بشر .. كلنا بشر ..

بشر .. كلنا بشر ..

1082046724

     نفسيات بعض البشر غريبة ، حين تجدهم متجهمين ، أو متكبرين ، او تلمح الغرور في انفسهم ، وحين تبحث في حياة أولئك الأشخاص ، تجد أن ما يجعلهم بهذا الشكر شيء لا يمكن أن يعتبر مجداً ، فتكون النظرة الصحيحة ، ان هذا الشعور ينبت داخلهم فينظرون لأنفسهم بعظمة ، ويرون اصغر أنجاز هو مجد لم يسبق له أحد في التاريخ ، وأن المجتمع عاجز عن الوصول لما يفعلون .

    حين تقابل مدير في مكتبه ، فهو يحمل صفة اعتبارية ، منحها له العمل ، مدير إدارة مثلاً ، لكن حين تقابله في الشارع ، يكون الوضع مختلف ، فالصفة الاعتبارية التي تمنحها الوظيفة لهذا الشخص ، لا يمكنه أن يستخدمها في الشارع وهو يقود السيارة ، ولا يمكنه أن ، يستخدمها في المنزل وهو يتحدث مع أبنائه ، ولا حين يذهب ليقتني متطلبات المنزل ، وقس على ذلك كل المناصب ، ما عدى المناصب الحساسة وبعض الجهات الأمنية فلها اعتبار في طريقة المحاسبة فالعسكري لا يحاسب تحت القوانين المدنية بل تنقل التهمة له ويحاكم عسكرياً في بعض الأمور ، وكذلك القاضي ووكيل النيابة والدبلوماسي .

     لكن لا يجوز لصاحب أي منصب أن يتعامل مع العامة بمنظور مدير ولا في كل أمور حياته ، فهو مدير في مكتبه ، والمشكلة في مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص نجد أن هذه الاعتبارات تأخذ على محمل الجد في العمل وخارج العمل فيعامل المدير بصفته الاعتبارية في كل مكان ولا يشمل ذلك المدراء فقط ، بل أصبح العلم أيضاً يعامل بنفس الطريقة ، ولقب دكتور أصبحنا نسمعها في مجالسنا أكثر من أن نسمعها في المستشفيات أو الجامعات ، وأصبح حرف د. يوضع قبل أسماء كثيرة في وسائل التواصل الاجتماعي .

     تخيل لو أنك تحمل دكتوراة في أي مجال وتذهب للطبيب لعلاج الأنفلونزا التي أصبت بها ،  وتقول له أنا أحمل الدكتوراه في المجال الفلاني ، أو أنا مدير في شركة كذا أو وزارة كذا ، تخيل الموقف ، وتخيل نوع الدواء الذي سيحصل عليه هذا الذي يقول أنه يحمل صفة المدير ، ستجد أنه الدواء نفسه الذي سيحصل عليه أي موظف لا يحمل أي صفة ، الدواء واحد في النهاية سواء افتخرت بما أنت عليه أم لم تفتخر ، وقس على ذلك قانون المرور مثلاً سائق في شركة ما ، يطبق عليه القانون كما يطبق على باقي المناصب دون تمييز .

الانا     هذه الاعتبارات خلقها أصحابها ، وحملها المجتمع على محمل الفخر ، أنا مدير أنا وأنا ، وأنا ، فصاحب الفخر يفتخر ، والمجتمع يرفعه ، وكذلك ترتفع نظرة الأنا عند هذه الفئة من المجتمع ، وترتفع درجة الغرور والتكبر والتعالي والمزايدات ، وحين تكون الأمور حقيقية تقلب الطاولة على رأس الجميع ، فمثلاً حين فضحت الصحف الكويتية حجم التزوير في حملة الشهادات العليا ، والدول التي يمكن لأي شخص أن يحصل على شهادة جامعية بكافة درجاتها ، دون أن يكون مؤهل لذلك ودون أن يكون اجتاز المراحل والاختبارات اللازمة للحصول على المؤهل رأينا اعداداً لا نحتاج أن نشير إليها تسقط من مقام الفخر ، بل أصبح المجتمع يشير لفئات منهم بالبنان أنهم مزورون .

