رواية أتذكرين .. الفصل الثاني ..

الفصل الثاني

لقائنا الأول

     أتذكرين نظرة الاحتقار التي نظرتي لي بها عندما رايتك أول مرة ، لا اعرف سبب تلك النظرة لكن بحثت بشكل سريع وراجعت تصرفاتي دون أن أجد سبباً أن ينظر لي أي شخص باحتقار ، طريقة جلوسي سليمة ، ملابسي أنيقاً وإن لم تكن غالية الثمن لكنها نظيفة ومتناسقة ، أما أنتِ فكنتِ ملفته للأنظار تلك الليلة متأنقة بشكل راقي طريقة حديثك مع الآخرين نظراتك لهم وهم يتحدثون معك حركتك المحسوبة مشيتك الواثقة ، كلها انتبهت لها بعد نظرة الاحتقار تلك ، لا أدري لماذا احتقرتني بتلك النظرة التي تحمل كثيراً من الغرور والتعالي ، يبدوا انك من وسط اجتماعي رفيع المستوى ، لكن ذلك لا يشفع لكِ ولا يعطيكِ الحق أن تنظري لأي شخص باحتقار أو تعالي .

     لا أحب ذلك الشعور بطبيعتي فأنا أنسان بسيط ، فكرت في كل شيء ربما يكون عملك في المجال الدبلوماسي ، أو أن تكوني مديرة في أحدى الشركات الكبيرة ، حضرتِ هنا في لقاء عمل ، ما جعلني أفكر بهذه  الطريقة هو أني رأيت الجالسين معك يهتمون لحديثك بل ينتظرون أن تتحدثي ويوجهون كلامهم لكِ أنتِ دون غيرك ، لماذا نظرتي لي باحتقار ؟ لا أدري ؟ لا أدري ؟ كاد ذلك الشعور أن يقتلني ، حتى انصرفتِ من المكان ، ظننت حينها أني لن أركِ ثانية ، بل تمنيت أن لا أراكِ مرة أخرى أو لا أراكِ أبداً ، كرهتك من كل قلبي .

     لكنكِ عدتِ مرة أخرى لتجلسي على نفس الطاولة ، عدتِ لتجلسي وحدك في هذه المرة ، ولم يأتي أحد ليجلس معك بعد مرور ساعة على عودتك ، عبثتي بهاتفك المحمول وأخرجتي كل أوراقك من حقيبة الكمبيوتر وتصفحتها أكثر من مرة ، كنتِ تفكرين بشكل عميق ، ما الذي يحيرك وما الذي يجعلك تفكرين ، أهي صفقة أم أتفاق ، أم ملاحظات ستنقلينها لغيرك ، لكني انتبهت لأمر مهم ، هو أنك لستِ كبيرة في السن لأن تكوني مديرة أو دبلوماسية ، ربما يقترب عمرك من الثلاثين لا أكثر ، ورغم ذلك كنتِ مهمة لمن تجلسين معهم .

     ما كنت لأهتم بكل تلك التفاصيل الدقيقة في تصرفاتك ، وربما ما كنت لأهتم لوجودك أصلاً ، لكن أنتِ من جعلني أنتبه لوجودك عندما سقطت ولاعتك بجوار طاولتي ، فكان من الطبيعي أن أرفعها من الأرض وأعطيك إياها ، لم تقولي شكراً حينها ولم تقولي أسفة ولم تبتسمي على الأقل لتعبري عن امتنانك بل نظرتي الي باحتقار لماذا ؟؟ لا ادري ؟ لم أقل أي كلمة حينها ولم يكن وجهي يحمل أي تعبير وأنا أقدمها لكِ .

     شربتي أربع فناجين قهوة حتى الآن ، ولا أدري كيف ستنامين ، أم ستجلسن هنا حتى الصباح ، فلا بوادر تشير لنيتك بالخروج ، خرجت وتركتك ، ولم  أنسى نظرة الاحتقار تلك ، كنت أود أن أعود وأسألك عن سببها ، بل كنت أود أن أوبخكِ على تلك النظرة ، أه لو تعرفين كم أكره أن يحتقرني أي أنسان أو أن يعاملني بتعالي ، كبحت ذلك الشعور بسرعة وركبت سيارتي وغادرت الفندق لأشتري بعض الأشياء .

     قضيت ساعة ونصف تقريباً ثم عدت لأجدك على نفس الطاولة وبيدك فنجان قهوة جديد ، لم أستطع أن أكبح جماحي حينها وأنا أقترب منك وأقول : مساء الخير ، نظرتي لي باستغراب ، اذكر جيداً تلك النظرة ، وأخفت دهشتك نظرة الاحتقار خلف ستار التعجب وأنتِ تردين بغرور : تفضل ، كأنك تقولين ماذا تريد ؟ كنت أود أن أخبرك أني لا أعاني مشاكل في التعامل مع المغرورين لكني فضلت أن أقول ما بخاطري دون مزايدة أو تردد فقلت : حينما سقطت ولاعتك عند قدمي وأعطيتك إياها لماذا نظرتي لي باحتقار ؟ ، فكرتي قليلاً وأنتِ تنظرين إلى وأعرف سبب تلك النظرة لأن ملامح الضيق كانت بادية على وجهي وملامحي الحادة ، أزعجتكِ تلك الملامح ، قلتي : هل من الضروري أن تعرف ؟ فرددت بحزم : نعم ، فقلتي : لا أحترم أي رجل يكون شعره طويلاً ، ، هززت رأسي حينها وكتمت غيضي وقلت : وأنا لا أحترم أي أنسان يتعامل مع الآخرين بتعالي واحتقار .

     سمعتك تقولين شيئاً حين أعطيتكِ ظهري وأنا أغادر لكن لم أنتبه لما قلتي فقد كنت سعيداً أني عرفت أنك إنسانة سطحية رغم مظهرك الأنيق وأسلوبك  الراقي ، شعرت بالسعادة لأنكِ تضايقتِ من حديثي معك ، انتابني شعور الرضا الذي فقدته بسببك ، بل شعرت بالسعادة أكثر حين رأيتك متضايقة من طريقة حديثي معك ، كان بودي أن أستثيرك أكثر من ذلك ، وأتناقش معكِ أكثر ، لكني اكتفيت أن أراكِ متوترة ومتضايقة ، وليرافقكِ الضيق للفراش فتنامين بكدر بسببي .

