رواية التقينا .. الفصل السابع والأخير ..

الفصل السابع والاخير

خالد

أعرف أن سارة صدمت لما قلت تلك الليلة لكنها تقبلته رغم ذلك تقبلته أو بمعنى أصح قبلت أن أخرج من نطاق الحبيب إلى نطاق الأخ الأكبر إلا أني أعود كما التقيتها أول مرة لكني لا أجد في نفسي الرغبة لكي أكون في هذا الموضع الذي حددته لنفسي وقبلته سارة فلا زلت أحبها لقد احتضنتها بشوق كبير حين بكت في غرفة المكتب وكان ذلك خارج سيطرتي إلا أني تحكمت في انفعالي ولم أتمادى في الأمر .

بعد تلك الليلة تجنبت اللقاء بسارة أو التحدث إليها وقد لاحظت ذلك ، فتجنبت بدورها اللقاء والتحدث معي ، لكن كنت أتقصى أخبارها في الشركة من خادمها الخاص وفي سكنها من الحارس الذي يخبرني إن خرجت سارة في وقت غير الوقت المقرر لخروجها أو الزيارات التي تستقبلها في شقتها ، وإن أتيحت لي الفرصة أن أعرف أخباراً أخرى لا أتوانى في ذلك وكانت نورا مصدر أخبار مهم لدي لأعرف كل ما أريد ، ومع مرور الوقت أصبحت سارة صديقة حميمة لنورا بل أصبحتا كالأختين تسافران سوياً وتعملان سوياً وتخرجان سوياً .

وقد قالت نورا إن سارة أخبرتها بكل شيء يتعلق بنا وبما تسبب في افتراقنا ، حاولت أن تقنعني أن ما حصل جرى رغماً عن سارة وأنه يجب أن تعود علاقتي بها إلى وضعها الطبيعي إلا أنها لم تجد مني القبول فتقول لي كل مرة أسألها عن أخبار سارة نفس الجملة ( تحبها وتبحث عن أخبارها وتريد أن تعرف كل شيء تفعله ولا تريد أن ترتبط بها أنت مجنون ) وهي محقة فيما تقول ، فأنا مجنون بتلك المرأة لكن في نفسي شيء يمنعني أن أرتبط بها أعيد الأسباب لما جرى فأجد أنه يمكن أن يحدث وينسى لكن كبريائي كان يمنعني أن أعود لامرأة أبعدتني عن حياتها بتصرفاتها الخاطئة .

مرت الأيام بعد ذلك بطيئة ، لكنها تسير ولا تتوقف ، وربما مرت بسرعة في حياة سارة بسبب العمل المتواصل لكن بعد أسبوع بدأت تأتيني أخبار تزعجني فقد عرفت أن محامي الشركة بدأ يتودد لها ويزورها في مكتبها بشكل متكرر ويطيل الجلوس معها إن سنحت له الفرصة ، وفي الأسبوع التالي ، عرفت أنها تلقت منه دعوة للعشاء أخبرتني نورا بذلك كانت تريد أن تستفزني وتثير مشاعري فكنت بارداً وأنا أتلقى الخبر لكني تبعت سارة في تلك الليلة وعرفت أين ستتناول العشاء ؟! .

انتظرت حتى خرجت من المطعم ورأيتها برفقة المحامي وهي تتوجه لسيارتها وترحل ، رغم محاولتي أن أتعاطى مع الأمر ببرود ولا مبالاة إلا أني لم أستطع أن أتحمل ذلك ، وبعد ربع ساعة من خروج سارة من المطعم اتصلت بها وطلبت مقابلتها فاعتذرت واستأذنت ، وأنهت المكالمة إلا أنها بعد دقائق عاودت الاتصال بي وأخبرتني بأنها ستأتي لمنزلي لتشرب القهوة معي ، وجاءت بالفعل حاولت أن لا تشعر سارة بضيقي أو معرفتي بما جرى وقد فشلت في ذلك وسألتها عن طبيعة علاقتها بالمحامي فضحكت في البداية ، ثم قالت : إنه يتودد إلي منذ فترة  ، سألتها : وأنتِ هل تتوددين إليه ؟ فأجابت بسخرية واضحة من سؤالي فقالت : وما يهمك في هذه المسألة ؟ هل ستقول إنك أخي الكبير الذي يخاف علي ويراقبني ؟ لقد رأيت سيارتك وأنا في المطعم كنت تنتظر في الخارج أليس كذلك ؟ هززت رأسي بنعم فتابعت كلامها : لم يعجبني المحامي ولم يرق لي لقاؤه بالأساس لكن إلى متى سأبقى أعمل وأجتهد دون راحة دون أن أجد شخصاً يهتم بي ويلاطفني ، في النهاية أنا امرأة إن لم أكن أحب أن أتزوج فأنا في شوق أن يكون لي طفل على الأقل  أليس ذلك من حقي ؟ نعم أنا أخطأت في حقك خطأ لم أغفره لنفسي ولم أطلب منك أن تغفره لي لكن إلى متى سأبقى على هذا الحال عزباء ؟! .

كنت أستمع إليها وأتأمل ملامحها كانت جادة فيما تقول ولها الحق كل الحق ، ولكن لمَ ، لم أفكر مثل هذا التفكير لم أبحث عن زوجة ولا حبيبة ، هل ستكون حياتي ناجحة أم ستكون الزوجة المقترحة جزءاً من ديكور المنزل أو لوازمه ؟ هل تريد سارة أن تكون جزءاً من ديكور منزل ذلك المحامي أو ربما العكس ؟  هل سيكون هو ديكور رجل في منزلها وشركتها ؟ هل تستطيع أن تعيش معه لمجرد أنه رجل ولا تشعر تجاهه بأي عاطفه ؟ لقد جربت ذلك الأمر مرتين ولم تنجح ، بدأت احاججها فيما تقول وبدأ صوتها يرتفع طلبت منها أن تهدأ فلم تهدأ ، قمت من مكاني وجلست بجوارها وأخذت أرجوها أن تهدأ فصرخت في وجهي ، وقالت : ماذا تريدني أن أفعل ؟ هل تريد أن أبقى أنتظرك طول حياتي ؟؟  ابتعد عن حياتي أرجوك ابتعد .

خرجت سارة بعد ما قالت ولم تلتفت إلي وفي اليوم التالي تحدثت مع نورا وأخبرتني بأن سارة ترغب في فض الشراكة وهي جادة في طلبها فاتصلت بها ورجوتها أن لا تتسرع في هذا القرار بالذات ، لكنها رفضت ما أقول وأنهت المكالمة ، حاولت نورا أيضاً لكنها أفلحت فيما لم أفلح فيه أنا فقد أقنعتها أن تأخذ إجازة تستريح فيها قليلاً ثم تقرر ما تريد وحينها لن يقف أحد في وجه قرارها ، وقد فعلت سارة ما تم الاتفاق عليه مع نورا وغادرت في نفس اليوم .

اتصلت نورا بي في ذلك اليوم وطلبت أن أحضر لمكتبها ففعلت ما طلبت وعندما دخلت دعتني للجلوس وطلبت لي عصير ليمون بارد ، ثم قالت : ماذا تريد من سارة ؟ سكت ولم أجب فأعادت السؤال : ماذا تريد منها ؟ قلت : كل شيء سعادتي قلبي حبي ، ردت بعنف : أنت لا تعرف ماذا تريد ؟ كل شيء بيديك وترفض أن تأخذه ، حاولت أن أتكلم لكنها طلبت مني أن أصمت لكي تنهي حديثها فقالت : أعرف أن سارة جرحتك لكنها استحملت كل نتائج خطئها الأول مع أنطون وتزوجته وكانت تعيسة معه لأجل أن لا تخدعك ثم تركته أيضاً بسببك ومن أجلك ، أخبرني كم مرة حاولت أن تتصل بها من بعد أن تزوجت أنطون ؟ قلت : لأنها تزوجت لم أتصل بها ، ردت علي بعنف : تعرف أن هذه الأعراف ليست موجودة في المجتمع اللبناني بل هذه حواجز أنت وضعتها بينك وبين من تحب أجبني هل حاولت أن تعرف لماذا تركتك سارة ؟ سكت ولم أجب فأكملت : لم تحاول أن تعرف حتى أخبرتك هي بما جرى ، لقد تركتك سارة وأنت محق ، إن هذا شيء يجرح النفس لكنك لم تحاول أن تعرف سبب ذلك ولم تحاول أن تعرف ألمها أو ما تعانيه من مشاكل أو ضيق بسبب غلطة لم تكن هي المسؤولة عنها بالكامل ، دفعك كبرياؤك للرحيل للعزلة ، لمتع لم أعرف أنك كنت تفعلها من قبل .

أسمح لي أن أقول لك أنت تتحمل جزءاً من المسؤولية لماذا لم تنتزعها من أحضان والديها من البداية ؟ إن كنت تحبها بهذا الشكل المجنون أنت سمحت لوالدها أن يكون له سلطة في قرارها ، وأنت سمحت لأنطون أن يدخل حياتها ، وأنت سمحت لنفسك أن تخلدها كصنم لا حبيبة ، فلا تحملها كل المسؤولية ؟ لأنك تظلمها بهذا التصرف .

خرجت من مكتب نورا دون أن أتركها تسترسل أكثر ذهبت بعدها لمنزلي ، ولم أتمكن من النوم حتى تناولت أقراصاً منومة ورغم ذلك لم أنم إلا أربع ساعات فقط ، استيقظت بعدها ولا زالت كلمات نورا ترن في أذني كأنها قالتها للتو ، وقد نويت السفر لبيروت فاتصلت بمكتب السفريات وسألته عن أقرب طائرة متوجهة للبنان فأخبرني أنه بعد ساعتين طلبت منه أن يحجز لي تذكرة ونهضت ، جهزت حقيبتي قبل أن أغسل وجهي وارتديت ملابسي وتوجهت لمكتب السفريات أخذت التذكرة وغادرت  الدوحة .

وصلت بيروت عصراً ، أجرت سيارة وتوجهت لمنزل سارة ، طرقت الباب فتحت والدتها سألتني : ما بها سارة ؟ قلت : لا شيء أين هي ؟ قالت : في غرفتها ، استأذنتها بأن أذهب إليها فأشارت إلى باب في نهاية الممر توجهت له طرقت الباب فسألت : من ، لم أجبها بل عاودت الطرق مجدداً ففتح الباب لم أنتظر أن تقول شيئاً ضممتها بكل ما أملك من قوة وقلت : أحبك ، لم تحرك سارة ساكناً بين ذراعي بل تركتني حتى أرخيت يدي من حولها فذهبت ، وجلست على السرير ، وقالت : هل أتيت لتقول لي  أحبك ؟ أنا أعرف أنك تحبني دون أن تقول ذلك ، سكتت ثم سألتني : لماذا أتيت لبيروت ؟؟ .

