احلاف وأزمات وحروب ..

الوطن العربي

احلاف وأزمات  وحروب ..

ربما تستفيد بعض الأنظمة العربية من الوضع الراهن لكنها لن تستفيد طويلاً فالوقت الذي يأتي في البداية بالإيجابيات ربما ينعكس بشكل مخيف بعد فترة من الزمن ، والأنظمة العربية تختلف في امكانياتها فمنها من يملك الثروة ومنها من لا يملكها ، وهذا الاختلاف سينتج عنه أفعال متباينة في الفترة القادمة ، فالأحلاف ستتأثر بشكل كبير ، مع انخفاض سعر البترول ، وعدم استطاعة الدول المانحة تقديم المزيد من الدعم لحلفائها الأكثر فقراً .

يدور الحديث كثيراً عن العربية السعودية ، وأن الوقت مناسب لولي العهد السعودي أن يمسك بزمام الأمور وينصب نفسه ملكاً ، ويستغرب البعض تأخره في هذه الخطوة ، فكل الظروف مهيئة ، ويقولون أن أنتشار وباء كورونا ساعد السلطة هناك كثيراً فالأوضاع تحت السيطرة بشكل كامل ، لكنهم يغفلون كل التوازنات الداخلية في المملكة السعودية ، فلم يحدث في تاريخ الدولة السعودية الحديثة أن يقفز ولي عهد الملك على السلطة قبل وفات الملك ، ولم يحدث من قبل أن يتولى أحد أبناء الملك الحكم بعد والده ، ليتجاوز النظام المعمول به وهو أن المُلك في أبناء عبد العزيز بن سعود .

وأيضاً لم يحدث أن كان ولي العهد أحد أبناء الملك ، وهذه نقطة خلاف لم تحل من الأساس في النظام القائم وتعتبر تجاوزاً في أوساط العائلة المالكة ، وله تداعياته ، فالعائلة المالكة لم يكن أحد يتجرأ على سلطة أفرادها مهما حصل ، لكن الأمور سارت في السنوات الأخيرة بشكل عكسي ، وأصبحنا نسمع عن اعتقالات وإهانات لأفراد العائلة ، وهذا الأمر يجعل المعارضة لتولي الأمير محمد بن سلمان الملك شديدة وأن كانت تحت الرماد ، في ظل الكبت الأمني والإعلامي لكل المعارضين .

أيضاً هناك نقطة مهمة فالسعودية لديها ملفات كثيرة وشائكة ، وتتطلب الكثير من السيولة المالية ، فالحرب في اليمن لا تزال مشتعلة ولم تحسم ، بل أنها أصبحت أحد النقاط السوداء التي تدين المملكة رغم أن التأييد لها قائم حتى الآن ، لكن تلك الحرب تتطلب نفقات تتجاوز كل التصورات ولو تركنا تكاليف القوات والأسلحة السعودية جانباً ، لا نستطيع أن نهمل التوازنات الداخلية في اليمن والأطراف الحليفة ، وكل هذه الأمور تتطلب دعماً مالياً وعسكرياً مستمر .

سيقول قائل أن الحلف السعودي الإماراتي بدأ يتآكل ، وأنا أقول أن النظامين يسيران في خط واحد لا يمكن لأحدهم تجاوزه ، فالأمارات محتاجة لهيبة السعودية ومكانتها الإسلامية ، والسعودية محتاجة للعلاقات الإماراتية والدهاء الإماراتي ، كما أن المصالح القائمة بين النظامين لا تقف عند حدود اليمن فقط بل تتجاوزه لسوريا وليبيا ومصر والسودان ، وحصار قطر وبعض القضايا الدولية التي لم تكشف للأعلام بعد ، كذلك الشبه الكبير في اهداف كلا السلطتين ، فكلاهما أولياء عهود ، ولم يستلموا الحكم المطلق بشكل رسمي رغم أنهم يديرون الأمور بشكل كامل ، لذا من الصعب أن يترك أي حليف منهم الآخر ، ولو حدث ذلك ستكون كارثة على الطرفين وستكلفهم المسألة فوق طاقتهم .

الطرفان الأمارات والسعودية يعرفون بشكل لا يدع مجال للشك أن فك الحلف بينهما لو تم سينفرط عقد أمور كثيرة فمصر التي تعتبر الكتلة البشرية الأكبر والأقوى على مستوى الدول العربية والتي يتم تدجينها بواسطة المال السعودي والاماراتي لا يمكن التخمين بتوجهها إذا انفك الحلف ، وكذلك البحرين ، وربما تكون البحرين تحت المظلة السعودية بشكل أوضح لكنها أيضاً بها نفوذ اماراتي واضح  لا يمكن تجاهله .