     أنت أيضاً ؟ سألت نفسي ما هذا الصباح الكئيب ؟ كان صوتك عالياً وأنتِ تتحدثين مع موظف الاستقبال سمعت بعض الكلمات ففهمت ما مشكلتك يبدو أن جهاز التكييف لا يعمل بشكل جيد ويبدوا أيضاً أن محاولة إصلاحه بائت بالفشل فنمتي في جو حار ليلة أمس ، كل الأمور تسير بعكس ما ترغبين هذا ما لاحظته ، شيء آخر طبقة صوتك جميلة لكنها تكون حادة حين يعلو ويصبح صراخاً ، أتوقع لو تحدثتِ بهدوء سيلبي الناس رغباتك بشكل أسرع فأنتِ تتمتعين بكل المقومات التي لا يستطيع أن يقاومها الرجال ، لكن مزاجك العكر يفسد كل ذلك المظهر الأنيق والجمال الملفت للأنظار والقوام المتناسق ، لا يوجد شيء يتمتع بالكمال على وجه الأرض فأنتِ جميلة لكنك تسببين التعاسة لنفسك ، تحتاجين بعض الدروس في التعامل مع البشر فأنتِ جميلة متعالية لكنك لا تتمتعين بالهدوء .

     مشكلة أخرى في المطعم وأنتِ تتناولين الإفطار يبدو أن النادل لم يعرف كيف يلبي مزاجك في القهوة هذا الصباح ، صوتك يعلو للمرة الثانية هذا في أقل من ساعة وها أنتِ تقومين غاضبة دون أن تكملي فطورك ، لقد أصابني التوتر وأنا أراكِ تصرخين ، لماذا أنتِ أمامي دائماً ؟ لماذا أتوتر حين أراك ؟ تباً لكِ من امرأة مزعجة لا تحسن التصرف في أمورها اليومية البسيطة .

     في المساء كانت ضيفتي جميلة ملفته للأنظار هذا ما لاحظته في عيون الجالسين في بهو الاستقبال في الفندق حتى أنتِ حين حضرتي لفتت انتباهك ، كنت أود أن أقول لكِ أنها ليست صديقتي بالمعنى الذي قرأته في نظرتك بل هي زوجة صديق عزيز على قلبي انفصلت عنه منذ عدة أيام بسبب مشاكل تافهة وأضن أنها تعاني من بعض أعراض الغرور التي تعانين منها ، ربما يسبب الجمال الغرور لصاحبته لكنه أيضاً يسبب الغباء ، فأنتِ وهي تتمتعون بنفس مستوا الغباء ذاته ، لا أقول أني لا احترمها كصديقة ، بل احترمها كثيراً ، لكني لا احترمك ، تعرفين لماذا أحترمها ؟ لأن لها مواقف نبيلة رغم جمالها وغرورها ، لكني لم أجد في تصرفاتك من البارحة ما يدل على النبالة ، وهذا هو الفرق الذي يجعلني أتجرأ وأتدخل لأحل مشكلة صديقتي وزوجها ، لكني لا أريد أن أتجرأ واقدم لكي النصيحة لتعدلي من تصرفاتك الحادة مع الآخرين .

     لم أتوقع أن تلفت صديقتي ، أو قولي زوجة صديقي انتباهك لهذه الدرجة فعيناكِ كانت على طاولتي في أغلب الأحيان ، رأيتها جميلة ربما أجمل منكِ بقليل وأصغر منك بقليل وهي مهتمة لوجودي ومهتمة لحديثي ، يبدوا أن الغيرة تنتاب النساء في هذه المواقف مهما كان غرورهن وتعاليهن وجمالهن ، لا تقلقي فأنا أنبل من أن أنظر لزوجة صديقي نظرة شهوة ، ولا تقلقي فزوجها سيأتي بعد قليل وستعود حياتهم لطبيعتها بل وسأحجز لهم في الفندق ليومين لكي يجددوا علاقتهم الزوجية .

     قام الزوجان من طاولتي وتشابكت أيديهم وهم يغادرون لغرفتهم كان المشهد رائعاً لقد لفتوا انتباه الجميع ، حتى أنتِ ابتسمتِ وأنتِ تشاهدينهم يغادرون ، تملكين ابتسامة رائعة فلا ادري لماذا تخفينها وراء ملامح التشنج التي ترسمينها على وجهك ، يبدوا أنك تتمتعين بحس عاطفي فبعد أن علا صوت الزوجان قليلاً وهم يناقشون مشاكلهم انتبهتِ أنهم تصالحوا وتشابكت أيديهم وهم يغادرون سوياً ، نظرتِ إلي حينها وابتسمت ، استغربت من تلك الابتسامة ، تقبلتها بهدوء وابتسمت لك ، يبدو انكِ بدأتي تغيرين نظرتك للرجال الذين يكون شعرهم طويلاً .

     لم اجلس بعد أن غادر صديقي وزوجته كثيراً ، غادرت لغرفتي غيرت ملابسي وارتديت بدلة رسمية فانا مدعو لحفل عشاء الليلة وهذا ليس مهم لأحكيه لكِ لكن الأهم أني قابلتك حين خرجتي من المصعد ولم تبتسمي ولم ابتسم لكني عرفت أنهم نقلوكِ في غرفة في نفس الطابق الذي أقيم أنا فيه ، لا تظني أني مسرور لتواجدك في نفس الطابق على العكس فأنا أتوقع أن أجدك تلكمين أحد العاملين بالفندق أو تتشاجرين مع عامل المغسلة ، أو ربما تطلبين تغيير الغرفة مرة أخرى لأي سبب أو ربما تغادرين الفندق ، فأنتِ مجنونة على ما أعتقد ، والمجانين يفعلون أي شيء دون تفكير .

