رواية أتذكرين .. الفصل الخامس ..

الفصل الخامس

لدي أمل

     إلى متى أنتظرك ؟ وإلى متى ستظلين تكتبين رسائلك الثلاث ؟ وإلى متى ستنظرين إلى ساعتك وأنتِ تكتبي الرسالة الثالثة ؟ وإلى متى سنبقى بعيدين هكذا ؟ لا أريد علاقات تنهار أو علاقات تنتهي ولا أريد أن أرى المشاعر تموت ، ولا أريد أن أتذوق طعم الخيانة ، ولا أريد أن اهمل قلبي مع امرأة تنساني ، أو تحبسني في قمقم لا أخرج منه ، لكني لا أريد أن أفقد قلبي ثانياً , ولا أريد أن أضيع حبي ثانياً ، ولا أريد أن تموت مشاعري مثلما ماتت قبل أن أقابلك آنستي ، لقد عادت لي المشاعر من جديد معكِ ، وعاد قلبي ينبض من جديد معك ، وعدت أشتاق ، كما كنت شاباً ، وأنا أنتظرك .

     كلنا نقف على خط واحد لا نتجاوزه تعرفين آنستي كم مضى على علاقتنا ، خمسة أيام في أول لقاء ، وشهر من الرسائل والانتظار ، ثم ثلاثة أيام جميلة ، وشهر آخر قلت فيه الرسائل وزاد الانتظار أكثر ، دون أمل ودون رجاء ، فقط انتظار لم أفتح لك موضوع لقاءٍ آخر ، ولم تفتحيه أنتِ ، لم تتجرئي أن تطلبي مقابلتي ، ولم تتجرئي أن تغادري مشاغلك ولا التزاماتك ولا قيودك ، ولا ما لا أعرف من ظروفك التعيسة أو السعيدة وأنتِ بعيدة عني ، صدقيني آنستي أستطيع أن أقاوم مشاعري ، لدي القدرة على ذلك ، وأستطيع أن أهملكِ بعد فترة من المقاومة ، وأستطيع أن أضعك على رف الذكريات بعد فترة أخرى ، لكني لا أريد ، تستهويني مشاعري تجاهك ، ويستهويني جنونك ، ويستهويني غيابك ، ويستهويني بخلك الدائم معي ، كما يستهويني انتظارك ورغبتي في اكتشافك ورغبتي في احتضانك وتقبيلك ، وأكثر من ذلك سيدتي يستهويني حبك الغريب .

     قلت رسائلك آنستي فقد كنتي ترسلين لي ثلاث رسائل كل يوم بانتظام ، ثم أصبحت ثلاث رسائل كل يومين بانتظام ، ثم ثلاث رسائل كل ثلاثة أيام ، أكتشفِ مدى بخلك آنستي ، تصدقين أني بدأت أهمل هاتفي ولا أحمله معي دائما كما كنت في السابق ، فأنا أعرف متى ترسلي رسائلك ومتى تتوقفين ، فلماذا أحمل نفسي عناء النظر للهاتف كل ساعة لأرى هل أرسلتِ لي رسالة أم لا ؟ لماذا أحمل نفسي عناء انتظارك آنستي ؟ لا أدري بدأت رغبتي في نسيانك تطاردني كما يطاردني حبك ، وبدأ قلبي يتألم ويهدأ ، لا يستمر الألم طويلاً كما في السابق ، لا تلوميني آنستي ، فهذا هو الشهر الثالث بعد لقائنا الأخير ، وقد قلت رسائلك حتى أصبحت رسالة كل أسبوع ، تصدقي رسالة واحدة فقط كل أسبوع ، هل هذا ما يثبت ذلك الحب الذي تحدثتِ عنه ؟ وهل الثلاثة أشهر تثبت قرب لقائنا ؟ أسألي نسفك آنستي .

