رواية أتذكرين .. الفصل الرابع

الفصل الرابع

لقائنا الثاني

     سنلتقي مجدداً ، ستكونين بجانبي ، لا اعرف متى ولا أين ؟ لكننا سنلتقي ، سعيد أنا هذه الليلة فقد تجرأت وطلبت منكِ أن نلتقي ، فلم ترفضي طلبي ، اكتشفت أنك ترغبين بذلك ، كما أرغب أنا تماماً ، هذا ما قرأته في رسالتك الثالثة هذه الليلة ، تذكرين ما كتبته فيها ، قلتي : سأخبرك غذاً تصبح على خير ، ستخبرينِ غدا متى سنلتقي ، كنت سعيداً وأنتظر الغد بشوق يحرقني حتى أن ذلك الشوق عكر نومي ، لكنه لم يعكر مزاجي ، تعرفين لماذا أنا سعيد ؟ هل تعرفين لماذا لم أنام ؟ وتعرفين لماذا لم يتعكر مزاجي آنستي ؟ الأمر بسيط جداً فأنا أحبك .

     أنتِ نوع مختلف من النساء لم أتوقع وجوده ، غاضبة متوترة عصبية ، تثورين وتصرخين ، قوية لدرجة أنك تفرضين نفسك دون أن تسقطي هيبتك ، لدرجة انه لا يستطيع أحد أن يقترب منك ، متعالية يكتشف ذلك الأمر أي شخص ينظر إليكِ أول مرة دون مزيد من التدقيق ، لكنك لطيفة حين تشائين أن تظهري لطفك ورقيقة حين تتركين غرورك ، وناعمة حين يلمس أحدٌ يدك ، ومغرية حين تقتربين من أحد ، وتملكين ابتسامة ساحرة لا تظهرينها لأي أحد إلا من أردتِ .

     نوع من النساء لا يكترث بمن يقابل ومع من يتحدث ، ولا يخاف من ما يفعل الآخرون ، بل يخاف منه الأخرون ، لا اقصد الخوف بمعناه المجرد ، بل خوف من نوع خاص خوف لطيف يتسلل للنفس دون أن يشعر به من يصيبه ، يجعله لا يقترب منكِ ولا يحدثك وإن رغبتي أن تتحدثي معه يخاف أن يضيع تلك الفرصة فيقبل بكل شيء تقولينه ، وإن سمحتي له أكثر يخاف أن يفقدك ، وإن سمحتي له أكثر يخاف أن يقع في غرامك ، وإن سمحتي له أكثر ، يخاف أن تهجرينه بعد وصالك .

     لا تبذلين الكثير من الجهد وأنتِ تتعاملين مع مشاعر الناس ، لكنكِ تأثرين فيهم أكثر مما تتوقعين ، تصدقين أود أن أكتب لك وأناديكِ بسموك ، لا ادري لماذا ؟ فأنتِ متعالية بشكر ملفت للانتباه لأنه تعالي غير مصطنع ، كأنكِ جبلتِ على ذلك ، حتى غرورك كأنه نما معك منذ صغرك ، أوامرك ، غضبك ، حتى وأنتِ تصرخين ، تصرخين لكي تجدي ما تعودتِ عليه ، من قهوة أو خدمة أو أي شيء ، انتبهت لتلك الأمور مؤخراً وأنا أراجع تصرفاتك في الفندق .

     لا يهم من تكونين ، المهم أني أريدك أنتِ أنستي ، مهما علا مقامك أو صغر ، إن كنتي في السماء أو الأرض فإما أن أصعد لكِ أو تنزلين لي ، هذا قراري ورغبتي ، وسأنفذ قراري وأحقق رغبتي ، سأحققها صدقيني ، وستحققين أنتِ كل الذي أريد ، دون أن تعرفي ، فأنتِ مثلي تماماً ، تبحثين عن قلبك الضائع ، وشريكك المفقود ، تبحثين عن رجل تضعينه في كل مكان وتجلسين معه في كل مكان ، وتحققن له كل ما يريد وقتما يريد ، تحتاجين أن تكوني امرأة بكل مشاعرها وأحاسيسها وجنونها .

