التركيبة السكانية بين السياسة وتوطين الوظائف  ..

التركيبة السكانية بين السياسة وتوطين الوظائف  ..

5e34513f423604390a7f1892

تقطير الوظائف أو سعودة الوظائف او تكويت الوظائف او غيرها من المسميات التي تطلق على توطين الوظائف المدنية في دول الخليج يسير هذه الأيام بشكل متسارع على قدم وساق ، فقد اكتشفت دول الخليج العربية بشكل مفاجأ أن هناك خلل في التركيبة السكانية بسبب وجود عمالة غير خليجية تفوق في تعدادها السكان الاصلين في أغلب الدول ، وكأن الامر كان غائب عن المشهد سابقاً .

 

     عندما تدخل السياسة حياة الناس في الغالب تدمرها ، والكثير من الأمور السياسية لا تدار بأسلوب محترف في دول الخليج ، وانا تعمدت أن اذكر السياسة رغم أن الحديث عن توطين الوظائف ، فالخلل الذي حدث في التركيبة السكانية لم يحدث بشكل آلي يتطلبه سوق العمل بل نتج في بعض الأحيان عن علاقات سياسية قدمت خلالها دول الخليج فرض عمل لمواطني دول معينة لكي تحسن العلاقات السياسية معا ، فنجد مثلاً خلال فترة وجيزة ترتفع نسبة السكان من جنسية معينة بشكل كبير نتيجة تلك الاتفاقات ، وتشغل تلك العمال مجالات في الوظائف المدنية من السهل توفير كوادر وطنية لشغلها .

     ثم تعود الحكومات وتتحدث عن توطين الوظائف المدنية كأولوية دون أن تقوم بأي عمل جاد لتصحيح الأوضاع في أوقات الرخاء ، ويبقى الحال على ما هو عليه ، ثم فجأة تأتي أزمة وباء كورونا وأزمة انخفاض سعر النفط ، وتضع تلك الاقاويل التي كنا نسمعها على الطاولة ، فنسمع الحديث بشكل جاد عن تقليص العمالة الوافدة وتقليص النفقات الحكومية ، ويتم انهاء خدمات عدد كبير من تلك العمالة دون توفير بديل يستطيع ملئ الفراغ المفاجئ الذي سببته تلك القرارات .

     من الطبيعي أن يحدث خلل في هذه الفترة فحين نجمع بين توطين الوظائف وتقليص النفقات الحكومية نعرف أن هناك مشكلة جديدة تلوح في الأفق ، فمعنى أن تقلص الانفاق الحكومي يعني أن استحداث الوظائف أيضاً سيتقلص ، وهذا الأمر لن يسمح بملء الفجوة التي نتجت عن تقليص العمالة الوافدة التي تم ترحيلها فجأة دون دراسة أو تخطيط ، ودون توفير الكوادر الوطنية وترك مساحة زمنة تسمح بنقل الخبرات للموظفين الجدد لكي يستطيعوا شغل الفراغ .

     لدي قناعة أن الوضع سيعود لمرحلة الغفلة من جديد لو تحسنت أسعار النفط في وقت قصير ، وستعود العمالة ربما من نفس الجنسيات أو جنسيات أخرى لتسبب خلل في التركيبة السكانية من جديد ، وأن العمل على توطين الوظائف المدنية ، حالة مؤقته لمواجهة ظرف معين ، ستزول بزواله ، ولدي اسباب تدعم هذه القناعة على أرض الواقع ، فدول الخليج في وضع عدم الاستقرار واحتمال نشوب حرب بين ايران والولايات المتحدة ، واستمرار حالة الاستقطاب السياسية في ظل الأزمة الخليجية بين قطر من جهة والسعودية والامارات من جهة أخرى ،  ستسعى تلك الدول أن تكسب الحلفاء ، وستقدم عروض وظيفية لدول معينة لكي تكسب صداقتها .

     وكذلك حالة عدم الاستقرار الأمني التي تحدثنا عنها في المنطقة ، جعلت الاهتمام أكبر في القطاع العسكري والأمني ، وأصبح استقطاب الكوادر والخريجين الرجال خصوصاً شيء روتيني في هذه الجهات ، وهذا الأمر سبب خلل في الوظائف المدنية سابقاً ، ترتب عليه زيادة نسبة العمالة الوافدة لشغل الوظائف الحكومية المدنية ، وزيادة نسبة الكوادر النسائية أيضاً .

     لكي نتمكن من وضع معادلة متوازنة تحقق المنفعة دون التسبب في مشاكل مفاجأة ، علينا وضع دراسات استراتيجية جادة تضع حلول واقعية لحل مشكلة التركيبة السكانية ، تتمثل في توزيع الكوادر الوطنية بشكل سليم بين الجهات الحكومية ، ومحاربة العمالة السائبة ومحاسبة المتسببين فيها .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.