دول الخليج العربي إلى اين ؟ …

images

دول الخليج العربي إلى اين ؟ …

شبه الجزيرة العربية ، لا يمكننا أن نعزل الابعاد الجغرافية والطبغرافية في المنظفة التي عاشت لسنين طويلة كدولة واحدة رغم اختلاف السلطات القبلية فيها ، وحتى تكوين نظام الدولة القُطرية في النصف الأخير من القرن الماضي ، فعندما نتحدث عن هذا الاقليم من العالم يجب علينا أن نقر أمور ، تعتبر مسلمات ، فشبه الجزيرة العربية هي الاسم الصحيح ، وأسم دول الخليج العربي اسم مستحدث للدول التي تطل على مياه الخليج فقط ، وهذا أو خطأ وقعت فيه دول المنطقة الغنية التي عزلت اليمن عن محيطها الجغرافي والاجتماعي .

كل النزاعات القبلة في السابق لم تطغى لتسيطر على شبه الجزيرة العربية بكاملها ، رغم وجود بعض القوى التي سيطرت على مناطق شاسعة منها ، وكانت الدول ترتبط بأسماء زعمائها ، وحين يموت الزعيم كانت تتلاشى الدولة في أغلب الأحيان ، في القرن الماضي ، لم ترسم شعوب الجزيرة العربية استراتيجية الدول ولا حدودها بل كانت هناك قوى دولية هي التي خطط ورسمت الحدود ونصبت الزعماء ، ودعمت تلك الزعامات لتبسط سيطرتها حتى نقاط الحدود المتفق عليها ثم تقف ، وقد نفذ كل مشايخ القبائل تلك التعليمات ، ومن بعد ذلك منحت بريطانيا تلك الدول استقلالها ، بعد أن تخلت للولايات المتحدة الامريكية عن زعامة العالم .

استمرت تلك الدول وبفضل ثروة النفط أصبحت غنية مكتفية ، وعدد السكان القليل كان ضامن لتلك الدول أن تنعم برفاهية ومستوى معيشة مرتفع ، يجعل أغلب الشعوب لا تلتفت لأوجه النقص والقصور في تلك الدول ، وأيضاً ساهم في تلك الفترة الجهل في تنمية هذه القناعة ، وأستمر الحال على هذا المنوال ، حتى خرجت أجيال تعلمت وأصبحت تعرف ما هي الدولة وما تعنيه من سلطة ومشاركة ، وتعرف قيمة الثروة ، وتطالب بالشفافية ، لكن تلك النخب المتعلمة لا تملك من النفوذ ولا القوة ما يجعلها تحقق أهدافها ، بل كان أصوات متناثرة ، تشذ عن السياق العام بين فقرة وأخرى .

في وقتنا الراهن اختلفت الصورة نهائياً ، بعد انتشار التعليم بشكل كبير وارتفاع مستوى الوعي العام لدى شعوب المنطقة ، أصبح صدى المطالب الشعبية مرتفع ، ويختلف على حسب الدولة فمنهم من يعارض علانية ، ويطالب بأسقاط نظام الحكم في بلده ، ومنهم من يطالب بالتصحيح والشفافية ، ومنهم من يسكت مختاراً لأن وضعه الاجتماعي والمادي الذي توفره له الدولة يجعله في غنى عن المعارضة .

العالم يغلي ، بل العالم يتجه نحو تغير كبير في القوى العسكرية والقوى الاقتصادية المتحكمة فيه ، حتى نهج الديمقراطية التي تبنته الدول الغربية تحت شعارات الحرية ، أصبح مشكوك في امره ، بعد صعود التيارات الشعبوية في الولايات المتحدة الامريكية وبعض دول أوروبا ، وشبه جزيرة العرب ليست في معزل من هذه الصراعات ، فالقوة التي تملكها تلك الدول لا تكمن في جيوشها بل تكمن في باطن الأرض ، وهذه الثروة هي المحرك لاقتصاد العالم ككل ، والسيولة النقدية التي تملكها دول الخليج أصبحت مغرية تريد أغلب الدول الكبرى أن تستغلها ، سواء باستثمارات اقتصادية أو باتفاقيات حماية أو صفقات أسلحة أو غيرها من الأساليب الأخرى .

وفي هذا الوضع لا يخفى على من يتابع المشهد في شبه جزيرة العرب أن منطق السياسة كمنهج منظم غائب ، وإن المنطق الذي يحكم هو منطق الفرد ، فإن كان ذلك الشخص جيداً ولديه إمكانيات الإدارة أرتقت دولته ، وإن كان فاسداً انحدرت تلك الدولة ، والشعوب تتفرج ، وهي في حالة من الرضا أو الخدر أو السبات أو الخوف يمكنك أن تعبر عن ذلك الصمت بكل التعبيرات الممكنة وستجد لها مبرر على أرض الواقع ، والتحول المنتظر في هذه الفترة الذي لا تحسب له تلك الدول حساب بشكل جدي ، هو أن الثروة النفطية التي يمتلكونها أصبحت لا تتمتع بمستوى كافي من الاغراء للاستمرار في جني الأموال الطائلة فبدائل الطاقة أصبحت تغزوا الأسواق ، وهي تتطور بشكل سريع ومخيف لتلك الدول ، والعلاقة الوطيدة التي نمت بين الشعوب والحكومات بسبب الرخاء الاجتماعي ، ستتحول بعد فترة لمجتمعات طبقية من الدرجة الأولى ، لكنها لن تكون مجتمعات عادلة ، بل مجتمعات تسخر فيها الطبقة العليا الطبقة الدنيا ، وستغيب الطبقة الوسطى عن المشهد .

