ان اردتم البقاء ، ابحثوا عن الديمقراطية .

     دول الخليج العربي ، رغم ثرائها ، ويسر العيش فيها ، وقلة المعارضين لأنظمتها ، الا انها كيانات هشة ، تحركها الريح فترميها يسارا ، ويمينا ، ويضطر صانعوا القرار فيها ان يرضخوا لضغوط ، لا تخدم اوطانهم ، ضغوط ليست من الداخل ، بل من الخارج ، تسيطر على مفاصل قوتهم ، وتتحكم في اقتصاداتهم ، دون ان يكون لديهم ردة فعل تجاه ما يصيبهم ، الا الاذعان ، وتقديم التنازلات .

     افتقدت دول مجلس التعاون المعارضة الداخلية ، بسبب قمع بعض الانظمة ، وافتقدت بذلك صوت التصحيح ، وصوت المصلحة العامة ، وصوت الامة ، فالمعارضة الداخلية ليس معول هدم في النظام كما يصورها لنا النخب العربية ، بل المعارضة هي القوة التي تقبع على الكفة الاخرى للميزان ، فتعدل كفته ، وتجعله متوازن بين رغبات السلطة ، ورغبات الوطن ، وهي التي تكبح جماح الحاكم ، حتى لا يصل لدرجة فرعون .

     الاحداث التي تجري في الخليج الان بعد مقتل الصحفي #جمال_خاشقجي ، متوقع لها ان تعصف بأنظمة ، ولو ان هناك نظام ديمقراطي ، او ملكية دستورية ، في دول الخليج لما كان هذا القلق موجود ، فالنظام الديمقراطي لا يعبر عن ضعف الحاكم بأمره ، بل يجعل تداول السلطة عبر الية محددة حتى لو اصيب راس الهرم ، او اي سلطة قوية في النظام ، يتم معالجة ذلك بالتسلسل السليم دون القلق على مستقبل الدولة ، ودون الخوف من انهيارها .

     يجب ان تخرج عقلية الحكم في الخليج من نظرة الرجل الواحد ، لنظرة اكبر واوسع واعم تستطيع ان تجعل لتداول السلطة مرونة ، ولا اقصد السلطة هنا الحكام ، بل السلطة التي يقرها نظام الملكية الدستورية ، هذا لو قلنا ان الخليج من الافضل له ان يكون نظام الحكم فيه ملكيا ، فللملك او الامير صلاحيات ، وهو شخصية اعتبارية لا يمسها التشويه ، ويعتبر رمز للامة ، ويوضع التدرج الاسفل ، وتفتح الحريات ليحاسب اي مسؤول يقصر في عمله ، او يخون امانته .

     اعرف ان ما اقوله ربما يكون مستحيل التطبيق او صعب التطبيق ، لكن يجب ان نفكر في مصلحة دولنا ، قبل ان نفكر في مصلحة انفسنا ، والحكام ، هم من الشعب ، قبلت الشعوب ان تسلمهم مقاليد الحكم ، سواء بالقوة او الاتفاق ، وتلك مرحلة ، من الزمن ، تجاوزها التاريخ ، ولو عشنا فيها ، لن نتقدم ولو حصل لدينا طفرات بسبب النفط او غيره من الثروات الطبيعية ، فالديمقراطية ، هي نظام يحافظ على مقدرات الدولة ، ضمن نظام رقابة قانونية ، بتوكيل من الشعب .

     تحافظ الديمقراطية على شكل الدولة وكيانها ، من الانهيار ، في حالة الازمات ، وتخفف الضغط على الحاكم ، لان المجتمع الدولي يعرف الية الديمقراطية وان اجهزة الدولة لا يمكن تجاوزها ، عبر شخص واحد ، وان اي قرار يجب ان يقر من البرلمان ، او مجلس الشورى ، لكي يكون معتمدا ، فتُبعد الاهواء الشخصية حين اتخاذ القرارات الجوهرية والحاسمة ، التي تمس كيان الدولة وسيادتها .

     على حكام الخليج ، إن ارادوا ديمومة دولهم ، وبقاء سلطتهم ومكانتهم كأمراء وملوك ، ان يخلقوا مساحة ، للمحاسبة اولا ، وللحرية ثانيا ، وللديمقراطية ثالثا ، لان استمرار الوضع بهذا الشكل الهش ، الذي يختزل الدولة في شخصية الحاكم ، مهدد في اي وقت بالزوال ، وان من لا يستند منهم لقاعدة شعبية تدعمه وتسانده ، وتقف معه في الازمات ، فلا مجال ان يستمر الا بالقوة التي يسلطها على رقاب شعبه .

     يتجاوز العالم في كل مكان الانظمة الدكتاتورية بجميع اشكالها تحت اي مسمى ، سواء ملكية ، او عسكرية ، او جمهوريات صورية ، تدفن الشعوب ، وتقتل طموحاتها ، الا في محيطنا الخليجي والعربي فان الدكتاتوريات تتكرس وتتمترس ، وتقوى ، وتتمدد ، وكأننا خارج نطاق العالم ، او لا ننتمي له ، او في كوكب اخر ، والانظمة تريد ان تتعامل مع شعوبها كأنهم مجموعة من الصم والبكم ، يرون كل شيء ولا يتكلمون ، ويسمعون ما يقوله الحكام فقط .

     ان تكريس نظرية طاعة ولي الامر جَرّت على عالمنا الاسلامي ما لم تجره الحروب ، وما لم تعيشه المنطقة في ظل الاحتلال المباشر الذي عاشته في القرن السابق ، فعادت الأمية لدول كانت رائدة في العلم بل وساهمت في تعليم الكثير من الشعوب ، وراينا انحطاط الفنون والآداب ، وانحدار الاخلاق ، وانتشار الفساد بكل انواعه من سرقة ورشوة وتطاول على الاملاك العامة ، وانتشار النفاق والغش والكذب ، وكل الصفات المذمومة ، وهذا كله صنع بتعمد ، لكي يسهل على الحكام السيطرة على شعوبهم ، وسهولة اخضاعهم ، وترافق ايضا ، مع استخدام مفرط للقوة بشكل علني ، وبشكل خفي ، في المعتقلات والسجون .

     لن نتجاوز هذه المرحلة ان لم يقدر الحكام حجم المسؤولية التي تقع على عاتقهم ، ويعرفوا قيمة الشعوب التي يحكمونها ، وان الثروة زائلة لا محالة مهما تم استثمارها ، وان الاستثمار الصحيح هو الاستثمار في الفرد ، ورفع مستواه العلمي والمهني والثقافي ، ولن يتأتى ذلك في ظل الحكم الدكتاتوري ، مهما حاولنا ،ومهما كنا مرنيين في طرح تلك الافكار ، بل يجب ان يقتنع الحكام وخصوصا حكام الخليج ان هناك مستقبل مختلف ، إن لم يضعوا لشعوبهم موقع على الخارطة السياسية ، فلن يستمر الوضع طويلا .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.