رواية التقينا .. الفصل السادس ..

الفصل السادس

خالد

     تحدثت مع نورا بعد خروجي من المطعم فردت علي : هل هذه التي تحبها أم لا ؟ قلت : نعم ، قالت : لكي تعرف أن أختك الكبيرة لا تتوانى في إسعادك وقد أتعبتني تلك السيدة لكي أعقد معها أول شراكة ولكني أشهد بأن ذوقك في النساء رائع ، كنت أسمعها وهي تتحدث دون أن أنبس ببنت شفة أو أقاطعها أو أستفسر عما تقول استأذنت بعدها وأغلقت الهاتف وتركتني أفكر فيما جرى الليلة .

لم تتغير سارة كثيراً ، لكنها أصبحت أكثر جدية وأكثر قوة من ذي قبل هل استطاع أنطون أن يغير من طباعها أم أنها هي التي أرادت أن تكون بهذا الشكل المختلف ؟ ما الذي سيحصل بعد لقائنا هذا ؟ هل ستعود العلاقة بسارة علاقة عاطفية أم علاقة شراكة فقط ؟ لا أتحمل أن تجلس معي كل مرة وهي تتحدث عن المال والأرباح والعمال والبضائع لم أتعود منها على هذا النوع من الحديث بل لا أريد أن أسمعه منها من الأساس ثم إنها متزوجة من صديقي وشريكي سابقاً هل سأعتدي على حياته الخاصة وأعيد علاقة الحب بيني وبين زوجته ؟ شعرت بالضيق يتسرب لقلبي وتمنيت حينها أن نورا لم تفعل ما فعلت من الأساس أو أنها لم تدعني على الأقل للعشاء .

تحدثت مع نورا في اليوم التالي سألتها لماذا فعلت ذلك الآن ؟ أجابتني : لأنك ستموت لو بقيت بعيداً عنها ألم تنظر لنفسك في المرآة فقد أصابك الهزال ؟ وتغيرت طباعك نعم لا زلت تاجراً ممتازاً لكنك أصبحت إنساناً تعيساً والتعاسة لا يعالجها إلا النقيض ونقيض تعاستك هي سارة ، قاطعتها : سأتسبب في تعاسة إنسان آخر ، ردت ببرود : لا بل سترحمه لأني لمست في سارة عدم اهتمام بزوجها ، بل إنها لا تبالي به من الأساس فكيف ستتسبب في تعاسته بل وجوده سبب التعاسة لشخصين لم لا يسعدان ويبقى هو في التعاسة قليلاً ثم ينسى مع مرور الوقت ، لم يكن كلامها مقنعاً ولم أستطع أن أستوعب ما تقول أو أناقشها فأنهيت المكالمة وتوجهت لعملي .

شعوري أن سارة موجودة في الدوحة جعلني سعيداً فكل شيء كنت أظن أنه انتهى تجاهها ، لكن اكتشفت أنه مختبئ في نفسي وظهر بعد أن رأيتها البارحة ، انشراح نفسي ابتسامتي المستمرة تفاؤلي نعم لم أتحدث معها ولم ار منها رغبة في ذلك إلا أني سعيد فقد كنت أتوقع أن لا أراها إلا صدفة وكنت أتخيلها تمشي بجوار أنطون وهي تدفع عربة طفلها نعم كنت أتخيلها بهذا الشكل وقد استقرت لها الحياة مع زوجها لكن كلام نورا في الصباح أثار في نفسي الغبطة مع أني لا أقبل أن أكون سعيداً على حساب شخص آخر أتسبب له بالتعاسة والألم بل ربما تدمير حياته التي سعى جاهداً أن تكون سعيدة مع المرأة التي اختارها زوجة له .