تحركت من جوار الباب الذي كنت أستند إليه ووقفت على ركبتي لأواجهها وأمسكت يدها وأجبتها : جئت من أجل أن آخذك بكل شيء بماضيك وحاضرك جات لتبقي معي للأبد ، حاولت أن تتكلم فوضعت يدي على فمها بلطف لكي لا تقول شيئاً ، فسكتت وأخذت عيناها تدمعان ، لا مست وجهها بلطف واقتربت منها وقبلتها ما أجملها ذكرني ارتخاء شفتيها بذلك الشوق الذي كانت تقابلني به سابقاً ، ابعدت شفتاي عنها فنظرت إلي وابتسمت فقلت لها : هل تقبلين أن تتزوجيني ؟ ابتسمت وهزت رأسها بنعم ، شددتها من يدها وذهبنا لوالدتها فأخبرتها بأني أرغب في الارتباط بسارة  فقالت : ألف مبروك ، أخذت سارة بعد ذلك وخرجنا .

طلبت مني سارة أن لا أتكلم مع والدها تلك الليلة بل ستتحدث هي معه أولاً ، وقد أخبرتني بعد ساعة من عودتها للمنزل بأن والدها ليس لديه مانع من الخطوبة ، فذهبت لمكتبه في الصباح ، وطلبت منه سارة رسمياً ، فأخبرني بالموافقة وقال : هذا قراركم لم يكن وجهه يحمل أي تعبير بل كان بارداً بشكل يشعر من يسمعه أنه وافق رغماً عنه كنت سعيداً بذلك رغم بروده ذهبت وقتها لسارة وأخذتها معي لتختار  دبلتها ووضعت اسمي عليها ، وكذلك فعلت أنا ، اتفقنا على حفلة زفاف عائلية يضم عدداً محدوداً من أفراد عائلتها والأصدقاء وأن يكون حفل الزواج بعد أسبوع من اليوم .

سارة

     كان الخاتم جميلاً في يدي ، وهذه أول مرة أشعر أن خاتم خطوبتي مهم ، بل أول مرة أشعر أنه جزء مني ، ارتديته مرتين من قبل فكان خاتماً قيماً بثمنه فقط ، لكنه الآن قيم في ثمنه وقيم بمن اشتراه لي ، لم أتوقع أن تكون سعادتي هكذا حين يخطبني خالد ففي السابق رسمت الأحلام ووضعت كل شيء أريد أن أفعله في حفل زفافي لكن اليوم اتفقنا أن يكون حفل الزفاف بسيطاً ومدعووه قليلين لكني أملك من السعادة والفرح ما يملأ الكون وما يجعل نفسي ترقص طرباً .

كانت أحلى مفاجأة يفاجئني بها خالد منذ عرفته ، فتلك الطرقات التي سمعتها على باب غرفتي عرفت أنها شبيهة بطرقاته ، لكن استبعدت بكل الأشكال أن يكون هو الطارق فما الذي سيجعله يأتي لفتاة كانت أمامه منذ يوم ولم يحرك ساكناً تجاهها ، بل تركها ترحل ما الذي سيجعله يأتي لفتاة اختارت غيره في السابق وتركته ؟ لكن كل التوقعات انهارت بعد أن فتحت الباب لم يترك لي فرصة لأتكلم بل سارع لاحتضاني كان جسده دافئاً بما يكفي لأشعر بحبه كان دافئاً لدرجة أنه جعلني أرخي يدي ولا أقاومه وعندما تركني شعرت أن قدماي لا تحملاني فتوجهت للسرير لأجلس كنت أكذب نفسي في وجوده ، لم أساله لأني أشك في حبه لي في تلك اللحظة بل سألته لأؤكد لنفسي أنه جاء من أجلي ، فأثبت لي بكل ثقه أنه يريدني بكل عيوبي خفت عندما وقف على ركبتيه وقابلني ، لكنه خوف تحول بسرعة لأجمل شعور شعرت به في حياتي تجاه إنسان .

مر اليوم معه كالبرق أو أسرع ، توالت الساعات برفقته كالدقائق بل كالثواني كم اشتقت لأن أكون بجواره وأن يلاطفني كم اشتقت أن أجلس بجواره مجدداً وأنا حبيبته  ، حين كنت أراه في الدوحة لكن ذلك لم يحدث هناك لأنه على ما يبدو أن قراراته الحاسمة بشأن علاقتنا لا تنفذ إلا في بيروت ، أنساني وجوده أن أتصل بنورا لأخبرها بما جرى ، وأن أدعوها لحضور حفل زواجنا فاتصلت بها قالت فور أن أجابت : لقد تأخرتِ يا عزيزتي تم حل الشركة وخالد سافر للمكسيك ، ضحكت من كل قلبي حينها فقالت : ألف مبروك كنت أتمنى أن أكون موجودة في هذه الأوقات السعيدة لكي أشاكسكم ، طلبت مني أن أخبرها بكل التفاصيل ، فأخبرتها بكل شيء كانت سعيدة وقد وعدتني بأن تحضر هي وزوجها حفل الزفاف في نهاية الأسبوع .

مرت الأيام سريعة ، وخالد ذلك المزعج تدخل في كل شيء : في فستان زفافي في إكسسواري ، كنت أصرخ فيه : يجب أن لا ترى ما أشتري للزواج لكنه لم يستمع لطلبي بل لم يتركني وحدي ذلك الأسبوع  ، فكنا نلتقي من الصباح حتى ما يقارب منتصف الليل ونتناول وجبات الطعام كلها سوياً .

يوم زواجنا كان الحفل أنيقاً وبسيطاً ، حضره عدد لا يتجاوز الخمسة وعشرين مدعواً فقط ، كانت والدتي مسرورة جداً حتى أنها رقصت معي ، أما والدي فأخذ الأمر بجدية بالغة لكنه التزم الصمت وجلس بعيداً في طرف القاعة ، حضرت نورا مع زوجها الذي لم أره في فترة وجودي في الدوحة ، باركت لي وقدمت لي هدية لكن الهدية الأجمل التي تلقيتها بمناسبة زواجي كانت من خالد كان عقداً به أحجار كريمة وقطع من الماس كنت قد رأيته معه قبل أن ألتقي أنطون بعدة شهور فاجأني بأنه اشتراه واحتفظ به لهذه المناسبة .

غادرنا بيروت في الثانية عشر مساءً أخذني لليونان بقينا هناك لمدة أسبوع ، مر كأنه ساعة من الزمن ، لم أتوقع أن تكون سعادتي مع خالد لهذه الدرجة فكان كل شيء مختلفاً حين تزوجت الشخص الذي أحبه لم أشعر أني تزوجت بغيره ، فالمتعة التي وجدتها مع خالد تختلف كثيراً عن سابقاتها ، نعم الحب الذي بيننا جعل كل شيء جميلاً لدرجة أني لم أشعر بالوقت ولم أحسب حسابه .

عدت معه للدوحة لمنزله لا ، لا بل لمنزلنا الذي دخلته ضيفة في السابق وها أنا الآن أصبحت ربة المنزل أعرف أن كل شيء فيه يخصني وصمم من أجلي ، فلم أغير فيه شيئاً مطلقاً ، بل كنت حريصة كل الحرص على أن يبقى كل شيء فيه كما هو لأن كل شيء يذكرني بمدى حب خالد لي ، وما فعله من أجلي ، وما عاناه في سبيل الاقتران بي  .

خالد

     توجهنا للقاعة بعد أن أتممنا عقد الزواج ، القاعة الصغيرة الأنيقة والحفل الهادئ الذي رتبنا له بسرعة ، والمدعوون القليلون الذين حضروا للحفل لا يتجاوزون الخمسة والعشرين ، كان كلهم من أقارب سارة ولم يحضر من الدوحة سوى نورا وزوجها ولم يطيلوا الجلوس في الحفل ، وكذلك فعل أغلب المدعوين ، فأخذت زوجتي بعدها وتوجهنا للمطار كان بودي أن أغادر لمكان لا يوجد به أحد سوانا ، لكن الوقت لم يسعفنا هذه المرة ، فكانت اليونان هي المحطة الأقرب والأجمل في تصوري .

كانت ليلتنا الأولى حميمة بكل المقاييس ، فالعواطف التي نـحـملها لبعضنا دفعتنا لكل ما نتمنى وما نشتهي جميلة سارة في كل تفاصيلها وجميلة هي مشاعرها وعواطفها الجياشة ، كان الليل والنهار يتواليان علينا دون أن نـحسب حسابهما وتمر الساعات كالدقائق سريعة فلا شيء في الكون سوانا أنا وهي ، وكل الأحلام التي مرت بخيالي منذ أن قابلتها ، شاركتني سارة الأماني والأحلام شاركتني فراشي الذي كنت أتمنى أن أراها فيه منذ ثلاث سنوات ، عدنا للدوحة بعد أسبوع قضيناه في اليونان وعادت سارة لمنزلي دعوني أقول منزلنا الذي لم تحرك فيه أي شيء ولم تغير فيه أي شيء .

بعد الزواج لم تهتم سارة كثيراً بالعمل بل اهتمت بشؤوني كثيراً فلم آتِ للمنزل في المساء إلا ووجدتها قد أعدت كل ما يريح نفسي ويهدئ أعصابي ويزيل عني عناء العمل ، تركت عملها في الفترة المسائية نهائياً وإن اضطرت للعمل في تلك الفترة كانت تؤديه في مكتبها في الطابق العلوي ، مرت السنة الأولى كالحلم مرت مرور السحاب ، لم أشعر بالوقت وهو يتدفق من بين يدي فكان عملي مريحاً وبيتي مريحاً وحبيبتي في منزلي تنتظرني بشوقها الذي لم ينقطع ولم يقل .

وجود سارة معي أراحني نفسياً وانعكست راحتي على عملي فركزت أعمالي في قطاع العقارات والإنشاءات وذلك بسبب الانتعاش العقاري الذي تميزت به قطر في تلك الفترة ، تكللت كل أعمالي بنجاح باهر ، حتى إني أستطيع القول : إني لم أخسر في أي مشروع أقمته في ذلك العام  ربما جاءت الأقدار متوافقة مع وجود سارة معي فانعكس ذلك الوجود على حياتي بالسرور والفرح .

حاولت قدر استطاعتي أن أكون مع سارة وأن أرضيها في كل شيء ، وأقسم إن شئتم أن أقول : إنها لم ترهقني بطلب ولم تلح في أي موضوع تريده : ولم تنزعج من انشغالي في أغلب الأحيان بل كانت ترسم لي حياتي بهدوئها ومرحها وقد تأثرت سارة بالمحيط الذي عاشت فيه ، وبما أنها شخصية اجتماعية ناجحة وزوجة رجل أعمال معروف ، كونت سارة علاقات كثيرة مع نساء قطريات بل أستطيع القول إن أغلب صداقاتها في تلك الفترة من القطريات فكانت تحضر أعراسهم وتشاركهم مسراتهم وأحزانهم ، وكانت مسرورة بما هي فيه ، كانت نورا صديقة العائلة التي كنا نمنحها كل الثقة والاحترام والتقدير كأخت كبرى ، وكانت هي كذلك بالفعل تسعد عندما نزورها وتسعدنا بزيارتنا في منزلنا باستمرار بل كان لقاؤنا معها هي وزوجها يتكرر بشكل دوري كل شهر تقريباً .

كان تأثر سارة بمحيطها تأثيراً إيجابياً في حياتها الاجتماعية والعملية ، أما من الناحية الاجتماعية فقد حرصت سارة على أن تلغي كثيراً من عادات المجتمع اللبناني من سهولة تكوين الصداقات العامة أقصد تجاه الرجال فاقتصرت معارفها على النساء فقط ، ما عدا الأشخاص الذين تربطهم بنا علاقات صداقة أسرية ، وقد فعلت ذلك دون أي توجيه مني بل من قناعتها ومعرفتها بمجتمعنا الخليجي المحافظ .

