جيوش .. ومرتزقة .. ومصالح ..

أفريقيا-المسلحة-النشطة-بـ-ليبيا

جيوش .. ومرتزقة .. ومصالح ..

نظرة في الملف الليبي .

سوف تتدخل مصر في ليبيا عسكرياً ، تنتابني مرحلة من الدهشة وحالة من الاستغراب وشيء بسيط من الضحك ، لا لأن الجيش المصري ضعيف بل هو من اقوى جيوش المنطقة دون شك ، لكن هل يعقل أن يكون جيش بهذا الحجم لا يعرف أولوياته الاستراتيجية ولا يعرف معنى الأمن القومي ، واقل شيء يمكننا أن نفكر فيه ضمن أولويات الامن القومي مسألة المياه التي تتضخم مع اثيوبيا ، والتي رفعت مصر ملفها لمجلس الامن اثر عجزها عن وقف مخططات اثيوبيا لملئ خزان سد النهضة العملاق ، أيعقل أن يخرج جيش للقتال خارج بلده وهو لديه بؤرة توتر لم يستطيع ان يخمدها منذ اكثر من ست سنوات أسمها سيناء .

في البداية لنفترض أن كل ما يقال مجرد احاديث صحف لأثارة الرأي العام ، ونفكر في الاستفادة التي سيجنيها الجيش المصري من هذا التدخل ، وما سيجنيه النظام الحاكم في هذا التدخل ، والأمور واضحة دون المزيد من التخمين ، فالنظام المصري ممثل بقياداتها الكبيرة التي لن تخوض الحرب بل ستزج بالوحدات العسكرية في صيف ليبيا الحارق وستجلس في قصورها تتفرج على المعارك وتعد ارقام الضحايا ، والقيادات الكبرى في الجيش لن تخسر شيء فكل قتيل من الجيش المصري سيكون مقابله مبلغ من المال ستتقاسمه القيادة العسكرية التي تحكم مصر ، بالإضافة إلى الأرباح التي يتوقعون تحقيقها من خلال تمويل الحرب من اطراف مختلفة .

اما الجيش المصري الذي يعتمد في الأساس على المجندين لا نستطيع أن ننظر إليه بنفس نظرتنا لتلك القيادات المترفة ، بل علينا أن ننظر إليه نظرة مختلفة ، فالجيش المصري جيش محترف ، ولديه تنظيم جيد ، واستراتيجية في القتال ، والارباح التي سيجنيها الجيش المصري لن تكون أموال بل سمعة قتالية ، فهل يستطيع الجيش المصري أن يحقق النصر ويصل لتلك السمعة المرجوة ، هناك قياس يمكن أن نعتمد عليه في هذا الجانب وهو قياس مهم من وجهة نظري ، فالحرب في سيناء حرب عصابات واجواء سيناء مشابهة لأجواء الشرق الليبي ، والجيش المصري في سيناء لم ينجح في مواجهة عصابات على أرض يسيطر عليها جواً وبراً وبحراً ، فكيف سيكون وضعه في ساحة معركة مع مليشيات في منطقة مفتوحة دون وجود غطاء جوي .

التصور الذي انظر إليه تصور كارثي في كل جوانبه فمهما كانت الفوائد التي سيجنيها الجيش المصري من تدخله في ليبيا إلا أن الخسائر ستكون كبيرة والحرب ربما تطول أكثر مما هو متوقع ، فحرب العصابات لا يستطيع أحد أن يحدد نهايتها ، فكل الأطراف المتدخلة في الملف الليبي تملك وجود على الأرض وتمول فصائل ، وكل طرف له اهداف مختلفة عن الطرف الآخر .

نستطيع ان نقسم الدول المتدخلة في الملف الليبي إلى طرفين ، يضم الطرف الأول ، إيطاليا فرنسا اليونان إسرائيل مصر الامارات السعودية ويدعم هذا الحلف حفتر ، والطرف الثاني يتمثل في تركيا روسيا قطر ويدعم هذا الحلف حكومة السراج المعترف بها دولياً ، ربما يقول قائل روسيا في الحلف الأول ، لكن هذه النظرة خاطئة ، وضمن مناقشة مع احد الأصدقاء عن دور روسيا في ليبيا ، اكتشفنا أن من مصلحة روسيا أن يستمر الصراع لأطول فترة ممكنة ، وأن استحواذ إسرائيل واليونان وإيطاليا على غاز المتوسط سيدمر تجارة الغاز الروسي ، ومصلحة روسيا أن تكون في صف تركيا لتوقف تلك المشاريع وتستمر هي في تغذية أوروبا بالغاز المسال ، وعلى ارض الواقع أيضاً روسيا تدعم الطرفين في هذا النزاع فهي في اجتماعات متواصلة مع تركيا بشأن الملف الليبي ، بينما تستفيد من بيع الأسلحة في هذه الفترة من الركود الاقتصادي للحلف الأول .

أما الولايات المتحدة التي اعتمدت أسلوب المتفرج ، لكي ترى مسار الاحداث وتستنزف كل تلك الأطراف دون تدخل واضح وقوي في الملف الليبي ، فهي تفكر من اكثر من اتجاه ، ولها خطوط حمراء لا تريد ان يتجاوزها أحد ، مثلاً وجود رسيا في ليبيا وما يشكله من تهديد واضح وصريح لأوروبا فموقع ليبيا الاستراتيجي يسمح لروسيا بمد نفوذها في البحر المتوسط بشكل فعال ، وهذا الامر يقلق الولايات المتحدة بشكل كبير .

