رواية أتذكرين .. الفصل الثالث

الفصل الثالث

ربما أحبك

     احبك لا أجزم بذلك ، دعيني أحبك ، افتحي لي المجال ، لكي أتقرب إليكِ ، وأكسب ثقتك ، لكنكِ لم تفعلي بل تركتِ لي مجالاً ضيقاً جداً لا أدري هل سيتيح لي الفرصة لكي ادخل منه إلى قلبك ، أم ستغلقينه أيضاً في المستقبل ، هل ستحتفظين بي كصديق ، أم ستلقيني في سلة الذكريات ، لأبقى وسط مهملات أفكارك أتعلق بالأمل الذي ربما لا يأتي أبداً .

     رحلتي وبقيت أنا ، لا عجب في ذلك ، ربما لا تعرفين ما بي من ضيق وما بي من هم ، لقد أتيت هنا ابحث عن الفراغ جئت لأشتت نفسي في مساحات الوقت الفارغة ، تركت كل أموري لأجلس وحدي دون شيء ، وإن كان هناك شيء لن اتركه يخنق مساحاتي ، هذا ما كنت أريده عندما وصلت إلى هنا ، وعندما سقطت ولاعتك كانت تلك ليلتي الأولى في الفندق والمرة الأولى التي اجلس فيها في اللوبي منذ وصولي ،  تشاءمت منك وكرهتك واحتقرتك ، وغضبت وتوترت وأشعرتك بذلك وأغضبتك وجعلتك تتوترين ، لكي تحسبي حساب وجودي ، ولو كنت ادري أن مشاعري  ستنساق إليك ما فعلت ذلك معك أبدا ، ولمنعت نفسي من أي محاولة تقربكِ مني .

     كأنك تكتشفيني عندما قبلت دعوة وسام ، لا شك أنكِ سألتي نفسك ! من هذا ؟ واكتشفتِ أني لا شيء لكني موجود أمامك إنسان لا يعرف عنه اقرب أصدقائه إلى الظاهر من تصرفاته فقط ، لا شيء يميزه عن غيره ، لكنه يملك علاقات وصداقات مختلفة ، لا شيء ، تصدقين آنستي ، أني أتعبت نفسي لكي أكون لا شيء ، لا يشعر أحد بوجودي ، ولا يتألم أحد لرحيلي ، استمتع بذلك الـ لا شيء ، فهذا في نظري يعني أني حر ، أظهر وقت أشاء وأختفي وقت أشاء ، فأنا فراغ جئت أبحث عن فراغ .

     لا شيء بحثتي عن الــــ لا شيء وأتيتِ له وجلستي معه ، ثم نسيتِ  وجوده ثم أتيتِ مرة أخرى لذلك الــــ لا شيء لتستمتعي معه بوقتك لتخرجي وتحطمي حواجزكِ معه دون خوف أو وجل أو تردد ، فهو لا يخيف لأنه لا شيء ، ثم رحلتي لن يكون رحيلك مهماً فأنتِ رحلتي عنه وهو لا شيء ، كما قابلته أول مره كان في نظرك نكره ، لا شيء ، لكنكِ آنستي تمثلين نفس الدور الذي ألعبه بأسلحة أكبر ، وخبث أكثر ، فأنتِ لا شيء ، أو تريدين أن تكوني لا شيء ، تريدين أن تصلي لما وصلت إليه أن تظهري وقت تشائين ، وترحلي وقت تشائين ، فأنتِ حره في حضورك وحره في انصرافك لا يقيدك شيء ولا يكبح جماح حريتك شيء .

     هربتِ من نفسك وأنتِ معي تجردتِ من كل الأمور العالقة بكِ من مظاهر وبريستيج وإتيكيت ، تجردتِ من عصبيتك و ضيقك وغضبك وتوترك ، كشفتِ لي نفسك ، تعرفين لماذا ؟ لأني لا أعرف عنك شيء سوى اسمك الأول ، ولا تعرفين عني شيء سوى أسمي الأول ، مجهولان يستمتعان بوقتهما معاً لا يربطهما شيء ولا يريدان شيء ، هربت آنستي من دنياي التي تركتها في بلدي ، لكنكِ من ماذا هربتِ ؟ لم استشف هذا من حديثك ، أنتِ حره لا زوج ولا أحد يقيد حريتك ، من ماذا هربتِ آنستي ؟ ولماذا تضيّقين المساحات أمامي لكي لا أقترب منكِ ؟ .

