رواية أتذكرين .. الفصل السابع ..

الفصل السابع

انتِ من جديد

يبدو أننا سنظل هكذا كثيراً نلتقي خلسة فأنتِ رافضة أن تنفصلي عن زوجك ، لا بل أنتِ خائفة منه ، أريد أن أسألك : هل هو مرعب لهذه الدرجة ؟ لا أدري ما الذي تشعرين به وأنت تتحدثين عنه ! لماذا تتغير نبرة صوتك ؟ ويصبح وجهك شاحباً ؟ لماذا تبكين كثيراً وأنتِ تتحدثين عنه ؟ اعرف أن له الفضل الكبير عليكِ أنتِ وأهلك ، وأنه نقلكم من الفقر للغنى ومن الحضيض للقمة كما تقولين ، لكنه لم يفعل هذا لوجه الله بل فعله ليحصل على فتاة في السابعة عشر من العمر ، ويستمتع بها ، أو يتسلى بها ، إن جاز هذا التعبير ، ربما أنتِ أصغر من بناته أو ربما أنتِ في عمرهن ؟ لا أدري ماذا أقول أو كيف أصف مشاعري ، خصوصاً بعد أن عرفت حجم خوفك من ذلك الرجل ، وحجم تقديركِ له ، وكيف تُجلينه ، لكن صدقيني لن أعجز عن أيجاد الحلول المناسبة ، وصدقيني سوف انتزعك من أحضانه رغماً عن أنفه .

     لدي علاقا كثيرة تخدمني حبيبتي فيما اصبوا إليه ، حتى في بلدك التي لا يعرفك فيها احد ، استطيع أن أصل إليكِ هناك ، لا أخفي حذري من سلطة زوجك لكن كما يملك زوجك سلطات كبيرة في بلده ، فأنا لدي من يحميني منه في بلدي فلن يستطيع أن يصل إلي مهما حاول ، لذا قررت أن العب معه لعبة ، سأسميها لعبة الفضائح ، لأرى مدى قوته ، لقد عرفت عنه أشياء كثيرة منكِ ومن غيرك من الأصدقاء ، واكتشفت أن له أولاد يملكون من السلطة ربما مثل ما يملك ، ويخشون على سمعة أبيهم أن تتأثر بأي شيء ، لأنها ستأثر على سمعتهم ، سأعرف ما الذي سيفعله ولده الأكبر حين يعرف أن لأبيه زوجة ثانية ربما تنجب له أولاد فتأثر على ميراثه أو ربما تأثر على سمعته ، كرجل أعمال معروف أو على منصبه في الدولة .

     بسهولة استطعت حبيبتي أن أصل لوسيلة الاتصال التي توصلني لأبن زوجك ، وبسهولة استطعت أن أخبره أن لأبيه زوجة ثانية ، ومن الطبيعي أنه لا يعرفني ، ولا يعرف أي شيء عني ، فكل ما فعلته أرسلت له رسالة مجهولة تخبره أن أبوه متزوج بامرأة شابة ، ولم اكتب له سوى تلك الكلمات في الرسالة ، وانتظرت أن تأتيني الأخبار منك ، وأول شيء أخبرتني به ، بعد أسبوع من تلك الرسالة أنك طلبتي تأجيل لقائنا الذي كان بعد أيام ، فعرفت أن هناك مشكلة بدأت تتجلى في حياتك ، بل في حياة زوجك .

     حبيبتي ها أنتِ تأجلين موعدنا مرة أخرى ولا تخبريني عن السبب ، من الجميل أني من حرك الأمور التي تجهلينها ، رغم أني لا أعرف ما الذي فعلوه معكِ ، لكني لست خائف فزوجك قوي لدرجة أن أبنه لا يستطيع أن يضرك بشيء وأبوه لا يزال حياً ، لكن من المؤكد أنك ستكونين تحت المجهر لفترة ليست بالقصيرة ، أو ربما يراقب هاتفك المحمول أيضاً ، فلا تستطيعين الاتصال بي ، تعرفين حبيبتي رغم خوفي عليكِ إلا أني سعيد بما فعلت ، رغم عدم تأكدي من أن زوجك سيبعدك عن حياته أم لا ، لكنه في وضع حرج فسلطته التي تتحدثين عنها حبيبتي جاءت من زوجته الأولى ولم يكتسبها من مهارته ولا خبرته ولا أسرته ، اضنك تعرفين هذا جيداً ، ولم تخبريني به بل عرفته بكل سهولة ، فالناس المعروفة تكون أمورهم مكشوفة دائماً والغريب أن ذلك الرجل نجح في أن يخفي زواجك به ما يزيد عن العشر سنوات ، لكن جاء الوقت ليعرف الجميع ذلك .

