الشورى من قبل ومن بعد ..

قراءة في المشهد الانتخابي لمجلس الشورى القطري .

عندما اعدت التفكير من البداية بداية قرار مجلس الشورى القطري المنتخب ، وكل الملاحظات التي ابداها المتابعون والمهتمون بالشأن القطري ، لم استطع اغفال نقاط مهمة مرت خلال تلك المرحلة ، حتى وصلنا ليوم الانتخاب ، ولو نظرنا للصورة بشكل عام نجد أنها فرقت المجتمع من جهة وجمعته من جهة أخرى ، والتفرقة التي حصلت ناتجة عن قانون الجنسية الصادر عام 2005 والذي حرم شريحة كبيرة من المجتمع من الدخول في أجواء الانتخابات والمشاركة في عملية الاقتراع ، وما تبعد ذلك من ضجة إعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي ، والاحتجاجات التي حصلة واربكت المشهد السياسي والأمني في بعض الأحيان .

ولا استغرب من ذلك فقد حرمت شريحة كبيرة من المواطنين من الادلاء بأصواتها ، منهم من احتج علناً ومنهم من آثر الصمت في هذه المرحلة ، والمشكلة في هذا الامر أن المسألة انحصرت في قبيلة واحدة ، ربما كان لهم الجرأة أن يطرحوا مشكلتهم على الملء ، لكنهم ايضاً حصروا المشكلة في القبيلة ذاتها ولو انهم انتظروا قليلاً وتريثوا في الامر لكان هناك تنسيق من كل الشرائح المتضررة وأصبحت وسيلى الضغط اكبر واكثر جدوى .

وأرى أن المطالب كانت مشروعة في احد جوانبها ، وهي ان التصويت على الدستور القطري جرى تحت قانون مختلف عن القانون الذي همش عدد اقل من الذين همشهم القانون الجديد والذي أعتمد المواطنة من عام 1930 بدلاً من عام 1961 وهذا التاريخ الذي تم بناءً عليه التصويت على الدستور القطري ، والمشكلة أن شريحة من الذين صوتوا على الدستور وأقروه لتكتمل الصورة الدستورية في الدولة حرموا من المشاركة في انتخابات مجلس الشورى .

العملية اكثر تعقيد مما نظن في بعض جوانبها ، ولا استطيع أن ابرر ما حصل من الجانب الحكومي ولا استطيع ان اشجبه بشكل كامل لكن استطيع القول أن المطالب كانت محقة لكن أسلوب تحقيق المطالب لم يكن صحيحاً .

لنتجاوز هذه المرحلة كما تجاوزها المجتمع وخفت حدة الاحتجاج في وسائل التواصل الاجتماعي ، وبدأ المشوار نحو الدعاية الانتخابية ، التي شغلت الكثير من العناصر المهمة في المجتمع ، ورأينا لأول مرة اشخاص يطرحون تصورات واقتراحات ، ومطالب ، على شاشات التلفاز ، وكل الشعارات التي رفعت تدعوا لتعديل القوانين وفرض حالة تشريعية جديدة بعكس ما كان يتم في السابق من التسليم بالأمر الواقع لأي قانون يصدر ، رأينا مرشحين يحملون على عاتقهم هموم الوطن ، ومشاكل المواطنين ، يتواصلون مع الجميع ، ويبنون الجسور لكي يرضو الناخبين ويقنعوهم بجدوى برامجهم الانتخابية .

وهذا حراك جيد لكنه ذوا سقف محدود في ظل عدم وجود تصور كامل لسقف الحريات داخل المجلس والقضايا الحساسة التي ستطرح فيه ، ولاحظنا ان اغلب المرشحين ركزوا على الجانب الاجتماعي والخدمي ، وارتفاع الأسعار والتضخم وقضايا تمس المواطنين ، لكنهم في جانب آخر كانت آرائهم هزيلة حين يكون الكلام عن الجاني الأمني وحرية الرأي والحريات العامة ، ورغم ان البعض تطرق لهذه الأمور لكن المسألة لم تكن بجدية الطرح الاجتماعي والخدمي ، وأنا أقدر ان يتجنب المرشحين الخوض في قضايا حساسة خلال الانتخابات التشريعية الأولى التي تحدث في البلاد ، وكما أن الصورة لم تكتمل بالنسبة للناخبين ، أيضاً لم تكتمل بالنسبة للمرشحين ، فهناك أصوات لا شك أنها موالية للحكومة ، وهناك أيضاً ثلث المجلس سيتم تعينه ولا شك أنهم موالين للحكومة ، ولا يوجد أي تكتل معلن ولا جماعات ضغط من نواب سابقين ، ولا نعرف حتى الآن ، مدى المعارضة التي ستحدث بين الأعضاء داخل مجلس الشورى المنتخب ، لذا أرى من الصواب أن يتحدث المرشحون بالحد الأدنى في القضايا الحساسة في هذا الوقت .

