسائل :

يمكن أن تكون الرواية على شكل رسائل متبادلة بين طرفين ، سواء رجل وامرأة أو رجل ورجل أو امرأة وامرأة أخرى ، وهذا النمط في التوثيق هو الأفضل ، لأن هذا الأسلوب يتبع في الشخصيات المتباعدة اجتماعياً  كأن يكون كل شخص في دولة مختلفة تقع فيها أحداث مختلفة ، وتقع لصاحب الرسالة أحداث مختلفة عن الطرف الآخر ، فيمكن تضمينها الكثير من المعلومات والكثير من الحقائق إن جاز التعبير .

النمط الخامس :

وهذا النمط قليل الانتشار وهو المزج بين الكتابة والصورة وتسمى الرواية المصورة له انتشار محدود في عالم الروايات .

الرواية .. الشخصيات الهامشية ..

الرواية .. الشخصيات الهامشية ..

جابر عتيق ..

في كل قصة توجد شخصيات هامشية وهذا لا يعني أن الشخصية الهامشية ليست مهمة في القصة، بل هي مكون أساسي في القصة ولا يمكن الاستغناء عنها إلى حين تهمش أو تتجاهل، في الروايات التي تصف المشاعر أو تتحدث بصيغة النفس دون التطرق للكثير من الشخصيات المفترض أن تكون موجودة في الرواية.

الشخصيات الهامشية يمكن أن تلعب دور في القصة فبعض الأحداث الصغيرة التي توضع من خلالها أفكار صغيرة تستثمر بعد ذلك في الرواية، كأسباب، أو توضح الرأي العام إذا احتاج الكاتب التطرق لذلك في روايته.

كما تُرقى الشخصيات الوسطى في الرواية يمكن ترقية الشخصيات الهامشية أيضاً لتحتل أدوار وسطى في الرواية او تكون مع الشخصيات الرئيسية.

الشخصيات الهامشية كما في الواقع البشري لا يمكن الاستغناء عنها وكذلك في الرواية لكنها في الغالب تكون أدوار مكملة للشكل العام للرواية ويمكن إغفال أحدها في أي لحظة دون أن ينتبه لها القارئ أو يعير غيابها أي اهتمام.

الرواية .. الشخصيات الوسطى ..

الرواية .. الشخصيات الوسطى في الرواية ..

جابر عتيق ..

لا أجد وصف أجمل من مسرح العرائس للشخصيات الوسطى في الرواية التي تنتقل أحياناً لدور البطولة ثم تخبوا وتختفي دون أن يكون لها تأثير على مجرى الرواية ، فيخلق الكاتب حبيبة للبطل أو حبيب للبطلة أو عدوا أو صديق أو معلم أو أي شخصية تتناسب من أحداث روايته وتدعمها في مراحل معينة دون أن يقلق الكاتب من موجودها في الرواية ، فمثلاً لو كانت الشخصية شريرة ، استمرارها في الرواية لفترة طويلة سيجعل الرواية تتحول لصدام ، فيخلقها الكاتب كشخصية وسطى تأدي دور مرحلي في الرواية ثم يتخلص منها بالشكل المناسب الذي يدعم فكرة الرواية .

ببساطة الشخصيات الوسطى يخلقها الكاتب في وسط الرواية أو في أولها أو في نهايتها ويرفع من أهميتها او يحط من أهميتها ، ويمكنه من خلال تلك الشخصيات إضافة بعض الجوانب التي يشعر أن روايته بها نقص فيها ، ولا بد من معالجتها كالجوانب العاطفية أو النفسية ، فمثلاً يرى الكاتب أن النص تنقصه المشاعر ، فيضخم دور العاطفة بوضع عن شخصية تلعب هذا الدور وتأثر على البطل أو البطلة في الرواية .

الشخصيات الوسطى في الرواية عكس الشخصية الرئيسية أو الشخصيات الرئيسية التي تسير مع الكاتب من البداية إلى النهاية فهي مرحلة أو ربما تدخل في مرحلة متقدمة في الرواية وتحتل مركز في البطولة ، لكنها لا تكون محور الحديث بل تكون ملازمة لأحد الشخصيات الرئيسية في الرواية ، ومن الشخصيات الوسطى في الرواية شخصية الحكيم مثلاً أو المعلم ، يضعها الكاتب أحياناً  كمرجع ليغير في دفة الاحداث ، فيكون التغيير مقنع ، لكن هذه الشخصية لا تكون متواجدة باستمرار بل تظهر بين فترة وفترة ثم تختفي من جديد ، وتسير الاحداث دون وجودها .