هذا ما هو عليه ذلك الحلف ، ولنضع تصور بسيط أن السعودية قررت أن تنهي الحرب بأي شكل من الأشكال ، في اليمن دون الرجوع لحليفتها الرئيسية الأمارات ، او العكس ، فكيف لأحدهما أن يملئ الفراغ الذي سينجم عن ذلك ، وأن حدث هذا الأمر فمعناه تسليم كامل تراب اليمن للحوثيين ، بدون مقابل ، ومعناه أيضاً أن الحليف الذي أنسحب ترك ظهر حليفه مكشوف تماماً ، ومن يكون مكشوفاً في الحرب لا يمكن تخمين كمية الخسائر التي سيتكبدها ، لذا نستطيع أن نقول في حال انسحاب طرف سيجبر الطرف الآخر على الانسحاب دون شروط .

لكن هؤلاء الحليفان يعانون من انخفاض سعر النفط ، وهما مجبران على تقليص بعض النفقات ، أو التخلي عن بعض الملفات ، ويمكننا ان ننظر للأولويات الأهم للدولتين ، سنجد أن أهم ملف هو ملف اليمن ، وفي حال الاستغناء عن ملف اليمن ، يمكنهم أن يصمدوا في الملفات الأخرى ، وهذا الأمر مستبعد فالقاعدة تقول أنك تستطيع أن تبدأ الحرب لكنك لا تستطيع أن تحدد تاريخ انتهائها ، وهذا ما سيجعل ملف اليمن اخر الملفات التي يمكن تجاهلها بين الحليفين ، لذا نقول ربما يتم الاستغناء أو تجاهل ملفات أخرى ومن أول هذه الملفات التي سيتم تجاهلها ملف ربما دعم حفتر في ليبيا ، وسيكون الملف الثاني تقليص قيمة المساعدات لكل من مصر والسودان ، وترميم العلاقات مع النظام السوري بشكل أكبر والاستسلام لإسرائيل بشكل واضح .

يوجد أيضاً ملفات أخرى مهمة ملف حصار قطر ، وهذا الملف لن يتم حله في هذه الفترة ربما يتم تخفيف الحدة ليس مع قطر بل مع تركيا التي تعتبر حليف قطر الرئيسي لكن ملف قطر لن يتم التطرق إليه وإن حدث ذلك الشيء لن يكتمل فالحليفان يعرفان ان ملف قطر له توازنات أخرى فالمواجهة ليست في ميدان حرب بل المواجهة اصبحت إعلامية ، واخلاقية أكثير منها عسكرية  ،  لكن الأزمة الحالية التي تمر بالحليفين  ربما تدفعهما للتهور أكثر في هذا الجانب ، والقيام بعمل عسكري أو ما شابه ، فثروة قطر يمكنها أن تخرجهما من الازمة المالية أو تخففها على الأقل .

مصر لا يعرف توجهها فالقيادة هناك لا يمكن التخمين بما تريد الوصول إليه ، والهدف الواضح لدى الجميع أن الحكومة المصرية لديها رغبة دائمة في تلقي المساعدات ، وتريد أن تقدم مقابل ذلك أقل الخدمات التي يمكنها أن تقوم بها ، وفي حال تقلص الدعم أو انقطع من قبل السعودية أو الأمارات ، أتوقع أن تحدث أزمة مالية خانقة ، وأن يتحول النظام لنظام شبيه بكوريا الشمالية ، إلا ان الأخير لا يملك من المبادئ ما يؤهله أن يطبق الاجراءات الكورية ، لذي سيتخبط النظام من الداخل لكن التخبط سيكون داخل المؤسسة العسكرية القوات المصرية ولن يخرج الحكم من هذه المؤسسة لعدم وجود بديل سياسي أو فكري يمكنه احتواء الأوضاع في البلد .

ليبيا ، تتأرجح بين المجهول فكل الحلفاء مشغولون بأنفسهم ، تركيا مشغولة بنفسها لكنها لا تزال تقدم الدعم المعنوي والعسكري لطرابلس ، لكنها لا تستطيع أن تقدم الدعم المطلق ، فهناك قوى أخرى على الساحة الليبية ، وما الامارات والسعودية وحفتر إلى انعكاس لقوى غربية مثل فرنسا وإيطاليا وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ،  ورغم انشغال تلك الدول بالوباء إلى انها في نفس موضع تركيا يمكنها تقديم الدعم المعنوي والعسكري دون الدعم المالي لحفتر الذي توفره الامارات والسعودية ، وهنا يمكننا أن نقول ربما نجد أن طرابلس ستكسب بعض الأراضي في الفترة القادمة وأن كانت تريد أن تقلب الطاولة على حفتر ، عليها أن تكسب حلفاء أكثر ، أو أن تعمل على استقطاب حلفاء حفتر لصفها .

