السياسة مصالح وليست صداقات .. نظرة في ملف ازمة قطر

441

تتضارب الاخبار بن الدوحة والرياض ، قطر تقول والرياض تنفي ، وتعود لنقطة الصفر من جديد ، ومسؤول من الامارات يقول ، انه على قطر قبول البنود ال 13 كاملة ، ونحن الشعوب الخليجية نتصادم بين ما يقال وما ينفى ، وما يراد ، وما جرى .

     تعلمنا السياسة الدروس ، فيما يتعلق بالمصالح ، فحين تتقاطع مصالح الدول ، تتصادم ، وهذا ما جرى بالفعل بين المملكة العربية السعودية ودولة قطر ، ولنعود بالذاكرة للوراء قليلاً ، حين استلم الملك سلمان زمام الأمور في العربية السعودية ، بعد وفاة الملك عبد الله ، الذي كان قد انحاز بشكل واضح للسياسة الجيش المصري وتصادم ، مع قطر التي كانت تدعم الشرعية في مصر بقيادة الاخوان المسلمين ، في ذلك الحين انقلبت الموازين باستلام الملك سلمان دفة الأمور ، وبدت قطر كأنها صديق للمملكة العربية السعودية ، بل كانت بالفعل كذلك ، وبدا التغير في سياسة المملكة تجاه السيسي في مصر ، حتى أن الكثير من المحللين السياسيين في ذلك الوقت ، أشاروا أن المملكة السعودية انقلبت على النظام العسكري في مصر .

     اذكر جيداً الاحداث في تلك الفترة ، ونحن كقطريين عموماً يسعدنا أن تكون علاقة الحكومة القطرية مميز مع الشقيقة الكبرى السعودية ، لكن السياسة ليس فيها صديق دائم وعدو دائم بل فيها مصالح دائمة ، هذا هو الميزان الذي لا يتغير في السياسة ، وقد استطاعة القيادة المصرية الحالة أن تستقطب ولي ولي  العهد السعودي محمد بن سلمان ، حين قدمت له جزيرتي تيران وصنافير ، على طبق من ذهب ، مقابل دعم مادي وسياسي ، تقدمه المملكة لمصر ،وفجأة بدأ ان القيادات في المملكة ومصر ، تجاوزا الخلاف الحصل في ملف اليمن وسوريا .

     وبعدها لاحت في الأفق مطالب جديدة على الساحة الخليجية ترشح الشاب القوي ، في المملكة ولي ولي العهد الامير محمد بن سلمان ، لاستلام منصب ، ولي العهد بدل من الأمير محمد بن نايف ، لكن هذا الترشيح ، يتصادم مع رغبة الإدارة الامريكية التي كانت تفضل محمد بن نايف ، لخبرته ، ولمعرفتها بميولة القوية ضد الإرهاب ، وكان لا بد من إيجاد مدخل للقيادة الامريكية الجديدة في البيت الأبيض ، وكان الوسيط من خارج المملكة السعودية ، وهو الشخص الذي يملك نفوذ في واشنطن ، الشيخ محمد بن زايد ، وقد نجح في هذا الامر نجاحاً منقطع النظير ، وبهذه الوساطة ، تطابقه رؤية الرياض مع أبو ظبي في الملف المصري والسوري ، وأيضاً تطابقت ضد قطر .

    وبدأ التحول في المواقف ، وبدأ الصدام لكنه كان صداماً خفياً ، تحجبه كل الأطراف ، لكي لا تثور مشكلة جديدة مشابهة لأزمة سحب السفراء في عام 2014 ، والتي دامت تسعة أشهر ، ثم حُلت بشكل غريب وسريع لم تكشف تفاصيله في ذلك الحين .

     لكل شيء ثمن لدى الولايات المتحدة الامريكية ، ولكل قرار استراتيجية معينه ، تجمع كل خيوط القوة في يدها ، فكان ثمن ترشيح الأمير الشاب محد بن سلمان ، وثمن الموافقة على تغيير نظام الحكم في قطر ، صفقة تتجاوز الـ 400 مليار دولار مع الإدارة الامريكية ، وكانت نقطة الصفر في كل تلك الأمور الشائكة في الساحة الخليجية ، قمة الرياض التي جمعت بين ترامب وزعماء الخليج والعالم الإسلامي ، وعندها افتعلت أزمات صغيرة في القمة ، حين رفضت قطر ان تدرج منظمة حماس والاخوان المسلمين على قوائم الإرهاب ، وبعدها بأيام تم اختراق وكالة الانباء القطرية ، وبدأت الحملة الإعلامية المنهجية على قطر ، وبعده بأيام ، تم قطع العلاقات وسحب السفراء وفرض الحصار .

