بين الترف والحضيض ..

بين الترف والحضيض ..

على ماذا نسير ، هل نسير على الحرير ؟ أم نسير على الأشواك ؟ كلنا سنختار الحرير ، لكننا لا نسأل أنفسنا ما الذي سنتعلمه ونحن مترفون ؟ وما سنتعلم ونحن متعبون ؟ هناك فرق كبير بين الترف والشقاء ، بين التعب والراحة .

لتختار الحرير عزيزي فالحياة المترفة ، تعطيك ألق وبريق ، لا تجدهما في حياة التعب والعناء ، بل يجعلك تفكر في اضافرك ، ولون بشترك ، ومزاج عطرك ، وستركب الفاخر ، وتجلس على الوسائد ، لتنعم بكل الراحة وتشرق ، فتتكلم عطراً ، وتتحرك كأنك في ماء بسلاسة ، وكل هذا من حقك فأنت مترف .

لتختار الشقاء عزيزي ، فالشقاء كدٌ وتعب ، وأيادٍ خشنة ، ورائحة عرق ، وتفكير مستمر لا ينقطع في الغد ، الرغيف له قيمة ، والماء له طعم ، والعطر يخبرك أن أحدهم مر بجوارك ولم يلتفت لك أو يقترب منك ، التعب يلقي بك على الفراش فتنام كأنك في غيبوبة لا تستيقظ إلا بعد أن يسكبوا على رأسك الماء ، أو تنفجر السماء فوقك ، وتأكل كأنك لم تذق طعاماً قط ، وكل شيء له قيمة في نظرك ، وكل شيء له جهد في نظرك .

لم تولد الأمجاد من الترف ، ولا تولد من الحضيض ، ومن يخرج من الحضيض ، يكون طامعاً في الدنيا ، ومن يعيش في الترف ، يرسم الدنيا على حسب هواه ، من يأكل وهو متعب ينهم الأكل لكي يسد جوعه لا يفكر ما يحتويه ، همه الوحيد أن يوجدُ طعام ، ومن يأكل وهو مترف ، يتذوق أجزاء الطعام ، ويعكر مزاجه نكهة زادت عن الحد ، من يمشي في تعب لعمله يصل مجهداً ليعاقبه مديره ، ومن يركب الفاخر ، يصل على مزاجه ، وفي الوقت الذي يريد ، ليرحب به الجميع .

المجد يولد حين تتزن الأمور ، بين الترف والحضيض ، في هذه المساحة الضيقة ، تولد مجموعة ، تعرف قيمة الدنيا ، وتعرف قيمة العلم ، وتعرف أن الحضيض مقبرة ، وأن النعيم مفسدة ، مساحة بها أناس متزنون ، حين يفكرون بالرقي يكون العلم وسيلتهم ، وحين يفكرون في الربح تكون القيمة هي الميزان ، بين الحضيض والترف ، تعيش هذه المجموعة ، يسمونهم الوسطى ، الطبقة الوسطة ، غيابها يعني التدهور ونموها يعني التقدم .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.