لم تكن سارة بعيدة عن دينها المسيحي بل كانت متمسكة به ، لكنها لا تحاول أن تضع أي رمز ديني أمامي بل كانت تحتفظ بتلك الرموز في أدراجها حفاظاً على مشاعري ومشاعر صديقاتها المسلمات اللاتي كن يزرنها في المنزل باستمرار ، بل كنت أستغرب منها للباقتها في ذلك الجانب ولحفظها الوقار والاحترام للدين الاسلامي ، حتى إني شككت أنها أسلمت ، لكن عندما سألتها قالت إنها تعتز بديمها المسيجي وتعتز أنها متزوجة من مسلم يعتز بدينه .

من جانبي كنت حريصاً على مشاعرها الدينية لكن ذلك لم يمنعنا من النقاش في بعض الجوانب التي تلامس حياتنا وما يجب أن نلتزم به في الدين من قبلي وقبلها ، فكنا نتناغم في أمور كثيرة وحتى إن وجد موضع اختلاف لم نقف عنده بل كنا نتجاوزه دون كثير نقاش أو جدل ، وسارت حياتنا على هذا النسق دون مشاكل ودون خلافات مؤثرة .

زارتنا والدة سارة في ذلك العام مرتين وكانت سعيدة في فترة تواجدها معنا ، بل شعرت أنها لا تحمل أي ضيق من كوني مسلماً ، أما والد سارة فلم يزرنا نهائياً ، وصادف في ذلك العام وجوده في مؤتمر مالي في الدوحة فدعته سارة لمنزلنا فلم يحضر فتضايقت كثيراً ، تحدثت معي في الموضوع ، فأقنعتها بعد جدل طويل أن تزوره في الفندق وتقضي بعض الوقت معه ، وقد فعلت ذلك وعادت وهي مرتاحة النفس إلا أنها كانت تحمل في نفسها شيئاً من الضيق تجاه والدها ، انعكس على تصرفها حين زارت بيروت فلم تذهب في اليومين الأولين لمنزل والدها ، لكنها راجعت نفسها بعد ذلك وذهبت إليه .

سارة

     لم تكن سعادتي بالمنزل ولا بالمال الذي كان خالد يعطيني إياه دون حاجة ، ودون طلب مني ، بل كانت سعادتي به أكبر من كل شيء وكذلك المجتمع الذي عشت فيه قبل أن أتزوج اكتشفت أنه مختلف كثيراً عندما اقتربت منه فرأيته من الداخل وكونت صداقات لا تعد ولا تحصى مع سيدات مجتمع وربات بيوت آنسات وسيدات ، أعجبني نمط الحياة القطرية ، فرغم أنه مجتمع يوصف دائماً بأنه مجتمع مغلق ، إلا أنه مجتمع مغرٍ يثير من يعيش فيه ويستهويه وقد استهواني بالفعل فأصبحت صداقاتي الكثيرة صداقات قوية ، وأصبحن لا يتركن لي مجالاً لكي أفارقهن فتعددت الدعوات وتعددت الزيارات حتى خفت أن يشغلوني عن خالد إلا أني لم ألحظ أي ضيق منه حين أكون عند صديقاتي أو أخرج معهن لأي مكان ما دمت أحافظ على أعراف البلد وتقاليده .

حاولت أن أرتدي الزي الخليجي وارتديته بالفعل لكن لم أجد نفسي فيه ، فتركته ولم يشر علي خالد بلبسه ، ولم يعارض حين تركته ، بل تركني أجرب ما أريد وكذلك فعل في كل شيء كنت أطرحه عليه أو أطلبه منه كان لطيفاً معي حتى في جانب الدين فحين يراني متضايقة من أمر يطلب مني أن أزور الكنيسة لأرتاح نفسياً ، وكان يضحكني بطلبه لأني كنت أظن أنه حين نتزوج سيقربني خالد بأي شكل من الأشكال للإسلام ، أو سيعرض علي أن أسلم ، فوجدته يأمرني أن أذهب للكنيسة رغم أني كنت أتهكم عليه حين يطلب مني هذا الأمر إلا أني كنت سعيدة بكلامه وبتصرفه في هذا الجانب الحساس في حياتي ، وكذلك عندما أناقشه في أمر ديني يناقشني بلطف واستغربت معرفته الجيدة بالدين المسيحي ومعتقداته .

كانت حياة الترف التي وضعني فيها خالد حياة ملكية بكل المقاييس من كوكبة الخدم في المنزل والسائقين والسيارات التي أركبها والهدايا الثمينة التي يهديني إياها مع كل صفقه أو كل رحلة يقوم بها حتى عندما كنا نذهب للبنان ، كان يحرص أن يكون البريستيج الذي أحظى به هناك لا يقل عن الدوحة أي أنه عاملني كأميرة ، وكان كل ما يهمني من ذلك هو نفسه فشغفه بي وشوقه لي لم يتأثرا بوجودنا باستمرار معاً بل أشعر أن تعلقي به وتعلقه بي قد زادا كثيراً ولذته التي أشعر بها وهو يحتضنني لم تتغير وقبلاته لازالت متهورة كما هي في السابق ، ولا زلت لا أستطيع مقاومته حتى الآن .

كنت أحرص رغم كل مشاغل خالد وعلاقاتي التي أصبحت متشعبة أن تكون لنا لحظاتنا الحميمة التي تجمعنا فنسترجع الماض الجميل ، ونقطف ثمار الحب الذي جمعنا في منزل واحد كان الليل دنيانا المشتركة ، فيه نجلس نتحدث نضحك نلعب ، تركته يحبني بكل الطرق التي يريدها وتركني أحبه بكل الطرق التي أريدها لم يبخل أحدنا على الآخر ولم يمنع أحدنا الآخر من شيء يريده فكنا متحابين متفاهمين منسجمين لأبعد الحدود .

أردت أن أكون أنا ولا أحد غيري في قلبه فكنت أضع له ما يحب وأفكر فيما يسعده كما يفعل هو معي أحرص على إثارته واستمالته أحرص على أن أكون جميلة دائماً في نظره جميلة بما يحب مني وما يشتهي أضعه دائماً في المقام الأول ويضعني في المقام الأول ، كلما فكرت في شيء يسعده أجده قد فكر في شيء يسعدني به ، كان يحاول كل منا أن يسبق الآخر بما يفعل وما يقدم لكننا كنا نلتقي في نقطة مشتركة تجمعنا بكل الحب وكل الشوق وكل الود .

مرت السنة سريعة ، لم أشعر بأيامها وهي تنقضي ولم أشبع من خالد رغم وجودي معه لم يترك نظرته المتأملة التي ينظر لي بها نظرة البحث عن البراءة ، كما يقول : نظرة البحث عن سارة الطفلة المطيعة فأسأله هل أنا مطيعة ؟ فيقترب مني ويقبلني بعنف فلا أمنعه مما يفعل ، فيقول : ألستِ مطيعه ، يحمر وجهي خجلاً فيعيد الكرة من جديد فلا أمنعه وكيف لي أن أمنعه من قلبي وهو له ؟ كيف لي أن أكون عنيفة أو قاسية أو جاحدة أو متجاهلة له وأنا أقر أني بكاملي له وحده ؟ يملكني فيترفق بي ويمنحني حبه  وقلبه وعمره وأحلامه وأمانيه برضا دون أن يبدي أي ضيق أو تأفف أو ملل ، كيف لي أن أمل الحياة معه وهو الذي جعلني أشعر بقيمتي كامرأة ؟ ولا أقصد المرأة بجسدها بل بمشاعرها وقلبها وشكوكها وظنونها نعم كان يحرص على إرضائي نفسياً ولا يمس نفسي إلا بما يرضيها ويسعدها .

كان عملي على الهامش في هذه السنة إلا أن كثرة معارفي وعلاقاتي الاجتماعية الجديدة ، تفاعلت مع عملي التجاري بشكل ملحوظ فهذه الدولة تعتمد على العلاقات في أغلب تعاملاتها التجارية حتى الصغيرة منها ، ربما لأنهم يحبون التعامل بود ولطف ويجدون ذلك في علاقاتهم الاجتماعية ويتحدثون عما اشتروه وما أعجبهم ، فلبيت كثيراً من الرغبات التي عرفتها في جلساتهم وكانت أعمالي ناجحة رغم أني لم أسافر إلا مرة واحدة خلال هذه السنة وقد وكلت إحدى العاملات للسفر في طلب بعض الأمور مع متابعة دقيقة لعملها ، فأدت عملها بنجاح .

مع انقضاء السنة الأولى ثارت مسألة مهمة لدي ومهمة لخالد أيضاً ، وقد أثارت هذه المشكلة والدتي حين سألتني متى ستنجبين لنا طفلاً ، كانت تلك البذرة التي زرعتها في أفكاري فسألت نفسي لم ، لم يتم الحمل ؟ رغم أني لم أتعاط أي موانع ،  فلماذا لم يتم الحمل حتى الآن ؟ وما جعلني أحذر قبل طرح الموضوع مع خالد خوفي من أن أكون عقيماً فقد تزوجت مرتين ولم أرزق بطفل ولم يحصل حمل خصوصاً في زواجي الأول الذي كان يلح فيه زوجي على رغبته في وجود طفل أما في زواجي الثاني فأنا من أراد أن لا ينجب وقد تفاهمت مع أنطون في ذلك لكن الأمر مختلف مع خالد فقد عشنا حياتنا بلا تفكير في هذا الموضوع وإن دعا لنا أحد بأن نرزق بطفل نظرنا لبعضنا وضحكنا .

ذهبت لأحد الأطباء المختصين وأجريت الفحوصات فكانت الأمور شبه عادية ، إلا من بعض المشاكل البسيطة التي تصيب النساء ، فأعطاني بعض الأدوية والمنشطات التي أخذتها بعناية ثم أعدت الفحص من جديد ، وحين قابلت الطبيب مجدداً أخبرني أن النتائج جيدة لكنه أشار علي بأن أذهب أنا وزوجي لأحد المستشفيات المختصة فربما احتجنا لتحاليل وأشعة لا يمكن أجرائها لديه في العيادة ، لم أفتح الموضوع مع خالد ، ولم أخبره بأني ذهبت للطبيب لهذا الأمر ، وبقي هذا الأمر في بالي يذهب ويعود وأصبح يشغلني لأني أتمنى أن أرزق بطفل يكون تاج حبي فأحقق لزوجي سعادته الكاملة في بيته بوجود زوجة تحبه وطفل يشغل حياته وكانت مشكلتي التي أفكر فيها كثيراً كيف أخبره برغبتي الجامحة في وجود طفل ، وبما أن تحاليلي كلها سليمة خفت أن يكون الخلل من خالد وخفت أن أجرحه بما سأطلب منه .