     كنتِ متوترة وأنتِ تتحدثين معي من هاتف مجهول ، وتشرحين لي ما جرى ، وكيف افرغ زوجك جل غضبه عليكِ ، ثم عاد إليك نادماً ، وكيف أن ابنه هدده بنشر الخبر إن لم يعطه نصف ثروته ، ورويتي لي كيف انه متمسك بكِ ، وأنه على أستعدد أن يخسر ثروته كلها إن لزم الأمر ، كنتِ سعيدة وأنتِ تقولين جملتك الأخيرة ، كأنكِ أول مرة تكتشفين أنه يحبك من كل قلبه .

     هل تحبينه ؟ كان هذا هو السؤال الذي جعلك تصمتين ، وتترددين ، وتغيري مجرى الحديث ، أعدت السؤال مرة أخرى : هل تحبينه ؟ عاد الصمت ، لم اعد سؤالي حينها ، وتركتك تفكرين في الإجابة المناسبة ، وحينها تكلمتِ عنه ، تكلمت باستفاضة ، كنت متضايق جداً وأنتِ تتحدثين عنه ، اكتشفت مقدار الحب الذي تكنيه لذلك الرجل رغم سنه الكبير ، رغم انه لا يلبي حاجتك العاطفية والجسدية ، إلا أنك تحبينه ، أنتِ ممتنة لما فعله وسعيدة بحبه لكِ ، وتلك العشرة الطويلة بينكم ، ثم قلتي : أنا أحبه ، لكنه حب يختلط بكل ما أخبرتك به ، فحبي له بني على طول العشرة والامتنان والأعجاب بشخصية وهيبة الأب إن جاز التعبير ، أما أنت فمختلف عنه كل الاختلاف بالنسبة لي ، فأنت حبيبي ، ومالك قلبي ، لكن هناك أمور تجبرني أن ابقى مع ذلك الرجل حتى يتركني .

     متى سيتركك لتعيشي حياتك ، متى سيتركك لأعيش أنا حياتي مع من أحب ، كان لدي أمل أن يضغط عليه أبنه حتى يطلقك لكني فشلت في هذا المسعى ، لا أدري ما الذي سأفعله ، لكن هناك حلول أخرى تصب في نفس الاتجاه ، سأتجاوز هذا الأبن المريض بحبه للمال وأرسلت رسالة لأخيه الأصغر بعد حديثي معك مباشرة ، وسرعان ما عاد الاضطراب لحياتك مرة أخرى ، لأن ذلك الأبن كان الأقرب لوالدته ، وقد أخبرها أن لأبيه زوجة ثاني ، يبدو أنه خاف من أن يضيع ميراثه ما بين أخيه الأكبر الذي يسيطر على الكثير من تجارة والده وبين زوجة أب شابة يمكنها أن تسيطر على قلب أبيه وجيبه أيضاً .

     كان التحرك سريعاً هذه المرة كل شيء حدث بسرعة غير متوقعة ، فزيارة زوجته الأولى لك ، وكمية الشتائم التي أسمعتكِ إياها والأوصاف القبيحة التي وصفتكِ بها ، أزعجتكِ كثيراً ، وسببت لكِ التوتر والخوف ، رأيت هذا جلياً وأنتِ تتحدثين معي وتشرحين ما جرى ، لا أدري ما الذي ستفعلينه حين تعرفين أني المتسبب في كل ذلك ، كذلك تهديد أبنه الصغير الذي أرعبك ، انقلبت حياتك رأساً على عقب ، وأصبحت أمورك مكشوفه ، وأعرف أن الأمور لن تهدئ في الوقت الحالي ، لكني آمل أن تنتهي المسألة بنفس السرعة التي بدأت بها ، فلا صبر لدي استخدمه إلى أن تنفصلي عن زوجك أو أن يموت .