     مر اليوم الأول دون وجودك ما بين التفكير والتخمينات فكرت بك كثيراً وخمنت كثيراً وتوقعت كثيراً لكني لم أفكر أن اطمئن عليكِ ، فأنتِ في سلام دائم مع نفسك تعرفين كيف ترضى وتعرف كيف ترضيكِ ، ولم أتوقع أيضاً أن تتصلي بي ولا أن تطمئنِ علي ، كلانا لا شيء بالنسبة للآخر ، فقط موجة تفكير وذكرى ستبقى في خانة المغامرات ربما .

     ثم فكرت قليلاً كيف لك أن تحدثيني وأنتِ لا تعرفين رقم هاتفي المحمول ، غابت تلك الفكرة عن رأسي تماماً وكأن الشيطان أراد أن يذكرني بك من جديد ، ربما تترددين أن تتصلي بالفندق ، فأنا أيضاً لا أحبذ أن اتصل بهاتف الفندق ، جاء هذا التفكير لرأسي فجأة ، أمسكت هاتفي فتحت رسالة جديدة ، ماذا أكتب ؟ مساء الخير ، لكني مسحتها ، ثم كتبت أسمك ، نور ، وأرسلت الرسالة ، كنت أود أن ارسل لك رسالة فارغة ، كحالنا أنا وأني فنحن فراغ ، لكني كتبت أسمك ، متيمنناً به ، ومتأملاً أن تعرفيني .

     دقائق مجرد دقائق ، وصلني خلالها الرد ، شكراً ، قلتي : شكراً ، تكفيني هذه الكلمة فهي دليل أنك استمتعتِ بوجودي معك كما استمتعت أنا بوجودك معي ،  لكنك أثرتِ بي كل شيء , ولم أثر أنا بك أي شيء ، غير القليل من الامتنان ، شكراً ، هي شكراً ، لا معنى آخر لها ، لكن ربما تكوني مهتمة بي ، فردك جاء سريعاً ، ربما تفكرين أن تستمتعي بوقتك معي مرة أخرى هنا أو في أي مكان آخر .

     لقد استمتعت معك كثيراً ، هذا ما كتبته في رسالتك الثانية ، ورسالتك الثالثة ، حملت لي شيءً من الأمل ، حين كتبتي : يجب أن نبقى أصدقاء ، لا أدي لماذا لم ارد على رسائلك ؟ ربما أردت أن تخرجي ما بنفسك من حديث تكتمينه ، ربما تكوني حذرة في بعض الأمور وأنتِ معي فيذهب حذرك وأنتِ بعيدة عني ، لم ارد على رسائلك ، لا لأني لا أريد أن أكتب لك ، بل أريدك أن تحتاري قليلاً وأن تنظري قليلاً لهاتفك المحمول ، وتسألي نفسك هل هذا هو الشخص الذي كنت معه البارحة ؟ أم أني تسرعت في الحديث ، جميلة هي التوقعات عندما تتحقق ، فقد كتبتي لي رسالة : احمد ، كنتِ تتأكدين ، نعم أنا أحمد ، كتبت لك : احمد ، تخيلتك تضحكين لا أدري لماذا ؟ رسالة أخرى : أسميتك صاحب الشعر الطويل ، ضحكت فهذا الشعر الذي قلتي أنكِ احتقرتني بسببه ، ثم اعترفتِ أنكِ لا تكرهين الشعر الطويل على الرجال ، ما حكايتك مع الشعر الطويل ؟  أسميني ما شئتِ واتركي لي مساحة في قلبك لكي اجلس فيها .

     كانت رسالتك الأخيرة : تصبح على خير ، لا يزال الوقت باكراً أن تقول آنسة هذه الجملة فهي الثامنة مساءً ، فلا رجل تأوين إليه لتلغي غيره ، ليكن ما يكون ، لكِ آنستي كامل الحرية ، فأنتِ حرة من كل القيود ، كتبت لك : أوقاتاً سعيدة ، لم تردي على رسالتي ، لكن هذا لا يلغي شعوري أنكِ مستيقظة ، فأنتِ تحبين السهر هذا ما رأيته هنا آنستي سهرتي في الفندق وسهرتي معي ، لم أرى في عينيك النوم طول تلك الفترة ، ولابد أنك ستشربين فنجان قهوة عند التاسعة وربما آخر عند العاشرة وآخر في منتصف الليل .