     جاءت رسالتك في المساء : سنلتقي في منتصف الأسبوع المقبل ، سألتك حينها : أين ؟ أخبرتني وعرفت أين سنلتقي ، وسألتك عن مدة لقائنا ؟ فأجبتِ : سأخبرك لا حقاً ، هي الرسالة الثالثة لكنك لم تقولي تصبح على خير كعادتك ولم تكتبي لي اكثر تلك الليلة ، كتبت لك : بخيلة أنتِ تصبحين على خير ، كتبتها وأنا أعرف انكِ لن تردي عليها كنت أريد أن أخبرك أني أطمع في المزيد من الرسائل على الأقل ، سألت نفسي ما هذ العلاقة المجنونة ؟ جنون أن أتعرف على فتاه تجلس معي وتخرج معي لكنها ترفض أن أحدثها ، أن أسمع صوتها ، ثم سألت نفسي لماذا لا أحاول أن اتصل بك ؟ فربما تردي على اتصالي ، ثم عدت لإجابتي السابقة ، لا أريد أن أزعجك ، فأنتِ حرة ما دمتي تحافظين على علاقتنا .

     في اليوم التالي بعثتي لي اسم أحد الفنادق وطلبتي أن احجز فيه ، فعلت ما تريدين في نفس اليوم ، ولم أسألك عن مدت لقائنا ، ولم تخبريني لكني خمنت ما دام اللقاء في وسط الأسبوع أن لا يتجاوز لقائنا بضع ساعات نتناول فيها العشاء مثلاً أو نجلس في لوبي الفندق كما فعنا في السابق ، لم افكر في أكثر من هذا أبداً ولم يخطر ببالي أن تطلبي مني في رسالتك الثانية ذلك اليوم : أن احجز ثلاث ليالي ، وأن أحجز جناحاً ، فتحتي لي مجالاً اكبر لأحلامي وتوقعاتي وخيالاتي ، هل ستظلين معي ثلاثة أيام ، وهل من الممكن أن تزوريني في غرفتي أو تشاركيني فيها ، لم ابعث لكِ أي رسالة ولم أستفسر عن أي شيء فقط رددت على رسالتك الثالثة حين قلتي : تصبح على خير ، حينها عرفت أنها الثامنة مساءً فكتبت لكِ : تصبحي على خير .

     أردت أن أمسح الأيام المتبقية من التاريخ لكي يقترب موعدنا ، شوق كبير يدفعني تجاهك ، أريد أن اكتشف ذلك الغموض الذي زرعتهِ في نفسي ، أريد أن اعرف ما تكون تلك المرأة التي استطاعة أن تشغل تفكيري طوال تلك المدة دون أن تبذل الكثير من الجهد ، كيف ستتصرفين وأنتِ تذهبين إن صح القول لموعد غرامي أو لمقابلة صديق حميم ، هل سترتدين لباسك الرسمي كما كنتي في تلك الرحلة حين التقينا أم أنك ستتحررين من ذلك ، هل ستربطين شعرك أم ستتركينه ، هل ستقتربين مني أكثر من السابق ، أم سأكون وسيلة للتسلية لا أكثر في نظرك ، محيرة أنتِ آنستي ، تزرعين كل الأفكار في رأسي ، وتتركيها لتنمو دون إجابات .

     لم أكتب لكِ أي رسالة قبل أن أغادر ، وما أثار حفيظتي أنكِ لم تسأليني لماذا لم أكتب لك ؟ ولم تتوتري ولم تسأليني هل غيرت رأي في موعدنا ؟ ولم تقطعي تلك الرسائل الثلاث التي ترسلينها لي في كل يوم ، وكذلك لم تخبريني بموعد وصولك ، لماذا لا تقلقين كما أقلق ؟ ولماذا لم تتوتري كما أتوتر وأنا ذاهب للقائك ، أي نوع من النساء أنتِ ، هل بك برود ؟ أم أنك واثقة من كل شيء تفعلينه ؟ اكتشفت جزاءً من تلك الأمور حين وصلت للفندق ورأيتك في اللوبي تشربين قهوتك ، خمنت سريعاً أنكِ هنا قبل يوم أو يومين من لقائنا ، لا ادري لماذا مر في بالي هذا الأمر لكنه على الأقل يفسر كثيراً من تساؤلاتي .