لم يطل الأمر بي كثيراً ففاتحت خالد في مسألة الإنجاب واقترحت عليه أن أذهب لطبيب ، فأشار علي بطبيب له سمعه طيبة في مجال الحمل والولادة في أحد العيادات المختصة ففعلت ما قال ، قابلت الطبيب وأجريت فحوصات أخرى وكانت النتائج سليمة كما أخبرني الطبيب ، سألني حينها : زوجك لبناني  ؟ فأخبرته بأن زوجي قطري وقلت أسمه ، لم أفاجئ أن الطبيب يعرفه ، فخالد رجل معروف ، شدد علي الطبيب أن يزوره زوجي لكي يجري بعض الفحوصات فربما تكون لديه بعض المشاكل .

خالد

     انتصفت السنة الثانية من زواجنا ولا زلنا سعداء لا يشغلنا شيء سوى الحب إلا أن سارة البارحة فتحت مسألة الأطفال فقالت لي : إنها ستراجع طبيباً لتعرف ما سبب تأخر الحمل ؟ لم أعارضها فأنا أيضاً أرغب في أن أكون أباً وربما أنساني حبي لها هذه المسألة ، فلم أتطرق إليها ، وربما استرجعت حياة زوجتي السابقة التي كانت مهتمة بمسألة الإنجاب وذهبت لأكثر من طبيبة وطبيب وأخذت عدداً لا يحصى من الأدوية ، ولكنها لم تفلح في ذلك بل إن حالتها الصحية تدهورت وتوفت بعد ذلك فجعلني هذا الأمر لا أتطرق لقضية الأطفال ولا أوليها الكثير من الاهتمام بل حين أفكر في المسألة أتركها لتقدير الله عز وجل ، فأنا مؤمن بقدره ، أشرت على سارة أن تذهب لطبيب له خبرة جيده فوافقتنِ على ما طلبت .

عادت سارة من عند الطبيب وفي اليوم التالي بعد أن عرفت نتائج التحاليل ، أخبرتني أنها في حالة صحية ممتازة ولا يوجد بها أي خلل هرموني ولا عضوي يمنعها من الحمل سررت بما سمعت منها وسألتني : لماذا لم يتم الحمل إذاً ؟ ربما يكون السؤال عادياً منها لكني وجدت فيه علامات استفهام كبيرة تضعها سارة أمامي ، فلم أنتظر أن تطلب مني أن أذهب للطبيب الذي راجعته وذهبت له ربما تأخرت لبضعة أيام لأرى هل ستسألني سارة عن الموضوع أم لا ؟ لكنها لم تسألني ، وبقي السؤال موجوداً في عينها  دون أن تتلفظ به .

كان الاستشاري الذي راجعته سارة طبيباً معروفاً ، وهو كبير في السن وله خبرة واسعة في ذلك المجال ، وقد زرته أكثر من مرة مع زوجتي السابقة ، فتكونت بيني وبينه علاقة طيبة ، وحين قابلته رحب بي ، ولم يطلب مني أن أجري أي تحليل أو فحص بل جلس معي وشرح لي أسباب عديدة لتأخر الحمل وطلب مني أن أذهب في إجازة مع زوجتي ، لأبتعد عن توتر العمل وأعطاني بعض الأدوية وعندما صرفتها من الصيدلية وجدت أنها بروتينات ومنشطات جنسية ، فعدت له وبينت له أني لا أعاني من أي خلل أو ضعف في هذا الجانب فأقنعني بضرورة الاستمرار بتناول تلك الأدوية للتنشيط لا أكثر وقال : استمتع وهو يضحك .

سافرت مع سارة لمدة أسبوع قضينا أغلب وقتنا في الفراش فما أعطاني إياه الطبيب سبب لي حالة من الهيجان الجنسي حتى أني توقفت عن تناول الأدوية ، ولم تتوقف رغبتي في ممارسة الحب مع سارة التي لم أجد منها أي ممانعة وعرفت أن ما يدفعها لذلك الجنون ليس رغبتها في الممارسة ، بل رغبتها في أن ترزق بطفل ولا أدري لماذا هي مستعجلة على ذلك فنحن لا زلنا شباباً وأمامنا الوقت الكافي لذلك .

عدنا للدوحة بعد أسبوع وبعد عودتنا بعدة أيام  وجدت سارة تبكي ، فسألتها ما المسألة ؟ فأخبرتني أنها ليست حامل فأخبرتها أن الأمر ليس بهذه الأهمية هدأت من روعها فطلبت مني أن أراجع الطبيب في الغد ، فلبيت رغبتها وذهبت للطبيب سألني حينها عن رحلتي مع سارة ؟ فأخبرته بأنها أجرت اختبار حمل البارحة وكانت النتيجة سلبية ، ابتسم طلبت من الدكتور أن أجري فحوصات للتأكد من سلامتي في هذا الجانب فعبأ لي نماذج الفحص وأشار إلى موقع المختبر . أجريت الفحوصات اللازمة وعدت للطبيب بعد يومين ، ساورني شك بأن تكون اختباراتي غير سليمة أو أن أكون عقيماً لكن كل الشكوك والظنون تبددت حين نظر الطبيب لفحوصاتي وقال : أني أتمتع بصحة جيدة جداً ولا أعاني من أي مشاكل في هذا الجاني .

هممت بالمغادرة ، إلا أن الطبيب استوقفني وطلب مني الجلوس ليتحدث معي ، استغربت طلبه لكني نفذت ما أراد بدأ حديثه بطرح بعض المشاكل الناتجة عن العقم فطلبت منه أن يدخل في الموضوع دون مقدمات ، لأني فهمت أنه يريد أن يبلغني شيئاً لا أعرفه وكان ظني سليماً فقال : جاءتني السيدة / سارة حرمك وأخبرتني بتأخر الإنجاب لديها وطلبت أن تجري فحوصات لتعرف سبب تأخر الحمل وقد حددت لها كل الفحوصات اللازمة لذلك ، وجاءت نتائج الفحوصات لتشير بأن زوجتك تعاني من ضمور وضعف حاد في المبايض ، وهذه الحالة تجعل الحمل صعباً للغاية ، وإن حصل يكون الحمل ضعيفاً جداً ولا يثبت في الرحم .

قد رأيت رغبة زوجتك الجامحة لطفل تحمله بين يديها فسألتها هل زوجك يصر أن تنجبي له في الوقت الحالي ؟ فأجابت بأنك لا تفكر ولا تطرح الموضوع من الأساس فأخفيت عنها تلك النتائج وأعطيتها بعض البروتينات ، ولعلمي بأنها ستبحث عن السبب فطلبت منها أن تراجعني لإجراء فحوصات الخصوبة ولم ألحظ اهتمامك بالأمر فأعطيتك بعض الأدوية المنشطة لأني أذكر جيداً أني أجريت لك فحوصات سابقة وكنت لا تعاني من أي مشكلة .

سألته : لماذا لم تخبر سارة بحالتها ؟ فقال : خفت أن تصدم وقد رأيتها مهتمة جداً بهذا الموضوع فسألته لماذا لم تخبرني في المرة السابقة ؟ فقال : يا بني لقد مرت بي حالات كثيرة ومشاكل كثيرة من مثل هذه المواضيع ، فأردت أن أتثبت من الموضوع وقد أرسلت التقارير الخاصة بها في تلك الفترة لمركز متخصص في تلك الحالات وجاء ردهم منذ أيام فقط ، سكت الطبيب عند هذا الحد فسألته : هل هناك ما يخيف في التقارير ، فقال : لا يوجد ما يثير الخوف في حالة زوجتك الصحية ، ولكن الحمل صعب جداً في هذه الحالات وغير مستقر إن وقع فالضمور في المبايض لدى السيدة / سارة ناتج عن تشوه خلقي ، أي أن المبايض لم تكن نشطة من الأساس وتصعب المعالجة أو تستحيل في مثل هذه الحالات ، سألته ما العمل ؟ فقال : اهتم بصحتها النفسية إن أخبرتها بما سمعت فربما يكون النبأ صادم لها ، استأذنت منه وأنا من أصابتني الصدمة لما سمعت .

نعم أريد طفالاً وأرغب في ذلك لكن وجود سارة في حياتي أمر أساسي لا أستطيع أن أستغني عنه ورغم أني لم أفكر في هذا الموضوع بجدية ، إلا أن الخبر كان صادماً لي ، والمشكلة ليس أنا بل سارة ، كيف ستتقبل الموضوع ؟ وكيف سأخبرها بما سمعت من الطبيب ؟ فكرت في سيناريوهات كثيرة واستقر رأيي على أحدهم وهو أن أذهب مع سارة في إجازة تعيد ذكرياتنا السابقة ثم نذهب لإحدى المستشفيات المتخصصة في أوربا لإجراء فحوصات جديدة فربما تكون تلك الفحوصات التي أجرتها دقيقة بشكل كاف .

لم أعد للشركة في ذلك اليوم بل اتصلت بسارة ، وطلبت منها أن تتجهز لنخرج سوياً ومررت بها فرافقتني سألتني عن ما أخبرني به الطبيب فقلت لها أنا وأنتِ نتمتع صحة جيدة ومسألة الحمل مسألة وقت ، فقط سكتت سارة وأظنها لم تقتنع بما سمعت لكنها سايرتني فيما أقول ولم أفاتحها في نيتي أن نسافر لأوروبا لكي لا أثير شكوكها ، كنت أعرف أنها سترجع في الغد لتسأل الطبيب لذا طلبت منه أن لا يخبر ها بنتائج الفحوصات فوعدني بذلك .

بدأت أحدث سارة في الأيام التالية عن رغبتي في إجازة طويلة نقضيها معاً فلم تمانع ، وطلبت مني أن نذهب لبيروت لم أستطع أن أمنعها مما تريد ، لكن طلبت منها أن تكون زيارتنا لبيروت قصيرة لمدة ثلاثة أيام نتوجه بعدها لليونان لنعيد ذكريات أيام زواجنا الأولى فلم تمانع ، ولم أخبرها بأن وجهتنا بعد ذلك ستكون بريطانيا لإجراء فحوصات طبية هناك ، بل تركت هذا الأمر حتى يبدو وكأنه أمر ناتج عن اتفاق بيننا في حال تناقشنا في موضوع الإنجاب ، كنت مهتماً بأن لا تشعر بأي شيء يؤثر على حالتها النفسية .

سارة

      لقد عدنا من السفر منذ أقل من شهر ، لماذا إذاً يريد خالد أن نسافر مجدداً ؟ أعرف أن لديه ضغط عمل متواصل في هذا الوقت من العام وأن سفره لا يكون أمراً سهلاً ، وإن كان ذلك تكون رحلته ليوم أو يومين لا أكثر لكنه يتحدث عن إجازة طويلة نقضيها معاً في أوربا هو يعرف مدى صعوبة الجو في هذا الوقت من العام هناك فنحن في شهر يناير ، أي أن أوربا مليئة بالثلوج ، حيرني فيما طرح لكني لم أستطع أن أرفض طلبه فأن نكون سوياً دون ما يشغلنا شيء ، أمر ممتع أرغب فيه بشده .