     أنا لا زلت أنا لم أتغير وربما لن أتغير ، لا شيء ، أنا لا شيء ، عدت لا شيء ، كما كنت قبل أن ألتقيكِ ، أعدت ذكرياتك كثيراً في رأسي ، تمر سريعة فذكرياتك أنستي قليلة ، كما حبك القليل الذي رميته لي في أول لقاء وفي ثاني لقاء ، أردت أن أكون بخيلاً مثلك ، اعذريني آنستي ، أرجوك أعذريني أكثر من ما فعلتي ، تصدقين ، كانت رسائلك القليلة التي تبعثين بها تبعث الأمل في نفسي ، وتثير أعصابي أيضاً ، أسلوبك الغريب الذي تسلكينه معي ، اسألي نفسك آنستي ، هل سألتني لماذا لا أرد على رسائلك التي كانت تحمل شيئاً من الشعر أو شيئاً من الضحك أو شيئاً من الوعود ، لم تسأليني آنستي هذا السؤال ، كيف لي أن ارد على رسائلك وأنتِ لا تسألي عمن ترسلين إليه ؟ فربما مات ، أو مرض ، أو ربما وقع في حب امرأة أخرى ، لا أدري منذ البداية شعرت أنكِ تتسلين بي ، ولا زال ذلك الشعور يراودني بين حين وحين ، تتسلين ، فقط تتسلين ، وأنا أيضاً أريد أن أتسلى ، فماذا فعلتي لتسلي خاطري آنستي ، لا شيء .

     (( يا صاحب الشعر الطويل ، منذ متى تقرأ رسائلي ؟ فلماذا لا تجيب ؟ ولا تسأل ؟ ولا تطالبني بلقاء ؟ ليتك تفعل ، فبي أشياء كثيرة ، أود أن أقولها لك ، أود أن أخرجها من جوفي لأتخلص منها ، هيا يا صاحب الشعر الطويل فأنا أنتظرك ، اعطني يدك )) فزعت من نومي ، وأنا أصرخ نور رفعت هاتفي وكتبت لكِ آنستي ، أناديكِ : نور ، لم يكن حلماً مرعباً على الإطلاق ، لكنه أرعبني خفت عليكِ ، صدقيني ، بعدها هدئت ، وسألت نفسي لماذا أرسلت لكِ رسالة ، ماذا تريدين ؟ وما بكِ ؟ ما الذي أصابك ؟ هل أصابك مكروه ؟ أم ماذا ؟ آه وآه ، ما الذي أصابني ، تستهويني امرأة ، وأقع في حبها بسرعة ، وترحل ولا أستطيع أن أنساها ، أو أسلاها ، ما الذي جرى لقلبي ، كدت ألعنك لكني توقفت ، فلا لوم عليك آنستي ، فأنا من تقرب لكِ وطلب ودك .

     حلم ، نعم حلم ، حلم جميل لكنه مزعج جعلني أفكر بكِ كثيراً ، وألوم نفسي لماذا لم أسألك عن حياتك ، ومشاكلك ، ربما كنتِ محتاجة أن تتحدثي ، أن تخرجي ما بداخلك من هموم وتستريحي ، آسف آنستي ، لم يخطر ببالي أن سؤالي عن حياتك سيريحك ، خفت حينها أن تتهربي مني وتوقعت أنكِ لا تريدين الحديث عن حياتك الخاصة ، خفت أن أخسرك إن سألتك ، لذا لم أسألك عن شيء إلا بعد أن أتأكد أنك ترغبين في الحديث عنه ، ظننت أني بهذا التصرف أكسبك أكثر ، وأحافظ على علاقتي معك أكثر وأكثر ، وذهبت ظنوني هباءً كما باقي الظنون التي ذهبت مع رحيلك .

     اعتصرني الألم فجأة ، أخذت هاتفي وكتبت : أحبك ، وتركت الكلمة تعبر عما بي من شعور ، انفجري في وجهي آنستي ، اصرخي ، أبكي ، ثوري ، أي شيء لكني محتاج لك هذه الليلة ، لتجددي أملي في لقائك من جديد ، ولترحلي بعدها دون أن أعرف ، ودون أن تخبريني متى سنلتقي من جديد ، فأنا أحبك ، ليس مثل ما أحببت من قبلك ، ولست طامعاً في مظهرك ولا ثروتك التي لا أعرف عنها سوى ما ترتدينه ، ولست طامعاً في جمالك ، فقد عرفت نساء ، أبهى وأجمل وأصغر منكِ ، ولست طامعاً في شهوة ، وأنا الذي شعر بجسدك يرتخي بين ذراعي أكثر من مرة ، فقط أنتِ آنستي ، بشخصيتك المتعالية ، ونفسك المتأففة ، وروحك الساكنة خلف جدرانها الخرسانية العالية ، لم يستهويني فيك ما أستهواني في النساء قبلك ، ولا فكرت أن افعل معك ما فعلته مع غيرك ، كان أجمل ما فيكِ أني وجد نفس تنساق إليك رغم خوفها وقلبي يتوق إليك رغم تحفظه ، وعيني ترغب في رأيتك ولو من بعيد .