اتصلت بنورا في المساء سألتها إن كانت مشغولة أم لا ؟ فأجابت أن لديها وقتاً لتتحدث معي ، وقالت : تريد أن تسأل عن أمور كثيرة أليس كذلك ؟ قلت نعم ، فقالت : تفضل اسأل ؟ سألتها كيف تعرفت على سارة ، وأقامت الشراكة معها حدثتني في البداية باختصار فطلبت منها أن تتحدث عن التفاصيل كاملة ضحكت حينها ثم بدأت تتحدث فقالت : كنت أفكر في مشروع نسائي راقٍ ، لكن لم أضع دراسة الجدوى ولا التصور النهائي للمشروع ومنذ عامين زرت باريس لمدة أسبوعين تقريباً كنت أتسوق وأجمع الأفكار لمشروعي وفي ذلك اليوم دخلت محلاً كبيراً أعجبني توزيعه كثيراً وكمية الماركات العالمية الموجودة اشتريت منه بعض الإكسسوارت وسألت البائعة عن صاحب المحل أعطتني اسمه لكنها أخبرتني بأن زوجته هي من يدير المشروع في الوقت الحالي ثم ضحكت ، وقالت : هم عرب من أصل لبناني طبعاً عرفت أني عربية من ملابسي أعطيتها بطاقة التعريف الخاصة بي وطلبت منها أن توصلها للمسؤول أياً كان .

في مساء ذلك اليوم اتصلت بي سارة وطبعاً لم أكن أعرفها تحدثت معي باللغة العربية مباشرة شرحت لها رغبتي في إقامة مشروع ولم أعطها التفاصيل كاملة فطلبت أن تقابلني في اليوم التالي وقد حصل ما أرادت فقابلتها اندهشت حين رأيتها لم أتوقع أنها صغيرة في السن بل توقعت أنها في الأربعين أو أكثر لكن وجدتها شابة جميلة جداً حتى أني كنت أتأمل ملامحها وهي تتحدث معي .

كان حديثنا منصباً على المشروع ونوعه واتفقنا مبدئياً على الخطوط العريضة إلا أننا لم نتفق على آلية العمل والشراكة ، عدت للدوحة وبحثت عن مكان مناسب ، وتحدثت معك عن الشراكة في مشروع نسائي فلم تمانع ، كأن القدر ساقك لما تريد ، ضحكت حينها وقلت لها : لم أكن محظوظاً مع النساء ، قالت : لا تقاطعني ودعني أكمل عندما حولت لي المبلغ اتصلت مباشرة بالسيدة / سارة فلم ترد على اتصالي فاضطررت إلى أن أتصل بالمحل الذي زرته في باريس وطلبتها أخبروني أنها غادرت باريس فطلبت أن أتحدث مع صاحب المحل فأعطوني رقم السيد / أنطون فاتصلت به وسألته عن حرمه السيدة / سارة ، سألني حينها هل أريدها في عمل ؟ فأخبرته بأننا صديقتان ، أخبرني أنها غادرت إلى بيروت وأعطاني هاتف منزلها طلبت منه رقم الهاتف المحمول فأخبرني بأنها ستغير رقم هاتفها قريباً لذا لم يعطني إياه .

اتصلت بالرقم الذي أعطاني إياه أنطون فردت علي سيدة كبيرة ، عرفت أنها في منزل العائلة ، طلبت سارة فنادوها وتحدثت معها بشكل موجز كان من المقرر أن أسافر لبيروت في اليوم التالي لحضور اجتماع مجلس إدارة إحدى الشركات أخبرتها بأني سأقابلها بعد يومين في بيروت ، فوافقت وقد قابلتها في الموعد الذي اتفقنا عليه ، تحدثنا عن المشروع والشراكة وكيف ستكون ، وأخبرتها حينها أن الشركة ستضم ثلاثة أشخاص فسألتني عن الثالث ؟ فأخبرتها رجل أعمال وطلبت أن لا تقلق بهذا الخصوص لأن لدي توكيلاً عاماً للتصرف في الشركة .

لم تستطع سارة أن تغطي تكلفة نصف المشروع فكان التوزيع السليم الذي أردته منذ البداية ومن الطبيعي أن لا أخبرها بما أريد مباشرة لكن وصلت معها للاتفاق الذي خططت له على أساس الثلث لكنها لن تدفع عشرة ملايين ريال بل ستدفع خمسة ملاين فقط بالإضافة إلى أنها ستكون من يتابع التوريد للملابس والماركات العالمية وأتحمل أنا مسؤولية الإدارة والترتيبات الأخرى ، تم الاتفاق مبدئياً على هذه الأمور على أن توكل سارة محامياً من قبلها ومحامياً من قبلي لمراجعة العقود واعتمادها على أن يكون مقر الشركة الرئيسي في الدوحة .