     لم افكر حين حضرت أن أمر وأسلم عليكِ بل صعدت لغرفتي ، القيت بجسدي على السرير لكي أريحه من عناء السفر ، ثم كتبت لك رسالة : أنا في الفندق الآن ، رن هاتفي بعد ذلك ، أنتِ تتصلين بي ، ما هذه التغيير المفاجئ ، كان هذا ما قلته وأنا ارد على اتصالك ، ضحكتِ حينها وطلبتي مني أن انزل لأتناول العشاء معك .

     لم اطل الجلوس في الغرفة بعد أن تحممت وغيرت ملابسي نزلت لأجدك على تلك الطاولة ، تربطين شعرك وترتدين تلك الملابس الرسمية ، شعرت بشيء من الضيق حينها ، شعرت أنكِ هنا لعمل لا لكي تقابليني ، لكن كانتِ متألقة وأنتِ تسلمين علي ، وابتسامتك تحمل الكثير من الدفء كيدكِ تماماً ، تناولنا القهوة معاً ، ثم ذهبنا لمطعم الفندق لنتناول العشاء ، كانت ملامح التعب تبدو واضحة على وجهي تلك الليلة ، سألتني : هل أنت متعب ، فهززت رأسي وقلت : لم استطع النوم في الطائرة ، سألتني : هل أتيت على الدرجة السياحية ؟ اثأر السؤال حفيظتي لا أدري لماذا ؟ كان بإمكاني أن أقول الحقيقة أني أتيت على درجة رجال الأعمال ، لكني كذبت آنستي حين قلت لك : نعم ، بدت ملامح الضيق ترتسم على وجهك ، لكن لم تسأليني ثانية عن ذلك الأمر أعرف ما دار بخاطرك ، ظننتِ أني فقير ، ربما ضايقك ذلك ، أو أنكِ شعرتِ أنكِ ضغطتي علي ماديا بطلبك أن أسافر لمكان بعيد وأحجز جناح في فندق غالي الثمن ، ربما أعجبني ذلك الشعور الذي رأيته في ملامح وجهك ، أعجبني أنكِ تتضايقين لأجلي ،  وإن لم تسأليني عن شيء ، ولم تقولي لي شيء ، لكن ذلك بعث الدفء في قلبي ، شعرت بشيء من الشفقة ، أو ربما الحب في نظراتك .

     سارت الليلة بهدوء ودارت بيننا حوارات لطيفه مسكت يدك وأطلت النطر لعينيكِ واستمتعت بمشاهدة ابتسامتك الساحرة ، لم استطع أن أخفي مشاعري عنك رغم أني لم اصرح بها لكنها كانت واضحة في جميع تصرفاتي ، وأنا امسك يدك وأبقيها بين يدي لفترة طويلة ، وأنا أدقق النظر في وجهك وأنتِ تتحدثين ، وحين تحرجين من نظراتي لعينيك فتطأطئين رأسك ، لم يساعدني المكان لكي أجلس بجوارك ، كنت أود أن اشعر بدفئك كان بودي أن احتضنك لو سمحت لي الظروف ، لكنها لم تمنحني تلك الفرصة ، ربما تعمدتِ آنستي أن يكون بيننا مسافة فاصلة ، مسافة أمان ، تجعلكِ تشعرين بالراحة .

     طلبتي مني أن نلتقي في الصباح ، أن نتناول إفطارنا سوياً ، وأن افرغ نفسي للبقاء معك ، أولى تعلمين آنستي أني أتيت لأجلك ؟ كنت سأكتفي بأقل مما قررتِ أن تمنحيني إياه كان يكفيني أن ألتقيكِ على طاولة عشاء لساعة ، وأتكبد مشقة أكبر مما تكبدت لأجل ذلك ، منحتني أكثر مما أريد في ليلة وصولي فقد بقيتِ معي أربع ساعات متواصلة ، قبل أن تطلبي مني أن أذهب لأستريح لكي أتمكن من البقاء معك طويلاً في اليوم التالي .

