لماذا قطر بالتحديد ..

flag-of-qatar-8

لماذا قطر بالتحديد ..

عندما تصنف احد اصدقائك أنه عدو يجب أن يكون لديك سبب وجيه ، وعندما تصنف أحد أخوتك أنه عدو يجب أن يوجد لديك اكثر من سبب جعلك تصل معه لحد العداء ، وبعد ذلك تفكر في أساليب الدفاع التي تملكها أو أساليب الهجوم ، وتبدأ الحرب يبنكما ، فتكونوا الأخوة الأعداء ، رغم أنكم أخوة إلا أنكم تتمنون أن لا تجمعكم أرض ولا ثقافة ولا دين .

دائماً أسأل لماذا ؟ لماذا قطر بالذات اختيرت لتكون عدو لمجموعة من الدول رغم ذلك الحيز الصغير الذي تشغله من شبه الجزيرة العربية ؟ ولماذا توجه لها كل تلك الاتهامات التي لا يمكن أن تكال إلى لدولة عظمى ؟ ولماذا لم تخضع قطر لتلك المطالب التي وجهت لها رغم حجمها الصغير وقوتها العسكرية الضعيفة بالنسبة للدول التي حاصرتها ؟

اسأله يجب أن تطرح ، ويجب أن نجد لها إجابات صريحة وواضحة ، لكي نستطيع أن نضع التصورات الحقيقية للأزمة التي حدثت في عام 2017 ولا يزال بها جوانب لا نعرفها حتى الآن ، وبعد ذلك يمكننا أن نضع تصورات الحل ، المعلومات هنا مهمة جداً فكل المعلومات في هذه الأزمة معلومات غير موثقة ، أي أنها تستند لصحف ، وتعليقات ، لكن الخافي هو المهم ، وبما أن الدول المحاصرة وقطر معهم أيضاً لم يكشفوا كل الحقائق ، يجب علينا أن نستقي تلك الحقائق من واقع الأحداث التي تدور في المنطقة ، ونقرأها قراءة تفصيلية لكي نكمل رسم الصورة .

دعونا نقر بعض الأمور التي المهمة ، أولها : ان سياسة الولايات المتحدة تغيرت بالكامل مع مجيئ ترامب للحكم ، وأن ترامب جاء بتصور وخططات ومشاريع جديدة للشرق الأوسط ، تخالف كل الخطط التي وضعت في السابق ، وأساليب تنفيذ لما يتبعها أي رئيس أمريكي سابق ، ومن الصعب أن تكون كل الأمور على الساحة السياسية واضحة المعالم في مخيلة أي رئيس أمريكي ، دون وجود خطط مسبقة قدمت له ووافق على تنفيذها إذا فاز في الانتخابات الامريكية ، وهذا يعني أن فوز ترامب كان معد له سابقاً ، ومن هذه الخطط التي وجدناها فوراً بعد تولى السيد ترامب منصبه ، استغلال ثروات الخليج المالية ، حصار قطر ، دعم إسرائيل من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لها ، العداء الواضح للصين ، فك الشراكة مع أوروبا ، العودة لحالة العداء مع ايران .

ثانيها : المسائل التي يجب أن نقرها ، وجود قوى إقليمية جديدة في المنطقة ، ايران ، تركيا ، روسيا ، وكلها تطمع في مد نفوذها والصعود لمصاف الدول العظمى ، وهذا طموح مشروع لكل دولة ، ربما نجد خيط يربط تلك الدول ببعضها ، لكننا نجد خيوط تربط تلك الدول بالولايات المتحدة الأمريكية قبل مجيئ ترامب وبعده ، خيوط غير معلنه ، تتكشف في التنسيق الأمني والميداني في الكثير من الجوانب ، فمثلاً ملف سوريا الذي تتدخل فيه كل تلك الأطراف دون وقوع أي نزاع بينهم ، لكنهم جميعاً يقفون عندما تتحدث أمريكا أو تقرر أمر خاص بسوريا ، وملف قاسم سليماني الذي لا يمكن أن يتم بالشكل الذي تم عليه دون تنسيق مسبق بين الولايات المتحدة وإيران ، إما تنسيق أستخباراتي أو تنسيق سياسي ، لتحجيم الحرس الثوري الإيراني ، والملف الجديد الذي يتم التنسيق بين تلك الدول فيه هو ملف ليبيا .