لا نستطيع أن نصنف الشخصيات الوسطة في دور أعلى كالبطولة ولا نستطيع أن نحط منها لنجعل دورها هامشياً ، بل من الابداع أن يخلق الكاتب هذه الشخصيات ، كما هي في الواقع ، فكل إنسان لديه في حياته الطبيعية أشخاص في القمة وأشخاص في الوسط وأشخاص هامشيون ، والإجادة في خلق الشخصيات الوسطى والتخلص منها بشكل مطابق أو قريب من الواقع يجعل الرواية تلامس شعور القارئ وتوصل الرسائل التي يريد الكاتب أن يوصلها من خلالها .

كل شخصية توضع في الرواية تأثر فيها والكاتب هو الميزان ومهارته في السرد والتعبير هي التي تجعل لكل شخصية في الرواية رونق ، فحين يرفع الكاتب شخصية وسطى في الرواية عليه أن يجيد في رسمها بالشكل الذي يناسب روايته لكي لا يراها القارئ أو النقاد كنشاز .

الرواية .. الشخصية الرئيسية ..

الرواية .. الشخصية الرئيسية ..

جابر عتيق ..

هي المحور الأهم في الرواية ، ورغم أن الكاتب يمكنه أن يضع  اكثر من شخصية رئيسية في العمل الروائي إلا أن القليل يتمكنون من عدم تضخيم احد الشخصيات لتطغى على البقية ، أو يكون لها حضور لافت في الرواية بحيث يكون تأثيرها فاعل في الرواية ، ويمكن الملاحظة بسهولة أن الكاتب يضع لتلك الشخصية الخارطة الأقوى في العمل .

محورية الشخصية الرئيسية ليست فقط لأن الأحداث تدور حولها أو أنها تحرك أحداث الرواية بل هي مكون رئيسي في بنية الرواية وتكوينها ، بحيث أن الخلل في الشخصية الرئيسية يؤثر على الرواية بشكل عام ، وكلما تمكن الكاتب من تجسيد الشخصية التي تلعب دور البطولة بشكل صحيح نجح في تكوين الجزء الأهم من الرواية ، لأن الشخصية الرئيسية تقع في المحور وأي خلل فيها يسبب الارتباك .

مسار الرواية التي تكون فيها البطولة لشخص واحد يمشي على خط شبه مستقيم ، فالأحداث تقع إما بفعل الشخصية الرئيسية أو بجانبها ، فيستمر التسلسل على نمط واحد تقريباً ، مع تشكيل الاحداث وتأثيرها .

البطولة المشتركة في الرواية تكون متعبة للكاتب أكثر من البطولة المفردة ، ففي حال البطولة المفردة ينظر الكاتب للأحداث بعين البطل فقط ، لكن عندما تكون بطولة الرواية مشتركة بين أكثر من شخصية ، تختلف نظرة كل شخصية للأحداث التي تدور في الرواية ، ويختلف التحليل ، وعلى الكاتب أن ينتبه للعوامل المؤثرة مثل العوامل النفسية والاجتماعية والمالية لكل شخصية .

في البطولة المشتركة تكون للرواية مسارات إما تبدأ وهي ملتقية مع بعضها أو تكون متفرقة ، ثم تجتمع ، ومن الممكن أن تلتقي مرة أخرى بحسب التقاء الاحداث وتنافرها في الرواية ، ومدى تأثيرها على الشخصيات ، وهذا النمط له ميزة انه يعطي الرواية تفاصيل أكثر ويعمق الفكرة فيمكن للكاتب أن يطرح قضية واحدة ويضع لها أكثر من تصور بحسب الشخصيات الموجودة في الرواية .

من الضروري للكاتب مراعات الشخصيات النسائية في أدوار البطولة ، حيث أن النساء يختلفن كل الاختلاف عن الرجال في الحالة النفسية والانفعالية ، والتأثر بالمشاعر وحالة الصدمة ، وردة الفعل ، فمن الضروري أن يؤمن الكاتب الرجل بأنه لا يكتب عن نفسه بل يكتب عن جنس آخر له تكوينه الفيسيولوجي المختلف ، وكذلك الكاتبة المرأة يجب أن تراعي تلك الملاحظات عندما تكتب عن البطل الرجل ، فالتفاصيل للأجناس البشرية تميز الشخصية وتميز الحدث أحياناً .