     لم أنم جيداً تلك الليلة ، كان نومي متقطعاً ، وأحلامي كثيرة ومزعجة ، أكثر مما تتوقعين ، تعرفين لماذا أنستي ، حصل هذا رغم لقائنا الهادئ وعشاءنا الرومنسي إن جاز التعبير اشعر بكثير من القلق والتوتر لم ينتابني هذا الشعور وأنتِ معي ، بل بعد أن أويت لفراشي ، شعرت أنك حلم لن يتحقق ، وإن كنتِ معي منذ دقائق شعرت ، أنك كفقاعة الصابون ستختفين حين ألمسك ، ولن أجدك أبدا بعد ذلك .

     لخيالاتي وأحلامي ما يدعمها وما يفندها أيضاً ، فكونك شيء مجهول بالنسبة لي تتولد في داخلي الشكوك والظنون ، وما يفند تلك الأحلام هو واقع أنكِ معي ، وعندما يختلط الواقع بالأحلام والخيالات ، يصبح شيئاً مرتبكاً ، وعندما تمس هذه الخيالات والأحلام قلبي تصبح شيئاً مخيفاً ، أخشاه لدرجة أني لا استطيع أن أنتزع ذلك الخوف من نفسي حتى وأنا نائم ، لا أقول أني لم أتذكر تلك الضحكات الجميلة والنظرات الساحرة ، لكنها أصابتني بالخوف أيضاً ، خفت أن لا أستمتع بها ثانية .

     كان الصباح هادئاً قبل أن تحضرين ومشرقاً حين حضرتي ومتألقاً بابتسامتك الرائعة ، أنتِ من أمسك يدي لنذهب للمطعم كان الوقت باكراً حتى أن مطعم الفندق كاد يخلوا إلا من عدد قليل من النزلاء ، توقعت أن هناك أمر تستعجلين من أجله أو تريدين الذهاب لمكان ما ، لكن حين جلسنا وتناولتِ إفطاره بهدوء تام دون استعجال سوياً اكتشفت أمراً رائعاً ، اكتشفت أنك أتيتي مستعجلة من أجلي ، لتجلسي معي ، اسعدني هذا الشعور ، انتقلنا  بعدها لباحة الفندق شربنا قهوتنا ، قاربت الساعة على العاشرة صباحاً حينها نظرتي لساعتك قلتي : هيا بنا ، سألتك : إلى أين ؟ ردك كان سريعاً : للسوق طبعاً .

     ما أثارني في ذاك الصباح ليس لقائنا فقد التقينا قبل ذلك ، ولا خروجنا فقد خرجنا قبل ذلك ، أثارني آنستي أنكِ لم تنتقي الكلمات وأنتِ تتحدثين معي ، فكانت الكلمات تخرج بعفوية دون أن تكرريها في عقلك قبل أن تنطقيها ، لكن كان يشوب تلك العفوية عيب بسيط ، هيئتك الرسمية لباسك الرسمي ، أخبرتك بذلك ، لم تستغربي من حديثي ولم تتضايقي ، بل طلبتي مني أن انتقي لك بعض الملابس ، فاخترت لك كل ملابسك التي اشتريتها ذلك اليوم .

     تذكرين آنستي حين ذهبتي لتنتقي مكياجك تذكرين ذلك الموقف حين اقتربت منك كثيراً وأنا ألمس وجهك لأبين لكي نقاط الضعف فيه التي يجب أن يغطيها المكياج ، أصابك الارتباك بسببي أعرف ذلك وابتعدتِ بشكل سريع ، اذكر أنكِ بعد أن عدنا للفندق لنتناول غدائنا سألتني باستغراب شديد : كيف لك أن تعرف كل هذه الأمور عن المكياج ؟ ضحكت وأجبتك : بأن هذا أحد جوانب تجارتي ، سألتني حينها كثيراً عن تجارتي وأجبت كل تساؤلاتك ، أمر واحد قد ركزتي عليه آنستي تذكرين حين قلتي : أنت غني فلماذا أتيت على الدرجة السياحية إذاً ؟ أخبرتك : أني كنت أريد أن أرى ردة فعلك وأخبرتك أني أتيت على درجة رجال الأعمال ، ضربتنِ على كتفي بيدك ، وقلتي : لماذا ؟ ضحكتي في النهاية ، ضحكتي كثيراً حتى أنك حين استأذنتِ لتغيري ملابسك ذهبتي بسرعة وعدتي بسرعة قبل أن أنزل من غرفتي .