     أمسكت هاتفي مجدداً  وكتبت لكِ : احبك ، وأنا اعرف أنك لن تردي على رسائلي ، لأنها الثانية بعد منتصف الليل ، وأنتِ لا تكتبين لي بعد الثامنة مساءً ، لكني شعرت بك وأنتِ ترفعين هاتفكِ وتشاهدين الرسالة وتبتسمين ، ثم تغلقين هاتفك وتخلدي للنوم وأنتِ مبتسمة ، تطاردني خيالاتي ، فربما لا تلتفتين للهاتف ولا تنظرين إليه من الأساس ، لكني أتخيل وأحلم وأتمنى أن يكون ما أتخيله حقيقة .

     سنلتقي لا أدري لماذا انتابني هذا الشعور ، فقد صحوت من النوم يغمرني التفاؤل ، حملت هاتفي حينها وكأني متأكد أني سأجد به رسالة منكِ ، لا شيء ، لماذا أنا متفائل إذاً ، انتظرت علكِ ترسلين ، رسالة خلال النهار ، وذهب الانتظار ولم تأتي رسالتك ، وتوقعت أن ترسلي رسالة في المساء ، ولم تفعلي وذهب توقعاتي أدراج الرياح ، وتوقعت أن تزوريني في منامي كما فعلتي في الليلة الماضية ولم يأتي طيفك ليسلي خاطري ، وتوالت الأيام وانا أتمنى في كل يوم مثل ذلك ولم يتحقق شيء ، وبقيت ، أنتظر ، فقط أنتظر .

     انقطعت رسائلك آنستي انقطعت تماماً كنت أتمنى أن أسأل عنك أي شخص فلي أصدقاء كثر في كل مكان حتى في بلدك لكن ما الذي سأقوله لهم وأنا أسأل عنك آنستي امرأة تقارب الثلاثين أسمها نور ، نور ماذا ؟ من أبوها ؟ ما أسمها الثلاثي ؟ كيف لي آنستي أن أسأل عن سراب ؟ سيضن من أسأله أني مجنون ، شيء واحد أملكه يمكنه أن يوصلني إليكِ ، رقم هاتفك ، فأنتِ بالنسبة لي نور وبجانبها بضعة أرقام ، فقط ، ولقاءان وبضع رسائل ، هذا كل شيء ، ليست هذه هي المشكلة ، بل المشكلة أني وقعت في حبك ، دون أن أشعر ، ودون أن احسب حساب ذلك .

     سألت كارولين عنك ، فأخبرتني أنه لم يتم بينكما أتصال منذ زمن ، وطلبت منها أن تتصل بك مجدداً ، فلم تجد جواباً ، فهاتفك إما مغلق أو لا يجيب عليه أحد ، اكتشفت آنستي أنك لم تعطي أي أحد قابلته في لقائنا الأول بطاقة التعريف الخاصة بك ، فلا أحد يعرف عنك أكثر من أسمك ، نور ، يا لهذا الاسم ، هل هو حقيقي أم اختلقته لكي لا يعرفك أحد ، لكنه أسمك ، أنا متأكد من ذلك ، فقد سألت عنك في الفندق تلك الليلة التي رحلتي بها في لقائنا الثاني ، فعرفوك بمدام نور ، إذاً أنت حقيقة ، ولستِ من صنع خيالي ، ولستِ حلماً تكرر حتى ظننت أنه واقع ، ولست واهماً أني أحبك .

     أنقطع كل شيء بيننا إلا الذكريات التي بقيت أحتفظ بها ولا أريد التخلي عنها ، مثلما جاء حبك سريعاً لقلبي ، ظننت أنه سيذهب سريعاً كذلك ، لكنه ظل أكثر مما توقعت ، ذهب الألم والضيق ، لكني بقيت أذكركِ بشوق ، وأتذكرك بشوق ، وأتمنى لقائك بشوقٍ أيضاً ، تركتي لي انطباعاً جميلاً فذكرياتك كانت جميلة ، إلا أنها كانت تنتهي بهروب ، وهنا وضعت أسئلتي ، وهنا أيضاً لم أجد الإجابات ، إلا أني كنت أكرر في نفسي أمراً يصب لصالحك دائماً ، هو أن حذرك وهروبك الدائم مني كان نتاج خوف ربما لم يفرضه عليكِ أحد ، بل نبع من داخل نفسك آنستي ، حتى كلمة آنستي التي أكررها دائماً ، لا أضنها حقيقة ، بل أضن أنك مرتبطة ، ربما ، متزوجة ، ربما ، فتخافين أن ينهدم كل شيء أو ينهار كل شيء ، أو ربما أنتِ تحبين شخصاً آخر ، وشعرتي أن علاقتك معي سيعتبرها خيانة ، أو ربما تعتبرينها أنتِ خيانة لمن تحبين ، جعلني هذا التفكير أحترمك أكثر ، وأكرهك أكثر ، فلماذا اقتربتِ مني من الأساس هل كان في اعتقادك أني صديق ، فقط صديق ، لكنك منحتني مؤشرات كثيرة ، جعلتني انسج بسببها خيوط علاقة عاطفية ، ففعلت ما باستطاعتي لكي أتقرب منك .