     رائع هو صديقي وسام فأسلوبه في أقامه الحفلات مميز وضيوفه مميزون ، بهم شخصيات أعرفها جيداً من رجال ونساء ، لا أدري لماذا توقعت أن أراكِ هناك ربما لأن الأجواء كانت تناسب كبريائك وغرورك فرجال الأعمال وسيدات الأعمال على شاكلتك كانوا كثر كلهم متعالون ومغرورون ، كان تأنقي تلك الليلة شافعاً لي بأن لا ينظر لي أحدهم باحتقار كما فعلتي ، أهٍ لو تعرفين كم أكره هذه الملابس التي تحمل العلامات العالمية ، ولو كان بيدي لحضرت ببنطالون جينز وتي شرت بسيط ، لكن هذا الوسط المزعج الاستغلالي لا يريد إلا هذه الملابس التي يدّعون أنها أنيقة ، قابلت سيدة أعمال مغرورة مثلك واكتشفت أنها لا تجيد الكلام إلى في التجارة والمال ، ولا أضن أن الحياة تخلو من كل شيء إلا المال والأعمال التجارية والصفقات ، كأنكم تعيشون في كوكب آخر أو أنكم مصابون بمرض نفسي عضال لا شفاء منه ، لا أريد أن أقول أكثر من ذلك ، شفاكم الله .

     لم أركِ الليلة ولم أركِ في الصباح التالي تمنيت أن تكوني قد غادرتي الفندق أو غادرتي هذه الدولة ، كنت سأستريح من النظر لوجهك المتشنج وملامحك الغاضبة ،  لكن أملي خاب وأنا أعود لغرفتي فرأيتك تخرجين  من الغرفة المقابلة لغرفتي حبست أنفاسي حين رأيتك ، كنت أود أن أقول لكي غادري أرجوك غادري لماذا يرميك القدر في طريقي ؟ ماذا تريدين ؟ أو ماذا يريد القدر ؟ لكن الأكيد أني ساراكِ بشكل متكرر لسوء حظي .

     لم أنتظر طويلاً حتى رأيتك مرة أخرى ولم يخب ظني في أسلوبك  الحاد ومزاجك العكر فها أنتِ مرة أخرى يعلو صوتك وأنتِ تتحدثين  مع النادل في الكوفي شب بسبب القهوة متضايقة دائماً لكن هذه المرة تماديتِ كثيرا فطلبتي مسؤوله وتحدثتِ معه إلا أنه لم يشفي غليلك فطلبتي مدير الفندق لا ادري ما هذا الهياج العصبي الذي أصابك فلم يعلو صوتك فقط بل كنتي تصرخين في وجه  مدير المطعم ، وجدت لك أسماً يناسبك كثيراً سأناديكِ به “آنسة عصبية”، توقعت أن تغادري الفندق بعد هذه المشكلة لكنك عدتي لطاولتك يبدو أنكِ تعرفين أن المشاكل سوف تواجهك في كل فنادق العالم بسبب عصبيتك ، مجرد توقع لا أكثر ولا أقل ، كثيرة هي توقعاتي التي نسجتها حولك فأنتِ بنظري سيدة أعمال عصبية متوترة مغرورة لا يعجبها شيء ، وتوقعت أيضاً أنكِ ستطيلين الإقامة في الفندق مثلي تماماً لذا تريدين من كل العاملين هنا أن يعرفوا طباعك ويتأقلمون مع مزاجك الحاد المتقلب .

     توقعات لا تلتفتي لها كثيراً فلم أركِ إلا من يومين فقط ووضعت لكِ كل هذه الاحتمالات والتوقعات ، وأضن أني في الأيام المقبلة سأضع لك احتمالات أكثر وسأعرف عن طباعك أكثر وأكثر ، فرغم ملامح الغموض التي تلفين بها نفسك دائماً وتضنين أنها تجعل الناس يحترمونك أكثر بسببها ، إلى أنك مكشوفة أكثر من اللازم لمن يدقق قليلاً في تصرفاتك ، فلا تتوتر المرأة بسبب الأشياء التافهة دون سبب يأثر على مشاعرها أو يأثر على مسار حياتها ، ولا اضن أن التجارة وأجواء الأعمال هي التي تجعلك عصبية على العكس فأنا أضن أن عملك هو مخرجك الوحيد الذي تنفسين فيه عن نفسك وتخرجين من بوتقة مشاكلك من خلاله ، ليكن ما يكون فأنا لا أهتم لأمرك كثيراً إلى أني بدأت أشفق عليك من مزاجك السيء .

     دعوة أخرى تلقيتها من وسام لحضور حفل عشاء سيقيمه ، قررت أن لا أذهب لوحدي هذه المرة بل سأصحبك معي أو سأجعل وسام يقوم بدعوتك فهو سيحضر ليتناول العشاء معي الليلة وسأطلب منه أن يوجه لك الدعوة لحفل عشاءه بعد غداً ، ومن الأكيد أني سأجدك تجلسين على نفس الطاولة لوحدك كالعادة .

     ها هو وسام قد حضر ، وها أنتِ تجلسين على نفس الطاولة كعادتك لكنكِ لم تكوني لوحدك هذه الليلة فقد التف حولك نفس الأشخاص الذين كنتِ تجلسين معهم منذ يومين مضوا ، بنفس هيئتهم ، ونفس بدلهم التي أتوقع انهم لم يغيروها منذ ذلك اليوم ، كما أنهم ينظرون لك بنفس الاهتمام وينتظرون أن تتحدثين ، اعرف مدى جرأة وسام فما أن أنفض الجمع الذي حولك توجه  لكِ مباشرتاً ، سمعته يحدثك أتوقع أنه عرفكِ بنفسه أولاً ، لأني أتوقع أن شخصاً مغروراً مثلك لا يواجه الناس باحترام إلا أن يكونوا على نفس مستواه الاجتماعي والمالي .

     عاد لي وسام وهو يبتسم وسألني : هل تعجبك ؟ فقلت له : لا ، فسألني : لماذا طلب أن أوجه لها الدعوة ، سألته هل أنتِ سيدة أعمال ؟ فقال : نعم ، صدقت توقعاتي ، لم يطل وسام البقاء معي بعد العشاء ولم أطل البقاء في بهو الفندق بعد رحيله ولا ادري متى ستقومين من طاولتك تلك ، اضنك ستشربين الكثير من فناجين القهوة حتى تصابي بالغثيان ثم ستذهبين لتنامي نوماً متقطعاً حتى مساء اليوم التالي .