غادرنا إلى بيروت وقضينا الأيام الثلاثة في منزل والدي ، لم يعارض خالد رغبتي في ذلك رغم أني أعرف أنه يتضايق من تصرفات والدي تجاهه لكنه لم يعترض ولم يبدِ حتى مجرد رأي يخالف رأيي ، وأحمد الرب بأن والدي كان لطيفاً معه هذه المرة بل وجدته يتعامل معه بلطف بالغ ، أما والدتي فكانت قريبة جداً منه وكان حديثهم متواصلاً ومشوقاً في أغلب الأحيان حتى أننا كنا نصحبها معنا في بعض الأحيان ، أراحني تصرف خالد اللبق مع والدي ، وأراحني كثيراً تصرف والدي اللطيف مع خالد ، وددت أن يطول بقائنا في بيروت ، لأتمكن من زيارة طبيب فرفض خالد ذلك الأمر وقال لو أردتِ ذلك في نهاية رحلتنا سنجري الفحوصات والتحاليل في أوربا .

أثار كلامه الشك في نفسي ، لكني تذكرت كلام الطبيب الذي سألته في الدوحة ، عندما أنهى خالد فحوصاته هناك ، وقد أقسم لي حينها أن خالد لا يعاني من أي شيء يعوق حدوث الحمل ، لكن تصرفات خالد مثيرة للريبة في هذه الأوقات فهو لا يعارضني في شيء ولا يطلب مني أي شيء ويحاول إسعادي بشكل يثير الريبة ، إلا حين أحدثه في مسألة الإنجاب فيتغير وجهه وينفعل بشكل يثير الاستغراب ، رأيت أن لا أثيره في هذا الجانب فلعل الطبيب أخبره بشيء يعاني منه لا يريدني أن أعرفه ، لكن المسألة لا تتعلق به وحده ولا تمسه وحده فهذه رغبتي وإرادتي التي لا يحق له أن يمنعني منها كما أني أعرف أن خالد صريح في كل جوانب حياته ولم أره غامضاً مثل هذه الأيام التي أشعر أني لا أفهم كثير من تصرفاته .

غادرنا لليونان حجز في نفس الفندق الذي قضينا فيه الأيام الأولى لزواجنا ، وكانت رحلتنا ممتعة بكل المقاييس ، رأيت خالد الذي أحبه ببنطلونه “الجينز” خالد المتواضع الذي كنت أهيم به ، صحبني لكل مكان للأزقة والشوارع الضيقة والمقاهي الصغيرة ، وأكلنا على الرصيف ، كنت مشتاقة لمثل هذه التصرفات المجنونة المتهورة التي تنسيني اهتمامي بكل شيء سوى خالد ، ولم يبخل علي خالد لا بوقته ولا عواطفه بل غمرني بالحب الأمر الذي جعلني حريصة على إسعاده وإرضائه لأبعد الحدود ، وقد استمر هذا الوضع عندما غادرنا لسويسرا ، وشاهدنا تجمد البحيرات وفرنسا وهدوءها في يناير وقد تحدثت معه هناك عن موضوع الإنجاب فقال إنه يعرف مركزاً متخصصاً في تلك المسائل في بريطانيا ، وأننا يمكننا أن نذهب ونعيد الفحوصات ، ونستمع لاستشارة الأطباء هناك كنت سعيدة بما قاله واستعجلته في الذهاب لبريطانيا فوافقنِ على ذلك .

ذهبنا إلى بريطانيا ، وفي اليوم التالي راجعنا الطبيب ، وبدأنا إجراء الفحوصات اللازمة وانتظرنا ليومين ، لكي نـحـصل على النتائج بعدها عدنا للطبيب الذي تحدث مع خالد أولاً وأخبره بأن كل فحوصاته سليمة ، وأنه لا يعاني من أي مشاكل ، ثم تحدث معي وأخبرني أني أعاني ضموراً وضعفاً حاداً في المبايض يجعل الحمل شبه مستحيل ، لم أستطع الحديث وأنا عند الطبيب من قوة الصدمة فأخذت أبكي بانفعال هدأ خالد من روعي وأخذ يتناقش مع الطبيب بشكل مستفيض ، لكن كلامه لم يتغير ، خرجنا من هناك مباشرة لمكتب سفريات وغادرنا لألمانيا وأعدنا تلك الفحوصات والتحاليل ، وقابلنا أكبر الأطباء فكان حديثهم متطابقاً مع ما قاله الطبيب البريطاني كنت منهارة في ذلك الوقت وعرفت من خالد أنه يعلم بما أعانيه ولم يخبرني بل أراد أن أكون في حالة نفسية تساعدني على تقبل الصدمة ، غضبت منه حينها ، لكني عدت إليه وقد زاد حبي له أكثر من السابق ، فأن يعرف رجل أن زوجته عاقر ويحاول أن يرضيها ويخفف عنها ، أمر لا يستطيع فعله الكثير من الرجال .

طلبت من خالد أن نعود لبيروت وطلبت منه أن أبقى هناك لوحدي لوقت أطول ، فبقي معي يومين ، ثم تركني عائداً للدوحة ، أردت أن أبقى في بيروت بجوار والدتي أردت أن أبتعد عن خالد قليلاً لأعرف مدى قدرتي على فراقه وبعده فلا يمكنني أن أقابل تضحياته التي فعلها لأجلي بجحود وحرمانه من أن يكون له طفل يلاعبه ويلاطفه ويغمره بحبه وعنايته ، كان خالد هاجسي الوحيد ما الذي سيفعله بعد أن تأكد من عقم زوجته ، هل سيتركني أم سيفعل ما أحل له في الشرع الإسلامي بأن يتزوج من ثانية ، شعرت بالاختناق وأنا أفكر في هذا الموضوع فكيف لي أن أعرف أن خالد سينام في حضن امرأة أخرى ، تناقشت مع والدتي كثيراً في هذا الأمر كانت تدافع عن خالد بشكل يستثيرني أحياناً ويجعلني أشعر بأنني زوجة ابنها .

بقيت في بيروت لمدة أسبوعين لم ينقطع اتصال خالد بي في تلك الفترة بل كان يحدثني في كل وقت يستطيع أن يتحدث معي فيه ولم أكلمه فيما ينوي أن يفعل بعد ما عرف أني عقيم وأجلت ذلك لحين عودتي للدوحة ، فهذا الأمر مهم بالنسبة لي ، فلا يجوز في شرعي المسيحي أن أكون متزوجة من رجل له أكثر من زوجة فإن أراد خالد أن يتزوج فهذا من حقه لكنه بذلك يقرر انفصالنا للأبد وإن فعل ذلك فلا ألومه ، فهذا حقه الذي يجب أن يناله حتى وإن بقي معي فما المدة التي سيتحملها من أجلي قبل أن يغير رأيه في وجودي معه قبل الارتباط بغيري ، وإن تمسك ببقائي معه فلم أظلمه  وأحرمه من أن يكون له أبناء ولو من امرأة أخرى.

كل هذه الأسئلة تحيرني وتوصلني لمرحلة الجنون لأن كل ما جرى بيني وبين هذا الرجل لم يكن في يوم ولا يومين بل في سنين سعى كل منا للآخر وقدم كل منا ما يملك لإسعاد الآخر فكيف ينهار كل شيء في أيام ، وإن انفصلت عنه ما الذي يكون عليه حالي بعده ؟ لقد تعبت عندما كنت حبيبته وتركته حتى كدت أصاب بالجنون فكيف لي أن أتركه وهو الآن زوجي وحبيبي ، كيف أستطيع أن أتحمل ما سيصيبني وما سيصيبه بسببي ؟ والأمر الذي يشغلني أكثر وأخاف منه أن يضحي خالد برغبته في الأبناء من أجلي فأكون أنا المسؤولة أمام الله وأمام نفسي وأمام الناس عن السبب .

خالد

     لم ينفع كل ما فعلته لأخفف عنها الصدمة فإجازتي الطويلة التي صحبتها فيها ، وكل ما فعلته لإسعادها ، قبل أن نزور المستشفى في بريطانيا ، لم تنفع في تخفيف حدة الصدمة التي أصيبت بها عندما سمعت حديث الطبيب عن حالتها لقد توقفت عن الأكل تماماً حتى خفت عليها من الموت فأقنعتها بعد عناء أن نذهب لمستشفى آخر في ألمانيا ربما تكون التحاليل هناك أدق والحلول ممكنه لكننا لم نسمع إلا ما سمعناه سابقاً ، إلا أنها تقبلت الصدمة في المرة الثانية بقدر كبير من الحزن والبكاء المتواصل ، لكن حالتها كانت أخف مما كانت عليه في بريطانيا .

طلبت مني أن تعود لبيروت وتبقى هناك لفترة تستريح فيها من العمل ، كنت أعرف أنها تريد الابتعاد عني فترة من الوقت لتفكر ، لم أخبرها بما استنتجت بل أخذتها لبيروت وبقيت معها ليومين لاحظت أنها تريد أن تبقى وحدها ، فغادرت للدوحة وبقيت هناك ، ولم تحاول أن تتصل بي حتى حدثتها ، لا ألومها فما أصابها أعتبره مصيبة تهز كيان أي إنسان وقد أصاب ما جرى علاقتنا الزوجية في مقتل ، إن جاز التعبير ،فمن واقع معرفتي بسارة أستطيع أن أقول إنها ستراجع علاقتنا مراجعة دقيقة وما سيترتب علي وعليها جراء ما عرفنا وأنها لن تقبل أن تكون السبب في حرماني من الأبناء لمجرد رغبتي في البقاء معها .

كنت أتصل بها دائماً مرة ومرتين أو أكثر كل يوم وأتحدث معها حتى أرى أنها لا ترغب في الحديث معي فأستأذن وأنهي المكالمة ، بدا التغير واضحاً في نفسيتها وبدأت أرى ملامح قرارها الذي تريد اتخاذه وهي تعرف أني لن أتخلى عنها ولن أتركها تواجه الأمر بمفردها لأني لم أفكر في الأطفال في الوقت الحالي ولم أطلب منها الإنجاب ولا حتى أن تراجع طبيباً لتعرف المشكلة ، كنت مقتنعاً فقط بأنها معي تحبني هذا هو همي الأكبر أما الآن فهمي الأكبر أن لا تتهور سارة وتفعل ما يدمر حياتنا لمجرد أنها تفكر في إسعادي لكنها نسيت أن سعادتي الكبرى كان وجودها معي وارتباطها بي .

بقيت سارة أسبوعين في لبنان كنت خلالها لا آتي إلى المنزل إلا للنوم ، فلا أرى في المنزل شيئاً مريحاً وهي بعيدة عنه ثم عادت للدوحة يلفها الحزن وأصبح مزاجها متقلباً جداً تثور لأتفه الأسباب وتغضب كالأطفال وتبكي دون سبب ، لم أكن أنا سبب ما أراه منها بمزاج حسن لكن تقبلت كل تصرفاتها لمعرفتي أسبابه .

تقبلت أن تصرخ في وجهي وأن تتشاجر معي وأن ترفض أي طلب أطلبه منها ولم يفلح تدخل نورا في الموضوع بل رأيتها تتجنب التدخل بيني وبين سارة بقيت على هذا الشكل قرابة الثلاثة أشهر بعدها تحدثت مع والدتها لكي تأتي إلى الدوحة وتبقى معها ، وفعلت ما طلبت منها وجاءت وحصل أن ثارت سارة في وجهي لسبب تافه ، فسكت ولم أرد على استفزازها فلم يهدأ ذلك من غضبها بل علا صوتها أكثر فقامت والدتها وصفعتها على وجهها ، انهارت بعدها وأخذت تبكي بشكل هستيري وتركتنا وذهبت لغرفتها ، ولم تنزل في تلك الليلة ، طلبت من والدتها أن تترفق بها وتتقبل تصرفاتها .

