هكذا يفكرون .. النظرة العربية للمستقبل ..

mapofeastmediterranean

هكذا يفكرون ..

النظرة العربية للمستقبل ..

 

ان النظر للمستقبل لا يحمل السرور دائماً بل احياناً يكون المستقبل صورة متشائمة للواقع ، او صورة لصاحب المستقبل نفسه ، فإن كان انسان مجتهد عكس المستقبل ذلك الاجتهاد وان كان فاشلاً فيجب عليه أن لا يتوقع أن يكون مستقبله مشرق ، وهذا ينعكس على الدول واداؤها في كل جوانب الحياه ، الجوانب التي تجتهد فيها الدولة والجوانب التي تهملها ، يكون لها صدى في المستقبل يؤثر عليها ، ولا يمكننا أن نقيس مستقبل فرد بمستقبل دولة أو أن نحجم دور الدولة في شخص ، فالدولة مجتمع متشعب ومتجانس يجب أن تجمعه اهداف واضحة .

     لا تحتاج الدولة لعقل واحد بل تحتاج عقول ، فحين تكون الدولة مبنية بشكل صحيح ، يتأسس التفكير على نفس النهج الذي قامت عليه الدولة ، وحين  تتأسس الدولة بشكل خاطئ ، تخرج العقول عن السياق لا لكي تهدم الدولة ، بل لكي تقومها وتوجهها ، فالمنطق الصحيح يرفض الاعوجاج ، ويطالب بالتصحيح ، فإن تم التصحيح ، يبدأ العمل على ذلك النهج ، وأن فشل التصحيح تكرس الدولة نظام القمع في المجتمع ، وحين يجد المجتمع القمع يسكت او يتغاضى ، لكنه حين يتمكن يقوم بأفعال عنيفة .

     لكل فعل ردة فعل ، هذا هو الامر الطبيعي ، وما بني على باطل فهو باطل ، فالخطأ لا ينتج الصاب ، وأن بدا كذلك ، وإن حجمنا ردة الفعل ، تختلف موازين الطبيعة التي لا يمكننا أن نعزل الانسان عنها بأي شكل من الاشكال ، فالإنسان يحمل نفس القوانين لو بشكل مموه أو خفي لأن لديه عقل يجعله يقيس كل الأمور قبل أن يبدأ ، ويقيس العواقب ، ويفكر في الأضرار والنتائج .

     اعرف ان هذا الشرح البسيط ربما يجعل الحيرة تتسلل للنفوس عن هدف هذا الكلام ، لكن الهدف واضح ، وحين يكون الهدف واضح ، ويتجاهله الأنسان بأن يضع تخمينات أخرى فذلك يعكس حجم التردد والخوف الذي في نفسه ، وبما أننا نعيش في دول عربية فالخوف هو الأساس في أي نظره يمكن تصورها للدولة أو بالأحرى لأنظمة الحكم التي زرعت الخوف وكرست ثقافة الصمت في المجتمعات ، لكي تحجم أي صوت يخالفها .

     ما تفعله الأنظمة العربية عن قصد ، دمر تلك الشعوب التي تعيش واقع القرارات السيئة لتلك الأنظمة ، لكن تلك الأنظمة لا تنظر للشعب على هذا الأساس ، فالفئوية هي أساس الحكم في منطقتنا العربية سواء كانت فئة عسكرية أو عائلة او حزب ، فهم مجموعات صغيرة ، تقود مجتمعات أكبر منها وتوجهها ، وتستغلها في بعض الأحيان ، ويمكن أن تكون تلك الفئة جيدة أو تحتكم لأنظمة سليمة ، لكنها تكرس حكم الفرد وتسخر المجتمع لرغباته .

     الحاكم يخرج من نفس المجتمع ، وهو نسخة مكرره من افراده ، ربما يكون له تصور مختلف أو له رؤية مختلفة ، يطرحها ويحاول تطبيقها ، وهنا يأتي دور المجتمع الذي تمثله مؤسسات المجتمع المدني ، ليضع ردة الفعل على رؤية الحاكم ، فيرفضها أو يصححها  او يضيف إليها ، وتكون الشراكة في الحكم على هذا الأساس الصحيح ، فردة فعل المجتمع على نظامه الحاكم لا تعني رفض ذلك النظام بل هي حركة طبيعية لوضع التوازن داخل كيان الدولة فلا تتغول فئة على أخرى دون محاسبه .