     أتمنى لك أوقات سعيدة ، وهذا ما تمنيته بالفعل آنستي ، لا أدري لماذا أريد أن أخاطبك بسيدتي ؟ فأنتِ للسيدة أقرب منها للآنسة ، عمرك الذي قارب الثلاثين ؟ أسلوبك في التعامل معي ؟ حذرك الواضح ، من الصعب أن تكوني آنسة حتى الآن فأنتِ جميلة راقية لا أضنكِ لم تتزوجي حتى الآن ، وتعاملك معي يكشف أنكِ تعرفين كيف تتعاملين من الرجال خارج نطاق العمل بل بأسلوب ودود يكسبهم ، وحذرك وعدم تركك المجال مفتوح أمام شخص ربما أعجبك ، كل تلك الأمور تجعلني أضعك في خانة السيدة ، لكني سأناديكِ آنستي لأنها رغبتك .

     آنستي ، أجل آنستي ، تكونين أشهى وأنتِ آنسة ، تكونين كالفاكهة الطرية التي لم يذقها أنسان قط ، وهذا ما يبدو عليكِ ، لم يذقك أنسان قط ، فرغم مرحك وجرأتك إلا أنكِ قوية ، لا يتجرأ أحد أن يلمسك ، إلا إذا تركت له المجال ، ولا يقترب منك شخص إلا من اقتربتِ منه أنتِ ، شهيه ، شهيه ، يطمع بك كل شخص ، وقوية يتردد كل شخص من الاقتراب منكِ ، تعرفين !! أريد أن اعترف لك آنستي ، مع كل المشاعر التي عايشتها منذ نظرتك الأولى لي ، إلا أني اشتهيتك ، هذا ما لم اعترف به لنفسي تلك الليلة .

     أتذكرين تلك الليلة في المطعم ، قلتي شيءً أثار حفيظتي ، قلتي : أنت محضوض أن تكون بصحبتي يوماً كاملاً ، ظننتها غروراً في بادئ الأمر ثم اكتشفت أنكِ لم تبقى مع رجل يوماً كاملاً من قبل ، هل أنا الرجل الوحيد الذي حظي بذلك منكِ ، لم تكوني مغرورة وأنتِ تنطقي تلك الكلمات بل كنتِ جادة حينها ، رأيت ملامح الصدق كلها في عينكِ ، لماذا منحتني تلك المساحة من وقتك ؟ لتتركي الذكريات ؟ أم رغبتك أن تكوني مع رجل ؟ أم رغبتك بأن يكون معكِ رجل ؟ أم أنك تبحثين عن عواطفك الميته ؟ عواطفك التي تدفنيها وسط هيبتك وقوتك .

     أردت أن أكون ضعيفاً معك لكي تتحكمي بي وتلهي معي كما تشائين لا كما أشاء ، فبداخلك طفلة ينقصها اللعب واللهو ، ينقصها أن تعرف كيف تستمتع بوقتها ، ينقصها أن تكتشف الدنيا التي منعت نفسها منها ، شعرت أنه بودك أن تلعبي معي قليلاً فتركت لك الحرية ، فلهوتِ قليلاً وضحكتي قليلاً ، وبقيتي قليلاً قبل أن تختفي ، لكن شعورك بالمتعة أجبركِ أن تتركي حبل تواصل معي ، حبل معقود آنستي فكيف لي أن اعجب أو أحب امرأة لا أستطيع أن أحدثها وقت أشاء ، وألتقيها وقت أشاء وأحبها وقت أشاء ، قيود آنستي لا يحبها الرجال ، وقيود آنستي لا تضعها النساء ، لكنك وضعتها لي ، لا تقلقي لن أتجاوزها فأنا أنتظر لأعرفك أكثر .

     احتاج أن أكسر الحواجز لكي أقترب منكِ أكثر ، لكي أضع حداً لقوتك لكي أشعرك أن كل الحواجز التي تضعينها لا معنى لها فهي قيود لا تكبلني بل تكبلك أنتِ أنستي ، فأنتِ تقيدين نفسك بشيء لا تحبينه ، لا تودينه ، لا ترغبين فيه ، أنتِ حره لكنك مقيده لا من أحد بل من نفسكِ أنستي ، لماذا تحيطين نفسك بكل تلك الهالة من العظمة ؟ والأبهة ؟ والتعالي ؟ والغرور ؟ لماذا تحبسين نفسك في مستوى معين ؟ وتهملي كل مستويات حياتك ، أنتِ طفلة كبيره في شأنها صغيرة في أحلامها ، تسابق الزمن لتكون شيئاً مهماً وينسيها ذلك أنها إنسانة تحتاج لكل شيء لكي تشعر بإنسانيتها .