     اريد أن اتوقف هنا قليلاً ، لتوضيح بعض الأمور الشائكة ، والمتشابكة ، فكلنا يعرف مدى حجم قطر رغم نشاطها السياسي القوي ودورها الفاعل في الثورات العربية ، والجاهل بالأمور ، سيتهم قطر مباشرة ، دون الرجوع لمصدر القوة التي كانت قطر تستند إليه في ذلك الوقت ، فلا يمكن بأي حال من الأحوال ، أن تنشط قطر في كل تلك الملفات المعقدة دون التنسيق مع الإدارة الامريكية في ذلك الوقت ، وهي إدارة أوباما ، وقبل ذلك إدارة بوش حين تدخلت قطر ، واستضافة قيادات حماس في الدوحة ، ضمن اتفاق بين اكثر من دولة برعاية الولايات الامريكية ، وكذلك مكتب طالبان الذي فتح في الدوحة ، وكان ضمن اتفاق أن تقود قطر وساطة بين الولايات المتحدة والحركة في ذلك الوقت ، وسواء فشلت المفاوضات أو نجحت ، لم تفعل قطر شيء دون أن تكون الإدارة الأمريكية على علم ، او ترغب بوسيط لأزمة أفغانستان .

     كذلك اود توضيح نقطة أخرى فيما يتعلق بالأزمة الحالية ، فلا يمكن أن تقوم اربع دول بعزل دولة ، ولو كانت صغيرة بمقياسهم ، والعمل على تغير قيادتها ، دون الرجوع للأمم المتحدة ، ومجلس الامن على وجه الخصوص ، او بمباركة من الدولة العظمى التي تقود العالم حالياً وهي الولايات المتحدة الامريكية ، وكان ذلك جلياً في قمة الرياض وما تبعها من تغريدات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، والتي كانت تشر بوضوح أنه وافق بل ويبارك ، وينتظر المزيد من الخطوات ، تجاه قطر من الدول الأربعة .

     ايضاً اريد أن أوضح نقطة مهمة ، ان الساسة القطريين ، كانوا أذكى في التعاطي مع الأزمة ، وذلك بإدخال أطراف وقوى ، جديدة في المعادلة ، المانيا والاتحاد الأوربي ، وتركيا ، واستخدام النفوذ الاقتصادي بشكل فاعل في اقناع بريطانيا بالتزام الحياد ولإحداث خلل في الاستراتيجيات المتفق عليها بن الدول الأربعة ، ثم كان النشاط في اتجاه الولايات المتحدة ، فكانت تتضارب تصريحات الخارجية الامريكية ، مع تصريحات الرئيس ترامب ، وكذلك تتضارب مع تصريحات وزارة الدفاع الامريكية ، مما يدل على عدم اتفاق القيادة في أمريكا على رأي موحد بشأن قطر ، وبهذا نجت السياسة القطرية في احبط الكثير من المخططات ، وجعل الازمة تتجمد عند نقطة معينة لا تتجاوزها .

    لا اتردد في أن أقول أني مساند وداعم للقيادة القطرية ، وهذا بناءً على انتمائي وقناعاتي الشخصية ، لكن اريد أن أقول كلمة لكل المتحدثين من خارج السلك الدبلوماسي في دول الخليج ، ان كل ما جرى ، افتعل من دول الحصار لكن الازمة بحد ذاتها ، تمت بموافقة أمريكا التي تمسك بكل الخيوط في هذه الازمة ، ففي يدها ان تعقدها أكثر بتغريده متهورة من الرئيس ترامب ، أو تحلها ، باجتماع يتم التنسيق له بين الدول المختلفة ، وأن ما يجري الآن من تصريحات ، ومناوشات ، وادعاءات ، ستنهار بمجرد أ، تضغط أمريكا على الدول الخليجية باتجاه الحل .

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s