ولنتجاوز تلك المرحلة مرحلة الدعاية الانتخابية كما تجاوزها المجتمع في اول يوم للصمت الانتخابي ، وتجاوزها بشكل فعلي في يوم الانتخاب ، وهنا سأتكلم عن النقطة التي جمعت المجتمع القديم ، مجتمع القبائل ، ورغم أن العملية الانتخابية كانت في مجملها قبلية ، إلا في بعض الدوائر الانتخابية ، رأينا نسبة مشاركة كبيرة تجاوزت الستين في المئة وهذا امر جيد يعكس مدى اهتمام المواطنين بالعملية الانتخابية وآمالهم في المجلس التشريعي المنتخب .

ولا نستطيع أن ننكر أن التأثير الأكبر كان لصلة القرابة أكثر من جدية البرامج الانتخابية ، خصوصاً في الدوائر المشتركة بين أكثر من قبيلة ، بحيث تكتلت كل قبيلة خلف مرشحها لكي يفوز بكرسي مجلس الشورى ، في حين خفت النسبة في الدوائر ذات القبيلة الواحدة ، لأن التنافس لن يحرم القبيلة من كرسي مجلس الشورى على خلاف الدوائر المشتركة ، بل اصبح هناك تركيز اكبر على البرامج الانتخابية ، ومدى اقتناع الناخبين بحديث المرشحين ، لكن لا نستطيع أن نغفل جانب القرابة مهما قلنا فهو موجود وكان له تأثير قوي في عملية التصويت التي تمت .

والآن بدأ المجتمع يتجاوز مرحلة الانتخابات بعد أن أصبحت التهاني والتبريكات منتشرة في كل مكان وسائل الاعلام المرئية والمقروءة ووسائل التواصل الاجتماعي ، وبدأ التفكير الخجول في ما سيتم بعد ان تنعقد الجلسة الأولى للمجلس المنتخب ، وهنا يجب أن يبرز دور النخب المثقفة والسياسية للضغط على كلا الطرفين الأعضاء المنتخبين والحكومة من أجل تحقيق أكبر المكاسب في الدورة الأولى لمجلس الشورى ، إلا أن هناك أمور لا تزال غامضة في المشهد ، مثل الثلث المعطل الذي تملكه الحكومة ، ما دوره ومن هم المرشحين لشغل الخمسة عشر مقعد الشاغرة إلى الآن في المجلس ، وهل ستكون هناك مقاعد للعناصر النسائية التي لم تتمكن من النجاح في الانتخابات رغم جدية بعض برامجها الانتخابية .

والمشهد لا ينتهي عن هذا الحد بل هناك تساؤلات كثيرة ، هل سيتم الاختيار من الصف الثاني للمرشحين الذين نافسوا على مقاعد الشورى ؟ أم سيكون المعينين من خارج دائرة المرشحين تماماً ؟ أم سيتم اختيارهم على نسبة الولاء دون الرجوع لأي اعتبارات أخرى ؟ ام ستكون المسألة مركبة بين هذا وهذا ؟ نحاول أن نرسم الصورة لكنها لا تريد أن تكتمل حتى تنكشف كل الأوراق ويبدأ المجلس في العمل .

المرحلة القادمة ليست مرحلة الأعضاء المنتخبين وحدهم بل تشمل السياسيين والمثقفين ، وسترسم مدى وعي المواطنين الذين شاركوا في العملية الانتخابية ، وستتبين جدية الأعضاء المنتخبين ، فإما ان يكونوا نشطين ويقتنع بهم الرأي العام أو يكونوا خاملين وتلفظهم صناديق الاقتراع بعد اربع سنوات .

أرى أن الحماس كبير لمجلس الشورى المنتخب وأتمنى أن يستمر الحماس على نفس الوتيرة ، وأتمنى أن يكون الرأي العام بجميع فئاته وسيلة ضغط فعالة لتدفع نحو آفاق دستورية حقيقية ، وأتمنى أيضاً ان نرى صحافتنا تدخل ذلك المعترك وتساهم في بناء الرأي العام وتصحيحه .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.