     كان حديثي معك مطولاً وكان زوجك هو محور الحديث ، لقد صدمت عندما عرفت أنه أخبرك بأنه أعلم الجميع بمسألة زواجه منكِ ، وأنه جرد أبنه الكبير من مسؤولياته التجارية التي كان يقوم بها وكلفكِ أنتِ بإدارة جميع أعماله ، يبدو أن ذلك الرجل قد أستغنى عن الجميع ليبقى معك ويمنحك كل حياته وممتلكاته ، أنا متأكد أنك لستِ سعيدة بذلك التكليف ، ولا بالقطيعة التي ستحدث بينه وبين أبناه ، لكني لست متأكد من رغبتك في السيطرة على تلك الثروة العملاقة التي يملكها زوجك ، تذكرين حين سألتك لماذا لا تطلبين منه الانفصال حفاظاً على تماسك أسرته ؟ ماذا قلتي ، سأذكركِ سيدتي بتلك الكلمات ، قلتي : الوقت غير مناسب لذلك ، وأنا أعرف ذلك سيدتي جيداً ، لكن من الأفضل أن يبقى ذلك الرجل مع أسرته وأبنائه ما بقي له من العمر ويترككِ تعيشين حياتك .

     يبدو أن المسألة لا تتوقف عنده هو فقط بل أنتِ أيضاً تشتركين معه في الكثير من الجوانب التي يراها والكثير من الأمور التي يريدها ، فأنتِ الآن زوجته أمام الجميع ، وهو متمسك بكِ لدرجة الاستغناء عن الجميع بسببكِ ، شيء يدعو للاحترام ، ليس من وجهة نظره هو فقط بل من وجهة نظري أنا أيضاً .

     إنه يقيم معك الآن في منزلك ، ويذهب معكِ لكل مكان ، وقد أثر هذا على علاقتي بك ، لم استطع أن اتصل بك بحرية كما في السابق ، ولا أن ألتقيك كما في السابق ، وتبدا لي أن كل ما فعلته جاء بنتائج عكسية ربما تهدم علاقتنا من الأساس ، لكني لست عاجزاً لهذه الدرجة آنستي ، فلدي أوراق كثيرة يمكنني أن أستخدمها لكي أزعج ذلك الرجل ، لكن لم يحن وقتها بعد ، صدقيني سيدتي ، لا يزعجني ذلك الرجل كثيراً ، بل ما يزعجني ويوترني هو أنتِ ، فسعادتك التي شعرت بها حين أنكشف أمر زواجك ، وإقامة زوجك معك في المنزل لا توصف ، أنتِ سعيدة لدرجة أنكِ بدأتي تهمليني أكثر مما توقعت ، تعرفين ما معنى أن تهمليني حبيبتي ؟ تعني أن كل شيء في حياتي سيضيق ، وسأشعر بالاختناق الدائم عندما أتذكر أن ذلك الرجل يقيم معك فيراكِ وقت يشاء ، ويلمسك وقت يشاء ، وينام بجوارك ، وأنا مهمل هنا لا تتذكريني .

     متعبة هذه المشاعر سيدتي ، فعندما أرسلت تلك الرسالة لأبنه الأكبر لكي استفزه ليضغط على والده ، لم أتوقع أنه سيستغل الموقف ليطلب المال ، وعندما أرسلت الرسالة الثانية لأبنه الأصغر لم أتوقع أن يترك زوجك الجميع من أجلك ، ولم أتوقع أيضاً مدى تمسككِ به ، فانتقلت من ضيق إلى ضيق ، ومن هم إلى هم ، هكذا لعبتي بمشاعري ، وسيطرتي على عقلي وقلبي ، دون أن يكون لي سيطرة على شيء ، ومن الأكيد أنكِ استخدمت كل تلك الأساليب مع زوجك في السابق ، لذا هو متمسك بك ، بل هو مجنون بك ، فقد باع الجميع من أجلك ، ناعمة أنتِ كالأفعى سيدتي ، لكنكِ سامة ، يصل سمكِ للقلب بسرعة لا يتوقعها من يقترب منكِ .