كانت مرحة جداً في تلك الليلة ، على عكس مقابلتها في باريس فهناك كانت متحفظة وجادة ، ساعدتني روحها المرحة على أن أسألها عن الأماكن التي يمكنني أن أتسوق فيها ، أخبرتني بأن لديها وقتاً في الغد لتصحبني للسوق ، وافقتها وقابلتها في الصباح التالي خرجنا سوياً وأخذتني حيث أريد ، اشتريت أشياء كثيرة في ذلك اليوم واشترت سارة أيضاً أشياء كثيرة .

كانت صحبتها ممتعة وكان حديثها ودوداً ، لم تفتح أي حديث عن المشروع في ذلك اليوم ثم دعتني للغداء ، فأخبرتها بأني أريد أن أخلع حجابي وألقي عباءتي لأشعر بالراحة ، لذا عرضت عليها أن نتناول غذاءنا في غرفتي في الفندق فقالت إن لديها منزلاً جميلاً في بيروت فعارضتها لأني لا أريد أن أقابل أحداً فردت بسرعة : هذا منزلي الخاص لا يوجد به أحد.

أخذتني حينها لمنزل صغير تحيط به حديقة أنيقة دخلت معها ولا أخفي إعجابي بتنسيق المنزل فكان رغم بساطته أنيقاً جداً وضعت سارة الغداء الذي جلبناه معنا على طاولة الطعام وجلسنا كصديقتين وبعد الغذاء لاحظت سارة أن التعب قد استبد بي فعرضت على أن أرتاح قليلاً لم أعارضها فأخذتني لغرفة النوم ، وغادرت عندما جلست على السرير ، وجدت صورة قديمة لرجل وامرأة خليجيين معهما طفلان فتاة وصبي أثارت هذه الصورة استغرابي .

حين استيقظت بعد ساعة تقريباً وجدت سارة قد حضرت لي القهوة وجلست معي فسألتها هل تعرف أحداً في الخليج ، فصدمتني حين قالت إنها ولدت في قطر وسألتني : رأيتِ الصورة لذا تسألين ؟ فهززت رأسي بالإيجاب فقالت : أنا الفتاة التي بالصورة ؟ لم أسألها حينها من الذي بالصورة لأني تذكرت كلامك عمن تحب فجمعت خيوط المسألة بسرعة سارة وتربت في قطر والمنزل ، تذكرت حديثك عن المنزل الهدية التي أنبتك عليها كثيراً لكن صدقني حين عرفت تلك الفتاة أيقنت أنها تستحق الهدية ، حينها غيرت مجرى الحديث كي لا تكتشف سارة أي شيء بل تبقى مرحة ، ولا تتحفظ لكي أتأكد أكثر ، قضيت معها اليوم وعدت للدوحة في اليوم التالي .

أنهى المحامون العقود خلال عشرة أيام طلبت من سارة بعدها أن تحضر مع محاميها لتوقيع العقود ، ولتعاين بعض المواقع المرشحة للمشروع رحبت بالفكرة وجاءت بعد ثلاثة أيام استغربت كثيراً حين رأت التطور الذي وصلت له الدوحة في فترة قياسية اتفقنا خلال هذه الزيارة على الموقع الرئيسي للمشروع وسألتني عن المدة التي ينتهي العمل بها لتجهيز الموقع ؟ فأخبرتها أنها ثلاثة أشهر على أقل تقدير ، غادرت بعدها وباشرت العمل على تجهيز الموقع وديكوراته ، وكانت هي تعمل على الموديلات والمكياج والأدوات الأخرى وافتتحنا المشروع بعد أربعة أشهر من هذه الزيارة .

أردت أن تكون سارة موجودة في حفل الافتتاح لكن الظروف لم تساعدها ، فقد كانت في ذلك الوقت تتفق مع شركة مستحضرات تجميل ولم تتمكن من الحضور ، إلا أني حمدت الله أنها لم تحضر الحفل لأنها عندما عادت للدوحة لتباشر عملها هنا رأيت أنها متحفظة كثيراً تجاه الرجال فخفت أن تراك وتكتشف أنك الشريك الثالث ؛ فيضايقها الأمر وأنت كذلك لم تكن في مزاج حسن حينها بل عدت للانكماش والعزلة مرة أخرى ، ربطتني مع سارة صداقة ليست قوية ، لكنها جيدة ففي كل شهر تقريباً كنا نخرج لتناول الغداء أو العشاء ونتحدث عن أمورنا نـحـن النساء .