ثالثها : ان تلك الدول الإقليمية المشار إليها ، ايران ، تركيا ، روسيا ، لها حلفاء على الأرض في الشرق الأوسط ، ورغم أن المرجعية للولايات المتحدة إلى أنه يجب على الولايات المتحدة أن تحترم تحالفات تلك الدول ، لكي تحترم تلك الدول الاتفاقات التي تتم بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية ، ولنضرب هنا مثال بسيط ، فقطر حليف لتركيا ، وحين فتح السيد ترامب المجال أمام السعودية والامارات والبحرين ومصر لكي تحاصر قطر وتغير النظام الحاكم عبر عملية عسكرية إذا اضطرت لذلك ، وجدنا أن تركيا أرسلت قواتها على الفور ، وان المؤسسات الحكومية في الولايات المتحدة تدخلت لتكبح جماح ترامب ، ولتعيد الموازين لشكلها الطبيعي ، وفي حرب اليمن سمحت الولايات المتحدة للسعودية وحلفائها بضرب اليمن ، لكنها تركت إيران تغذي حلفائها هناك ، ربما يقول قائل ، ان هذه المسائل تقع ضمن نظرية الفوضى الخلاقة ، وهذا أمر محتمل ، لكن الواضح أن الولايات المتحدة لا تريد أن تخسر تلك الدول المؤثرة في الشرق الأوسط ، لكنها تريد استنزافها ، فتنهار التي لا تصمد وتبقى الدولة القوية ، لكنها ستبقى في حدود السيطرة بعد أن تستنزف كل امكانياتها في تلك التدخلات .

رابعها : ان دول الخليج كلها تربطها مع الولايات المتحدة الامريكية علاقات استثنائية ، ولا يمكن أن يتم أي أمر في منطقة شبه الجزيرة العربة أو الخليج دون موافقة أمريكية مسبقة ، لكن يوجد كسر لتلك القواعد التي تم العمل بها عبر عقود من الزمن ، والاختراق تم في فترة الانتخابات الامريكية التي تمت بين ترامب وهيلاري كلينتون ، وأصبح الامر واضح أن علاقة الامارات والسعودية وإسرائيل وروسيا ، تكونت قبل أن يستلم ترامب مقاليد الحكم ، وأن تلك الدول دعمت ترامب أستخباراتياً واعلامياً ومالياً بشكل كبير ، ووفرت له كل الوسائل لكي يتم انتخابه ، لذا قدم لهم ترامب الكثير من الموافقات بعد انتخابه مباشرة .

نأتي هنا لتقسم الوضع في الميدان ، وعلينا أن نضع على رأس الهرم الولايات المتحدة ، ومن ثم ، روسيا ، تركيا ، ايران ، السعودية والامارات ، ولننظر ماذا قدمت أمريكا لتلك الدول ، 1 – روسيا : سمحت لها أمريكا بالتدخل في ملفين هامين ، سوريا وليبيا ، 2-  تركيا : سمحت لها بالتدخل في سوريا وليبا ، 3- ايران : تركت نفوذها في لبنان قائم وسمحت لها بنفوذ في اليمن ، 4- السعودية والامارات : السيطرة على قطر ، حرب اليمن ، دعم تغير النظام في مصر ودول أخرى ، 5-  إسرائيل : تسليمها القدس ، ضمان الشراكة الاقتصادية مع دول الخليج ، الحفاظ على أمن إسرائيل .