     صدقيني من الصعب علي أن أفعل تلك الألاعيب التي احتقرها أساساً ، احتقرت نفسي أكثر من مرة ، بسبب ما فعلت ، فقد فككت تلك الأسرة التي كانت تبدو متماسكة أمام الجميع ، وأضعت احترام زوجك أمام أبنائه وأقربائه ، وكيف أن أبنائه تعاملوا معه بطمع ، ولم يتعاملوا معه أنه رجل من حقه أن يحب ويتزوج ويستمتع بحياته ، وأنتِ حبيبتي الأهم ، أنتِ كل شيء ، وفعلت كل شيء من أجل أن تكوني معي ، ولم أستطع أن أجعلكِ معي حتى الآن ويبدو أني لن أستطيع ذلك في وقت قريب ، فالحلقة بدأت تضيق بينك وبين زوجك ، وبدأ الكثير من اللاعبون يخرجون ، ولم نبقى سوى نحن الثلاثة ، أنا وأنتِ وزوجك ، ويبد أني سأخرج قريباً من اللعبة ، لكني لن أخرج وحيداً صدقيني .

     اتصالك الأخير بعث الأمل في قلبي ، وطلبكِ لقائي بعث تلك الرغبات التي كادت تموت بسبب ابتعادكِ عني في فترة المشاكل التي حدثت لكِ ، ولم يكن لقائنا سوى ليلة في فندق نقضيها سوياً ، لكنها كانت فرصة مناسبة لي لكي احيي في نفسك كل شيء تحبينه ، فرصة لأشعرك أنك أنثى ترغب برجل يملكها ، فكان لقائنا عنيفاً ، لم أترك لك المجال لأن تبتعدي عني ، ولم أجعلكِ تنامي تلك الليلة ، فبإمكانك أن تنامي بجوار زوجك لترتاحي .

     بهدوء أتحول لذلك المعشوق الذي تحتاجين إليه ليعيد لك الحياة بين حين وحين ، الرجل الذي تمنحينه كل ضعفك لتواجهي العالم بكل قوتك ، سامحيني حبيبتي ، فأنا لم أكن بريئاً هذه المرة فكل ما جرى معك كان مسجل ، لقد سجلت لقائنا كاملاً ، لكي تكوني تحت أمري ، لم ولن أخبرك بتلك الأمور ، لكني محتاج أن يكون لدي شيء أستطيع أن أضغط عليكِ به وقت أشاء فأنا لست مؤمن كثيراً بمقدار حبكِ لي ، ولست مؤمن كما تقولين بأنك لا تستطيعين الاستغناء عني ، فأنت شيطاني الذي يدمرني برغبتي ، سيبقى الأمر بيني وبين نفسي حتى تعصيني ، فيتحول الأمر بيني وبينكِ ، حتى تعصيني ، فيصبح الأمر بيني وبينك وبين زوجك ، فإن لم يفعل شيء ، كان الأمر أمام الملأ ، لن أخسر وحدي حبيبتي صدقيني .

     لا أرغب في تهديدك ، ولا أخافتك ، ولن تعرفي بموضوع ذلك التسجيل أبداً ، إذا بقيتي وفية لي ولحبي ، تصدقين حبيبتي أني ندمت أني قمت بتسجيل تلك الليلة ، فوضعت التسجيل في خزنتي الخاصة ، كي لا يشاهده أحد ، حبيبتي لا أدري لما أنا مشتاقٌ لكِ الليلة كثيراً ، لم أحيي كل الشجن في نفسك في لقائنا الأخير ، بل أنتِ من حيا ذلك في قلبي ، فالليلة هي الثالثة بعد لقائنا الأخير ، لكني مشتاق لكِ ، حين بعثت لك رسالتي لكي أخبرك بذلك ، لم أتوقع أن تقولي أنك مشتاقة لي أكثر ، ولم أتوقع أن أقابلك في اليوم التالي ، لكن اللقاء سيكون بحد ذاته جنوناً ،  لا أنكر أني لم أفكر في إقامة أي أعمال تجارية مشتركة بيننا من قبل ، وأن الفكرة أعجبتني ، فيمكنني مقابلتك بشكل رسمي في بعض الأحيان ، وأن أتعرف على الأشخاص المحيطين حولك ، ربما أتعرف على زوجك ، لما لا ؟ .