لاحظت أن سارة لا تتحدث عن زوجها مطلقاً ؛ فسألتها ذات مرة فقالت إن زواجها بأنطون لم يكن ذلك الزواج الذي بني على حب ربما أحبها هو لكنها لم تشعر تجاهه بأي عاطفة سألتها هل تحبين رجلاً غيره ؟ فأجابت : الآن لا ، فسألتها : وفي السابق ؟  فقالت : نعم ، حاولت أن أضغط عليها لكي تتكلم لكنها تضايقت من أسئلتي فغيرت مجرى الحديث كنت أريد أن أعرف هل تحبك سارة حتى الآن أم لا ؟ لكن مع قليل من الصبر اكتشفت الأمر منذ ثلاثة شهور فقط عندما دخلت مكتبها وهي مسافرة ، وبحثت في أوراقها فوجدت كثيراً من الذكريات التي كتبتها تحمل ترميزاً لقصة حب مستمرة فتحت كمبيوترها ، فوجدت صورك ولم أجد صور زوجها أو أقاربها أو أي أحد آخر رتبت المكتب من جديد لكي لا تكتشف الأمر وخرجت .

بقي أمر واحد كنت حريصة عليه كنت أريد أن تعترف سارة بأنها تحب ، لا يهمني أن تخبرني باسمك أو لا ، فهذا الأمر معروف لدي فلو كانت تحب غيرك لما تركت كل هذه الذكريات ، عندما عادت من السفر هذه المرة دعوتها للعشاء وطلبت منها أن تتأنق لأن أختي ستحضر فجاءت سارة لكن أختي لم تأتِ تلك الليلة فقد اعتذرت لمرض ابنتها ، لاحظت مدى أناقة سارة فأبديت إعجابي بفستانها ومكياجها ولفت انتباهي بروش كانت ترتديه على طرف صدر فستانها فسألتها عنه فخلعته وأعطتني إياه فقلت لها : هدية مقبولة ، فقالت : لا أستطيع فهو هدية ، سألتها بخبث : لا بد أنه شخص عزيز على قلبك ؟ فقالت : هو الذي كان معي في الصورة برفقة والديه ، لاحظت أنها تتحدث بشجن ، فسألتها : هل هو من كنتِ تحبين ؟ فهزت رأسها بنعم وسكتت ، تركتها تفكر قليلاً ولم تلتزم الصمت طويلاً بل تكلمت وقد ملأت الدموع عينها : أتمنى أن أقابله وأمنع نفسي من ذلك ، سألتها لماذا ؟ فقالت لقد تسببت في تعاسته ، بكت حينها انفطر قلبي تأكدت أنها تحبك بجنون وتحتفظ بكل ذكرياتك : صورتك هديتك منزلك وحبك أيضاً ، لم تقل سارة أكثر مما قالت ولم تنطق اسمك .

على مدى السنتين الماضيتين لم تتحدث معي عن زوجها ولم أره معها قط ، عرفت أن علاقتهما شبه مدمرة ، وأن ما يربطهم في الزواج هو اسمه فقط ، فرتبت للقائك معها وكنت خائفة منك ومنها ، وعندما خرجت من المطعم وهي غاضبة لوجودك أجبرتها على العودة وقلت لها : الرجل يمنحني الثقة في إدارة أمواله وقد طلب مني أن أحضر الشريك الثالث لكي يسأله عن بعض الأمور فلو لم تعودي ستنهار ثقته فعادت وتناولت العشاء معنا .

يوجد أمر آخر أريدك أن تعرفه ، فقد سجلت شركة لدى وزارة الاقتصاد بيني وبينك بعد أن حولت مبلغ الخمسة عشر مليوناً ،  وبعد أن اتفقت مع سارة على المشروع ، وبعد أن رأيت صورتك معها وأنتم أطفال خفت أن تعرف سارة اسمك وأنك الشريك الثالث فسجلت لدى وزارة الاقتصاد شركة جديدة متفرعة من الشركة الرئيسية ، وبهذا كان اسمك لا يذكر في العقود المبرمة بيني وبينها مما جعلها لا تعرف من هو الشريك الثالث الذي أخبرتها عنه هذا كل ما جرى حتى الآن .