بوادر هذا التحول بدأت في الظهور فدول الخليج لم تعرف الضرائب منذ نشوئها ، لكننا اليوم نسمع عن الضرائب ونراها فرضت في بعض دول الجوار وهذا الامر سيسبب ضغط على شعوب المنطقة لو انخفضت صادرات الخام أو لو انهارت أسعاره كما في الوضع الراهن بسبب وباء كورونا ، فالاقتصادات الخليجية ليست متنوعة ، ولا يمكنها الاستمرار دون تدفق الأموال من النفط ، فستجبر تلك الدول لفرض الضرائب التي وجه صندوق النقد الدولي دول الخليج لأتباعها منذ ما يقارب العشر سنوات ولم تطبقها أي دولة في ذلك الحين .

الضرائب هي أموال الشعب تقتطع من مصدر دخله الأساسي ، وحين تدار الدولة من أموال الشعب يفرض الشعب نفسه كقوة ، ويطالب بالتغيير والمشاركة في السلطة ، وهذه النقطة بالتحديد لم تتخذ فيها دول الخليج أي اجراء ما عدى دولة الكويت التي تتبنى شيء من هذا النهج الديمقراطي مع بعض القصور ،  وإن كانت دول الخليج تفكر بشكل جدي في جني الأموال من الضرائب فعليها أيضاً أن تجني المكاسب من المشاركة السياسية الفعالة ، ولا تترك هذا الامر للقدر ، فالانتظار ربما يولد مشاكل لا تتحملها تلك الأنظمة التي تعتبر بعضها هشة لدرجة انها تخاف أن تقوم بأي تنظيم مجتمعي أو أن تدعم مؤسسات المجتمع المدني الصغيرة كالنقابات او ما شابه .

ربما تكون الملكية الدستورية حل فعال لدول الخليج ، ولا اعني أن تعزل الرموز بل تحدد الاختصاصات ، وتوزع وتقر ومن ثم توضع الأنظمة لمشاركة شعبية ولو محدودة في الوقت الراهن ومن ثم ترتفع حتى الوصول للأهداف ، ربما يثير هذا الكلام بعض الأشخاص لكن يجب علينا أن نفكر بعقولنا ماذا نريد وما الذي تفرضه علينا المراحل ، وأنا هنا لا اتحدث عن مراحل في عمر أشخاص بل أتحدث عن مراحل في عمر الدول .

يجب علينا أن نلاحظ أن حجم المعارضة خلال السنوات الخمس الأخيرة قد ارتفع خصوصاً المهاجرة منها والتي هربت من القمع الذي تمارسه بعض الأنظمة الخليجية واستقرت في الخارج لتجد الحرية وتوجه رسائل للشعوب وتعلن مطالبها ، وهذه الأصوات لا تؤثر في دولها فقط بل تؤثر في كل دول الخليج بسبب أن نهج الحكم المتبع واحد وإن اختلفت علاقة الشعوب بالسلطات الحاكمة من دولة لأخرى ، إلى أن الأجواء تنم عن حراك سياسي قوي ربما ينفجر في المستقبل القريب .

وعلينا أيضاً أن نلاحظ كمية الضغوط التي تمارس على دول الخليج في مسألة الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي وكمية الانتقادات التي تتابع في المسائل الحقوقية للمرأة وللعمال وغيرهم من الفئات ، وهذه الانتقادات والمناشدات أيضاً تثير رأي عام عالمي يتهم أنظمة الحكم في الخليج .

وعلينا أن نلاحظ أن الكثير من الدول التي تستغل ثروة الخليج ونفرض نفسها من جانب أننا نسكت عن تلك الأنظمة لأننا مستفيدون منها اقتصادياً ، وحين يغيب جانب المنفعة في المستقبل ، ستنقلب كل تلك الدول على أنظمة الحكم في الخليج .

علينا أيضاً أن لا ننسى أن دول الخليج فشلت في أن تكون منظومة اقتصادية أو سياسية فعالة ، وأن مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في عام 1981 ومات في الآونة الأخيرة ، لم يحقق خلال مسيرته إلى القليل جداً من المكاسب سواء للدول أو لشعوب المنطقة ، وفي النهاية قضت عليها تلك الأنظمة التي تريد أن تسيطر وتهيمن بشكل أو بآخر على كامل دول الخليج العربي .

وعلينا أن لا ننسى أن مستقبل النفط في احسن الأحوال سيدوم ما بين 20 إلى 30 سنه مقبله ، لكنه سيتعرض لأزمات حادة خلال تلك الفترة ، وربما تخرج لنا بدائل أخرى تنافس النفط ، وتدمر تجارته ، وعلينا أن نفكر بعقولنا في هذه المسائل ، وأن نتجنب النفاق والمجاملات ، وانكار الحقائق ، ونضع الأولويات للمستقبل لكي نسير بشكل صحيح نحو الحفاظ على كيان الدول في شبه الجزيرة العربية .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.