     مساء الحفلة كان هناك مفاجأة لم أتوقعها حين ركبت سيارة وسام الرولزرويز مع سائقه ، طلب مني أن انتظر قليلاً وبعد قليل فتح الباب الآخر فجلستي بجواري لم تتكلمي ولم أتكلم فقط ابتسامة مصطنعة منكِ وابتسامة مصطنعة مني وأخذ كلانا يعبث بهاتفه المحمول ، تصدقين لم أهتم أن ارفع عيني لأراكِ أو أرى ما تفعلين أو ما تلبسين ، فقط أنتِ بجواري وستحضرين حفلاً سيوجه لك الحاضرون فيه كل يوم دعوة لتناول العشاء أو الغداء أو ربما تعقدين معهم صفقات في مشاريع عدة ، ما لفت انتباهي كان عطرك فهو مميز اعرف رائحته جيداً ، رائحة قوية ، ربما تجسد شخصية قوية ، أو ربما تجسد شخصية ضعيفة تغطيها صورة القوة التي ترسمينها لنفسك .

     كان وسام وزوجته في استقبال الضيوف قبلتني زوجته الفرنسية كعادتها فهي تحترمني كثيراً فأنا اعرفها وزوجها قبل أن يتزوجوا وقضيت معهم أوقات كثيرة وجميلة ولا زالت صداقتنا مستمرة ، بل وقوية أيضاً ، ثم سلم عليك وسام وزوجته وعرفها بك ، تصدقين أني لم أسأله عن أسمك حين وجه لك الدعوة لكني عرفته الليلة أنسة / نور ، اسم جميل لكن الموقف لم يكن كذلك فقد سألتني زوجة وسام هل تزوجت ، ضنت أنكِ زوجتي لا ادري لماذا ازعجني هذا الاحتمال كثيراً .

     أتذكري تلك الليلة أم أنك نسيتيها ، أنا أتذكرها جيداً ، تذكرين حين أجلسنا وسام على نفس  الطاولة وجلس معنا هو وزوجته ثم غادرنا وسام وبقيت زوجته حينها سألتني متى ستتزوج ؟ أجبتها : لا ادري . نظرت لك حينها وقالت : اقسم لك أنه أقام علاقة مع نصف نساء العالم دون أن يقع في حب إحداهن ، كانت نظرتك موجهة لي حينها باستغراب ، ثم كان جوابك الذي صدم كارولين : أنا لا اعرف عنه شيء ولم اجلس معه قبل هذه الليلة .

     ارتبكت كارولين ، وبدت ملامح الاستغراب ترتسم على وجهها وقالت : احمد هل الآنسة صادقة فيما تقول ؟ هززت رأسي بنعم ، كانت كارولين دبلوماسية حينها فقالت : أنا آسفه ، توقعت أنكم أصدقاء على أقل تقدير ، لكنك تخلق الصداقات الرابحة دائماً لوسام ، أرادت كارولين بكلامها أن تعالج الموقف وتغير علامات الاستغراب التي ارتسمت على وجهها من ردك ، لأن ردك كان صادماً ، أو غير متوقع ، فقد حضرنا سوياً ودخلنا سوياً ، ونجلس على نفس الطاولة سوياً ، ونحن لا تربطنا علاقة من أي نوع .

     غادرت الطاولة حينها وتركتك مع كارولين التي صحبتك لتعرفك على بعض الحاضرين وأعتقد أنها أنتقت الشخصيات التي تناسبك من الرجال والشخصيات التي ستثيرك من النساء فلهن نفس مزاج الشاذ وأيضاً مشاعر شاذه ومتهورات ، قرأتك كارولين أفضل مني ربما ، فقد أمضيتِ وقتاً في الحديث مع إحداهن اكثر من المتوقع ، وأعرف أن السيدة التي تقفين معها لو رأتني بصحبتك ستثير استغرابك أكثر ، فحاولت أن لا تراني تلك السيدة وأنتِ بصحبتها ، لكني فشلت في ذلك فعندما رأتني قبلتني واقتربت مني كثيراً وقالت : اشتقت إليك ، من الأكيد لم أتمنى مقابلتها في تلك الليلة ولم أتمنى أن تقابليها أنتِ أيضاً ، لكن هذا ما جرى .

     لم ترقصي مع أحد ، كنت أتمنى أن أركِ ترقصين ، لكنكِ لم تحققي أمنيتي ، كنتِ تتبعين خطواتي بعينيكِ ، رأيتك تنظرين إلي كثيراً ، أكثر مما كنت أتوقع أن تفعلين ، لم تكن نظراتك تحمل نظرة احتقار هذه المرة ولا تعالي ولا غرور ، بل كانت مختلفة إعجاب ، من الممكن أن تكون نظرةُ أعجاب ومن الممكن أن تكون استغراب أو ربما نظرة تعجب ، كلها نظرات لم أرها في عينيك من قبل ، لم أتحمل تلك النظرات لأنها كانت مغرية بالنسبة لي ، مثيرة من أمرأه لم المسها بعد ، امرأة عنيدة لا أريد أن احطم كبريائها ولو كنت أكرهها ، كان لا بد أن أغادر تحدثت مع وسام فأمر سائقه أن يأخذني حيث أقيم ، ربما لم تستمتعي بالحفل ، لكن من الأكيد أنك خرجتي من جو الكآبة الذي يحاصرك .

     وضعت رأسي على مخدتي بعد أن أغلقت هاتفي المحمول لا أريد أن أسمع أصواتاً ولا أريد أن أرى أحد ولا أن استمع لأحد ، فقد أتيت إلى هنا لكي ابتعد عن الإزعاج لكن وسام لم يترك رغبتي تتحقق فقد دعا كثيراً من زملائنا الذين كانوا يدرسون معنا من اكثر من عشر سنين ، لا أدري كيف يحتفظ بصداقاته كل هذه المدة الطويلة ، لكنه ناجح في هذا الأمر لحد كبير ، ناجح لدرجة انه أقام علاقات تجارية مع اغلبهم فمعظم دفعتنا في تلك الفترة كانت من وسط غني ، وكانت الدراسة أيام جميلة ومرت بسرعة .

     لم اخرج من غرفتي هذا الصباح تناولت إفطاري وشربت قهوتي في الغرفة ، ليس لي مزاج أن أراكِ تتشاجرين مع أحد فأنا متعكر المزاج أساساً منذ البارحة ، ربما لن تتشاجري مع أحد اليوم فمزاجك كان رائعاً البارحة ، أو ربما لا تستمر معكِ السعادة كثيراً ، أتمنى أن أكون مخطئ في توقعي هذا ، لكني رايتكِ في المساء تجلسين باسترخاء على أريكة في زاوية لوبي الفندق ، لم تكوني قريبة مني لكي القي عليك السلام ، رأيتك تتصفحين جريدة ، جريدة ، كررتها اكثر من مرة والتفت إليكِ كي أتأكد انكِ تقرئين جريدة ، نظرت لكِ مرة أخرى لكي أتأكد لا توجد أمامكِ أوراق عمل ولا يوجد فنجان قهوة بل زجاجة ماء ،  تحتاجين أن تشربي الكثير من الماء فهو مهدئ جيد لحالات الغضب التي تنتابك .