قالت نورا كل ما أريد ورغم ذلك كنت أود أن أسمع المزيد عن سارة ، حاولت أن أسألها أكثر فقالت : لدي عمل كثير وأنت أخذت من وقتي ساعتين ، واعتذرت وأنهت المكالمة استغربت من اهتمامها بالموضوع وصبرها الطويل حتى تتأكد من مشاعر سارة تجاهي ومن حذرها في إخفاء شخصية شريكها ، كان الأمر ممتعاً وأنا أستمع لها وهي تتحدث عما جرى ، وددت أن تطول المحادثه أكثر من ذلك لأعرف منها أكثر .

سارة

     لم أكن أتوقع أن يكون خالد شريكي في الشركة ، كنت أتجنب رؤيته لا لأني لا أحبه بل لأني تسببت في ألمه فلا أدري هل سيتقبلني أم لا ؟ فكرت في أن أذهب إليه وأشرح له كل ما جرى منذ أن تركته في بيروت لكن الوقت تأخر لو أني أخبرته في ذلك الوقت لكان الأمر أكثر وضوحاً بالنسبة له على الأقل لن ينظر لي على أني تركته لأجرحه بل تركته لأكفر عن ذنبي الذي اقترفته في حقه ، فلا ذنب لخالد في كل ما جرى ، لقائي بأنطون وسفري لباريس وتركي له ثم زواجي لم يقترف في كل هذه الأمور أي خطأ ، والدي ربما يتحمل جزءاً من اللوم لكنه لم يطلب مني أن أقيم علاقة مع أنطون أو أتزوجه ، مع أنه أفسح له المجال لذلك وأنا لا أغفر له ذلك بطبيعة الحال لكن اللوم الأكبر يقع علي أنا فأنا من ألقى بنفسه في أحضان أنطون وتركت حبيبي وأنا من قبل الزواج بغيره في نهاية الأمر .

نعم حملت نفسي كل المسؤولية ربما ابتعادي عن منزل الأسرة فترة طويلة مكنني من أن أعرف أني قادرة على اتخاذ القرارات الحاسمة على عكس ما كنت معهم كانت خطواتي تخضع لاستشارات كثيرة وتدرس أكثر من مرة وتقيّم كذلك ، أما الآن فالوضع مختلف تماماً أشعر بأني حرة بكل المقاييس ، تمنيت لو كنت هكذا حين خيرني أبي بين أسرتي وبين خالد ، صدقوني لكنت اخترت خالد دون أدنى تردد لأني لست أنا من لا يستطيع الاستغناء عن أسرته بل أسرتي لا تستطيع الاستغناء عني فأنا ابنتهم الوحيدة ومن الصعب أن يلفظوني للأبد .

هناك أمر آخر جعلني أتردد ولا أتصل بخالد فعندما كنا سوياً كعشاق ، كنت أعرف أنه غني أو ميسور الحال أو لديه ميراث يعتمد عليه ، ولم أكن أعرف أن خالد فاحش الثراء وأن أخباراً كثيرة تدور حوله في التجارة ، لم أسأله طوال فترة بقائنا معاً عن ثروته ، لكن بعد زواجي بأنطون من المؤكد أنه فهم أني عرفت حجم ثروته التي لم يخبرني بها ، الشيء الجميل أن علاقتنا السابقة لم ترتبط بالمال فلا شراكة ولا هدايا ثمينة بل علاقة إنسانية كأي شاب وشابة أعجبا ببعضهما وكونا علاقة عاطفية بناءً على الإعجاب لا المصلحة .

خالد الآن شريكي وما رأيته من علاقة قوية قائمة بينه وبين السيدة / نورا أزعجني ، لكن معاملتها معه كانت سلسة رغم ذلك فهي تتحدث معه كأنه أحد أفراد عائلتها ، توقعت أن بينهما علاقة مختلفة لكنها لم تمد يدها للسلام عليه وهذا أمر بسيط جداً بين رجل وامرأة لكنهما لم يفعلاه رغم ذلك ، لاحظت شيئاً آخر بين خالد ونورا كان بالإشارة أو لغة يفهمونها دون أن ينطقانها هل يمكن أن يكون خالد حدثها عني وعن علاقته معي ، لماذا استبعدت هذا الاحتمال سابقاً ، حديثها لي وسؤالها الدائم عن علاقتي بزوجي في كل لقاء تثير الشكوك لكن أظن ان الأمر كان في السياق الطبيعي ولم تجبرني ولم تلح على معرفة أسرار حياتي .