     يمكنك عزيزي يا من تفتخر ، أن تفتخر بما أنجزت لكن ليس في كل وقت فلكل وقت حديث ، وكذلك يا أيها المدير ، الكرسي لا يرفع احد ، فإما أن تكون مميزاً وتضيف أنت للكرس قدر أعلى ، أو تكون لا قيمة لك وذلك الكرسي هو من أعطاك القيمة ، عزيزي الدكتور في القانون أو الطب أو السياسة أو أي تخصص ، صفتك في عملك ، وبما تقدمه للمجتمع مما حصلت عليه من خبرات وعلوم ، تساعد في رفع مستوى المجتمع ولا ولا يجيز لك اللقب أن تضع نفسك فوق المجتمع وتنظر له باستصغار ، فقيمتك في علمك ، والعلم بلا أخلاق ، كماء البحر لا يروي ، وكالنار نحتاجها لكن لا نقترب منها .

     أما أصحاب النفسيات القديمة ، التي تفتخر بأمجاد أشخاص أبوه جده عائلته ، فلم يبخسك أحد في نسبك حتى تعيد على أسماعنا تلك المقطوعات الشعرية ، والمعارك الملحمية التي تمت في عهد ما قبل النفط ، ولم يقترب أحدهم من أسم عائلتك ، لكي تقول اني فلان ، فأحتفظ بتلك الأمجاد كما يحتفظ بها المجتمع كتاريخ ، ولا تجعل الأساطير والروايات تنعكس على شخصيتك ، فقيمة الأنسان تكمن في ذاته .

     فئة أخرى قيمتها تكمن بما تملك ، وكلنا نعرف أن للمال وجاهة صنعها المجتمع ، لكن لا يجب أن تكون قيمة صاحب المال بما يملك ، فالأشخاص الذين يركبون السيارات الفارهة ، قيمته ليست بالسيارة ، فالسيارة يستمتع بها ويرفه عن نفسه ، ومنزله ورصيده في البنك ، ويجب أن يعرف صاحب المال الوفير أن الضامن الآن لأغلب البشر هي البنوك فالقروض ميسرة ، ومن يحتاج المال لن يتوجه لأحد بل سيذهب للبنك .

     لا أقول أن الفخر خطاً لكن لكل شيء وقته ومكانه المناسب ، والثقة في النفس تعززها أمور كثيرة ، منها النسب والعلم والمعرفة ، والمال ، ولو تحولت الثقة في النفس إلى كبر وتعالي يكون صاحبها قد تحول من مرحلة الأنسان السوي إلى مرحلة الأنسان المريض نفسياً .

     يوجد أناس رائعون ، أناس لهم بصمة ، يحملون صفات علمية راقية ، لكن شهاداتهم جعلتهم ألطف ، جعلتهم مصدر ثقة للكثيرين ، حين يتكلمون تجد صدى لكلماتها ، وحين يبتسمون تجد اللطافة ، دون أي نظرة نقص لمن حولهم ، ويوجد أيضاً أناس رائعون يملكون المال ، لكن المال في أيديهم وليس في قلوبهم ، يشترون لكي يستمتعوا ، لا لكي يتفاخروا ويتعالوا ، ويوجد أناس رائعون أنسابهم تحمل من النسب والحسب ما يكفي لأن يخرس بعض الألسنة ، لكنهم لا ينظرون للدنيا من تلك الزاوية الضيقة التي تحبس الأنسان في حيز القبيلة والعائلة . وهناك أناس بسطاء ، لا يملكون شيء ، لكنهم يمنحونك حين تجالسهم السكينة ، الإنسان قيمته ذاته ، قيمته في إنسانيته ، في أخلاقه في أدبه ، وأسلوبه مع البشر ، فجعل لنفسك قيمة ، وضع الأنا في صندوق وألقه في البحر .

3 تعليقات على “بشر .. كلنا بشر ..

  1. ما شاء الله عليك اخي جابر
    شرحت فاوضحت
    ونصحت فاحسنت
    فعلا الإنسان قيمته بما ينتج وما يقدم لنفسه ولمن حوله ومجتمعه ووطنه لا بقشور المظاهر التي قد لا تدوم
    وما يجذب الناس لشخص في منصب عالي هو أخلاقه وتعامله قبل أي اعتبار
    فإن لم يهتم بأخلاقه فلا حاجة للناس بمنصبه طبعا اتحدث عن الناس الشرفاء وعزيزي النفس
    وتقبلوا فائق التحايا والاحترام

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.