     مرت الحياة كما تشائين آنستي ، لا كما أشاء أنا ، فقد اقتربتِ مني برغبتك ، ورحلتي برغبتك ، لكني استمتعت بصحبتك ، فقد كان حبك عميقاً جداً ، لم تكوني امرأة عابثة ، تبحث عن شهواتها ، ولم تكوني تبحثين عن الحب ، لكنك وجدته أمامك ، فتعاملتِ معه بحكمة ، ومع من أحبك بلطف ، بالغ ، لدرجة أنكِ ، تركته دون وداع ، ودون أن تذكري له أي سبب ليلتمس لكِ الأعذار ، لم أخطأ حين قلت أنك نوع مختلف من النساء لم أقابله من قبل ، فأنتِ مختلفة عنهن كثيراً ، وما يجمع بينك وبينهن ، أن لك جسد امرأة ، وقلب امرأة ، ولطف امرأة ، ورغبات امرأة ، وجنون امرأة ، كل شيء ، مثلهن تماماً ، لكني أنظر إليك على أنك مختلفة عنهن جميعاً ، في كل شيء ، هكذا هي الحياة ، فالنساء كلهن يحملن نفس الصفات ، ولكن كل امرأة تكون مختلفة عن الباقيات في عين من يحبها آنستي ، مختلفة عنهن تماماً .

     مرت الأيام سريعاً أنستي ، مرت دون شيء يذكر فالحياة تسير وأنا سائر معها سواء كنتِ معي أو بعيدة عني ، عملي وبيتي ورحلاتي الكثيرة ، تمنيت أن ألتقيك في كل رحلة سافرت فيها ، وفي كل مطار نزلت فيه ، لكنكِ مثلما جئتِ من المجهول ، ذهبتي للمجهول ، ولا زلت احتفظ برقم هاتفك ، ولا زلت أتشوق لرسائلك ولقائك ، رغم علمي أنك لن ترسلي أي شيء وربما لن ألتقيك مجدداً ، قابلت نساءً كثيرات لكني كنت زاهداً فيهن قبل أن ألتقيك ، وبقيت زاهداً فيهن بعد أن ألتقيتك ، فلست أنتِ من منعني أن أكون أي علاقة ، بل كنتِ أنتِ استثناء ، لرغباتي التي كنت أكبتها تجاه أي امرأة تعجبني ، استثناء مجنون ، مثلك تماماً ، وكأنه قدري أن ألتقيكِ وأحبك .

     تعرفين آنستي ، أنك أصبحتِ لي شيئاً جميلاً أفرغ فيه كل همومي ، أصبحتِ رفيقة ذكرياتي ، كأنك رمز ، اكتب كل يوم وكأني أحدثك ، لا لشيء ، فقط لأفرغ شحنات نفسي ، وأشرح رغباتها ، وأهوائها ، أكتب كل يوم وأحدثك كل يوم ، عبر أوراقي التي أجمعها ، دون أن افكر في إتلافها أو إعدامها ، لن تقرئي ما أكتب ، لكني احتاج أن أحدثك باستمرار ، يحتاج الرجل لامرأة يسكن إليها ، امرأة يشعر أنه يعود إليها لنفسه ، امرأة تختلف عن العالم الذي يتعامل معه ، فأصبحتِ أنتِ وسيلتي التي ألجأ إليها مع قلمي ، ولكن للأسف ، أصبحت مدمناً على ذلك ، أصبحت مدمنناً عليكِ أنستي ، لدرجة أني أشعر برغبتي الدائمة أن اكتب إليك كل شيء أشعر به تجاهك .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.