قطر وتوازنات الأمن الاستقرار ..

علم-قطر
مهدده تلك الدول الصغيرة ذات الموارد والثروات المرتفعه ، مهددة دائما ، ليس في امنها بل في وجودها ، فلا تملك من اسباب القوة غير المال ،والثروات التي تملكها في باطن الارض ، وهذا يثير المزيد من الاطماع حولها ، بل يجعلها دول مستهدفة بشكل دائم ، وتظل تدفع تكلقة مرتفعه بشكل دائم لتحمي نفسها من الاطماع الخارجية.

قطر احدى تلك الدول الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها النصف مليون نسمة ، وتملك ثروات نفطية جيدة ، وتملك ثاني اكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم ، وهذا ما جعلها من الدول الاغنى في العالم ، فعائداتها الضخمة من الموارد الطبيعية لا تساوي ربع ما تحتاجه لإدارة الدولة الصغيرة الحجم .

     ان لعبة التوازنات التي تلعبها قطر والدول التي في حجمها ومواردها تعتبر لعبة خطرة اذا لم تتمكن القيادة من وضع تحالفات استراتيجية تضمن سلامتها ، وان كانت بتكلفة مرتفعه ، وهذا الوضع هو الافضل في وضع عدم وجود اتحاد على مستوى الاقليم يمكنها ان تنضوي تحته دون المساس بمقدراتها وثقافتها .
لم تكن السياسة القطرية تشكل ازمة في السابق لكن حين تغيرت القيادة ، وتولت السلطة قيادات تتميز بمستوى علمي وثقافي ولديها تصورات لنقلة نوعية تناسب الثروات التي تملكها الدولة ، اختلفت انماط العمل السياسي ، وتبدلت القواعد القديمة ، واصبح من الطبيعي ان تنتقل السياسة القطرية من طور التابع ، للدور المستقل ، الذي يريد ان يضع اسس لدولة تتعامل مع المستقبل من منطق الاستقلالية التامة ، وان كان هناك تحديات ، يجب مواجهتها .
وعلى هذا الاساس عملت القيادة القطرية خلال العقدين السابقين ، ورغم وجود اخطاء في بعض الخطوات السياسية التي تبنتها القياد القطرية ، الا ان القيادة سارت بانسجام شبه تام مع المجتمع ، الذي كان لبعض افراده انتقادات للقيادة لتصاعد الدور السياسي ، الا ان تلك الاصوات لم تكن تطالب بتغير سياسي ، بل كانت تتطلع لحجم قطر الصغير ، وتنظر للتمدد السياسي الذي قامت به الحكومة من منطق الخوف على مستقبل البلد ، وهذه الصورة تكمل حالة الانسجام المجتمعي ، الذي تكون بين القيادة والشعب ، الذي اصبح يتمتع بمستوى معيشي جيد جدا ، جعله لا يكترث كثيرا بالادوار السياسية التي تلعبها الحكومة القطرية في الخارج .

8cfc1dbb6a409eb291496e4d72e29c7c.jpg     النجاح في الداخل توازن مهم لقطر بالذات ، فتداخل الاسر والقبائل مع دول الجوار ، يجعل امر اختراق المجتمع القطري اسهل ، والتوازن الذي حدث في الملف الداخلي اضعف تلك الاختراقات خصوصا في الازمة الحالية بين قطر والسعودية ، لكن الملف الخارجي ذو الثقل الاكبر جعل قطر تغير الكثير من سياساتها ، حين تعرضت لازمة كادت ان تدمر كل ما تم انجازه في العقدين الماضيين ، فالكثير من الملفات التي كان لقطر دور سياسي فعال فيها ، تقلصت بشكل كبير ، ليس برغبة القيادة القطرية وحدها ، ولا برغبة محاصريها كما يظهر في المشهد ، بل لتحالفات قديمة سقطت بسقوط السياسة الامريكية في فخ الشعبوية متمثلة في ترامب الذي تعامل مع العالم على انه سوق تجاري ومن يدفع اكثر يفوز في النهاية .
هنا كانت الحلقة الاضعف ، والخنجر الذي غرس في خاصرة القيادة القطرية في الازمة الحالية ، وكانت الاولويات ان يعاد التوازن من جديد للخليج على اسس التحالفات الخارجية دون وجود مجلس التعاون الخليجي الذي انقسم لقسمين ، قسم يريد ان يحقق كل شيء بنجاح تام وجزء يجب عليه ان يستسلم دون نقاش ، وكانت سياسة القيادة القطرية الفعالة في العقدين الماضيين واقعية في التعاطي مع الازمة ، فاستطاعة خلق التوازن بسرعة فائقة ، سبب الارباك للحلف المضاد ، وحققت قدر كبير من الاستقرار للدولة.
هناك مشكلة اضن ان القيادة القطرية تعرفها جيدا ، واضن انها تاخذ بالاعتبار ان الدول الاقليمية الكبرى تحكمها توازنات تختلف عن توازنات التجارة والاقتصاد ، وان الازمة كلما طالت كلما زادت تكلفة تامين الدولة في المجال الامني ، فقطر لا تملك عمق استراتيجي ، ولا عدد سكان يمكنها من الصمود طويلا في ازمة عسكرية ان وقعت ، لذا على القيادة القطرية ان توازن بين السياسة الاقتصادية والسياسة العسكرية والامن المجتمعي ، وطالما نجحت تلك التوازنات ، تضمن قطر استمرار مستوى لا باس به من الامن .

اعلام الخليج

     الازمة الحالية كشفت ان منظومة مجلس التعاون الخليجي منظومة ورقية ، لا تتجاوز قوته قوة الورق الذي تطبع عليه البيانات الختامية للقادة ، وان منظومة مجلس التعاون كانت قناع تسيطر من خلاله الدولة الاكبر في المنطقة على باقي الدول الصغيرة ، وحين تمردت السياسة القطرية كشف القناع ، وظهرت تلك الدولة بشكل علني لتطالب ان تعود قطر للتبعية السعودية ، الا ان السعودية نفسها تعرضت لنكسة هزت تلك الصورة الورقية للقوة ، فحرب اليمن التي يخوضها تحالف بقيادة السعودية لم يحقق الكثير ، وقد تنازلت السعودية حتى عن القيادة ، فاصبح يقال : التحالف الدولي بقيادة السعودية والامارات .
توزيع اقليمي جديد ربما يكون غير معلن ،او ربما سيعلن عنه في المستقبل سينتج عن تحالفات تقودها الدول المنقسمة ، واضن ان تلك التحالفات لها ابعاد لن تكون شريفه في المستقبل ، ولن تكون سلمية ، وعلى دول مجلس التعاون وليس قطر وحدها ان تلعب لعبة التوازنات بشكل صحيح ، لان الواقع كشف ما هي عليه من ضعف يجعل الكثير من الدول تشحذ السكاكين لتستعد لتقسيم الكعكة الخليجية .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.