جاءتني سارة في اليوم التالي واعتذرت مني وبكت كثيراً بكت وقالت لي ما لم تقله من قبل قالت : كيف لي أن أهدأ وأنا أعرف أن علاقتنا أصبحت في حكم المنتهية ؟ سكت ولم أقل شيئاً فقالت : ألم تقرر بعد متى ستتركني ؟ ضممتها بكل ما أملك من قوة وهمست في أذنها : لماذا نستعجل الأمور لنتركها تسير لنرى ما ستصل إليه ، فقالت : لمتى سنصبر ؟ فقلت لها : أرجوك لا تحرميني منك لسبب لم أهتم له حتى الآن ولم أطالبك به ، عادت للبكاء من جديد لكنها سكنت إلي وبقت بجواري طوال اليوم لم تفارقني ، ومع مرور الوقت  بدأت حالتها النفسية تستقر حتى عادت لحالتها الطبيعية ، عادت لي سارة التي أحب .

لكن بقي الهاجس الأكبر كما قالت سارة : متى ؟ متى سننفصل ؟ نعم هذا هو السؤال الذي جعلني أفكر بشكل كنت أستبعده ولا يمر ببالي إلا نادراً ودون اهتمام كبير ، فالأطفال هبة من الله يحق لكل إنسان أن يسعى لنيلها لكن ربما أراد الله أن يجعلني هكذا بلا أبناء ، لذا كان ارتباطي بسارة قدراً كتب علي ومرضها قدراً كتب عليها وتلاقى قدرانا لكي نبقى سوياً ونـحـيا سوياً .

لماذا فكرت سارة في هذا الموضوع بشكل مغاير ؟ لماذا لم تترك الأمور تسير ببساطتها دون أطفال ؟ كنت لا أفكر في سواها ، يمر ببالي أن أحمل طفلي بين يدي وألهو معه وبجواري سارة نعم أحببت ذلك التفكير ، لأن أمه ستكون سارة لا امرأة غيرها فهي التي اخترت ، وهي التي أحببت من كل قلبي فكيف لي أن أترقب طفلاً من امرأة أخرى أتزوجها لتكون وعاء فقط ؟وعاء تحمل وتنجب لي طفلاً يقول أبي ألن تعيش تلك المرأة في بيتي ؟ وتجلس معي ؟ وتأكل معي ؟ وتنام معي ؟ ألن أظلمها وأنا أحب امرأة غيرها لحد الجنون كيف لي أن أبادلها تلك الهمسات اللطيفة التي تمر على العشاق والأحباب ؟ ربما تترقب من أقترن بها تلك اللحظات الحميمة فلا تجدها وما سيكون شعورها إن عرفت أني متيم بامرأة سواها هل ستقبل العيش معي ؟ أم ستقول لي اتركني وارحل ؟ كما تريد سارة الآن أن تتركني وترحل .

أعود لسارة من جديد فهي تلك المجنونة التي جعلتني أتعلق بها وها هي الآن تحيرني من جديد كما حيرتني في السابق وأظنها ستحيرني في المستقبل أكثر من كلتا المرتين نعم فقد تحدثت مع نورا بعد أن عادت من بيروت لفض الشراكة ، وقد بدأت نورا تلك الإجراءات بعد أن يئست من أن تغير سارة رأيها وتحدثت معي بأن أبيع أنا وسارة نصيبنا في الشركات وقد وافقت ، فلا مجال لدي بأن أدير مشروعاً نسائياً لا أفهم فيه شيئاً ولا أدري كيف أتصرف في شؤونه ؟! كانت نورا سلسة لأبعد الحدود وقد رفعت قيمة المشروع لأعلى درجة حتى أني تناقشت معها في القيمة المفترضة فقالت إن المشروع يساوي قيمته فهو مشروع اكتسب أرضية تجارية قوية فتم الاتفاق وبقيت سارة منذ أن عادت من بيروت في المنزل لا تغادره إلا في أوقات نادرة وقد أرخت الستار على كثير من علاقاتها الاجتماعية وكأنها كانت تجهز للرحيل لكنها عادت لرشدها مرة أخرى عادت لتوقظ في نفسي كل التساؤلات والتناقضات والشكوك والحيرة لما ستكون عليه علاقتنا في المستقبل .

سارة

     عدت للدوحة ونفسي مشحونة بكل الاحتمالات وكل السيناريوهات التي ستؤول إليها علاقتي بخالد وفي قرارة نفسي كنت أترقب متى ستنتهي العلاقة بالطلاق ؟ وكنت أترقب الأمر في ضيق شديد جعلني لا أطيق شيئاً حولي وأصبحت طباعي بسب توتري الشديد حادة ، بل مستفزة ، شعرت بنفسي وحاولت أن أكبت تلك الأفكار التي تهيج نفسي وتثير غضها دون فائدة ففي نظري كل شيء محسوم والآتي هو نقطة النهاية .

كنت مخطئة فقد فكرت وحدي وقررت وحدي ونسيت أن هناك شريكاً في حياتي تربطني معه علاقة حب ورباط مقدس متمثل في الزواج ، نسيت ذلك الأمر رغم أني كنت أفكر في مصلحته وكيف يجب أن يسعد بأبنائه في المستقبل ؟ ولم أتوقع صبره الطويل الذي كان يثير أعصابي في أغلب الأحيان فأقول لنفسي غداً يتخلى عن رباطة جأشه ويبوح بما في نفسه ويقول لي يجب أن ننفصل ، لكن كل ذلك كان خطأ اقترفته في حقه ، كان صبره نابعاً من حبه لي ورغبته في أن أبقى معه .

يقتلني الشعور كل مرة أكتشف فيها أن خالد يحبني أكثر مما أحبه فألوم نفسي على كل مرة ثرت في وجهه و تجاهلته أو عاملته معاملة فظة لا تليق بشخص يعاملني بكل الحب والاحترام ويراعي مشاعري لأبعد الحدود ، وعندما ثرت في وجهه في وجود والدتي لم تتحمل هي أسلوبي المستفز فصفعتني وكانت هذه أول مرة تصفعني فيها والدتي على وجهي في حياتي كلها ، بكيت كثيراً لكني سألت نفسي بعدها إذا كانت والدتي لم تتحمل أن تراني أصرخ في وجه زوجي مرة واحدة فكيف تحمل خالد أن أثور في وجهه وأتجاهله لثلاثة شهور متواصلة دون أن أعطيه ولو قدراً قليلاً من الحب الذي ينتظره مني ؟ .

ذهبت إليه وأنا خجلة مما فعلت فكل مرة أكتشف أني ارتكبت حماقة في حقه أكتشف مدى رجاحة عقله وطول صبره سألته متى سنفترق ؟ فلم يجبني الإجابة الشافية التي انتظرها لكنه قال كلاماً صائباً فطلب مني أن نبقى سوياً لنرى قدرنا دون أن نتضايق أو نقرر أمرنا باستعجال ، وله الحق فيم قال لماذا أستعجل القدر وأطلب الرحيل ؟ لماذا أنا التي تثير الأمور المزعجة في حياة خالد باستمرار ؟ لماذا لا أمنحه الحب الذي يريد مني ؟ فهو لم يطلب سواه ولم يسع لغيره لكن فضولي وحيرتي تسوقني نـحـو الجنون أحياناً فكل مرة أطرح فيها السؤال أعرف أني أستثير مشاعره وأحيي رغبته في الأبناء لكني أنساق خلف نفسي وما يدور بها من هواجس .

كان خالد رحيماً متلطفاً معي يعاملني كطفلة إن غضبت ويتوسل إلي لكي يرضيني كما الحبيب ، ويلامس حزني بلطف دون أن يغضبني ، وعندما جاءت والدتي وبقيت معي شهراً في الدوحة كانت تصرخ في وجهي وتقول : حرام عليك ما تفعلينه بالرجل الذي يحبك ، حتى فقدت شعورها وصفعتني ولم تبق بعدها إلا يومين غادرت بعدها لبيروت ، حاولت أن أرضيها قبل أن تسافر ، فلم ترضَ حتى رضي خالد وتحدث معها .

رأيت كيف أجلت أمي خالد واحترمته بسبب ما يفعله من أجلي ورأيت كيف كسب قلبها بما يفعله لابنتها ؟ لكنهم نسوا شيئاً نسوا أني أشعر بالذنب تجاه خالد أشعر بالذنب لدرجة أني أحتقر نفسي فقد ضحى من أجلي ووهبني كل الحب وفي النهاية غفر لي كل ما فعلت وتزوجني ، وها أنا الآن عاجزة أن أمنحه طفلاً يحمل اسمه ويخلد ذكراه ويستمتع بوجوده ، ببكائه ، وضحكه ولعبه ، أشعر بتأنيب الضمير وأنا أفكر في خالد فقد ظلمته أكثر من مرة وهو يغفر لي كل مرة ويصبر على تهوري وجنوني ، لم ينتج هذا التفكير من كرهي له ، لا بل أقسم بكل شيء أنه نبع من حبي له فلماذا يظلم نفسه ويبقى مع امرأة عاقر لا تنجب ؟ يبقى معها فقط لأنه يحبها ويريد أن يحافظ على مشاعرها أعرف أنه ممكن أن يصبر خالد حتى النهاية لا أجزم بذلك لكنه مخلص أعرف مدى إخلاصه في حبي فلمَ لا أجنبه أنا كل هذا العناء والصبر الطويل وأتركه وأرحل ؟ لقد انقطع عملي في التجارة ولم يبق لي في الدوحة سواه .

مر عام على عودتنا من تلك الرحلة المؤلمة التي مررنا بها بالأطباء وعدت لخالد أطرح عليه نفس السؤال : متى سننفصل ؟ أخذني بلطفه وأدبه وغمرني بحبه وحاول أن يقنعني بكل السبل أن الحياة ممكنة بدون أطفال وأن الأمر لم ينتهِ والأمل لا يزال موجوداً لكني لم أتنازل عن سماع إجابته فعقد معي اتفاقاً أن نبدأ العلاج ولا نيأس لعل القدر يمنحنا أمنيتنا فاشترطت عليه شرطاً أن لو فشلت المحاولات تكون هذه هي نهاية علاقتنا الزوجية لكنه لم يوافق على شرطي وقال : لا يجب أن نقرر دون تفكير وقبل أن نعرف النتائج ، دعينا نـحـاول ثم نقرر ما سنفعل .

أرضى دائما بالنهاية التي يحددها لأني أعرف رجاحة عقله ولأني لا أريد أن أجرحه أكثر مما جرحته سابقاً ، يعرف خالد أن قدرنا الانفصال ويعرف أني عازمة على ذلك الأمر ما لم يتم الحمل لكنه يريد أن يطيل الوقت لكي يبقى معي وأنا أموت كل لحظة أرى فيها نظرت الرجاء في عينيه ، يقتلني ذلك الشعور القوي في رغبته في أن يبقى بقربي ويحظى بحبي فليت حبي يمنحه ما يتمنى لكي أوفيه حقه كاملاً ، أجل خالد سفرنا لشهرين كاملين متحججاً بعمله ومشاريعه ، ولم أضايقه ، ولم ألح عليه كثيراً ، لأني أعرف أن الأمر سائر للنهاية المحتومة وأنه متمسك بي لآخر لحظة .

