مساحة من الحرية ..

مساحة

..  ( ..  مساحة من الحرية  .. )  ..

     لا تخلو السياسة من الأخطاء ، ولا تخلو الدول سواء الديمقراطية أو الدكتاتورية من بعض وسائل القمع ضد مواطنيها في كل الأحيان أو بعض الأحيان ، لتسيطر على الوضع الداخلي ، وتؤمن النظام ، والعمل الأمني في الدول عمل معقد ، خصوصاً مع تطور وسائل الاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي ، فالتكنولوجيا وفرت مساحة قوية للأنظمة للرقابة على المواطنين ، وأيضاً وفرت سبلاً لاختراق الإجراءات الأمنية من قبل الافراد  .

     المساحة التي يحصل عليها المواطن من الحرية ، هي الأهم ، فلا اظن أن أنظمة الحكم العربية تبالي كثيراً حين يتم الحديث عن الحرية الشخصية كممارسة الشذوذ أو غيرها من التصرفات المستهجنة في المجتمع وتتعاطى معها بشكل قانوني على حسب القوانين المتبعة في كل دولة ، وربما يتم التغاضي عن بعض تلك التصرفات لشغل الرأي العام أو إثارته أو لتغيير نمط سائد في المجتمع ، والجامع لكل الأنظمة العربية وهو المهم مساحة الحرية السياسية التي يحصل عليها المواطن العربي ، وحقه في الانتقاد وحقه في المحاسبة ، وحقه في الحديث بحرية .

    هنا تقف كل القوانين ، لتتحول لقوانين عرفية في وجه المواطن العربي ، فلا ملامح واضحة له في حماية نفسه أو المطالبة بحقوقه كسجين رأي أو حقه في محاكمة عادلة ، ولهذه الأسباب يلجأ المواطن العربي للتحايل ، والاختفاء خلف أسماء وهمية مستعارة ، لكي يتجنب أن يقع ضحية الأمن ، وحين يكتشف أمره في الغالب يسجن أو يغادر بلده لأي دولة اوروبية تمنحه اللجوء السياسي وتوفر له الأمان ، ثم تبدأ رحلة المعارضة في الخارج والتي لا تملك سوى المنصات الإعلامية ، في وسائل التواصل الاجتماعي في هذا الزمن لتتحدث وتنشر وتبين للمجتمع حجم الفساد والتغول الأمني .

     المساحة الحرية ، هي الفيصل بين ما يمكن للمواطن فعله ، وما يمكن للدولة فعله ، فحين يجد المواطن نفسه مهدداً من الطبيعي أن يقوم بأفعال غريبة ومتهورة ، وحين يجد مساحة كافية من الحرية تشبع رغبته في الحديث السياسي أو الأمني أو الحديث عن الفساد ، يستقر في وطنه ليكون صوتاً يريد أن يصحح المسار لا أن يدمره .

     فما تفعله الأنظمة العربية بحق مواطنيها بالملاحقات الأمنية وانتهاك الحقوق الخاصة وتشديد القبضة الأمنية ، يجعل المواطن يتمرد ويبحث عن السبل لا لكي يهرب للخارج فقط بل لكي يدمر النظام القائم .

     كلما كبرت مساحة الحرية التي يحصل عليها الفرد في دولته لإبداء رأيه ، تتمكن الدولة من احتواء المعارضة ووضعها في إطارها الصحيح ، فتسعى لتصحيح الاخطار والسعي للأفضل دون أن تفكر تلك المعارضة في تغيير نظام الحكم أو تدميره ، وكلما ضاقة مساحة الحرية الممنوحة للمواطن ، أصبحت توجهاته أكثر عدوانية تجاه النظام الحاكم ، فلا يفكر في الإصلاح ، بل يفكر في القضاء على النظام برمته .

     كلنا شاهدنا أحداث الربيع العربي ، وكيف ثارت الشعوب لأسباب عدة : سياسية واقتصادية وغيرها من الأسباب ، ولنضع مقارنة بين المعارضة التونسية ، والمعارضة المصرية ، فالمعارضة المصرية في السجون أو خارج البلد ، والقبضة الأمنية الشديدة للنظام المصري جعلت المعارضين إما خارج البلاد أو مسجونين أو تمت تصفيتهم ، بعكس المشهد التونسي والذي يعتبره الكثيرون فوضوياً ، لكن تلك الفوضى لم تسفر عن معارضة في السجون أو خارج البلاد ، بل المعارضة داخل تونس تطرح ما تريد ، والشعب هو من يقرر ما الذي يقتنع به ، لذا المعارضة التونسية تعارض لكي تصل للحكم ، بشكل سلمي ، دون اللجوء للعنف .

     هذه مقارنة سريعة ويمكننا أن نقيس هذا الأمر على أي دولة عربية مع النظر لأمرين مهمين ، الاقتصاد والسياسة ، فهما العنصران الأكثر تأثيراً في حياة المواطن العربي ، فالنظرة للاقتصاد تتضمن الحديث عن الفساد المالي ، والنظرة للسياسة تتضمن الحديث عن القبضة الأمنية ومصادرة الحريات ، والفساد المالي والأمني هما اللذان يشكلان الحلقة التي توضع على رقبة المواطن العربية فمجرد الحديث عنهما تضيق الحلقة على رقبته أكثر وربما تخنقه .

     مفهوم الدولة القوية لدينا خاطئ فالدولة القوية ليست مفهوماً عسكرياً فقط ، الدولة القوية هي التي تحتوي كل مواطنيها بأعراقهم ومذاهبهم وهي الدولة التي يكون الصف الداخلي فيها موحداً ضد الخارج ، أما الدولة التي تدعي القوة العسكرية وتهمل قوة المجتمع فهي دولة هشة سرعان ما تنقسم على نفسها ، وتتدمر ، فهي تحمل في داخلها قنبلة موقوتة ستنفجر لا محالة في المستقبل .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.