     أنتِ رائعة ! هذا ما قلته حين رأيتك أمسكت يدك ورفعتها ، استدرتِ أمامي ، كانت الملابس بسيطة لكنها تناسبك كثيراً وقد سقط شعرك على كتفييكِ ، نظرت لك بإعجاب ولم تختفي نظرة الأعجاب تلك طوال الوقت أمسكت يدك وخرجنا من الفندق ، كان يوماً جميلاً في ذكرياتي ، كان الكلام كله يدور حولي أنا فلم تتركي جانباً من حياتي إلى وسألتني عنه ، أموراً كثيرة كنت لا أود الحديث عنها وأمور كان يجب ألا تسأليني عنها ، فكيف لي أن أصف عشيقة أو صديقه ، لكن سألتني حتى عن بعض التفاصيل ، لا أدري لماذا أجبت رغباتك في تلك الليلة وأجبت على كل تلك الأسئلة ، هناك أمر كنتِ قد ركزت عليه كثيراً ، كارولين ، أتذكرين كم سؤال طرحته حول كارولين ، سألتك بشكل مباشر بعدها : تريدين أن تعرفي هل بيننا علاقة ؟ هززتِ رأسك بنعم ، فقلت لكِ : لا ، استفسرتِ بصوت عالي حينها : لماذا تتحدث عنك كثيراً ؟ وضعت يدي على فمي لكي ألفت أنتباهك أن صوتك أصبح عالياً ، لم تبالي وسألتني بصوت عالي : لا تشير لي بالصمت بل أجب عن سؤالي ؟  شعرت بغيرتك في ذلك الوقت ، اسعدني أنكِ تغارين ، قلت : أن كارولين ربما كانت تريد لفت انتباهك لي ، أو ربما شعرت أنكِ مهتمة بي فأثارت حفيظتك بكلامها ، وسألتك : هل بدر منك شيء يثير الاهتمام تجاهي لفت نظر كارولين ؟ صمتي ، أعدت سؤالي ، فأجبتِ : بنعم ، فسألتك : هل لي أن أعرف ما هو ؟ صمت آخر وتفكير عميق ، ثم أجبتِ وأنيِ تقتربين مني : كنت أنظر إليك حين اقتربت تلك السيدة منك حتى كادت أن تلتصق بك في الحفلة بعدها لاحظت أن كارولين كانت منتبهة لنظراتي إليك ، آه آنستي تغارين اقتربت منك أكثر حينها ، شعرت باستسلامك ، وضعت يدي حول خصرك وجذبتك إلي ، فلم تقولي شيء ، كنت أتمنى أن ترفعي رأسك قليلاً لكي انظر لعينيك التي كانت ستقول قبلني ، لكنك لم تفعلين ، فككت يدي من حولك ، وأمسكت يدك ومشينا دون أن نتكلم .

     كانت تلك اللحظة نقطة تحول في علاقتنا آنستي ، منذ أن بدأتي تسأليني عن حياتي السابقة شعرت بالسعادة ، فلا تبحث المرأة في ماضي الرجل إلا إذا كانت مهتمة به ، ولا تغار أو تتوتر بسببه إلا إذا كانت تحبه ، هذا ما أعرفه وهذا ما بدأت أتأكد منه بعد أن سألتي كل تلك الأسئلة ، كنتِ لطيفة جداً بعد ذلك الموقف هادئة جداً ، تتحدثين همساً ، لا ادري ما الذي أصابك ، ورغم ذلك أستهواني ما رأيته منك كثيراً ، شعرت أنك في حالة سُكر ، سُكر من نوع خاص لا يشعر به إنسان إلا إن كان محباً وسعيداً بمن يحب .

     هكذا الحياة أنستي ، نكره ونحب ، فكل ما شعرت به في الماضي تجاهك كان هباءً لا يعد شيئاً بعد ذلك ، تذكرين ، لقد تغيرتِ كثيراً ، هل تذكرين لقد جلسنا سوياً حتى صباح اليوم التالي ، لم ادخل غرفتك ولم تدخلي غرفتي ، بل كنا في الفندق نسير قليل ثم نجلس ونتحدث ، كنتِ قريبة مني جداً تلك الليلة شعرت بدفء جسدك وبرودة أصابعك بين يدي ، تذكري سيدتي تلك الليلة كثيراً ولا تغفليها ، فتلك الليلة كانت هاويتي التي لم أتمناها مع أي امرأة مثلما تمنينها معك ، وفي هذه الليلة همست في أذنك (( احبك )) لم تقولي شيئاً حينها لكني شعرت بارتخاء جسدك بين ذراعي وأنا احتضنك ، شعرت بالسكينة شعرت أني ملكت الدنيا في تلك اللحظة الحميمة ، وأنتِ مسترخية لا تتحركين ولا تتكلمين بين ذراعي .