يتعبني التفكير في هذا الجانب الحساس المرتبط بالماضي ويسوقني الفضول إلى أن أعرف التفاصيل لكني تركت الأمور تسير بشكل شبه طبيعي فربما تتكشف مستقبلاً والأكيد أني لن أسمح لنفسي أن أكون أنا من يبداً الاتصال بخالد فلو كان يحبني حتى الآن فسيتصل ليطمئن على الأقل .

هكذا قررت ، أو هكذا ظننت ، أني أستطيع أن أمنع نفسي منه بعد مقابلته لكن الظروف سارت بشكل مغاير فبعد أربعة أيام من لقائي معه في المطعم اتصلت السيدة / نورا وأخبرتني أنها ستسافر لحالة طارئة وأن خالد هو الذي يمكنه أن يوقع على المعاملات المتعلقة بالشركة أثناء غيابها وضعتني نورا باتصالها هذا في مواجهة خالد ، فأنا من سينسق معه الأعمال ويطلب منه التوقع على المعاملات ؟ جعلني هذا الأمر قلقة ومتوترة ، في فترة العمل المسائية حين ذهبت لمكتبي اكتشفت أن السيدة / نورا لم توقيع أغلب المعاملات ، الموجودة على مكتبها ، مما اضطرني إلى أن أرسلها لخالد ولم أذهب بنفسي بالطبع بل أرسلت المندوب وبعد وصوله لمكتب خالد اتصل بهاتف مكتبي وسألني عن سبب إرسال المعاملات ؟ فأخبرته عن سفر نورا المفاجئ فأنهى المكالمة وبعد قليل اتصل مرة ثانية وسألني عن  بعض الأوراق فوضحت له المطلوب وأنهى المكالمة وبعدها عاد المندوب بالأوراق كلها موقعة من خالد ما عدا عقد توريد مهم لم أجده مع الأوراق ، اتصلت بمكتبه حينها فلم يجب على اتصالي ، فاتصلت بسكرتيره الخاص ، فأخبرني أن خالد قد غادر المكتب فطلبت رقم هاتفه المحمول واتصلت وأخبرته عن العقد فأخبرني أنه  سيعود ليوقعه ويرسله للشركة ، وأنهيت المكالمة على هذا الأساس لكن خالد على عادته القديمة لازال يحب المفاجآت فبعد نصف ساعة من اتصالي ، وجدته واقفاً أمامي في المكتب وبيده العقد .

وقف أمامي وهو يبتسم ، فتجاوزت مرحلة المفاجأة بسرعة وابتسمت له وطلبت منه الجلوس ، فجلس وأخذ يقلب ناظريه في المكتب ثم قال : لازال ذوقك جميلاً ، هززت رأسي بــ لا وأخبرته أن كل الديكورات من اختيار السيدة / نورا وسألته : ماذا تحب أن تشرب ؟ ابتسم ونظر لي بتمعن شعرت بنظراته تخترق رأسي شعرت بالخجل فقال : ألا تعرفين ؟ هززت رأسي مشيرة له بمعرفتي فقال : لازلت أحب القهوة ، بقي خالد في مكتبي قرابة النصف ساعة ، وقد تحول كلامه للجدية أكثر ، فأخذ يستفسر مني عن عمل الشركة وهيكليتها وتنظيمها فأجبت على ما أعرف من أسئلة واعتذرت لأني لم أكن أعرف أموراً كثيرة  أيضاً تتعلق بعمل السيدة / نورا تقبل الأمر ، واقترح بعض الأمور المهمة للعمل من وجهة نظره ، وعدته أن أطرحها في الاجتماع القادم مع السيدة / نورا ، عرفت أنه أراد أن يطيل الحديث معي فكل الاستفسارات التي سأل عنها كان بإمكانه أن يسأل السيدة / نورا عنها ويقترح عليها ما اقترح فهما شريكان منذ فترة طويلة ولا أظن أنه لا يعرف أنها من يدير المشروع لا أنا .

رغم ذلك كان وجوده بالنسبة لي مثيراً فلا زال يفاجئني ولا زلت أشعر بالضعف أمامه لقد عرفت رقم هاتفه المحمول وعرف رقم هاتفي فهل سيسبقني أم سأسبقه بالاتصال ؟ لا أدري شعرت بالسرور يتدفق في قلبي وهو عندي وأشعر بالسرور وأنا أفكر به كم تمنيت أن لا تنتهي علاقتي معه أبداً .