     ذهبت لطاولتي ولم تكوني بالطاولة المجاورة هذه المرة  فتحت جهاز الكمبيوتر أتصفح بعض الجرائد وأقراء المقالات المهمة ، علمتني المقالات أن اقرأ ما بين السطور كما علمتني التجارة أن أقراء البشر الذين أراهم جيداً ، وعلمتني الحياة أن كثيراً من المواقف نحن نخلقها ، ما فعلته أنا بدعوتك لحفل العشاء وكما فعلتِ الآن وأنتِ تقتربين من طاولتي لتجلسي معي ، نعم ستجلسين معي ملامحك تقول ذلك قبل أن تتكلمي ، وعندما اقتربتِ اكثر قمت من الكرسي لأسلم عليكِ .

     أزحت الكرسي لتجلسي ، فنطقت بكلمة شكراً وأنتِ تبتسمين ، لم أتمالك نفسي وانا أقول لكِ : يمكنك أن تكسبِ أناساً كثيرة بهذه الابتسامة الرائعة ، شكراً ، قلتي شكراً مرة أخرى ، كان بودي أن أقول لكي أن شكراً كان يجب أن تقوليها في المرة الأولى عندما أعطيتك الولاعة بدلاً من نظرة الاحتقار تلك ، لكن لا يليق بي أن اعكر مزاج آنسة أو سيدة جاءت لتجلس معي ، أشعلتِ سيجارتك ، سألتك : هل اطلب لك قهوة سادة ، نظرة استغراب تبعها سؤال : كيف عرفت أني اشرب القهوة بدون سكر ، قلت بهدوء : لأنك تدخنين وستشعلين سيجارة عندما تأتي القهوة وأخرى قبل أن تنهي فنجانك .

    علامات تعجب كثيرة واستغراب رأيتها على وجهك ، تلتها ابتسامة جميلة أخرى ثم قلتي : لم آتي إلى هنا لتخبرني كيف ادخن وأشرب القهوة ، نظرتي للجهة الأخرى ثم نظرتي إلي وقلتي : وأنا أيضاً اعرف أنك تشرب قهوتك بنفس الطريقة إن لم تخطأ توقعاتي ، لكني أتيت لأسألك لماذا طلبت من صديقك أن يدعوني لحفل العشاء البارحة ؟ لا اكذب لو قلت اني لم أتوقع هذا السؤال فبدت علامات الدهشة على وجهي وأنا أجيب : أكثر من سبب ، ثم سكت تركتينِ حينها أفكر في الإجابة دون أن تقطعي حبل أفكاري ، عدت لأكمل حديثي : كنت أريدك أن تخرجي من روتين الفندق والعمل ، لاحظت أنكِ تحتاجين لشيء من المرح يجدد نشاطك وينعش تفكيرك ويغير مزاجك .

     لم تقولي شيء ولم اطلب منكِ أن تقولي شيء ، لكني لم  أراكِ متعالية أو شامخة كنتِ تقلبين علبة السجائر وتفكرين ، فنظرتي إلى فجأة وقلتي : أنا آسفه ، فأجبتك : وانا أسف أيضاً ، قلتي : لقد نظرت لك باحتقار فعلاً متعمدة ، لكني لا اكره الرجال الذين يكون شعرهم طويلاً ولا احتقرهم ، كنت منفعلة ، ولا أدري لماذا نظرت إليك بهذه الطريقة ، لم أتوقع أن تبكين لكنكِ بكيتي ، خفت أن تقومي من أمامي التقطت يدك من على الطاولة وضعتها بين يدي وربت عليها كررتِ مرة أخرى : أنا أسفه لم اقل شيء فقط ابتسمت .

     سحبتي يدك ومسحتي دموعك بسرعة وكأنك انتبهتِ أن ضعفك أنكشف ، حاولتِ الهروب بأن تستأذني وتغادري ، ناديتك : نور ، فألتفتِ وأنتِ واقفة ، أرجوكِ أجلسي قليلاً أحتاج أن أتحدث معك لو سمحتي ، عدتي وجلستي وأنتِ تترقبين ما سأقول ، لم يكن لدي شيء أقوله فقط أردتك أن تجلسين معي ، انتظرتِ دون أن أقول شيء ، وقد ضايقكِ صمتي فقلتي : تحدث ، ماذا تريد أن تقول ؟ كانت نظرتي متحديه لكنها لطيفة قبل أن أقول : أريدك أن تجلسي معي ، نظرة الاستغراب مرة أخرى ، تلاها سؤال : فقط تردني أن أجلس ؟ قلت : نعم أريدكِ أن تجلسي معي ، لا تقولي شيء ، وربما لا أريد أن أقول شيء ، أريدك أن تجلسي معي ، تشربي قهوتك تتصفحي أوراقك تعبثي بجهازك المحمول تدخنين ، لكن لا تغادري .