     لا ادري لماذا لم أتجرأ عليك وأنتِ معي ؟ لماذا لم أقبلك وأحتضنك ؟ لماذا لم ادمر تلك الحواجز التي حولك ؟ لا ادري لماذا ؟  صدقيني لم تكن لدي الرغبة رغم أني أشتهيكِ ، لم تكن لدي الرغبة حتى أن أمسك يدك لولا أني خفت أن تقومي من طاولتي حين بكيتي ، تذكرين تلك الدموع ، كانت طفولية أكثر مما كنت أتوقع ، لقد بكيتِ ندماً على موقف لا يستحق البكاء ، فلو أني لم ارغب في التودد لك ما طلبت من صديقي وسام دعوتك على العشاء ، اخبريني كيف تندمين على موقف بسببه استطعت أن أتقرب لكِ من خلاله ؟ لكنها دموع بريئة ، هذا ما شعرت به دموع جعلتني أغير رأيي في كل شيء رأيته منكِ .

     لماذا تضعين حواجز كثيرة ؟ ترددت وأنا أرسل الرسالة ، توقعت أن تستفهمي مني لكي تعرفي ما اقصد ؟ ولم تفعلي ؟ ولم تردي ؟ ولم تكتبي لي ؟ شعرت برغبتي أن أتصل بكِ ، لكنك لا ترغبين بذلك ، هذا ما كتبتيه في رسالتك التي تركتها لي قبل أن ترحلي ، كتبت لك رسالة أخرى : أنا معجب بك ، ولم يأتني الرد أيضاً ، ورسالة أخرى : تمنيت أن يطول بقائكِ معي ، ولم تردي على أي من رسائلي ، ولم أتوقع أن تردي أصلاً بل كتبتها لأفرغ تلك الشحة التي ملأتني ، لأمنع الأسئلة أن تتكرر في رأسي كثيراً قبل أن تخرج ، فأخرجتها لكي لا تزعجني ، تصدقين أني انتظر إجاباتك وهذا الامر ازعجني أكثر من أسئلتي ، لا بل أني متوتر بسبب تلك الأسئلة ، فكل الأفكار التي تتخيلينها مرت ببالي ، هل سأزعجك بأسالتي ؟ أم ستهتمين بها ؟  أم ستلغيني من حياتك بسببها ؟

     أتذكرين ما كتبته لي بعد ذلك سأذكرك به آنستي كتبتي : تمنيت أن أحتقرك أكثر مما فعلت تعرف لماذا ؟ لأني حين أخاف من رجل احتقره لكي يبتعد عني ، ولو أني لم أكن مهتمة بك كاهتمامك بي تماماً ، ما قبلت دعوة صديقك وسام إلى الحفل الذي رافقتك إليه ، فكرت في رسالتك ، ولم تتركي لي المجال أن افكر بها أكثر فكتبتي : لقد ضحكت معك كما لم أضحكك وأنا طفلة ، ورافقتك لأماكن كثيرة ، دون أن أمنعك من شيء ، فكيف تقول أني أنا من وضع الحواجز ، فكر قليلاً يا صاحب الشعر الطويل ، لماذا لم تكسر أنت حواجزك ؟ أه أنا لم افعل نعم لم افعل ، رسالة أخرى قطعتِ بها حبل تفكيري ، حين كتبتي : منعني خوفي أن ابقى معك أكثر ولا تسألني لماذا تخاف المرأة من أن تبقى مع رجل فترة طويلة ؟ . ماذا تقصدين ؟ هذا ما كتبته لكني ترددت بل مسحت الرسالة ، وكتبت لك : أتمنى أن نلتقي مجدداً ، نظرت لساعتي فرأيتها الثامنة ، عرفت حينها أنك ستكتبين تصبح على خير وكان ما توقعت ، تصبح على خير ، هذا هو ردك .

