أنا والرواية ..

أنا والرواية ..

اعترف أني غير منهجي في كتابتي للرواية ، فلا اعتمد على أي منهج ولا أفكر من أي مدرسة أدبية أو نقدية حين أكتب الرواية ، فالحكايا التي تروى لا منهج لها لدى الراوي سوى ما يجعلها مقنعة أو مقبولة أو مذهلة أو مشوقة ، ليوصل الفكرة أو العبرة التي يريدها للمتلقي وما الرواية الحديثة إلى تطور طبيعي لتلك الحكايات والاساطير التي نقلها التاريخ ، والاختلاف بين الرواية قديماً وحديثاً أنها أكبر وأنها مكتوبة .

اتعمد أن لا أكون منهجي لا لأني ارفض تلك المناهج أو امقتها بالعكس فهي جزء مهم في بلورة فكر الكاتب وتنمية مهاراته ، لكن حين يضع الكاتب روايته ضمن إطار محدد أو منهج محدد ، فهو يقلص بذلك الفكرة فالقارئ بشكل عام لا يفكر حين يقتني الرواية أنها تنتمي للمدرسة الأدبية الفلانية أو المنهج الفلاني ، بل يقتنيها لكي يستمتع ونستثنى من هذا الأمر أصحاب التخصص والنقاد ، فالنقد والمنهج يأتي بعد العمل ، فالمنهج هو تأصيل لأعمال موجودة ، والنقد هو تفكيك وتحليل اعمال موجودة ، فالعمل الأدبي هو الأساس وكل ما قام لمنهجته أو تحليله أو نقده أتى بعد العمل لا قبله ، والأبداع في مجال الأدب هو الخروج عن السياق العام لكن بشكل جميل وأنيق ومقبول .

لنفرض أن كاتب روائي يكتب ليؤصل منهج أو فكرة فلسفية معينه ، سنجده مقيد في ذلك المنهج ، لكي يُكون رواية تدعم وتأصل المنهج الذي ينتمي إليه ، وربما يغفل بعض الجوانب الجمالية أو الجوانب العاطفية أو جانب المتعة دون أن يشعر بذلك ، لأنه يمشي على خط مستقيم ، في اتجاه واحد ، ولو نظرنا للرواية خصوصاً الروايات التي تعتمد على الراوي فهي ذات اتجاهات مختلفة ، تتصادم وتتعارك تقترب وتبتعد ، فلا تسير احداثها ولا فكرتها بشكل مستقيم بل تميل وتعتدل ، وتذهب يميناً ويساراً ، فالنجاح في الحياة ليست خطاً مستقيماً ، بل هو مسار به محطات كثيرة فنذهب في أتجاه العاطفة أحياناً وفي اتجاه العقل أحياناً أخرى ، حتى نصل للنجاح ، والخطوط المستقيمة قصيرة دائماً في الحياة أما الخطوط الطويلة لا بد أن تنحني وتميل .

يأتي الناقد بأفكار مترسخة في ذهنه وممنهجة ، وينقد الرواية فيرفعها أو يسخطها ، بما يكتب ، لكن النقد الجميل هو الذي ينحو نحو جمالية العمل ، فتكريس النقد في جانب الأخطاء شيء صحيح لا شك في ذلك ، لكن القارئ لا يريد أن يعرف الكثير من الجوانب النقدية المنهجية بل يريد أن يعرف ما مدى صلاحية العمل ؟ وهل هو يستحق القراءة بالفعل أم لا ؟ وهل هو عمل مبدع ؟ أو عمل جيد ؟ أم ضعيف ؟ أم فاشل ؟ وهذه الجوانب هي التي تهم القارئ ، وعلى الناقد حين يتحدث عن عمل أدبي أن لا يخاطب النخب بما يكتب عن العمل الأدبي ، بل يجب أن يخاطب الجمهور فالجمهور هو الفيصل في هذا الأمر ، وكم من عمل خرج عن المناهج الأدبية الموجودة في زمانه ولاقى الكثير من النقد والتجريج إلا أنه لاقى قبول لدى الجمهور وبعد فترة أصبح لهذا النوع من الأعمال مدرسة في الأدب ومنهج يسار عليه من بعده .

كلامي هذا لا يعني أن تفقد الرواية جوانيها الأساسية في الحبكة أو جماليات السرد ، وتميز الشخصيات ، وتماشي الأحداث بشكل سلس مع فكرة الرواية ، فلا يمكن أن نخرج بعمل شاذ وندعي أنه رواية جميلة .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.