     خفق قلبي بشدة وأنا أقف أمام مكتبك قبل أن تدخلني السكرتيرة على المدير العام ، لا أدري كيف تحكمت في نفسي حين دخلت ، كانت مشاعري في حالة هياج ، وأنتِ كنتِ مثيرة بلباسك الرسمي ، وحين خرجت السكرتيرة ، القيتِ أمامي ظرفاً فتحته ، فوجدت فيه تذكرة طيران الليلة ، وجهتها باريس ، وجناح في فندق محجوز باسمي ، نظرت إليكِ حينها ، فسألتني : ما حجم السيولة التي يمكنك أن توفرها ؟ قلت : ما بين العشرين إلى الثلاثين مليون دولار خلال يومين ، ومن الخمسين إلى الستين مليون دولار خلال ستة أيام ، ولو كان المبلغ أكبر أحتاج لمدة أطول ، ضحكتي حينها ، ثم قلتي : أنت مرنٌ جداً أكثر مما توقعت ، أنا أحتاج خمسة عشر مليون يورو ، خلال شهر ، ثم دنوتِ مني وهمستي ، لكني أحتاجك غداً بجواري على الغداء في باريس ، ابتسمت ، كنت أود أن ألعن شيطانك بصوت عالي ، لكني لم أفعل ، لأنك طلبتي السكرتيرة في ذلك الحين ، فدخلت وبيدها مخططات وأوراق أخرى ، وضعتها على طاولة الاجتماعات ، فأشرتي لي بأن ننتقل لنراجع المشروع هناك .

     جلست في الجهة المقابلة ، وكنتِ تمررين الخائط المعمارية والصورة الفتوغرافية ، وأنا أشاهدها باستغراب ، فسألتك : ما الأمر ؟ وضعتي يدك على شفتيك لكي لا أتكلم ، وأمسكتِ هاتفك المحمول ، وبعثتي لي رسالة : حدثني بشكل رسمي ، ثم رسالة أخرى : من المفروض أن تكون أنت الشخص الذي يطرح هذا المشروع على شركتنا ، ورسالة ثالثة : ستجد كل هذه الأوراق على أيميلك ، أذهب للفندق الآن وبعد ثلاث ساعات ، سألتقي بك أنا وزوجي لنناقش المشروع ، ثم مررتِ لي ورقتان كتب عليهم بعض الملاحظات .

     دار الحديث بشكل رسمي بيننا بعد ذلك ، ولم نتكلم كثيراً في تلك المقابلة ، فخرجت بعدها بعشر دقائق ، نظرت لساعتي حينها ، كانت الثانية عشر ظهراً ، وسألتقيك وزوجك الساعة الثالثة تقريباً ، رفعت هاتفي المحمول ، فكان هناك عدت رسائل ، احدها منك ، توقعت أنك ستتكلمين عن المشروع ، لكنكِ كتبتي : احبك ، ضحكت وأنا سعيد لسماع هذه الكلمة ، لكني ذهبت للفندق ودرست المشروع الذي أعطيتني إياه وقرات الملاحظات التي سجلتها لكي أطبقها وأنا أجلس مع زوجك ، وورقة أخرة تتكلمين فيها عن المشروع وتكاليف شراء الأرض والسمسرة والتسجيل ، وكتبتي في أخر الورقة يجب أن تحفظها عن ظهر قلب .

    كنت اضحك بعد أن أنتهى لقائنا ، تعرفين لماذا سيدتي ، لأنك أيضاً كنتِ تضحكين وأنتِ تودعيني فزوجك الذي لم يجلس معنا إلا عشر دقائق غالبه النعاس ، فنام ، ثم أستيقظ ليسألني عن البورصة ، ولا أدري ما دخل البورصة بمشروعنا ، ثم نام مرة أخرى ، ثم قام ليسألك ما الذي تفعلينه في مع هذا الرجل ؟ تصدقين حبيبتي أني شككت أنه يفتعل هذا الأمر ليراقبنا ويسمعنا ، فكنت حذراً لكني أيقنت أنه نائم فعلاً حين غط في النوم للمرة الثالثة ، ورغم ذلك كنت حذراً وأنتِ كذلك يبدو أن مشاعرنا مشتركة تجاه الرجل ، تذكرين حين أيقظته ليوقع العقود ، ناديته بحبيبي ، تصدقين كدت أصفعك حينها لكني لم أفعل ، ربما لو كنا وحدنا لفعلتها .