عادت لي الذكريات منذ اللقاء الأول في الصين حتى أفلت يده من بين يدي وهو يرحل عني على الشاطئ في بيروت كل البهجة كانت باللقاء الأول وكل الألم بالمشهد الأخير لكن اليوم هناك أمر حصل في قلبي أمر تجدد لقد فاجأني بحضوره بل تعمد ذلك وهو لا يفعل هذه الأشياء لمن لا يمنحهم محبته وثقته ، هل لا زال يحبني ؟ جعلني حضوره وحديثه أجزم في البداية أنه كذلك لكن وما إن تكلم في العمل شعرت بجديته وغابت روح  المرح التي رأيتها حين دخل مكتبي لكنه غادر بلطف بعد أن أستأذن مني ، غادرت مكتبي بعد خروجه ذهبت لشقتي ، أخرجت كل شيء يذكرني بخالد ، فأنا محتاجة أن أتذكر كل شيء جميل مع هذا الإنسان الذي انتشلني من الفراغ والعمل ووضعني على أطراف الحب ، وقال يمكنك الآن أن تمضي فيه كما تشائين فمضيت معه بإرادتي ورغبتي حتى انتصف الطريق ، فتركته واقفاً هناك لا أدري ماذا جرى له بعد تلك اللحظة ؟ لا أدري كيف عاش الفراق ؟ لكنه الآن يبدو قوياً استعادت نفسه عافيتها من جديد رغم هزال جسده الواضح وانهماكه في العمل .

ضل الوضع على ما هو عليه التقيه أحياناً حين أحتاج توقيعه وقد زرته في مكتبه مرتين تقريباً كان يبتسم حين يراني ويعاملني بلطف لكنه لم يحاول أن يتصل بي أو يقول شيئاً خارج حدود العمل إلا حين يسأل عن والدي أو أنطون ولو يعرف خالد أن سبب ما جرى هو أنطون هل سيسأل عنه ؟ أم ماذا سيفعل ؟ هل سينتقم منه ؟ ربما ؟؟ لا أريد أن أتوقع الشر ، عادت السيدة / نورا بعد عشرة أيام من مغادرتها فرحت بلقائها لكن تضايقت لأني لن أرى خالد بعد ذلك .

سبقتني الأحداث في اليوم التالي ذهبت للسيدة / نورا في شركتها العقارية وكان خالد موجوداً سلمت عليها ومددت يدي وسلمت على خالد ، كانت يده دافئة كما أذكرها وهذه هي المرة الأولى التي ألمس يده منذ ما يقارب الثلاث سنوات ، حينها صافحني وأنا عروس ابتسمت وأنا أسلم عليه انتبهت السيدة / نورا فضحكت وقالت : ابتسمت سارة لخالد لو أعرف أن سفري سيجعلها تبتسم لك لسافرت من زمن ، وفجأة سكتت وكأنها قالت شيئاً يجب أن لا تقوله ، تأكدت بعد هذا الموقف أن خالد أخبرها عن علاقتنا السابقة ، أثارت حفيظتي كلمات السيدة / نورا فلم أترك هذا الشيء في بالي بل اتصلت بها في المساء ودعوتها على العشاء ، فأجابت دعوتي دون تردد سألتها عما شغلني تلك الليلة ، فأخبرتني أن خالد بمثابة أخيها الصغير وأنه أخبرها بعد أن انهارت علاقتنا بكلِ شيء لكنها أقسمت لي أنها حين اتفقت معي لم تكن تعرف أني أنا سارة حبيبة خالد بل شكت في الموضوع عندما رأت الصورة وأخبرتها أني ولدت في الدوحة فاستنتجت ذلك .

جعلني كلام السيدة / نورا حذرة جداً معها ومع خالد ، فكنت أتأكد كل مرة تدعوني على العشاء أو الغداء أن أعرف قبل حضوري من الموجود معها ، وقد حدث أنها دعت خالد على العشاء ودعتني ولم تخبرني بأنه موجود وقبل أن أدخل رأيت سيارة خالد فعدت للمنزل واتصلت بها واعتذرت عن الحضور تضايقت حينها لكنها تقبلت الموضوع .