     أنتِ تتحركين بلطف وتتكلمين بلطف وتقتربي مني كثيراً ، كثيراً ، كثيراً ، تسرع خطواتك لكي تصلي لقلبي ، اشعر بك وأنتِ معي ، تبحثين عن الحب عن الهوى عن الغرام ، وكأنك اكتشفتِ أن لكِ قلب ينبض وروحٌ تهوى ، اكتشفتِ نفسك معي ، اشعر بكِ ، لا تودين أن تنتهي لحظاتك الجميلة ، ولا تودين أن تبتعدي عني ، ولا أن ترحلي .

     منذ الصباح كنا سوياً وبقينا سوياً حتى الصباح ، كنت أود في ذلك اليوم لو صحبتينِ لغرفتي ، أو أويت أنا لفراشك ، وأكثر ما حظيت به قبله صغيرة على خدي قبل الوداع ، قبل أن تدخلي غرفتك لتنامي ، كانت رغبتي عنيفة ، لكنها لم تستطع أن تتغلب على قلبي الذي يخاف أن يخسرك ، كان بودي أن تكوني معي أكثر مما بقيتي ، لو كان الأمر بيدي لانتزعتك من دنياكِ لتبقي معي .

     كان يومنا الثالث مختلفاً عن سابقه رغم جماله ، كنتي متلهفة للقائي بعد أن استيقظتِ من نومك ، طرقتي باب غرفتي لتستعجلي خروجي ، كنتِ تريدين أن ننزل سوياً ، تذكرين شددتك حينها لغرفتي ، احتضنتك قبلتك ، كنتِ دافئة حينها ، مستسلمة ، سامحيني ، لم افعل ذلك لكي أزعجك رغم شعوري بأنك ترغبين بكل شيء ، لكني محتاج لتلك القبلة ، محتاج أن أتذوق حبيبتي ، دقائق لا أكثر ، لكنها كانت حلم أردت تحقيقه ، تذكرين ، كنتِ مرتبكة ، حين أبعدت شفتاي ، شعرت بتوترك ، كأنك فعلت شيء لا يجب أن تفعليه ، أسف ، أنا آسف ، كررتها أكثر من مرة ، لكنكِ خرجتي من غرفتي دون أن تقولي شيء .

     كدت أموت آنستي اختنقت مشاعري في صدري ، لكني لم أنتظر كثيراً قبل أن أتصل بغرفتك ، ولم أنتظر كثيراً حتى تجيبي على مكالمتي ، دون مقدمات قلت : أنا جائع ، ورددتِ : وأنا أيضاً ، أتيت لغرفتك لأصحبك للمطعم ، أعطيتني يدكِ حينها ، شعرت بارتعاشك ، لا تزالين متوترة ، لكنك لم تتركيني وحدي ، متوترة ، خائفة ، لكنك أتيتِ معي ، وأعطيتني يدكِ ، وكنتِ تتهربين من نظراتي ، كنتِ صامته في البداية ، لكن صمتك تحدث ، وقلبك تحدث ، وصمت لسانك إلا عن القليل من الكلمات .

     سألتي : هل تحبني حقاً ؟ نظرت إليكِ وفي وجهي ابتسامة وهززت رأسي بإيجاب ، كانت الكلمات تقف على طرف لساني ، كان بودي أن أسألكِ : هل أنتِ تحبيني ؟ لكني لم اسألكِ آنستي ، تعرفين لماذا ؟ لأني شعرت أن كل ما تفعلينها يقول أحبك دون أن تتكلمي ، فما قيمة الكلمة دون فعل ، وما قيمتها إن لم تكوني معي ، أنتِ معي ، احبيني بصمتك ، أو بكلامك ، أو بفعلك ، لا فرق ، ما دمت أشعر بقلبك .