      تخافين آنستي ! من ماذا ؟ ولماذا ؟ تخافين وتقتربي مني ، تخافين وتجلسي معي وتخرجين ، تخافين من ماذا ؟ هل تخافين أن تصل علاقتنا للفراش مثلاً ؟! أم تخافين أن تحبيني ؟! أم تخافين أن اطلب منك كل شيء ، لتكتمل علاقتنا مثل أي رجل وامرأة ، من ماذا تخافين ؟ من تاريخي ؟ أه ربما تعتبرين تاريخي أسوداً ، أم أنتِ في وضع لا يسمح لك أن تحبي ، لا تقولي أنك لم تمري بتلك التجربة آنستي ، فمن المستحيل أن تدفني عواطفكِ كل تلك السنين ، نعم لي تاريخ ، لكنه تاريخ غير ما تضنين لقد بحثت عن امرأة تستطيع أن تضعني في كل مكان في حياتها  وأضعها في كل مكان في حياتي ، فلم أجد تلك المرأة التي أبحث عنها ، كنت أبحث عن امرأة أشعر أنها ترضى عن كل شيء أفعله ، وكل شيء أقوله ، وكل شيء يجري حولي ، وكل شيء أتمناه ، فلم أجدها آنستي .

     لم تكن كل تجاربي مع النساء علاقة كاملة كما تضنين ، بل بعضها لم يتعدى لقاء عشاء ، أو فنجان قهوة في مقهى أو بار ، وبعضها كان أكثر من ذلك ، لكنها لم تكن علاقات عنيفة ولا مجنونة ولا متهورة ، فأنا لا أبحث عن المغامرات تلك ، بل أبحث عن ذاتي مع كل امرأة عرفتها ، حتى المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تجعلني أحبها ، لم يكتب لي القدر أن أكون معها للأبد ، رحلت أنستي ، تركتني وحيداً ، هي أيضاً كانت تخاف لكنها كانت تخاف وهي تحب رجل له في كل مكان علاقة ، قتل حبها ذلك الشك المجنون ، فلا تكوني مثلها أنستي .

     لا أعرف عنك الكثير ولا تعرفي عني الكثير ، بل نحن أصدقاء ، معجبون ، نحن لا شيء ، نلتقي ونفترق فلا شيء يخيف لا نترك خلفنا ما هو ملموس بل ذكريات ، لا شيء كل علاقة لا شيء إن لم تكتمل ، فلا تاريخ للقهوة ولا العشاء ولا الضحكات ولا الكلمات ، التاريخ يزرع نفسه بداخلنا آنستي لكي نبقى متشوقين ، متلهفين ، للقاء الذي يجمعنا فيكون عالمنا فراغ إلا منا نحن الأثنين .

     من ماذا تخافين آنستي ؟ فأنتِ حرة متى جئتِ ومتى رحلتِ ، وأكثر من ذلك أنتِ حرة متى تكتبين لي ومتى تهمليني ، فلا تدعي أني من أضع الحواجز ، لكني سأرضي رغباتك المتعالية ولنصل لشيء نتفق عليه نحن الأثنين ، شخصان ألتقيا صدفة اعجبا ببعضهما استمتعا بوقتهما معاً ، ثم افترقا ليحتفظوا بشيء من الذكريات يبقيهما على تواصل إن سمحت الظروف ، هذا ما وصل إليه تفكيري فتركيه جميلاً كما أتخيله وكما أريده أن يبقى جميلاً .

     عدت آنستي لبلدي عدت لبيتي لعملي لانشغالي كما فعلتي أنتِ تماماً لكن لن أقول لكِ تصبحين على خير في الثامنة لو احتجتِ أن تتحدثي معي أو تكتبي لي ، تذكرين أول رسالة بعثتها لكِ حين عدت لبلدي ، كانت كأول رسالة كتبتها لك ، نور ، كتبت أسمك ، فعرفتني دون أن أُعرف نفسي ، وعرفتي رقم الهاتف الذي أستخدمه هنا ، سألتني بعدها : متى ستأخذ إجازة ، فكتبت لك : يمكنني أن آخذ إجازة في أي وقت أشاء ، قلتي : هذا جيد ، لم استفهم منكي أكثر لكن دار في رأسي أنكِ ترغبين في أن نلتقي مجدداً ، شعرت أن موعدنا الثاني سيكون قريباً جداً .

     كل يوم تكتبين لي ثلاثة رسائل ، منذ أن بدأنا نراسل بعضنا منذ عودتي ، لا تتجاوزينها أبداً ، ما هذا البخل آنستي ، أنتِ بخيلة جداً ، لكنكِ لم تهمليني في أي يوم ، أعجبني نضامك الصارم ، كل شيء محدد في حياتك كل شيء بحسابه ووقته ، لا تتجاوزين تلك المعاير الصارمة ، لكنك فجأة تهملين كل شيء حين تحتاجين ذلك ، هذا تخمين جديد آنستي ، فهل أنا ممن يمكن أن تحتاجين إليهم وتهملي كل معايرك الصارمة بسببهم ؟ ربما ، أكون أنا الإنسان الذي ستتخلصين من قيودك معه .