     خرجتِ معي وأنتِ تتحدثين عن المشروع حتى وصلنا لمدخل الشركة ، ففتح لي السائق باب السيارة حينها نظرتي لساعتك وقلتي بصوت منخفض ، بقي ثلاث ساعات على رحلة باريس ، ضحكت ، وضحكتي أنتِ حين قلت : لا تنسي زوجك نائماً ، رددتِ حينها : أتمنى أن يضل نائماً حتى أعود من باريس ، سألتك : كم يوم ستظلين معي ، قلتي : حبيبي أسبوع كامل ، غادرت بعدها للفندق ، ثم للمطار ثم الفندق ، والتقيتك في اليوم التالي على الغداء ، وطلبت منك ألا تفرغي حقائبك ، سألتني لماذا ؟ فأخبرتك : أننا سنقضي أيامنا السبعة في منزل ريفي خارج باريس ، ابتسمتِ وبدت السعادة مرتسمة على وجهك .

      لكني لم أقصد أن نبقى وحدنا فقط بل كنت عازماً على أن أغير رأيك تجاه زوجك ، ذلك الشيخ المسكين الذي تلعبين بمزاجه كيف تشائين ، لم أتوقع أن زوجك تجاوز السبعين من العمر أو ربما أكثر رغم معرفتي بأنه يكبرك بكثير ، كنت أضن أنه يتمتع بصحة جيدة على الأقل ، لكني رأيت رجل منتهي الصلاحية ، رجل يعاني من أمراض شتى ، وبجواره امرأة شابة تدمره وتمص دمه ، أخرجته من أتزانه ، ودمرت أسرته ، وتمارسين كل الحيل العاطفية التي تفعلها النساء ، لتتمتعي بما يملك ، صدقيني لم يخطر ببالي أنك تستغلين ذلك الرجل ، ربما جاءت رسائلي لأبنائه في صالحك ، فكنت أنا ضد أبنائه معك دون أن أقصد ، لكني لن أستمر في هذا الفعل الحقير ، مهما فعلتي معي ، أو مهما قلتي ، أو مهما كانت أسبابك مقنعه .

     لقد تكلمتِ عن نفوذ زوجك وقوته ، وثروته ، لكنك لم تذكري في أي مرة تحدثتِ عنه أمراضه المزمنة ، ووضعه الصحي التعيس ، نعم أحبك ، وأقسم على ذلك ، بل إني لا أستطيع الاستغناء عنك حبيبتي ، لكني لن أشترك معكِ في استغلال الرجل ، نعم كنت شيطان كثير من النساء ، لكني لم أدمرهن أو أدمر أزواجهن ، وحين قررت أن ادمر حياة زوجك ، كان بدافع الحب وبدافع أنك كنتِ تصفين الرجل بالطاغية صاحب النفوذ القوي ، ربما هذا ما جعلني افعل ما فعلت ، ولو كان لديكِ طفل منه لما أقدمت على ذلك .

     رافقتني بهدوئك ، ومشاعرك المجنونة ، ورغباتك القوية ، للمنزل الريفي ، وأبديتي لي كل ما أحب ، كنتِ لطيفة لدرجة أني نسيت كل ما كنت أود أن أحدثكِ عنه ، كنتِ راغبة لدرجة أني أجهدت بسببك ، كنتِ رومنسية لدرجة أن الشموع لم تفارقنا في أي ليلة ، لكني تمكنت في الليلة الأخيرة أن أتحدث معك بصراحة مطلقة ، فتفاجأت بصراحتك المطلقة ، ربما خدعتك مرة أخرى حين خلطت لك المشروب مع العصير ، ندمت في البداية لكني بعد أن سمعتك تتكلمين ، تمنيت أني خلطت لك السم بدلاً من الفودكا .

     لا أنسى تلك الليلة ولن أنساها ، عرفت فيها مدى طغيانك ، ومدى جبروت حبيبتي ، ومدى طمعك ، لا أنسى كلماتك : حبيبي سيموت قريباً وسنتمتع بثروته ، همست في أذنك حينها : أنتِ تحتاجين الثروة لأنك خرجتي من الحظيظ لكني لا أحتاج ثروته لأني لم اعش ذلك الحظيظ ، قلتي : ثمن عمري ، ثم أعدتها : ثمن عمري ، هل سألت نفسك ما الذي يدفع فتاة في السابعة عشر من العمر أن تتزوج رجل غزت التجاعيد وجهه ؟ وهل تعرف كيف تصبر امرأة على رجل لم يجامعها منذ سبع سنوات ؟ هل تضن أن كل هذا الصبر كان من فراغ ؟ أم ماذا تضن حبيبي ؟ .