     سألتي : هل تعرف من أنا ؟ هززت رأسي بلا ، كنتِ تودين الكلام لكني منعتك ، تعرفين لما منعتك ، لأني لا أريد أن اعرف من أنتِ ؟ ولا ما تكونين ، ولا أبنت من ولا أين تسكنين ، فأنتِ نور ، وأصبحتِ حبيبتي ، وسكنتي قلبي ، فلا أريد أن اعرف المزيد صدقيني ، كل علامات الاستغراب بدت على وجهك في تلك اللحظة ! وعلامات التعجب واضحة في تفاصيله ، لا تستغربي أنستي ، فأنا أحبك ، قلت لك : أنا أحبك ، سألتي : دون أن تعرف من أنا ومن أكون ؟ قلت : دون أن اعرف أي شيء ، قلتي : أي نوع من الرجال أنت ؟ فقلت لك : أصدقهم .

     طالت فترة الصمت حينها ، انتظرت كثيراً قبل أن تتكلمي ، لكنكِ لم تقولي أي شيء عن المشاعر ولا الحب بل طلبتي أن نخرج من الفندق ، سألتك : إلى أين ؟ فقلتي : لا أدري ، كأنك قلتي خذني لأي مكان تريد ، صحبتك في ذلك اليوم مشينا سوياً مشينا كثيراً ، كنتِ صامته ، لا تتحدثين إلا قليلاً ، لم تضحكي ، ولم أشعر أنك مبتهجة ، كنتِ قلقة آنستي ، شعرت بذلك ، اقتربت منك لمست وجهك ، سألتك : ما الذي أصابك ؟ قلتي : لا أدري ؟ احتضنتك لم تمنعيني من ذلك شعرت بك وأنتِ تبكين ، كنتِ تبكين آنستي حتى أن جسمك كان يرتعش بين يدي ، هدأتي بعد ذلك لكنك لم تبتعدي عني حتى قلتي أحبك  .

     لحقت بكِ ، كانت الدموع لا تزال تنزل من عينيكِ ، طلبت منك أن تعيدي الكلمة ، لم تعيديها استوقفتك شددتك إلي وقلت : أعيدي ما قلتي ، فقلتي : أحبك ، كانت ابتسامتي تنم عن كثير من المشاعر ، أول مرة اشعر بأنك ضعيفة ، لدرجة أنك لم تستطيعي أن تحبسي الكلمة في قلبك ، ولا أن تستسلمي لظروفك التي لا أعرفها ، أو أن تقاوميني إن أردت أن أصل إليكِ ، أنتِ ضعيفة اليوم ، وربما تكونين ضعيفة في الغد وبعد الغد ، أنتِ ضعيفة لدرجة أنك سقطتي في حبي باكراً جداً ، رغم أنكِ لم تعرفي عني الكثير ، أنتِ ضعيفة ، لأنك محتاجة لقلب يحبك ، ولأن قلبك يحتاج أن يحب .

     تعرفين آنستي شعرت أنكِ لي ، لي وحدي ، تبدد الخوف ، تبدد القلق ، وتبدد التوتر الذي كان يحيطني منذ أن عرفتك ، فأنتِ اليوم ، مثلي تماماً لا تستطيعين التخلي عني ، ولا فراقي ، وصل شيطاني إلى قلبك ، ربما قبل أن يصل شيطانكِ إلى قلبي ، لم أتوقع أن تقولي أحبك اليوم ، رغم شعوري بعاطفتك ، وشوقك ، لكني رغم ذلك لم أتوقع أن تقولي أحبك ، لكنكِ خالفتي كل توقعاتي ، واحتمالاتي ، ووقعتي في حبي .

     أنتِ متوترة وبقيتي متوترة ، لم تستكين نفسك ، ولم ترتاح ، على عكس نفسي التي شعرت بالراحة ، لا أدري لماذا بقيتِ متوترة ؟ وددت أن أسألك ، لكني آجلتها لوقت آخر ، حتى تكوني في حالة ذهنية أفضل ، وتركتك ترتاحين حين طلبتي أن تذهبي لغرفتك لم أزعج رغبتك في الجلوس مع نفسك ، فأنا أشعر أنكِ متوترة لا لأنك أحببتِ ، فمن الطبيعي أن يحب أي إنسان ، لكنك متوترة مما سيأتي بعد الحب ، يبدو ذلك جلياً في ملامحك ، أنتِ خائفة ، زال الخوف مني وحل في نفسك ، تحاجين بعض السكينة ، لتراجعي أمورك آنستي .