     شهر مر منذ أن عدت وأنتِ لا زلتي تكتبين لي ثلاث رسائل في اليوم ، حسبتا 90 رسالة ، عدد يبدو كبيراً لكنه قليل مهما زاد في نظري ، لم يحصل ما توقعته حين قرأت رسالتك : متى يمكنك أن تحصل على إجازة ، كنت أتوقع أن ألقاك في موعد قريب لكن لم يحصل هذا بعد شهر من رسالتك تلك ، لم تذكري لي أي شيء عن لقاء محتمل بيننا ، ولم  تتحدثي في هذا الأمر ، ولا أدري لماذا منعت نفسي أن أطلب أنا منكِ ذلك ، ربما أني لا أريد أن افرض عليك أمراً ربما لا تستطيعين تحقيقه .

     هل تستطيعين أن تحققي رغبتي في لقائك ، أضن أنك عاجزة في هذا الأمر ، هناك قيود كثيرة في حياتك ، لم تتحدثي عنها ، ولا أريدك أن تتحدثي عنها ، فلست بحاجة أن أعرف تلك الأمور آنستي ، بل محتاج أن أكون معك في لقاء ولو كان قصيراً ، لا أبالي من قيودك ولا مما تخافين ومما تحذرين ، أنتِ حرة لكن بشرط أن تبقي معي ، فلا تقلقي لن افرض عليك شيء ولن اطلب منك شيء ولن أزعجكِ بشيء .

    استهوتني لعبة الكلمات بيننا ، نكتب كلمات معدودة ورسائل معدودة نكتبها بحذر في مواضيع بسيطة لا تزعجنا ، اكتشفت أيضاً أنك لا تريدين إزعاجي ولا تريدين أن تطلبي مني أي شيء ، ولا أن تفرضي علي أي شيء ، أنتِ تفعلين كما أفعل تماماً ، أنتِ تراعين مشاعري كما أفعل معك ، أه قلتها من كل قلبي ، تعرفين لماذا ؟ لأني في فراغ إلى منك ، هل تصدقين أني في فراغ ، ربما لا تصدقين آنستي ، لكنها الحقيقة ، ربما رسمت كارولين في خيالك أني إنسان عربيد ، لقد تركت كل تلك الأمور منذ زمن ، تركتها لأني يئست أن أجد قلبي مع امرأة ، أو خفت أن أترك قلبي مع أي امرأة ، أو لا أريد أن أترك قلبي مع امرأة ، أسباب كثيرة ، لا أريد أن أذكرها ، وأسباب كثيرة أيضاً تمنعني من ذلك ، أسباب لا تتوقعينها أو لا تخطر ببالك ، لن أذكرها لكِ ، لن أشغل تفكيرك بأموري الخاصة ، فربما أعجبتِ بي عندما عرفتِ أنه كان لي علاقات كثيرة ، فكثير من النساء يعجبهن الرجل الشقي كما يسمونه .

     نعم كنت شقياً لدرجة أني كنت أحظى بامرأة في فراشي وقت أشاء ، لكني تركت كل شيء بإرادتي ، لم يفرض على أحد ذلك ولم تستطع امرأة أن تمنعني من ذلك ، بل نفسي هي التي منعتني ، وهي تمنعني منكِ أنتِ أيضاً ، تمنعني بلطف لا تريدني أن أتركك ولا تريدني أن أقترب منك اكثر ، تصدقين اكتشفت أنها تخاف منك ، هل جاذبيتك قوية لهذه الدرجة أن تستقطب نفسي بشدة فتشعرها برغباتها وأهوائها ؟ وهل أنتِ مرعبة لدرجة أن نفسي تخاف أن تقترب منكِ فتتركيها بعد أن تتعلق بك ؟ لكني مشتاق لكِ ، نساء كثيرات يمرن بذاكرتي ، أستطيع أن التقيهن في أي وقت ، لكني لا اشعر برغبتي في لقائهن بل تدورين أنتِ في رأسي كل ليلة لأشتاق إليك وأشتاق أن ألتقيكِ .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.