     أنت إنسان غريب ، قلتيها بكل المعاني التي رأيتها في عينيك في اليومين الماضيين ، لم تكتشفي أنكِ أغرب مني ، لم تكتشفي أنك من شجعني أن انظر لك واعرف شخصيتك وأقول ما أعرف أنك لن ترفضيه ، في قرارة نفسي أنك لن ترفضي طلبي وستجلسين وإن لم أقل شيء ، ستجلسين وستبدئين أنتِ الحديث ، وستسألينِ كثيراً وستستشيرينِ كثيراً ، كل هذا في قرارة نفسي ، رأيت موافقتك أن تجلسي معي في ابتسامتك وأنتِ تنظرين إلي ، أخذتي هاتفك المحمول وبدأتي تعبثين به ، ابتسمتِ وأنتِ تقرئين شيءً ، ثم تغيرت ملامحك وأنتِ تقرئين شيءً آخر ، ثم قلتي : ما رأيك بزوجة صديقك وسام ، قلت : امرأة تستحق الثقة ، قلتي : هل أنت متأكد ، قلت : نعم ، اعرف أن الشخصيات التي قابلتها في الحفلة بعضها غريب وبعضها متهور وبعضها غامض ، لكن تأكدي أنها تجيد التعامل من جميع هذه العينات بمهارة واحتراف ، لحظة تفكير مرت بك ثم قلتي : وصديقك وسام ؟ ابتسمت وقلت : رجل لكل العصور يستطيع أن يتعامل مع كل شيء في أي وقت ، قلتي : لكنه يحتفظ بصداقاته القديمة ؟ صيغة سؤال تريدين أن تعرفي ما تفسير كلامي ، لبيت رغبتك فقلت : تربطهم معه مصالح حتى الآن فيحافظ على صداقته ومصلحته ، نطقتِ بسرعه : وأنت ؟ أنا لا أتعامل مع وسام  في التجارة ، استغراب من جديد تبعه سؤال : لماذا يحتفظ بصداقتك اذاً ؟ قلت : لأني الوحيد الذي يقول له كل شيء دون تردد أو حذر ، نظرة تعجب أخرى لكنكِ لم تقولي شيء ، وعدتي تعبثين بجهازك المحمول ثم التفتي إلي وقلتي : دعتني كارولين على العشاء غداً ، ابتسمت وقلت : قليلة هي الدعوات الخاصة التي توجهها كارولين لمعارفها ، يبدو أنها أعجبت بشخصيتك ، ابتسامة أخرى ثم قلتي : أنا مترددة ولم اجب دعوتها حتى الآن ، لكن بعد حديثك عنها يبدو أني سأوافق .

     كانت ملابسك أنيقة جداً وراقية جداً اعشق اللون البني وتدرجاته على النساء يجعل المرأة تبدو قوية لكنها لذيذة كحبة البندق تماماً ، أعجبت الليلة بهدوئك ، بلطافتك ، بسكوتك ، بجرأتك ، وأنتِ تجلسين ، بترددك وأنتِ تعودين للجلوس ، بأسئلتك ، ساعة ونصف ليست بالوقت الطويل وليست بالوقت القصير لكنها مرت بسرعة ليست علي أنا وحدي بل أضنها مرت عليك أنتِ أيضاً بسرعة ، كررتِ الابتسامة كلما نظرتي إلي لتقولي شيئاً ، رغم أني لم اطرح عليكِ أي سؤال ولم افتح أي موضوع لكنكِ جلستي وتحدثتِ وسألتي كما توقعت .

    كانت كارولين في اليوم التالي سعيدة بلقائك حدثتني بعد أن عادت لمنزلها قالت لي كل شيء دار بينكن من حديث عن العمل والحياة ، لكنها لم تخبرني عندما سألتها  عن أمورك الخاصة ، هي قالت : أنك تعتذري كلما سألتكِ عن أمورك الخاصة ، خصوصاً عندما سألتك : هل لك صديق ، فلم تجيبيها وقلتي : افضل أن لا أتحدث في هذه الأمور الآن ، ليكن ما تريدين ، أخبرتني بظنونك ، كنتي تضنين أني من طلب من كارولين أن تدعوك على العشاء ، صدقيني لم أفعل ، بل أنتِ من لفت نظر كارولين ولا ادري ما الذي أعجبها في شخصيتك في الحفل وما جعلها تعجب بكِ اكثر الليلة ، يبدو أنكِ تملكين مهارات لا اعرفها في استقطاب الناس من حولك .

     قالت لي كارولين : إنكِ من نوعية النساء التي أحبها ، وأنا بطبعي أخاف من دهاء هذه السيدة ، صدقيني ، أخاف من دهاء كارولين ، ماكرة لكن مكرها لطيف تستخدمه في تقريب الأمور وحل المشاكل وإصلاح النفوس وتقريب الأحبة ، قالت : إنكِ تناسبين ذوقي ، لكني قرأت كلماتها بشكل آخر أني من الرجال الذين يناسبون ذوقك ، هي ماكرة اعرفها جيداً لأنها لم تخبرني هل تحدثتم عني أم لا ؟ هل سألتها عني أم لا ؟ هل أنا موضع اهتمام لديكِ أم لا ؟ لم تخبرني بما أريد بل جعلتكِ وهي تتحدث معي مهمة ، حدثتني وكأني كنت أنتظر أن تخبرني عن لقائكم ، لم اطلب منها صدقيني لم أطلب منها ، لكنها تعمدت أن تخبرني بذلك ، تعمدت أن تخبرني بكل الجوانب التي تثير اهتمامي ، وهي تعرف أني لا أحب المرأة التي تكشف أوراقها بسرعة .

     كل ما قالته كارولين يثبت لي أنك ستتحدثين معي غداً وربما بعد غد وبعده ، ربما ستصبحين صديقتي ثم حبيبتي ثم عشيقتي ، لا اعرف لماذا اشتقت أن أتحدث معك الليلة ، شعورٌ جامح كبحته ، وخفت منه ، لأني اعرف بعد كل السنين التي مرت بي وبعد كل التجارب العاطفية التي عشتها ، أني أحتاج أن أحب امرأة من كل قلبي أحتاج أن أعشق ، لا ادري لماذا ؟ انتابني هذا الشعور منذ سنة لكن قلبي لم يستجب لم يعشق لم يقع في الحب ، ربما أنتِ أول امرأة احتقرتني من أول نظرة ، تقدم بي العمر سيدتي و دخلت مرحلة الاتزان ، والبحث عن الاستقرار .

     لا ادري لماذا أخبركِ بأمور يجب أن لا أقولها ،  فهذا شأني وحدي ، وهذه حياتي وحدي ، لكني مهتم بكِ ولم أقع في حبك حتى الآن على الأقل ، حتى حين أتصلت بك في الصباح لأسألك أن نتناول الإفطار معاً ، حتى وأنتِ تخبريني بأنك مرتبطة بموعد عمل ، حتى وأنتِ تختصرين المكالمة لتنهيها ، كنت لا أزال مهتم بك ولم أقع في حبك حتى الآن .