     ولنفرض أن الحاكم يقرر وينفذ دون أن يكون للمجتمع ردة فعل تجاه قراراته ، وما ينتج عن ذلك الفعل ، أن القرارات لا تمحص ، ولا تناقش ، فلا تتبين نقاط الضعف والقوة في تلك القرارات ، فربما تكون قرارات جيدة ، لكنها لو نوقشت تصبح قرارات أقوى في نتائجها كما أن النقاش في القرارات يضع لها مسوغ قانوني ، ويولد الرضا في المجتمع ، فيلتزم بتلك القرارات عن قناعة ، وأن كانت القرارات سيئة ، ولا تناقش ، فنتائجها تسقط على المجتمع بأكمله ، ولا يجد المجتمع القناعة الكافية لتحمل تبعات تلك القرارات لأنه لم يشارك فيها من الأساس .

downloadوحين لا يكون المجتمع مقتنع بالقوانين والمشارع ، ينفصل عن النظام القائم ، ويكون مجتمع خامل ، لأن المجتمع إن لم نمكنه من اخذ دوره الطبيعي ، يتقوقع على ذاته وكأنه يقول لصاحب القرار ، انت أصدرت القرارات وحدك وعليك تحمل تبعاتها وحدك ، لكن هيهات أن يسلم مجتمع عربي من تحمل المسؤولية ، فالأنظمة الفئوية الحاكمة ، تأخذ شكل الآلهة فهي تنتعش في النجاح ، وتنتعش في الفشل ، فأن نجحت كرست ذلك النجاح لاستمرارها في الحكم ، وأن فشلت ألبست ذلك الفشل للمجتمع فالآلهة لا تخطأ .

     والتبعات سيتحملها الجميع في نهاية الامر ، فالدولة بكاملها تتحمل الفشل ، المجتمع والنظام الحاكم ، فلا يمكن أن نفصل احدهما عن الآخر وهم يعيشون على أرض واحدة ، ومهما انكرنا ومهما حاولنا أن نخفي شعور الفشل السائد في الدول العربية لن نتمكن بسبب تكرر الفشل فأصبح هو القاعدة الأساسية ، فما بني على خطأ لا ينتج إلا خطأ ، ومصير كل الأخطاء أن تنهار وعادة ما تنهار فجأة دون مقدمات .

     اعود وأقول أن الفرد هو الأساس ، فتنمية الفرد وزرع القيم الصحيحة فيه ، يصحح المجتمع ، الذي يخرج منه العامل والمهندس والطبيب والمدير والحاكم ، وحين نتمكن من خلق مجتمع سوي ، ستكون مخرجات ذلك المجتمع اشخاص اسوياء في تفكيرهم وتصرفاته ، وما تفعله أنظمة الحكم العربية ، هو تدمير القيم لدى المجتمعات ، بحيث تجد الوقود الكافي لاستمرار منظومة الفساد وهياكله فتُوجد لنفسها مبررات الاستمرار .

     تحجيم الدولة في شخص شيء سلبي للغاية ، فالنظرة تصبح نظرة شخصية والتاريخ لا يسجل باسم الدولة بل يسجل باسم الفرد ، وحين يسجل التاريخ إنجازات الأفراد يجب أن يسجلها كمرحلة في عمر الدولة ، فلو نزعنا ذلك الشخص من تاريخ الدولة ، سيحل مكانه شخص اخر يقوم بنفس الدور وربما افضل منه ، فالتاريخ للدولة والحاكم رمز من رموزها لمرحلة معينة ، يذهب بعدها ويأتي غيره ، وعلى الدول العربية أن تفكر في المستقبل بشكل صحيح وأن تبني مجتمعات قوية يكون لها دور فاعل في مراحل التطور للوصول للأهداف .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.