     لم أرد على أسألتك لا لأني لا أريد الإجابة بل من الصدمة ، فلم أتوقع أنك تحسبين حياتك بتلك الحسابات ، ولم أتوقع أن تكوني ماكرة لهذه الدرجة ولا غامضة لهذه الدرجة ، ولا خبيثة لهذه الدرجة ، ربما أدرت أن يطلقك زوجك أو أن يموت فتتخلصين منه لكي أحظى بكِ لا بثروته ، فهو لا يعني لي شيء إن تركك ، أنتِ مقصدي وهدفي لا قصد لي به ، ولا هدف لي معه سواكِ أنتِ .

     كنتِ تنظرين لي بتمعن ، وتنتظرين أي كلمة أقولها ، ربما بدت ملامحي التفكير والضيق بادية على وجهي لكني كتمت كل شيء في نفسي لأترك لكِ المجال لكي تقولي كل شيء ، ثم سألتني : لماذا لا تتحدث ؟ لم أجب على سؤالك بل قبلت يدك وسكت ، فقلتي : احبك أكثر مما تتوقع ، وبودي أن أعيش معك طوال حياتي ، لكني لا أريد أن اخرج من حياتي هذه دون فائدة فقد كانت تكلفة حياتي بين أحضان ذلك الرجل باهظة جداً ، قبلتك ، فقلتي أنت شيطان ، ضحكت وقلت : لا حبيبتي ، أنتِ الشيطان الآن ، فما تفعلينه بزوجك لا يتجرأ الشيطان على فعله ، ضحكتِ بتهكم ثم قلتي : لا تدري ما الذي سأفعله بأبنائه وخاصة أبنه الكبير سأمسحه من على وجه الأرض ، ضاق صدري من حديثك حبيبتي ، لكني كنت أريد أن أعرف كل شيء ، فقد تبدى لي أن هناك عداء قوي بينك وبين أبن زوجك ، وزوجك أيضاً لا أدري لماذا أشعر أنك تريدين الانتقام منه .

     قمت من مكاني وحضرت لي كأساً وحضرت لك كأساً ولم أخلط كأسك بأي شيء هذه المرة حبيبتي ، ووضعته أمامك ، ضحكتي حينها ، وقلتي : جعلتني أسكر أيه الشيطان ، عليك اللعنة ، لكنك حبيبتي مع كل اللعنات التي أطلقتها تلك الليلة شربتي الكأس وطلبتي آخر بعده بساعة ، أنتِ ثملة وتتحدثين عن حياتك ، تذكرين حبيبتي ما الذي قلتيه في تلك الليلة عن أبن زوجك الذي كان صديقك قبل أن تتزوجي أباه ، وكيف وظفك في شركة والده الذي أعجب بك ، وحاول أن يغويك ، وقاومته حتى طلب منك الزواج ، وكيف تعامل معك ببشاعة بعد الزواج ، وكيف كان يذلك حين ينام معك ، وكيف كان يذلك ويهينك ويعايرك بأهلك وفقرك ، وكيف عودك على شرب الخمر ، وتعاطي الحشيش ليحصل على رغباته المجنونة ، ومعاناتك لكي تتخلصي من الإدمان ، أشياء كثيرة حبيبتي ، لكنها أصبحت من الماضي .

     اقتربت منك ، قبلتك بكل مشاعري ثم همست في أذنك : أحبك ، فتركتني أدغدغ أذنك بشفتي ، ثم همست مرة أخرى : أرجوك أتركيه ولنعيش سوياً ، ضحكت بصوت عالي ثم قلتي : أنت تحصل على كل شيء تريده ، فأنا تحت أمرك حين نكون سوياً ، لا اعصي لك أمر ولا أمنعك من شيء ، ولن أمنعك من شيء ، تعرف لماذا ؟ لأنك أنت الرجل الذي شعرت معه بكل ثوراتي وجنوني ، الرجل الذي جعلني حرة من كل شيء ، الرجل الذي أعاد لي رغبتي كامرأة وأعاد قلبي ، صدقني لم أشعر بالغرام إلى معك ، ولم أشعر بلذة الحب العنيفة إلا معك ، آتيك وأنا مصممة أن لا أفعل معك شيء ، وأخرج وقد فعلت أنت بي كل شيء تريده ، عليك اللعنة لم أشعر أني ضعيفة مع أنسان مثلما شعرت بذلك معك .