     تعرفين أني كنت أريدك أن تجلسي معي لكنك لم تمنحيني الفرصة ، أضنك تريدين أن آتي إليكِ وأطلب أن أجلس معك كما فعلتي منذ يومين حين أتيتي لطاولتي وقبلتي أن تجلسي معي ، تريدين أن تكون الخطوة الثانية مني ، لا تقلقي سأفعل ما تريدين في المساء حين ألتقيك في الكوفي شوب ، سأسحب حينها الكرسي لأجلس بجوارك وسأطرح أنا الأسئلة وسأفتح أنا المواضيع لكي تتحدثي معي وتجيبي على أسئلتي .

     هل تصدقي اني كنت انتظر المساء لكي أفعل ما قلته ، ولكن المساء أتى وأتيتي أنتِ لتجلسي على نفس طاولتك وألتف حولك جمهور من لابسي البدل الأنيقة ، كانت الأجواء حولك جيده وكنتِ متألقة ذلك المساء أكثر من أي وقت مضى ، وكنت أنا أنظر إليك بعين مترقبة متلهفة أن تلتفتي لها وتمنحيها نظرة ، أو إشارة أو تحية ، لكنك لم تفعلي ، حتى وأنتِ تقومين من طاولتك وتمرين بجواري لم تعيريني أي اهتمام وكأني ذلك الحقير الذي نظرتي إليه في المرة الأولى .

     أتذكرين أنكِ لم تريني في اليوم التالي واليوم الذي تلاه ، لم أكن خارج الفندق ولم أغادره ولم أسافر بل كنت حبيس غرفتي اسأل نفسي : لماذا افكر أن أحب بعد كل تلك السنين ؟ لا املك إجابة آنستي لم يكن قلبي ليتحرك بهذه السرعة تجاه أي امرأة أو آنسة ، قبل أن أراكِ قبل أن تحتقريني مرة أخرى وتتجاهلين وجودي ، عدت للكوفي شب بعد ذلك لا لكي اجلس بالقرب من طاولتك بل لكي اجلس في الركن البعيد لأراكي وأنتِ تتحركين وتستقبلي ضيوفك وتشربي قهوتك ، لم أحاول أن اعكر صفو مزاجك ، ولم أحاول أن أدخل عالمك ثانية .

     لكنكِ لم تتركيني في الزاوية البعيدة طويلاً فأتيتي وسحبتي الكرسي وجلستي ثم عقدتي يديك خلف رقبتك وأسندتِ رأسك عليها وابتسمتِ ، وقلتي : سأقبل دعوتك على العشاء الليلة ، لم أتحكم في تعابير وجهي وأنا ابتسم ولم اخفي ملامح سعادتي ، مددت يدي لكِ دون أن أقول أي شيء فأعطيتني يدكِ اليمني فطلبت منكي أن تضعي يدك اليسرى بدلاً منها فابتسمتِ ، نفذتي ما أريد لتقومي وتمشي بحواري وعلى يميني دون أن تسحبي يدكِ من كفي ، لم تسأليني أين سنتناول العشاء ؟ ولم تسأليني متى سنعود للفندق ؟ ولم تسأليني ماذا أريد منكِ ؟ .

    الجو هادئ والإضاءة خافته وشعلة الشمعة تتمايل بطرب ، من الجيد انك لا تشربين الكحول لكني شربت كأسين تلك الليلة لم تبدي اعتراضاً ولم تكوني متضايقة من كوني اشرب الخمر ، اختيارك للطعام يدل على انك تحافظين على وزنك بل لأقل رشاقتك ، كل هذا لا يهم ، أنتِ الأهم في نظري لم تكوني متكلفة ولا مغرورة ولا متعالية ، كنتي امرأة في نظراتك وحركاتك ، وحديثك الهامس ، لم أتوقع أن يكون صوتك شهياً حين تهمسين ، استحدثت مواضيع كثيرة ، وطرحت أموراً كثيرة لا لكي أتناقش معك بل لأسمع صوتك وأنتِ تتحدثين بصوت منخفض كالهمس .

     لا ترقصين لا تشربين لكن قلبكِ كان راقصاً ومزاجك في سكر عميق ، اكثر مني ، اكثر مني بكثير ، سمعت ضحكتك الليلة ، وفي السابق رأيتك تبتسمين فقط ، ورايتك تغضبين وتصرخين وتتضايقين ، أما الليلة فكنتي تهمسين ، ثم تعلو ضحكاتك في كل حين ، أنا شيطان ، اعرف هذا المصطلح قبل أن تقوليه لي ، سمعته كثيراً قبل ذلك ، ولم أحبه قبل ذلك لكني أحببته الليلة تعرفين لماذا ؟ لأني شعرت بإغوائي يتسلل لقلبك ، فنسيتِ كل شيء في الدنيا ، إلا أنكِ معي تنظرين إلي تبتسمين وتضحكين .

     نظرات متأملة وأخرى حالمة وأخرى عاشقة وأخرى مستسلمة ، لا ادري لماذا خطر ببالي أنكِ لن تستسلمي بين ذراعي أبداً ، ولن أقبلكِ أبداً ولن احظى بقلبكِ أبداً ، لا ادري ما هذا الجنون هل سأحب امرأة لن تحبني ، كل الاحتمالات كانت مع غيرك من النساء محسومة ، لكن معكِ هي لغز لم استطع أن اصل إلى حله ، ربما قصر الفترة التي تعرفت فيها بكِ ، ربما مزاجك الحاد جعلني أضع أفكاراً مجنونة ، لكنكِ كنتِ مختلفة تماماً في هذه الليلة ، فأنتِ أنثى في كل شيء وبكل معنى ، لك قلب ، تخفينه عن الجميع وتعيشين جامدة ، في مظهرك ، وفي حديثك مع الآخرين ، تخفين قلبك ، لكي لا يكتشفه الناس ، لكي لا يعرفوا مدى لطافته ولينه ، ولكي لا يعرفوا أنكِ تحتاجين للحب ، كما تحتاجين للماء .

     تخيفني الأفكار وتخيفني التوقعات وتخيفيني أنتِ اكثر مما تتوقعين ، فبعد أن تناولتِ قهوتك معي في اللوبي منذ ثلاثة ليالي توقعت أن أكون جليسك في الفندق كل الوقت ، وأن أحظى بتواجدك دوماً ، لكنكِ تركتنِ دون إشارة لمدة يومين لم تسلمي علي ولم تنظري إلي حتى ، وكأنك تضعين حواجز بيننا ، ثم أتيتي لتكسري كل الحواجز من جديد ، فتسلميني يدك وتخرجين معي دون تحفظ ودون تردد ولا خوف ، تثقين بي لهذه الدرجة أم أنكِ تثقين بنفسك اكثر ، مخيفة أنتِ سيدتي .

