الرواية .. ما تفرضه الرواية وما تنفيه ..

أحياناً النصوص والقضايا التي نطرحها في الرواية تحكمنا ، وليس صحيحاً اننا نتحكم في الرواية بشكل كامل كما يقال ، فالنص الأدبي محكوم بفكرة أو طرح معين أو تحدده القضية التي يناقشها الكاتب في روايته ، فيضع اطار فكري محدد لتلك الرواية ، ومن الصحيح أن الكاتب يقيد نفسه بنفسه لكن ذلك التقييد يكون مفيداً في أحيان كثيرة خصوصاً إذا كانت القضايا التي يناقشها الكاتب في روايته ذات طابع خاص ، فلو شط وترك فكره يجول دون اطار محدد سيخرج لا شك عن نسق الرواية ولن يحقق تلك السلاسة التي تجعل القارئ يسترسل في النص بشكل مريح .

أحيانا تحكمنا الفكرة ، فمثلاً لو أن القضية التي تطرحها محلية لا يمكنك أن تتجاوز القيم والأعراف المحلية ولا أن تتجاوز معاير الاخلاق التي تحدد صيغة الخطاب الموجع للقارئ بحيث يكون بصيغة سلسة تخاطب الموروث الثقافي لدى ذلك الموطن دون تجاوزه أو إدخال أي قيم شاذة لا تنتمي للمجتمع ، وهذا لا يعني أننا لا نطرح الأفكار الجديدة ، على العكس يجب أن تطرح لكنها تطرح بالصيغة التي تجعلها مقروءة ومؤثرة ، ولا تكون مصدر شذوذ في العمل ، هذا بعكس أن تكتب رواية خيالية ، فحين تدخل الخيال في الرواية ، تفتح امامك كل مساحات الحرية في تعاطي الأمور الحساسة أو في العلاقات ، أو في طرح أي شيء بشرط أن ما تكتبه يخدم العمل ولا يشوهه .

انا ادعي أن الكاتب هو رب الرواية ، فهو من يحيي شخصياتها ويميتهم ، وهو من ينفي ويثبت ويبعد ويقرب كل ما يريد في الرواية ، لكن يقيني في هذا الامر يختلف اختلاف كلي عما أدعيه ، فالرواية حين نبدأ فيها ننطلق بسرعة فمعظم الاحداث والشخصيات تكون مرسومة في عقل الكاتب في البداية ، فيسترسل في البداية ، ثم ينسق احداثه ويرتبها ويجمع بين الشخصيات ويفتعل كل القضايا في الوسط ، وهنا تكمن مشكله فالكاتب بعد أن ينجز البدايات يضن أنه متحكم بشكل كامل في الرواية إلا أن الرواية تبدأ من الوسط تتحكم به ، فهو لا يستطيع أن يتجاوز الشخصيات التي رسمها والاطر التي وضعها لتلك الشخصيات ، ولا يستطيع أن يتجاوز شخصية مؤثرة مثلاً دون أن يضع أسباب كافية ومقنعة ، ولنفرض أن هناك شخصية مؤثرة في الرواية يريد الكاتب أن يبعدها عن روايته ، فهو لا يستطيع أن يتجاهلها ولا يذكرها دون سبب يقنع القارئ ، ولو اهمل ذكرها دون سبب يكون هناك خلل في بناء الرواية والحبكة .

لذا فإن الرواية تتحكم فينا كما نتحكم فيها وهذا التوازن الذي يحدث يضع النص الروائي في حدود المعقول وحدود المنطق ، فكما يحق للكاتب ان يؤلف كل شيء في الرواية يكون الحدث في الرواية محسوب بدقة بعد أن نتجاوز البدايات ويقيدنا في الكثير من الجوانب وخلق احداث من واقع مختلف عن الرواية يجعل بناء الرواية مختل او مهزوز ، وفي اغلب الأحيان يعتمد الكاتب على اقناع القارئ بالحدث حين يقحم حدث جديد أو شخصية جديدة في الرواية لم تكن موجودة ولم يضع لها مؤشرات ، فالأحداث في الرواية تبنى بناءً على شخصيات الرواية وعواملها النفسية ، والمؤثرات التي تقع عليها .

الرواية التي تستقي احداثها من قصص حقيقية يجب أن لا يضع الكاتب فيها أي حدث مفتعل أو يقحم فيها شخصية لم تكن موجودة في الواقع الحقيقي للقصة ، وعلى الكاتب أن يستخدم مهارته في صياغة الرواية ليضفي على تلك القصة واقع جمالي في النص ، وربما يحتاج الكاتب أن يكثف الشرح في نقطة معينة لكي يوصل للقارئ الأسباب أو الدوافع التي حركت الاحداث أو أن يصف بكثافة مشاعر الشخصيات لتحقيق القيمة في ذهن القارئ لذلك الحدث ومدى تأثيره على المجتمع .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.