الأهم من كل ذلك من وجهة نظري ما قدمته تلك الدول للولايات المتحدة ولنعيد الكرة بالعكس هذه المرة ، وكل تلك الدول سلمت بزعامة أمريكا على العالم ، 1- روسيا : دعم استخباراتي لترامب في الانتخابات ، 2- إسرائيل : دعم اعلامي ومالي ، 3- السعودية والامارات : دعم مالي والموافقة على كل مشاريع ترامب في المنطقة وخصوصاً المتعلقة بإسرائيل ، 4- ايران : عدم المساس بإسرائيل ، الحفاض على تدفق النفط في الخليج ، ولذا نجد أن ايران كلما احتدم الصراع مع أمريكا تهدد بأغلاق الخليج .

لكن الواقع يفرض أمور كثيرة على الأرض ، وربما يغير الحلفاء أراءهم ومواقفهم ، لكن لا يتنازلون عن أهدافهم ، وهنا سأترك كل الملفات ، واتوجه لملف الازمة الخليجية من جديد ، لماذا تحاول كل الأطراف فك الشراكة بين قطر وتركيا ، ولماذا هذه المسألة مهمة ؟ والاجابة بسيطة جداً وهو أن تركيا تعتبر قوة إقليمية وعالمية صاعدة لكنها لا تستطيع الاستمرار في التمدد لولا وجود داعم مالي قوي ، لتنفيذ تلك الطموحات ، فكانت قطر هي الممول المالي لتركيا في اغلب الملفات وكانت تركيا هي الحليف القوي الذي يضمن استقرار قطر ، وهنا تتضح الصورة للشراكة القطرية التركية وكذلك تتضح في رغبة دول الحصار في فك تلك الشراكة ، فحين تفك تلك الشراكة تصبح الأهداف أسهل بكثير ، فلو تخلت تركيا عن تعهدها بالحفاظ على أمن قطر لكانت الدوحة قد استسلمت منذ فترة طويلة ، ولو أن قطر توقفت عن دعم تركيا مالياً لأكتفت تركيا بتمدد محدود في سوريا وليبيا ودول أخرى ، لذا كان التركيز قوي على هذا الجانب بالذات ، فالأهداف المرتبطة بالدولتين توقفت بسبب تلك الشراكة الاستراتيجية بين قطر وتركيا ، والمشكلة التي وجدت في هذه القضية هي إيران ، فإيران لا يوجد لديها احلاف مع دول في المنطقة ، ولديها احلاف مع منظمات وأحزاب ، وتحاصر اقتصاديا وعسكرياً ، وكانت مرحلة حصار قطر التي تربطها بإيران علاقات جيدة ، فرصة سانحة لها لتفتح لنفسها أفاق مع تركيا ايضاً وتكون حلف او شراكة قوية نوعاً ما مع دول في المحيط تضمن سلامتها فيما إن غيرت الولايات المتحدة توجهاتها في المنطقة .

لكننا نلاحظ أن الكثير من الخطط التي كشفت منذ تولي ترامب توقفت بشكل ما أو تأخرت ، لكن تلك الدول التي رسمت المخططات باقية على مواقفها في كل الملفات ، وهذا يثبت أن تلك الدول مصرة على تحقيق أهدافها ، وتضغط على الولايات المتحدة عبر ترامب ليفي بتعهداته ، وكأنهم ينتظرون اللحظة المناسبة أو أن يجدوا ثغرة جديدة تمكنهم من تحقيق تلك الأهداف ، فنرى الحملات الإعلامية ، في اتجاهات مختلفة ، والاختراقات ، ونلاحظ الارتخاء السياسي يحدث فجأة ، ثم يعود للشدة من جديد .

