تركيا.. تركيا.. تركيا..

Flag-map_of_Turkey.svg_.png

تركيا اصبحت اسما يتكرر كثيرا ، كثيرا ، ليس على مستوى الشرق الاوسط ، بل على مستوى العالم ككل ، فتركيا انتقلت من مستوى الدول التي تبحث عن الحماية ، لمصاف الدول التي تمنح الحماية ، ومن مستوى الفقر ، الى مستوى الاستثمار الخارجي الناجح في اكثر من دولة ، وهذا ما يثير القلق حول تركيا كدولة ، اصبحت ذات كيان وخرجت من تحت العبائة الامريكية.
نعم خرجت تركيا من العباءة الامريكية ليس لانها ارادت ان تخرج ، بل لان حليفتها امريكا كانت حريصة ان تبقيها تحت السيطرة ، فموقع تركيا الحساس بين قارتين ، وحليف فعال في حلف الناتو ، يجعلها موقع اهتمام لقوى اخرى ، ورغم ان تركيا لم تنتقل لحلف اخر ، من منطق الضعيف الذي يتم السيطرة عليه ،لكنها اجرت بعض التعديلات على سياستها مع دول كبرى ودول اقليمية ، وقدمت مصلحتها كدولة على مصلحت الحلف الذي تنتمي إليه .
وهذا الامر خلط اوراق كثيرة كانت قد رتبت سابقا في منطقة الشرق الاوسط والقرن الافريقي ، وكذلك جاء التصرف التركي كخطوة غير متوقعه اقليميا على اقل تقدير ، مما خلق لها الكثير من المشاكل في الاقتصاد ، والسياسة وحتى على المستوى الامني في ضل وجود سورية كبؤرةحرب بالقرب منها ، وما تبعه من امور اخرى حساسة في ذلك الملف.
لم تتمدد تركيا في المنطقه من تلقاء نفسها ، بل تمددت بعد ان وجدت دول اخرى وقوى صاعدة بدأت تتدخل اقتصاديا وعسكريا ، مثل الصين والاستثمارات الهائلة التي تضخها في افريقيا ، ومثل روسيا ودعمها لايران ووقوفها مع النظام السوري ، ومثل الهند التي رفضت القرارات الامريكية بشآن استيراد النفط الايراني .
والتدخلات الدولية في الشرق الاوسط على وجه التحديد لها ثمن باهض ، او هذا ما تفعله الولايات المتحدة في ملف الشرق الاوسط ، من تمديد فترت الصراع لكي تنشغل الاطراف المتصارعة ، وتستنزف عسكريا ، واقتصاديا ، وتحترق سياسيا وتعود الاوراق مرة اخرى لامريكا لتلعبها منفردة ، وهذه السياسة التي نفذتها امريكا في الشرق الاوسط على مدى عقود اصبح مشكوك في قدرتها ، مع وجود تلك القوى الصاعدة ، والتي تريد ان يكون لها نفوذا اقتصاديا يحترم على اقل تقدير .
في السابق كانت القوى التي تتصارع اما ان تدخل في الحلف الشرقي او الغربي ، وكلاهما سيان ، اما اليوم فنشاهد بعض الحلفاء الرئيسين في المنطقة تخلو عن الحماية الامريكية بما فيهم دول الخليج الصغيرة مثل الكويت وقطر ، واصبح هناك قوى على استعداد ان تحمي وتدفع الاموال ، بخلاف امريكا التي تحمي وتأخذ الاموال ، وهذا وحده يكفي لان تخرج بعض الدول من احلافها القديمة وتنظم لقوى ناشئة يمكنها ان تقدم نفس الخدمات بتكلفة اقل بكثير.
يوجد حلف يتشكل تتطلع كل القوى القديمة لتدميره ، حلف غير معلن ، لكنها دول تؤمن بمصالحها ، تركيا ايران روسيا الصين ، ولديها من الاسباب ما يجبرها ان تتكتل لتواجه تلك المصاعب التي تؤثر على مصالحها ، واعرف ان من هذه الدول ، دول مثل تركيا وايران لا تمثل الثقل الذي تمثله الصين وروسيا ، لكن علئ الخارطة لديهم نشاط مؤثر في منطقة الشرق الاوسط ، ومن العجيب انهم استخدموا وسائل ضغط على الادارة الامريكية لم تستخدمها دول قبلهم مثلا التمدد الطائفي الذي تستخدمه ايران في الشرق الاوسط ، والدعم الاسلامي الذي تستخدمه تركيا.
ونعود لتركيا من جديد فتركيا لا تزال حليف لامريكا من خلال حلف الناتو ، وما تفعله امريكا للضعط على تركيا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا ، لا تفعله لكي تدمر تركيا ، بل لكي تعيدها لوضعها السابق كحليف تستفيد منه دون ان تخسر شيء بسببه ، وهذه النقطة بالتحديد ، هي ما جعل تركيا تخرج من تحت المظلة العسكرية للناتو وتحسن علاقاتها مع روسيا ، بشكل مفاجئ ، فبعد ان اسقطت تركيا طائرة روسية على الحدود مع سوريا لم يكن الاداء الامريكي مشرف تجاه حليف في الناتو ، فتحولت تركيا بسرعة وعدلت علاقتها مع روسيا بشكل منفرد دون الرجوع لحلف الناتو .
اقتراب تركيا من روسيا فتح لها افاق اخرى وانها يمكنها ان تتحالف مع اعداء الامس ، وان تمحو سجل العداء الطويل بينها وبين روسيا ، وكانت ردة الفعل الروسية جيدة ، بل كانت مشجعة ، فمن الخلاف الى الصداقة دون قيود ، واتفاق تام على المصالح المشتركة ، كدول تحترم بعضها.
دعم تركيا لقطر ، في شراكة تجارية تحولت لاتفاق امني وضع لتركيا موطئ قدم في الخليج كقوة اقليمية لا يمكن تجاوزها في اي نزاع يحدث في المنطقة ، وسبق هذا اتفاقات تجارية طويلة المدى مع ايران ، وتدخل في الصومال اقتصاديا وامنيا ، ثم وضعت تركيا لها موضع قدم في السودان باستأجار جزيرة في البحر الاحمر .