عندما يراني متضايقة يفعل كل شيء ليرضيني حتى أنه كان يأخذني لبيروت في إجازة نهاية الأسبوع ونعود ليجدد ذلك الشعور الجميل الذي كان بيننا ، طلبت منه أكثر من مرة أن أبقى هناك لبعض الوقت لكنه كان يرفض ويصر أن أعود معه للدوحة كان حريصاً أن أبقى بقربه وأن لا أبتعد عنه لكي لا أفكر في حلول مجنونة قال لي هذا الكلام في إحدى المرات فلم أتضايق منه ولم أطلب منه بعدها أن أبقى بعيدة عنه فأنا أيضاً محتاجة لأن أبقى معه لأطول فترة ممكنة قبل أن نفترق للأبد .

خالد

     مجنونة هي مجنونة أقول هذا الكلام ثم أتراجع عنه ، وأقول إنها تحبني ، ولا أستطيع أن أنكر حبها فهي تريد أن تضحي من أجلي وتتركني ، لكي أكون أسرتي الجديدة وأرى أبنائي ، لكنها لا تعرف مدى حبي لها فما أريده منها لا تلبيه لي أي امرأة أخرى على وجه الأرض ، فأنا أريد سارة التي أخذت قلبي وأنستني كل همي وأسعدتني بعد أن يئست من أن أجد السعادة التي أتمناها ، نعم كانت هي نقطة تحول في حياتي تغير بعدها كل شيء للأفضل وتحول كل شيء من التعاسة إلى السعادة والفرح ، وجودها مهم في حياتي هذا ما اكتشفته فبمجرد أن أفكر أننا سننفصل عن بعضنا يصيبني الجنون ، ولا أستطيع أن أبعد ضيقي ولولا خوفي من أن تنتبه لما أنا فيه فتتضايق لصرحت لها بكل ما في قلبي .

يوجد شيء في سارة انكسر وتلاشى تألقها ، وملامحها التي أخذت تتأثر بحزنها كنت ألاحظ كل شيء في وجهها وهو يتحول من الإشراق إلى الذبول ، ذبلت ملامح سارة البريئة وبدت ملامحها التعيسة وانكسرت نفسها المرحة التي كانت ترقص طرباً ولا تستطيع أن تقاوم وجودي معها ، فأصبحت تفعل ما يرضيني كأنه روتين فرض عليها وكأنه عمل يجب أن تؤديه حتى نهايته تغيرت سارة كثيراً ، لكن شيئاً واحداً لم يتغير رغم كل ذلك حبي لها ورغبتي الجامحة في أن تكون معي للأبد أذكرها دائماً بما بيننا من حب لكي لا تنسى أو لكي تراجع قراراتها التي تتخذها دون أن تستشير أحداً .

تسألني بين فترة وفترة متى ؟ وأنا أحاول جهد استطاعتي أن أبقيها معي لأطول فترة ممكنة وأحاول أن أجد الحلول فخاطبت أكبر المستشفيات والمختبرات المتخصصة في مجال العقم والخصوبة ولم تأتني نتيجة تبشر بخير وأن أعلى نسبة وضعوها لكي تنجب سارة لا تتجاوز العشرين بالمئة وفي النهاية عندما سألتني متى ؟ طلبت منها أن نـحـاول ولا نيأس فربما ننجح في مسعانا وافقتني لكن خوفي من أن تفشل كل محاولاتنا ، فتطلب سارة الرحيل كان يؤرقني فحاولت أن أؤخر رحلة العلاج لأطول فترة ممكنة ، ورغم ذلك ، لم أستطع تأجيلها لأكثر من شهرين ثم غادرنا لبيروت ، لنبقى فيها قليلاً ، ونأخذ والدتها معنا في رحلة العلاج المقررة .

بقينا في بيروت لمدة أسبوع ، رفضت أن نتحدث خلالها عن ما سيجري في العلاج وما سيجري بعده ، كانت سارة متفائلة أكثر مني أو ربما أحيت بيروت في نفسها شيئاً من الشجن القديم ، فعادت ترخي رأسها على كتفي حين ترقص معي وعاد لي شيء من سارة التي أحببت ، كانت الذكريات الجميلة تحيط بنا في بيروت من كل جانب حتى ألمنا كنا نتذكره بشيء من الحب ، فلا يضايقنا ولا ينغص علينا تلك اللحظات الحميمة التي عشناها قبل مرحلة العلاج .

بعدها غادرنا بيروت لبريطانيا ، وبدأنا الفحوصات ، وبدأنا معها الخطوات الأولى من العلاج الطويل الذي تقرر لستة أشهر ، كنت أترك سارة أحياناً مع والدتها وأعود لأنهي بعض الأعمال في الدوحة ثم أعود لهم مجدداً كانت مراحل العلاج مملة ، في كثير من الأحيان يفقد الإنسان فيها رغبته في لحظات الحب الحميمة على الفراش ، لأنها لم تكن ليستمتع الحبيب بحبيبته بل ليجرب نتيجة العلاج فتكون الحبيبة كوعاء تجارب نشغلها كل مرة لنرى نتيجة تجاربنا عليها ، ورغم ذلك لم تنجح كل المحاولات التي جربناها في بريطانيا ، وبدأ اليأس يتسلل لنفس سارة وبدأت تطالبني بأن نتوقف عن العلاج ، لكني كنت أرفض طلبها في كل مرة وأقترح عليها حلولاً جديدة .

اقترحت عليها أن نذهب للولايات المتحدة ونجرب العلاج هناك وأخبرتها بأني خاطبت أحد المراكز المتخصصة هناك من قبل وأفادني بأنهم يستخدمون أساليب علاج جديدة للحمل ، وافقتني على مضض ، وافقتني لكي لا تقطع الأمل شعرت بذلك الشعور وهو يسري في ملامحها وهي تحدثني وشعورها بأني متمسك بها لآخر لحظة وآخر أمل يبقينا سوياً ، ذهبنا لأمريكا وأخذنا كل الفحوصات والتحاليل ونتائج المحاولات السابقة وبدأنا مرحلة جديدة من العلاج الطويل الممل دون جدوى .

تحملت سارة خلال هذه السنة ما لم تكن تستطيع تحمله من أدوية وعلاجات غريبة لم نألفها في عالم الطب من قبل فقد قابلنا في أمريكا بعض الأطباء الذين كانوا يجرون اختبارات لأنواع علاجات جديدة في طور الاختبار ورغم تحذيري لها من أن العواقب ربما تكون كارثية قبلت سارة دون تردد أن تخوض تلك التجارب لكنها لم تنجح في النهاية وقررنا العودة لبيروت والبقاء فيها لأسبوع .

عدت لبيروت مع سارة ، وأنا أعرف أننا يجب أن نقرر ما يجب أن نفعله ، فسارة مصرة على أن لا تبقى معي إن لم تستطيع الإنجاب وأنا مصر على أن تبقى معي رغم كل الظروف ، كان كلانا يفكر في مصلحة الآخر دون أن نشعر بأننا نضحي من أجل بعضنا فهي تريدني أن أسعد بوجود أبنائي وأن لا تكون هي سبب حرماني منهم وأنا لا أريد أن أستغني عنها بعد أن عرفت أنها لا تنجب .

لم تفتح معي سارة موضوع انفصالنا وأنا في بيروت لكنها طلبت مني أن تبقى هناك لبعض الوقت فلم أمانعها لمعرفتي حاجتها أن تبقى بجوار أسرتها ولمعرفتي بمدى حاجتها أن تبقى بعيدة عني بعض الوقت لتفكر فيما ستفعل بعد عام كامل من  العلاج المرهق والممل .

عدت للدوحة ، ولم ينقطع اتصالي بها ،ولم تتوانَ هي بالاتصال بي والاطمئنان على حالي ، لكنها كانت تؤجل عودتها للدوحة كل مرة وتقول إنها محتاجة لمزيد من الوقت ولا أعرف ما المدة التي تحتاجها وهي بعيدة عني ؟ .

زارتها نورا في تلك الفترة وكانت تحمل لها حلاً غريباً كنت أعرف أن سارة لن تقبله بأي شكل من الأشكال فقد اقترحت نورا اقتراحاً غريباً عندما عرفت حرمة أن تبقى المسيحية مع زوج مسلم يتزوج من امرأة ثانية فقد اقترحت أن تعلن سارة إسلامها وكنت أعرف ردها على هذا الاقتراح قبل أن تطرحه نورا عليها فسارة لن تقدم على شيء هي غير مقتنعة به فما بالكم لو كان هذا الشيء يتعلق بعقيدتها التي تعتز بها ، نعم هي معجبة بكثير من تعاليم الإسلام إلا أنها لم تقتنع أن تعتنقه .

جاء ردها قاطعاً في هذا الجانب بل قالت : لنورا إنها حتى لو أسلمت فلن تقبل أن تعيش معي وأنا مرتبط بزوجة غيرها ، وتحدثت معي في هذا الجانب ، فأخبرتها أني أبلغت نورا بمعرفتي المسبقة بردها تقبلت الأمر لكنها بعد هذه المحاولة بدأت تبتعد عني أكثر فأكثر فبدأت تغلق هاتفها كثيراً مما اضطرني أن أذهب إلى بيروت لحل هذه المشكلة ، وطلبت من والدها ووالدتها أن يكونوا متواجدين في الحوار لعلهم يقنعونها بالعدول عن قرارها الذي تصمم عليه .

تحاورنا كثيراً وتجادلنا كثيراً ، وكان والد سارة مرناً معنا لأبعد الحدود على عكس ما كان عليه سابقاً ، فكان يضغط عليها لكي تغير رأيها أو تؤجل قرارها لكنها كانت مصممة على الانفصال ، عدت للدوحة بعد رحلتي القصيرة لبيروت ، لكن لم يطب لي العيش وسارة بعيدة عني ، فعدت لها بعد يومين من سفري تفاجأت حين رأتني فطلبت منها أن نتحدث في موضوع انفصالنا وحاولت أن أحيي في نفسها ما تحمله لي من حب وقد نجحت في هذا الجانب لكن ليس نجاحاً كاملاً نجحت في أن تؤجل سارة قرارها لشهر ننفصل بعده فقبلت ما اتفقنا عليه واشترطت عليها أن لا تتركني في تلك الفترة أبداً فقبلت .

سارة

     كان ما مررت به خلال العام الأخير مرهقاً جداً فخالد كان مصمماً على أن يبذل كل جهده معي وأن لا يكون مقصراً في شيء ، لاحظت هذا جلياً في كل تصرفاته كان يحاول أن يطيل مدة العلاج وكنت مسرورة بذلك وربما خفف عني اهتمام خالد الكثير من همومي وضيقي ، لكني رغم المحاولات الجادة التي بذلت كان لدي شعور أن هذه المحاولات لن تنجح أبداً لكن أردت أن أستمر للنهاية لأثبت لنفسي ولخالد أن لا فائدة من المحاولات الوهمية التي نقوم بها وأن الأمور بدت محسومة خصوصاً بعد مغادرتنا لندن متجهين لأمريكا .