820175193550

لماذا قطر بالتحديد ؟ هذا سؤال كبير رغم صغر مساحة قطر ، وعلينا أن نوضح نقطة مهمة في هذا الجانب مرتبطة بعلاقة قطر مع الولايات المتحدة الامريكية ، فقطر في عام 1995 خرجت من عباءة مجلس التعاون الخليجي ، ومن عباءة العربية السعودية مما سبب خلل في منظومة القرار الخليج الذي كان يسير بشكل واضح خلف السياسة السعودية ، ولكن قطر كانت تنشط سياسياً بشكل ملحوظ ، ولديها القدرة المالية التي تمكنها من تحويل المال لقوة فاعلة على الأرض ، وهذا ما فعلتها بالضبط ، كما أنها لم تفعل أي شيء دون التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس السابق أوباما الذي كان يحمل تصور جيد لمنطقة الشرق الأوسط ينقله من مرحلة العمالة الكاملة لمرحلة بها مستوى جيد من الشراكة ، فكانت قطر تستلم الكثير من الملفات التي تعتني بها الولايات المتحدة الامريكية ، وتتدخل فيها فمثلاً ملف التفاوض مع طالبان ، الاتفاق النووي الذي تم بأشراف عماني وكانت قطر احد مهندسيه ، ملف سوريا والدعم القطري للفصائل .

لكن سياسة أوباما لم تكن ترضي الكثير من الأطراف في المنطقة ، فأوباما فتح المجال لتركيا وقطر وإيران ، وقطر بالتحديد مهمة لأنها عضو في مجلس التعاون ، وعودتها للمظلة السعودية ، تعني عودت كل الأمور لوضعها السابق ، فإيران لا تجد دولة شريكة لها في المنطقة ، وتركيا لا تجد موضع قدم ، ويقف التمويل القطري لحركات التحرر في دول الربيع العربي ، ووقف النفوذ الإعلامي القطري الذي شكل النواة لرفع وعي المواطن العربي لدرجة أنه عرف كيف يتمرد على السلطات الحاكمة وينقلب عليها .

كل هذه الأمور مجتمعة جعلت قطر مستهدفة من تلك الدول الأربعة ، بالإضافة إلى سبب غير معلن ، أن تلك الدول لا تريد فقط تغير النظام القائم في قطر بل تريد إعادة تشكيل خارطة شبه الجزيرة العربية ، اليمن هي الخطوة الأولى ، وقطر هي الخطوة الثانية ، وتليها الكويت ثم عمان ، وتوزع الأراضي على ثلاث دول ، السعودية والامارات والبحيرين ، وتوزع الثروة على الثلاثة المذكورين + مصر ، وهذا التصور ربما يكون ملامحه غير واضحة على الأرض بسبب فشل حرب اليمن وفشل حصار قطر حتى الآن ، لكنه واضح اعلامياً ، فالحملات التي تشن على قطر والكويت وعمان ، ترسم الصورة كاملة دون الحاجة لكشف المستندات الخاصة بهذا الامر .

ربما اطلت في الشرح لكن الأمور معقدة بشكل اكثر بكثير مما تحدثت عنه في هذه الصفحات ، فكل قضية من تلك القضايا ستحتاج زمن طويل لكي تُكشف حقائقها كاملة ، وربما تتغير أنظمة قبل أن تحقق الأهداف التي تترقبها تلك الدول ، وربما تحدث أمور لم تكن في الحسبان ، مثل الوباء الذي نعيش الآن في زمنه ، ومثل مشكلة أسعار النفط ، الملفات السياسية تُوضع بعناية ، لكن الواقع والخصوم لهم تأثير لا يمكن لأي عاقل أن يتجاوزه ، ربما تكون ازمة الخليج اخذت وقتاً طويلاً ولم تحل ، وانا ابشركم أنها لن تحل في القريب العاجل ، بل ربما تحتاج لأعوام لا اعرف عددها لكي يكون هناك بوادر حل سليمة .

هذا تحليل شخصي وقراءة في الواقع واستقراء للأحداث التي عشناها منذ تولي ترامب الحكم في الولايات المتحدة الامريكية ، ربما يجانبه الصواب ، وربما يوجد به نقاط خلاف أو خطأ .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.