الرواية .. نقد الرواية ..

الرواية .. نقد الرواية ..

جابر عتيق ..

من الأمور التي تزعج الكاتب “النقد” وهو بالفعل أمر مزعج سواء لكاتب الروايات أو لغيره من الكتاب ، فالنقد من شأنه أن يرفع العمل الأدبي أو أن يشوهه ، وللنقد عدة أوجه في مجال العمل الروائي ، بنية الرواية الاحداث الشخصيات ، زمان ومكان الرواية ، ومجالات فرعية كثيرة ، ويستخدم النقد أيضاً في عدة أوجه ، إما لرفع أسهم الرواية أو للتحقير من العمل أو لتشجيع كاتب أو أن يكون النقد بناء ومنهجي .

ومن المفروض للنقد أن يكون نقداً بناءً ، ليضع نقاط الضعف أمام الرأي العام ، وأمام كاتب الرواية ليتجنب تلك المواضع الضعيفة في عمله الروائي ويعمل على تحسين مستوى أعماله المستقبلية .

كل ما سبق مهم في العمل الأدبي والروائي لكن علينا أن نعرف أمراً مهماً للغاية أن العمل الأدبي هو الأساس ، بمعنى أن لا نقد إن لم يكون هناك عمل ، فالعمل الروائي يصدر ثم ينتقد ، لا لكي ينتقد بل يعتبر النقد أسلوب من أساليب تقييم العمل الروائي ووضعه في موضعه المناسب بين القمة والقاع ، فحين يكون الرأي العام للنقاد بنجاح عمل روائي فهم بذلك يضعونه في المراتب العليا ، ثم يأتي نقد أعلى قيمة ليفاضل بين الأعمال التي تشترك في المراتب العليا لنعرف أيها أكثر جودة وأيها يبقى لزمن أطول وأيها يخلد كعمل إبداعي لا يمكن تجاوزه .

على الناقد حين ينتقد عمل روائي أن لا يلتفت لأسم المؤلف ، ولا تاريخه الأدبي ، وهذا يجعله حيادية ، وأكثر مصداقية ، فالعمل الروائي لا يتكون من عنصر أدبي واحد بل له عناصر كثير في مجال الأدب ، ولو أهتم الناقد باسم المؤلف أو دار النشر ، ستدفعه خلفيته الثقافية أن يقف عند نقاط من الضروري أن لا يقف عندها ، وذلك لأسباب مختلفة ، منها أنه الناقد نفسه ربما يتعرض للنقد بسبب موقفه من عمل أدبي معين لكاتب معين ، لذا عليه أن يهتم بالعمل الأدبي ويقيمه كنص منفرد .

وهناك نوعيات كثيرة للنقاد ، كأي مجال إعلامي منهم المخلص ومنهم المسوف ومنهم المأجور ، لذا على الكاتب حين يستمع للنقد أن لا يتأثر إلى بما يستحق النظر والتمعن من النقد الذي يحلل العمل الروائي ويخرج عيوبه بشكل صحيح دون تشويه ودون مزايدة ودون نفاق ، فحين يتعدى الناقد حدود النقد ويصبح الهجوم على الكاتب وليس على العمل ، هو لا يشوه عمل واحد بل يشوه كل أعمال الكاتب ويترك بصمة سوداء في ذهن القارئ فينظر حينها بريبة لأي كتاب يحمل أسم ذلك المؤلف .

وحين يتعدى النقد حدوده في الإطراء ، يكون الخطر أكبر على الكاتب ، الذي من الممكن أن يتأثر نفسياً وينظر لأعماله بشكل مختلف فيؤثر ذلك على جودة اعماله المستقبلية . النقد عملية مهمة جداً ويحتل مساحة جيدة في الساحة الثقافة ، وكما يجب أن يكون العمل الروائي ذو مستوى من الجودة يجب أيضاً أن يكون النقد على مستوى مرتفع من الجودة لأن النقد لا يقوم به إلى اشخاص محترفون ، بينما العمل الروائي يمكن أن يخرج من أناس عاديون لا علاقة لهم بالساحة الأدبي لكنهم يملكون القدرة على الكتابة والتعبير بشكل جيد