مساحة_تركيا_وعدد_سكانها
كل ما ذكرت يجعل حلفاء تركيا ينظرون لها بعين الريبة ، وحين وجدوا ان تركيا تدير ملفاتها منفردة او مع شركاء خارج حلف الناتو ، بدءوا يمارسون عليها ضغوط سياسية ثم تطورت تلك الوسائل بعد ان فشلت في اخضاع تركيا من جديد للمستوى الامني ، وبقيت تصاعدت حتى وقع الانقلاب الفاشل في العام الماضي ، وبهذا الانقلاب تكشف لتركيا ان لا حلفاء دائمون في الشرق الاوسط ، وبدآت تصرح علنا بان من حلفائها السابقين دول تتامر عليها ، وتريد ان تدمرها ، واتخذت كل الاحتياطات التي ترى انها تخدم مصالحها .
مخطأ من يضن ان الصراع مع تركيا سيكون بخفض قيمة العملة التركية ، او بخروجها من احد مناطق نفوذها في الشرق الاوسط ، فلا يوجد دولة في حلف الناتو او غيره تريد ان تخسر تركيا بشكل دائم ، يختلفون مع سياساتها ، ومع قياداتها ، لكنهم مؤمنون ان تركيا ستبقى لفترة ليست بالقصير تلعب دور فعال في الشرق الاوسط ولفترة ربما طويلة .
ويدعم هذا التصور الاقتصاد التركي الذي سيستفيد من انخفاض العملة لرفع مستوى الصادرات ، ومن المؤكد ان هناك نتائج سلبية على العملة التركية لكنها لن تستمر لفترة طويلة ، فهذه ليست الازمة الاولى ولن تكون الاخيرة ، لكنها ورقة الضغط الوحيدة التي اصبح الغرب يملكها في ظل وجود حكومة قوية في تركيا .

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s