إيطاليا وفرنسا واليونان وإسرائيل : تدفع تلك الدول بالإمارات والسعودية ومصر للتدخل القوي والمباشر في ليبيا لأسباب مختلفة منها اقتصادية ومنها استراتيجية ، فالأسباب الاستراتيجية تتمثل في سيطرت تلك الدول على البحر المتوسط وحبس تركيا في محيطها وعزلها عن مناطق النفوذ التاريخية لتلك الدول ، واقتصادية تتمثل في الاستفادة الكبيرة من بيع الأسلحة للإمارات والسعودية ، وكذلك يوجد نقطة مهمة لا يجب أن نغفلها وهو أن إيطاليا وفرنسا ينظرون لأفريقيا أنها الحديقة الخلفية لهم ويجب أن لا يشاركهم أحد في ذلك النفوذ ، اما اليونان فمكاسبها تختلف فهي تخاف من التمدد التركي لذا تسعى لتحجيمه ، وتريد أن تستحوذ على حصة من غاز المتوسط وتشاركها في هذه الاطماع إسرائيل بالطبع .

اما في المقابل توجد تركيا روسيا وقطر ، وان كان لإيران تدخل فتدخلها محدود للغاية لا يكاد يذكر بعكس الانباء التي تتحدث عن هذا الأمر ، ولنبدأ بتركيا ، والدافع الأول لتركيا للتدخل في ليبيا لا لأن ليبيا تملك ثروات نفطية أو انها معجبة بحكومة السراج ، بل تركيا دُفعت لكي تدخل في الصراع ، فما تم من اتفاقيات لتقسيم النفوذ في البحر المتوسط بين مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا ، جعل تركية معزولة في مساحة ضيقة في المياه الإقليمية ، ووجدت تركيا فرصة سانحة لو انها رسمت الحدود البحرية مع ليبيا لتعيد رسم الخرائط البحرية من جديد وتكون شريك في ثروات المتوسط ، لذا كان تدخل تركيا واضح وصريح في دعم حكومة السراج لأن تلك الاتفاقية ستعطيها الحق في بمساحات إضافية في البحر المتوسط كانت قد اخذت منها بالاتفاقيات التي وقتها دول الحلف الأول ، كذلك هناك سبب آخر ربما لا ننتبه له كثيراً فتركيا تحتاج لنفوذ في الشرق الأوسط يعطيها مساحة من الحركة لتحمي مصالحها التي تضخمت في السنوات العشر الأخيرة .

قطر في موازنات الصراع في ليبيا كان لها تدخل قوي منذ البداية ، فهي التي دعمت الثوار لأسقاط حكم القذافي ، وكانت الداعم الأكبر في هذا الملف ، لكن الأوضاع تتغير باستمرار ، فحلفاء قطر في ليبيا تقلص نفوذهم بعد التدخل الاماراتي والسعودي ، وبعد حصار قطر ، فقدت حركتها في هذا الملف بشكل كبير ، وبعد تحالفها الاستراتيجي الحالي مع تركيا ، وجدت قطر مدخل جديد لتعود بشكل فاعل ، هذا من جانب ومن جاني آخر ، وجود تركيا في الملف الليبي يحتم على قطر الدخول في الصراع لدعم حليفتها على اقل تقدير بعلاقاتها الجيدة مع الفصائل الليبية وعلاقاتها السياسية الدولية ، وكذلك بالمال ، وآخر مبلغ دفعته قطر لتركيا كان خمسة عشر مليار دولار كان بلا شك يصب في الملف الليبي وهذه حصة قطر التي يتوجب عليها دفها من تكاليف ذلك التدخل ، من مصلحة قطر أن تبقى تركية قوية ويمتد نفوذها ، فتركيا هي الحليف القوي لقطر والتي ضمنت استقرار الدوحة ، ضمن حلف استراتيجي غير معلن بين البلدين تكون فيه قطر الداعم لمد النفوذ التركي سياسياً وماليا على أن تضمن تركيا الاستقرار لقطر ، وتستفيد قطر من خلال النفوذ التركي في كل الملفات الاقتصادية المستقبلية .

روسيا : هذه الدولة تعمل لمصالحها فقط ، وهي تعرف أن أوروبا والولايات المتحدة لن تسمح لها بوجود على السواحل الافريقية المقابلة لأوروبا ، لكنها تريد أن تستفيد لأقصى حد من أي صراع يدور في المنطقة ، ومن الأجدى لها دعم تركيا في هذا الجانب كما بينا في هذا المقال ، لكنها تضغط في ملف ليبيا لكي تستفيد في الجهة الأخرى وأعني الملف السوري ، لكي تجني أرباح إضافية ، وان تبيع اكبر كمية من السلاح لكل الأطراف المتصارعة ، وان تعطل مشاريع الغاز العملاقة في المتوسط لكي تضمن أن تستمر في تغذية أوروبا بالغاز الطبيعي .

الأزمة-الليبية

لو نظرنا للملف الليبي نظرة تأمل سنجد أن الأمور معقدة لدرجة كبيرة ، وان أي طرف من الأطراف لا يمكن أن يسيطر بشكل كامل ، فبعد أن تدخلت تركيا عسكرياً بدعم حكومة السراج وسيطرت على نصف ليبيا تقريباً نجد أن الجمود بدأ يدب في الملف الليبي ، ونجد أن الاقاويل تكثر ، وأضن أن هناك أمور ستتغير في القريب العاجل دون أن ترجح كفة احد الاحلاف على الآخر ، لذا تضع كل الدول مساحة للأخذ والرد في هذا الصراع ، وتبقى الولايات المتحدة الأمريكية متفرجة على الدول التي تستنزف ثرواتها بشكل كبير وفي النهاية سيكون لها حصة في تلك الثروة ، والخاسر الأكبر في هذا الصراع الشعب الليبي الذي عليه ان يحسب الأمور بدقة لكي يستطيع أن يتجاور هذه المحنة .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.