تكبد خالد الكثير من العناء في تلك الفترة فقد كان بين نارين نار متابعة علاجي وحالتي النفسية السيئة وعمله الذي تركه لمدة عام لكنه كان يغادر في كل شهر لمدة أسبوع تقريباً ويعود مجدداً ليبقى معي أعجبني إصراره على العلاج وتحمله كل هذه المشقة لأجلي وتمنيت أن أتمكن من إسعاده لكن كنت عاجزة عن ذلك فالأمر ليس بيدي ، ولو كنت أستطيع لما بخلت عليه بشيء يحتاجه أبداً .

وفر خالد كل وسائل الراحة لي ولوالدتي في تلك الفترة العصيبة لم يبخل علي ولا على أمي بأي شيء كما رفض أن أصرف درهماً واحداً من أموالي لأي سبب من الأسباب حتى لو كان أمراً شخصياً أرغب في اقتنائه ، كانت والدتي كذلك مهتمة كثيراً وكانت تنظر لخالد ليس بعين الرضا فقط بل كانت تشفق عليه لما كان يفعله من أجلي وتذكرني بمدى حبه لي .

بقينا عاماً كاملاً خارج الدوحة ، وعندما استنفدنا كل السبل قررنا العودة فطلبت من خالد أن نعود لبيروت لأني محتاجة أن أبتعد عن أي شيء يذكرني بمسؤوليتي كزوجة لم تستطع أن تحقق حلم الأسرة السعيدة لزوجها ، عدت لبيروت بقيت في منزل أبي ورفضت أن أعود مع خالد وأظنه فهم أني المسألة في مراحلها الأخيرة ، وأن انفصالنا بات مسألة وقت لا أكثر ، فلم يعارضني في مسألة بقائي في بيروت بل تركني أستريح هناك ولم يضغط علي لأعود للدوحة .

كنا نتحدث كثيراً عن طريق الهاتف وعبر وسائل الاتصال الأخرى حاول خالد بعد فترة أن يقنعني بالعودة للدوحة دون فائدة فلم أستجب لكل توسلاته بل فضلت البقاء بعيداً عنه حتى تنتهي المسألة ، إلى أن جاءت السيدة/نورا لبيروت وتحدثت معي كان الأمر مضحكاً عندما طلبت مني أن أعتنق الإسلام فلا يضطر خالد أن يتركني لو أراد الزواج بأخرى ولم تفكر نورا كيف لي أن أقبل حتى لو اعتنقت الإسلام أن يتزوج خالد امرأة أخرى وأنا على ذمته ، فرفضت طلبها من واقع أني أرفض أن يكون لي شريكة في زوجي وليس لدي مشكلة مع الإسلام كدين فكثير من مبادئ الإسلام تعجبني لكن أن أسلم لأن خالد يريد أن يتزوج بامرأة أخرى تنجب له أطفال فهذا لا يعتبر قناعة بالدين بل يعتبر تحايلاً للوصول لرغبات وأهواء شخصية نـحـققها بشكل ديني .

مر بي الشك في أن خالد طلب منها ذلك الأمر لكن خالد إنسان متفتح ، ولم يرغمني منذ أن عرفته على أي شيء لا أقتنع به فكيف يريد أن يرغمني على أن أسلم وأغير ديني الذي أقتنع به ، أردت أن أقطع الشك باليقين ، فاتصلت بخالد وأخبرته بما جاءت نورا من أجله ، فأخبرني أنه عرف بالموضوع وأخبرها بأني لن أقبل هذا الاقتراح أقنعني حديثه ، لأني أعرف طريقة تفكيره ومبادئه التي يتمسك بها فخالد محاور ممتاز وصاحب أسلوب مقنع لو أراد أن يقنعني بالإسلام ، لحدثني في وقت مناسب أكثر للحديث في هذا الموضوع دون أن يجعل بيننا وسيطاً يتحدث باسمه .

حاولت بعد ذلك أن أبتعد عنه أكثر فأخذت أقلل من عدد اتصالي ثم بدأت أغلق هاتفي المحمول لفترات فلم يعجبه هذا الأمر وجاء لبيروت وطلب أن يتحدث معي بحضور والدي ، وكان الأمر المثير أن أبي كان يدافع عنه باستماته لدرجة أنه رجاني ذات ليلة أن أبقى مع خالد وقال : إنه لا يستحق كل هذا الألم الذي سببته له ولم أستجب لتلك الدعوات بل كانت الأمور واضحة لدي .

غادر خالد بيروت لكنه فاجأني بعودته بعد يومين وطلب مني أن أجلس معه وكان لقاؤنا في منزلنا بعيداً عن أسرتي ، تحدثنا كثيراً عن حياتنا وما جرى بها وعن قراري ، لم أستطع مقاومته في ذلك اللقاء رغم أني لم أتركه يقترب مني منذ عودتنا من الولايات المتحدة كنت مشتاقة إليه كثيراً أقنعني بعد أن قضينا وقتاً ممتعاً في الفراش أن ننهي علاقتنا بوقت سعيد نقضيه سوياً ، لكي لا يكون افتراقنا مصدر ألم وحزن بل تكون خاتمته بشهر نقضيه سوياً كما لوكنا في شهر العسل الأول ، لم أستطع أن أعارضه فوجوده بقربي أثار بي كل شجون الحب والعواطف التي يملكها في قلبي فقبلت فاشترط أن لا أتركه في تلك الفترة أبداً فقبلت وهذه أمنيتي أن لا أتركه أبداً ، ولأني أحبه وأريده أن يحقق كل أحلامه وأن يرزق بالطفلين اللذين حلم بهما طوال عمره ، ولم يتحقق حلمه مع زوجته السابقة ولا معي .

عدت معه في اليوم التالي للدوحة لينجز بعض الأعمال هناك وغادرنا بعد يومين زرنا دولاً كثيرة وكانت الرحلة بمجملها مغامرة جميله عدنا بعدها لبيروت لم يحاول أن يثنيني عن رأيي ولم يطلب مني التأجيل أكثر بل تركني أفعل ما أريد فذهبنا وأنهينا كل الإجراءات المتعلقة بالطلاق وعاد للدوحة .

إن قلت لكم لا أشعر بغصة من فراقه فأنا كاذبة ، وإن قلت لكم إني لا أحبه فلا يجب أن تصدقوني لأني حين غادر خالد بيروت غادر قلبي مع ذلك الحبيب الذي لو حلمت أن يحبني شخص بقدر حبه الذي رأيت لكانت أحلامي وأمنياتي كلها عاجزة فما أعطاني إياه خالد أكبر وأكثر مما تتمناه أي امرأة على وجه الأرض .

أردته أن يرحل بسلام دون قيود ، أردته أن يكون حراً في كل شيء وهو بعيد عني ، أعرف أنه سيعاني بعد فراقنا ربما أكثر مما سأعاني أنا لكنه في النهاية سيجد ما يشغله عني وعن الجميع سيجد أبناءه الذين تمناهم وسأبقى أنا وحدي تحيطني الوحدة والذكريات من كل جانب ، فذكرياته على قدر ما حاولت أن أمحوها لم أستطع فهو في منزلي وعملي وقلبي ، وحتى جسدي الذي لم أرغب في أن يمسه إنسان بقدر ما رغبت أن يمسه خالد الذي أحببته من كل قلبي .

عذاب للمرأة أن تحب من كل قلبها وعذاب لها إن وجدت رجلاً يحبها من كل قلبه إن افترقا يصبح الجرح مضاعفاً فلا تستطيع أن تحمل من تحب مسؤولية ذلك ولا تستطيع أن تتنكر لحبه ولا أن تمحوه ولا أن تتجاهله بقيت أماني كما هي أتمنى مقابلته ولو بالصدفة ، وتدفعني نفسي لأن أحدثه ، وهو كذلك كان يحدثني باستمرار بل ويزورني ويخرج معي حين يكون في بيروت ، وقد عرفت في لقائنا الأخير أنه رزق ببنت سماها عائشة على اسم زوجته الأولى سرني ذلك كثيراً وهنأته بقدومها .

خالد

     عادت معي سارة للدوحة كانت سعادتي لا توصف ، أعرف أنها سعادة محدودة ستنتهي بعد شهر ، لكني كنت محتاجاً لأن تكون بجواري ولو ليوم واحد ، فمنحتني شهراً تقضيه معي سافرت معها في جولة حول العالم وامتد الشهر ليكون شهراً ونصف الشهر مرت كأنها يوم واحد عادت بي الذكريات لأيامنا الأولى التي كنا لا نفكر في شيء سوانا أنا وهي ، كانت الأيام الأولى من الإجازة ممتعة وكانت الأيام الأخيرة يشوبها الحزن ورغم ذلك كان كلانا حريصاً على أن يبقى مع الآخر وبعد نهاية الرحلة عادت سارة لبيروت وبدأنا إجراءات الطلاق ، حاولت قدر استطاعتي أن يكون انفصالنا سلساً وأن تبقى علاقتنا طيبة بعد الانفصال ، وكان ما أردت ومن ناحيتها كانت سارة حريصة على أن تبقى علاقتي بها طيبة التقينا عدت مرات في بيروت قضت سارة أحياناً النهار كاملاً معي طبعاً لم يكن بيننا بعد الانفصال تلك العلاقة الحميمة بين العشاق لكننا بقينا أصدقاء .

أحبها لا أستطيع أن أنكر ذلك ولم أستطع الزواج بعد أن انفصالنا مباشرة بل استغرق الأمر سنتين كانت نورا هي التي اختارت لي زوجتي الحالية وكنت صريحاً معها فأخبرتها بكل شيء ومدى حبي لزوجتي السابقة وسبب انفصالي كما كنت صادقاً معها بأني لن أقطع علاقتي بسارة حتى لو تزوجتها كان الأمر ملتبساً عليها في العام الأول ، لكنها تقبلت ذلك فيما بعد وقد قابلنا سارة في باريس وعرفتها بها فلم تبدِ اعتراضاً مع بعض الغيرة . وتأكدت خلال لقائنا أن ما بيني وبين سارة الآن لا يتعدى الصداقة والإخوة ، حين طلبت منها أن أسمي ابنتي عائشة على زوجتي الأولى  كانت حكيمة ، فوافقت ، لكنها قالت : تحيطني بذكرياتك السابقة لكني أتمنى أن تحبني كما كنت تحب زوجتك الأولى .

رغم أني لم أستطع أن أكون مع زوجتي كما كنت في السابق مع سارة ، ولم أستطع أن أنزع ذكرى محبوبتي السابقة من قلبي إلا أني احترمت زوجتي وأخلصت لها لكن قلبي لم يتمكن أن ينسى ما مر به من تلك العلاقة العنيفة التي جمعتني بسارة فكنت أحياناً أذهب لبيروت لكي أبقى معها لبعض الوقت تقول كل مرة : ستدمر حياتك ، لكني لم أكن أصغي لما تقول وأعيد الكرة في العام مرة أو مرتين ، وعندما تعاتبني كعادتها أقول لها : لم يبقَ بيننا إلا لقاءاتنا البريئة فلا تحرميني من بقايا حبك ، كانت تضحك وأعود للدوحة من جديد لبيتي وزوجتي وابنتي .

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s