من حقي أن أفكر ..

 

14016345

     لا تتوقف الأفكار عند عقل واحد ، ولا يجب أن تتوقف ، ولا يجب أن تكون ردود الفعل كلها على نسق واحد فالاختلاف في الآراء ، يثري الحوارات ، ويخرج تلك الأفكار العالقة ، في الذهن ، لتكون على ارض الواقع ، والحديث الواحد لا يمكن ان يعطي فكرة واضحة دون نقاش وحوار وجدال واختلاف ، حتى تتبلور الفكرة ، في المجتمع ، أياً كان مجتمع ثقافي او علمي او سياسي او غيره .

     والمجتمعات البشرية التي تستمع للحوار فقط ولا تناقش ، ولا تحاور ، لا يمكنها ان تبلور فكر يخدم الثقافة ، ولا يخدم المجتمع نفسه ، على أن ذلك المجتمع ، غالباً ما يكون مجتمع مقهور لا يمكنه ان يعبر عن آرائه ، وافكاره ، ولا يمكنه محاورة السلطة ، اما خوفاً منها ، وأما طمعاً بها ، وفي كلا الحالتين ، الخاسر هو المجتمع ، فتتجمد الأفكار القديمة ، ويصبح من المحرمات المساس بها ، او الاقتراب منها ، وبذلك يصبح تغير تلك الأفكار والمفاهيم ، من المحرمات وتصبح تلك الأفكار مقدسة .

     ما يميزنا نحن العرب عن غيرنا من الشعوب التي عرفت سبيل التطور ، السياسي والاجتماعي والثقافي والعلمي والصناعي ، هو أننا نتلقى كل شيء ، ولا نحاول أن تكون لدينا اشيائنا المستقلة أشيائنا التي نصنعها بأنفسنا ، فثقافتنا ، هي عبارة عن نقل لأفكار الاخرين ، وعلومنا ايضاً ، وصناعتنا لا تتجاوز صناعة التجميع ، فنحن يميزنا عن غيرنا من الشعوب أننا شعوب مستعملة ، في اتجاه معين ، لا نستطيع أن نتجاوزه ، وأن فكرنا في تجاوزه ، ركبت لنا التهم ، ومن أهمها التخلف ، وكأن العالم يود متعلم ، ولا يكتسب المعرفة ، ونحن نولد متخلفون ، ويجب أن نبقى متخلفون إلى أن نموت .

     أكبر شيء يحارب العقول هو الخوف ، واكبر شيء ينمي العقول هو الاستفزاز ، وسأتكلم قليلا هنا ، فالعقول الخائفة تحجر على افكارها دون أن تخرجها ، فيصبح ذلك نمط لكل عقل لديه فكرة ، حتى تستسلم تلك العقول للخوف بشكل مطلق فتتحجر ، وأن سنحت لها فرصة اخراج افكارها الإبداعية ، يبقى الخوف هو الحاجز ، فتراكم الخوف عبر الفترات الطويلة ، يولد حواجز في النفس لا يمكن أن يتجاوزها المفكر بسهولة ، والفرق بين جيل ولد حر يستطيع أن يعبر عن أفكاره ، وجيل ولد مقيد يحجب أفكاره ، وتحجب الأفكار عنه ، فرق كبير لا يمكننا تصوره .

     اما الاستفزاز ، فيحفز العقل ، ويستحثه على المعرفة وخوض غمار التجارب ، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك ، وكذلك تحدي الواقع ، والمصائب والكوارث ، وهناك مثال واضح لذلك ، اليابان وألمانيا اللتان دمرتا في الحرب العالمية الثانية ، وتمكنتا من الخروج من الضعف بالعمل والتحدي لواقعهما المر ، وعادت تلك الدولتان لتقولا للعالم اننا هنا وان كل ما حدث قد تجاوزناه واصبحنا قادرين على الإنجاز والعطاء ، وامثلة كثيرة أخرى عن دول واشخاص ، اصابتهم تجارت استفزتهم ، فكسروا قيود العقل ، وانطلقوا للأمام .

     يجب أن تترك العقول دون قيود ، للتصارع الأفكار ، فيسقط ما هو ضعيف ، ويبقى ما هو قوي ، وهذا هو المنهج الصحيح ، في التفكير وفي العمل وفي الحياة بشكل عام ، فلا يمكن أن تعيش فكرة ضعيفة لوقت طويل ، ولا يمكن أن تموت فكرة قوية .

     لكن هذا عكس ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي ، فكل ما يخالف السلطة حرام وكل ما يتصادم مع الدين حرام ، دون أن نفهم لماذا هو حرام ؟ ولماذا لا نرى ذلك المحرم الذي يخوفننا منه ؟ الدين فكرة قوية ، لماذا تخافون ان يتصادم مع أفكار أخرى ؟ ولماذا لم يحرم ذلك التصادم في صدر الإسلام ، وعبر العصور ، وكذلك السلطات ، لماذا تخاف من الأفكار المعارضة ، ولماذا لا تتصادم معها فكريا ؟ لتثبت صحة موقفها ، ونستطيع أن نقيس على هذا جوانب أخرى في العادات التقاليد ، ومجالات كثيرة في حياتنا نحن العرب والمسلمون .

      اتركوا العقول تفكر ، واتركوا الناس تقرر مصير عقولها ، قبل أن تتمرد عليكم ، في الدين ، وفي الحكم ، وفي الفكر ، فالأجيال التي عاشت في ظل التعتيم قد انقرضت ، وجاءت أجيال أصبحت تحصل على المعرفة بلمسة زر ، وأصبحت تدرك حجم الفشل الذي تعانيه دولنا ، وحجم التضليل الذي تمارسه الدول على شعوبها .

الكاريكاتير من ابداعات الراحل جواد العلي .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.