     تذكرين حبيبتي أننا قضيتا بقيت الليل في الفراش وأخرنا سفرنا ثلاثة أيام بعد ذلك ، فأنتِ تسكرين معي الآن ، لكنك حذرة وخائفة أن تعودي لإدمان الخمر من جديد ، لقد أشفقت عليك مما سمعته عن حياتك السابقة ، لكني أشفق على زوجك مما هو فيه ، منك ومن أبنائه وزوجته ، فلو تركتهِ الآن لمن سيعود ، لزوجته التي لا تريده أو لأبنائه الذين يريدون الثروة ، أضن أنه سيصبح أشبه بالمتشرد لكن تشرده ليس في الشوارع ، بل تشرده سيكون أقسى من ذلك ، فسيتشرد بين أهله وأبنائه ، وأنتِ تنعمين بالثروة ، وأبنائه ربما إن نجحتِ في انتقامك سيعيشون في الحضيض الذي كنتِ تعيشين فيه .

     ما أثار قلقي  طمعك ، فأنتِ ترغبين في الثروة ، كل الثروة ، وترغبين في أن تدمري أبنائه ، كل أبنائه ، حذرتك كثيراً وقلت لكِ : انتبهي حبيبتي ، أنتِ وحيدة ، وصاحبك المضمون هو المال ، لا صاحب لك سواه ، لقد أخبرتني سابقاً بأنك ستجعلين الأبناء يندمون على عصيانهم أبيهم ، هل أنتِ فعلاً تريدين الانتقام لزوجك أم تريدين الانتقام لنفسك ، أم تريدين أن تثبتي لزوجك أنكِ الوحيدة التي تشعر بمعاناته ، إن تدميرك لأبنه الكبير والتأثير على أعماله التجارية لن يشفع لك كثيراً ، فهو لم يعد يملك الكثير بعد أن سحب والده منه كل الصلاحيات وكل السيولة وحجز على أمواله ليفصل القضاء في المشاكل المالية بين الولد وأبيه ، وهو يقوم الآن بإدارة أموال والدته ، وإياك حبيبتي أن تثيري عداء أسرتها فكل شيء يملكه زوجك هو جزء يسير مما يملكون ، وكل نفوذ زوجك لا يتعدى جرة قلم احد أنسبائه .

     لم تهتمي لحديثي ، تعرفين لماذا ؟ لأن رغبتك في الانتقام كانت أكبر من أن تستخدمي عقلك ، أو أن تفكري بحكمة ، تجعلكِ تستفيدي دون أن تضري الرجل ، وأضن أنك تملكين الآن من المال ما يجعلك لا تحتاجين لأحد ما حييتي ، لكنكِ لم تغيري رأيك رغم محاولاتي ، تصدقين حبيبتي كنت أود أن أترككِ للأبد ، لكن قلبي رفض ذلك ، لقد خفت منكِ ، فأنتِ تملكين مستوى خبث لم أره في امرأة قبلك ، لكني أشفقت عليك لا من زوجك ، بل من نفسك حبيبتي ، فأنتِ تسعين لتدميرها ، وتزرعين الكره فيها ، ربما دون أن تقصدي ، لكنها ستتشرب الكره ويصبح صفة غالبة عليكِ .

     مرت الأيام كعادتها سريعة وأنتِ معي ، لم أشعر بالوقت ، ولم أنتبه لشيء سواكِ ، وكالعادة ، رحلتي ، لكنكِ بعد ساعة من وصولك ، أتصلتي بي ، كنتِ تبكين وتقولين : أخذوا كل شيء لم يتركوا سوى ملابسي والأثاث ، لم أستوعب في البداية لكني فهمت بعدها حين قلتي : زوجي في غيبوبة في المستشفى ، أه حبيبتي لم تحسبي حساب هذه اللحظة ، ستتوقف الساعة الآن ، وستكونين وحدك بالفعل في مواجهة الجميع ، دون نفوذ زوجك ، طلبت منك أن تبلغي الشرطة ، لكنكِ رفضتي وقلتي لا أريد أن تحدث مشكلة الآن ، كنت مصر أن تطلبي الشرطة ، لكنكِ رفضتي رفضاً قاطعاً ، كنت أريد أن تثبتي عداء أبنائه لكِ ، لكنكِ لا زلتي تشعرين أنكِ قوية ، وأنا لا أضن ذلك بعد الآن .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.