     ربما تهجريني أكثر بعد هذا اللقاء الحميم وتنسين كل ما قلتهِ الليلة ، تنسين أني أراقب كل حركة تقومين بها وكل نظرة تنظرينها ، ربما ستجعلينِ أترقب أن تسلمي علي أو تنظري إلي أو تتحدثي معي ، ربما تهمليني حتى يأتيك الشوق لأن تغيري أجواء الفندق ، فتعودي لتضحكي معي على طاولة عشاء ، أو ربما وأنتِ تحتسين فنجان قهوة .

     لا اعرف عنك شيئاً فقط نور ، اسمك نور ، من أنتِ ومن أين أتيتِ ، ومتى ستذهبين ، وكيف يمكنني أن أجدك إن احتجت لكِ في يوم من الأيام ، أنتِ امرأة لكنك مختلفة عن النساء ، لا تجعلين الحواجز قائمة دوماً لكنها موجودة تزيلنها وقتما تشائين وتضعينها وقتما تشائين ، وتضحكي وقت تشائين ، وتهجري وقت تشائين ، أنتِ مختلفة عنهن جميعاً ، أنتِ ماهرة في الاحتقار وماهرة في لفت الانتباه ولذيذة في الانتظار ، نعم لذيذ في الانتظار تجعليني انتظر أن تلتفتي إلي وتحدثيني ، وإن لم تفعلي ، انتظر مجدداً أن تفعلي ، ولا تفعلين ، وأعود وانتظر من جديد ، تصدقين أني لم أمل وأنا أترقبكِ وانتظرك ، ولم يخطر ببالي أن أهجر هذه العادة التي تلازمت معكِ .

     احتقريني آنستي ، احتقرني سيدتي ، احتقريني أكثر ، لكنك حين تسلميني قلبك ، لن تنسيني أبداً ، فالشيطان الذي تحدثتِ عنه الليلة سيسكن عقلك ويدفعك إلي دفعاً ، لن يتركك ولن يهجرك ، ولن تهنئي بأي شيء لا أكون أنا موجوداً فيه ، الشيطان أنا ، لكنك تملكين شيطاناً مثلي يتسلق رأسي منذ أن رأيتك ، منذ أن احتقرتنِ سكنني شيطانك ، وبقي شيطاني ينتظر ويترقب الفرص لكي يسكنكِ أنستي ، كلانا شياطين نشتهي بعضنا ونحير بعضنا وربما سنعشق بعضنا أيضاً .

     رن هاتف الغرفة أنتِ تتحدثين معي بصوتك الرخيم الذي غادرة النوم تواً وتسأليني ما الذي سأفعله اليوم ، لا شيء صدقيني لا شيء كأني أتيت هنا لأجلك أنتِ كأني تركت موطني لألقاكِ هنا واستسلم لرغباتك وأهوائك ، وددت أن أقول لكِ هذا الكلام ، لكني لم اجرأ ، فقلت لكِ : لا شيء ، دعوتني أن نتناول الإفطار سوياً فتناولناه سوياً ، وطلبتي أن ابقى معك بعده فبقيت معكِ ، واخترتِ بنفسك المطعم الذي سنتناول فيه الغداء فلم أخالف رأيك ، وطلبتي مني أن نخرج لنتمشى سوياً فكان ما أردتِ ، وطلبتي مني أن ادعوكِ على العشاء فدعوتك ، وحظيت بصحبتك من الصباح إلى المساء ، أنتِ معي ، ترغبين أن تكوني معي ، تجلسن تمشين تضحكين وتأكلين ، أنتِ معي تسلميني يدكِ حين تشعرين برغبتي في ذلك لنتحرك سوياً ونقف سوياً ونجلس سوياً .

     ماذا تريدين ؟ لم تقولي ماذا تريدين ، ولم اقل أنا ماذا أريد ، أهي أرادة مشتركة جمعتنا آنستي ، أم رغبة أم شوق أم ماذا ؟ أجيبِ ، احتاج أن أسمع الإجابة منك دون أن أطرح السؤال ، شعرت بشوقك اليوم وأنتِ تحتفظين بأصابعي متشابكة مع أصابعك ونحن نسير ، وتشتبك عينانا أيضاً في نظرات يملئها الشوق ، ويملئها الهوى ، شعرت بالسكينة معكِ اليوم وددت أن يطول وقتك لتجلسي معي أكثر وأكثر وتنظري لي أكثر فأكثر وأن تبقى يديكِ بيدي دوماً .

     قلتي : وداعاً ، كانت الواحدة بعد منتصف الليل تمنيت الوقت يعود للواحدة ظهراً لكي تبقي معي ، قلتي : وداعاً ، وأغلقتِ باب غرفتك وأنا خلفه انتظرك ، قلتي : وداعاً ، وانا لا أنتظر الوداع آنستي ، وضعت رأسي على وسادتي وأنا أحلم أن نلتقي غداً ، وحلمت اني التقيتك قبل أن أنام ، وبعد أن نمت وعندما صحوت ، كان حلمي أن ألتقيك وأتناول إفطاري معك واشرب قهوتي معك ، كنت أريد أن أسألكِ استجمعت قواي لكي اكسر ذلك الحاجز الذي يحول بيني وبين سؤالي ، لكني لم أجدك ، لم تجيبي على هاتف غرفتك ، ولم أجدك في المطعم ولا في اللوبي ولا في الفندق ولا في أي مكان .

     رحلتي قبل أن أسألكِ من أنتِ ؟ وماذا تريدين مني ؟ ولماذا اقتربتِ مني ؟ وسؤال أخير طرح نفسه هذا الصباح لماذا رحلتي ؟ لا أعرف سوى أسمك لا أعرف شيءً آخر ، يدلني عليكِ ، لكني عرفت قلبك ، عرفت أنك تركتينِ أتسلل إليه ، كما تسللتِ لقلبي ، رحلتي ، هذا ما أكده لي موظف  الاستقبال ، رحلتي باكراً لم تودعيني لكنك تركتي لي رسالة بها رقم هاتفك ، أنا سعيد بها رغم ما بها من غموض ، عاد الخوف ينتابني من جديد وشعرت أنك حلم جاء ورحل قبل أن أستيقظ من نومي .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.