الملف السوري ، تحولت المعركة التي كانت تدور بين النظام والمعارضة السورية بكل أطرافها إلى معركة نفوذ بين تركيا وحلفاء النظام السوري ، فتركيا تريد أن تؤمن حدودها وأن يكون هناك نظام يضمن استقرار الحدود التي يشغلها المكون الكردي ، لذا هي مضطرة لدعم الفصائل السورية ضد النظام ، وهذا الامر يجبرها أن تتواجد على الأرض لكي تضمن التوازن الذي كاد أن ينقلب بعد دخول روسيا على خط الأزمة ودعمها لنظام الأسد ، وحل تلك الازمة في ظل الأوضاع الراهنة ، ممكن فكل الأطراف الآن لديها أزمات داخلية وتريد أن تأمن الداخل أكثر من تأمين الخارج ، لذا فالحل أقرب لو تم الاتفاق على نظام يضمن لكل الأطراف المتصارع مصالحها ، لكنه أن تم سيكون نظام هش لا يمكن الجزم بصموده .

السودان ، هذه الدولة الكبيرة في المساحة ، التي لا تحظى بالكثير من الاهتمام من الدول العربية ، ورغم أنها تستطيع القيام بأدوار كبيرة فهي دولة ذات مساحة كبيرة ، وإمكانيات زراعية هائلة ، وبها تكتل بشري كبير أيضاً يمكنه أن يكون محرك هائل لو تم تشغيله بشكل سليم ،  لكن السودان مشكلتها السياسية لا تكمن في الصراع المدني العسكري ، بل أن الصراع الفكري كبير بين القطاع المدني ذاته فالصوفية والشيوعية والإسلاميون لا يزال لهم سيطرة على هذا القطاع ، كما أن العسكر أنفسهم متأثرون بهذه التيارات ، ويدورون في فلكها لكن مع وجود قوة السلاح في أيديهم ، والدعم الذي يقدم للسودان لضمان استمرار تحالفها مع السعودية والأمارات في حرب اليمن ، امر حتمي حتى يتم انهاء الحرب ، وبعدها لا نعرف في أي اتجاه ستسير السودان فالصراع هناك طويل ، وكل الأطراف تملك من العناد والصرار ما يجعلها تصمد لأطول فترة ممكنه .

لبنان  تلك الجوهرة التي شوهتها مناجل كل الدول التي تحفر في الداخل اللبناني يتخبط من قبل أن تحل أزمة الوباء وها هي الدولة تسير نحو الانهيار دون أن تقدم لها أي دولة من تلك الدول التي دمرتها يد العون أو المساعدة ، بل أصبح الكل يتجنب الدخول في الصراع اللبناني لكثرة التيارات المتصارعة ، ونسوا أن تلك التيارات هم من وضعها على الساحة ، ومدوها بالدعم المالي والسياسي ، وأحياناً العسكري ، يؤسفني أن أقول أن لبنان يتجه للهاوية ، إن لم يتم حوار لبناني داخلي دون تدخل أي قوة خارجية ، في هذه الحالة سيبدأ الاستقرار ، دون أن يسيطر أي حزب على الدولة وينفي الاحزاب الأخرة ، ويضع لبنان في مواجهة طائفية وحزبية جديدة .

الغائب الأكبر عن المشهد العربي في الفترة الحالية هي فلسطين ، وكأنها اختفت من الخارطة السياسية للمنطقة ، أو أن كل الدول العربية تغض النظر عن الأزمات السياسية في تلك المساحة الضيقة من الشرق الأوسط ، وتظهر بعض الرحمة في الجانب الإنساني فقط ، لكي تكمم بتلك المساعدات الأفواه التي تنتقد الحكام العرب الذين يتجنبون أي خلاف من سلطة الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية ، ويعتبرون أي خلاف سياسي مع ذلك النظام بداية لانهيارهم ، فالحليف الذي يضمن لهم الحكم هو من زرع النظام الصهيوني في المنطقة ثم زرع تلك الأنظمة ودجنها لكي تسير في مسار محدد لا تتجاوزه ، لكن كل الحكام العرب رغم معرفتهم بأهمية فلسطين وبقدسية الأقصى ، وأن الشعوب ستضل تناصر القضية الفلسطينية ، يفضلون الانضواء تحت المضلة الأمريكية ، والتسليم التام بأن الدولة التي تسمى إسرائيل ، قدر لا يمكن تجاوزه .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.