     طال بقائك في غرفتك ، وطال معه انتظاري فاليوم هو اليوم الأخير في لقائنا ، وأرجو أن لا تحرميني فيه من وجودك معي ، فكرت ألف مرة أن اتصل بكِ ، وألف مثلها أن أذهب لغرفتك وأطرق عليكِ الباب ، لكني تركتك مع نفسك ، حتى ذهب صبري ، ولم تعد أعصابي تتحمل ، حينها توجهت لغرفتك ، طرقت الباب فلم تجيبي ، طرقته كثيراً ، فلم تجيبي ، اتصلت بك ، للأسف كان هاتفك مغلق ، أصابني التوتر والقلق والخوف وكل شيء تتوقعينه ، أو لا تتوقعينه ، أين أنتِ ؟ منذ ساعات كنت أحتضنك وأنتِ تقولين أحبك ، والآن لا أعرف أين أنتِ .

     هربت آنستي ، مرة أخرى تهربين مني ، ومرة أخرة لا أجدك وأنا محتاجٌ لكِ ، أين أنتِ ، لقد غادرتي الفندق ، كما فعلتي سابقاً دون أن تخبريني أنكِ ذاهبة ، تلعبين بمشاعري ، تحطميني ، لا أدري لماذا ؟ ما ورائك ؟ ما الذي يثير كل ذلك الخوف في نفسك ؟ عندما يقترب منك إنسان ، يحبك ، أو تقتربي من إنسان ، تحبينه ، لماذا الهرب ؟ لا أدري ؟ .

     حاولت دون فائدة أن تردي على اتصالي دون جدوى ، وبعثت لك رسائل عديدة ، دون فائدة ، لم أنم في تلك الليلة ، تصدقين أنكِ السبب في ذلك ، حرمتي راحتي آنستي ، وحرمتي هدوئي ، وحرمتيني منكِ ، عدت كما أتيت ، لا بل أسوء ، أسوء بكثير ، فتلك الرسائل الثلاث التي كنتِ تبعثين بها كل يوم ، انقطعت ، لمدة أسبوع ، عشته بين ألمي وظنوني ، حتى تعطفتِ وأرسلتِ لي رسالة تقولين فيها : آسفه ، لا أدري رغم غضبي ، لماذا تخيلتك تبكين وأنتِ تكتبين الرسالة ، تخيلتك تبكين وأنا أقرأ رسالتك الثانية التي قلتي فيها : أحبك ، ما هذا الجنون أنستي ، أسف وحب وهروب ، وتوتر ، وقلق وخوف ، لم تمهليني كثيراً وأنتِ تكتبين رسالتك الثالثة والتي اعرف أنها الأخيرة في ذلك اليوم وقد كتبتِ فيها : سنلتقي قريباً صدقني ، انتظار آخر آنستي ، ما الذي تتوقعينه مني ، أن أسامحك ، فقد سامحتك قبل أن تكتبي لي ، وزال غضبي بعد أن جاءتني أول رسالة ، وسأنتظرك حتى تأتي إلي في أي وقت وأي مكان .

     لا أدري لماذا منعت نفسي أن أرد على رسائلك ، ربما لا أريد أن تشعري بأني غاضب ، صدقيني ، لكني أسفت على نفسي ، وأشفقت عليكِ ، تصدقين ، أنا أشفق عليكِ ، فأنتِ عاجزة حتى أن تعبري عن مشاعرك ، وعاجزة أن تحبي من تشائين ، تفاسير كثيرة وضعتها لكِ دون أن تعرفي ، وأعذار كثيرة اختلقتها منذ أن طرقت باب غرفتك في الفندق ، وبعد أن عرفت برحيلك ، مسكينة ، حبيبتي ، أنتِ مسكينة ، لا تستطيعين التحكم في حياتك ، هذا التفسير الذي شعرت أنه الأصوب بعد أن قرأت رسائلك الثلاث .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.