السيدة / نورا لم تكن متفرغة تفرغاً كاملاً للشركة التي نتقاسمها ، بل لديها أعمال أخرى كثيرة ، فبدأت بعد فترة تمنحني الصلاحيات تباعاً حتى أصبحت أنا المسؤولة الوحيدة عن الشركة مما اضطرني للتعامل مع الجميع ومنهم خالد ، لكن بقي الحذر موجوداً تجاه العلاقة معه لا أقول إنه حاول أن يعيد العلاقة معي لكنه أصبح أكثر تلطفاً من ذي قبل وأكثر ابتساماً .

خالد

     الأيام تأكل بعضها وأنا على حالي ، سررت في البداية لوجود سارة في الدوحة ، لكن لأول مرة لم أجد لدي الشجاعة على أن أعيد علاقتنا القديمة ، فما أحمله لها أصبح مختلطاً ما بين الذكريات الجميلة والتعيسة ، ولا أدري ما الذي تحمله لي ؟ فمرة أرى أنها لطيفة معي ومرة أخرى أراها جافة جداً أو جادة جداً وأخرى تتجنبني لكنها والحمد لله لم تتجاهلني حتى الآن مما جعل الأمل يستمر في نفسي ولا ينقطع وكان ما يصبرني ويجعلني أبتعد عنها معرفتي بأنها متزوجة ، لكن في إحدى الأيام كنت في بريطانيا في معرض عقاري دعيت إليه وقابلت أنطون بالصدفة رأيته يتهرب مني ولا ينظر إلي لم أعرف السبب ، فاستوقفته وسألته : ما به ؟ فأجابني : إنه لم ينتبه لوجودي مع أنه كان يراني حين رفعت يدي لأشير إليه لم تدم مقابلتي معه أكثر من خمس دقائق ، حاولت بعدها أن أقابله لكن لم تفلح محاولاتي .

عدت بعدها للدوحة وتصادف وجود سارة في الشركة ذات يوم مع وجودي ، فسألتها عن أنطون ؟ أخبرتني أنه بخير ، فطلبت منها رقم هاتفه ؟ فأخبرتني بأنها سترسله لي في رسالة انتظرت ذلك اليوم ولم ترسل سارة أي شيء وفي اليوم التالي اتصلت لأذكرها فقالت إنها تحاول أن تتصل به من البارحة ، لكن هاتفه مغلق فطلبت منها رغم ما قالت أن تعطيني الرقم لكنها اعتذرت وقالت إنها ستتأكد من أن أنطون لم يغير رقم هاتفه ثم ستعطيني إياه .

استغربت من تصرف سارة ودار في ذهني وقتها أن أنطون طلب منها أن لا تعطيني رقم هاتفه لكن سارة في الدوحة أساساً ولو أنه عرف ما بيننا لمنعها من العمل هنا فكرت بطريقة أخرى ربما سارة لا تعرف رقم أنطون أصلاً لكي تعطيني إياه ، أردت أن أتأكد من ذلك فاتصلت بها في اليوم التالي وسألتها هل أنطون عرف ما كان بيننا ؟ فأجابت : بنعم ، فقلت لها : لذا لا يريد أن يتحدث معي ؟؟ استغربت من إجابتها حين قالت : لا أظن ، فهاتفه مغلق ولا علم لدي أن لأنطون رقم هاتف آخر .

كيف هي زوجته ولا تعرف رقم هاتفه أو أن عنده هاتفاً آخر أم لا ! جلست أفكر طويلاً في هذه المسألة فكلامها يدل على أنها لا تعرف شيئاً عن أنطون ، هو لا يريد أن يتحدث معي هذا أكيد ، لكن سارة وعلاقتها مع زوجها أصبحت محل شك لدي فهل ساءت علاقتهما لهذه الدرجة أم انفصلا ، سألت نورا ؟ فأخبرتني بأنها لا تعرف شيئاً عن هذا الأمر ولم تقل لها سارة أي شيء بهذا الخصوص ، أخذت أتتبع خطوات سارة وأنا أعرف أن ما أفعله جنون لكني فعلته ، كنت أراقبها بل إني فعلت أكثر من ذلك فرشوت العامل الذي يقوم بخدمتها في الشركة ليأتيني بأخبارها وكان من شياطين البشر ولغته العربية ممتازة ، لكنه رغم ذلك لم يأتني ببينة تريحني .

بقيت على هذا الحال نـحو الشهر ، وجدت أني لا أستطيع الصبر أكثر ، فتوجهت لبيروت وذهبت لوالدة سارة في الصباح لعلمي بأن زوجها في العمل ، استقبلتني بترحابها المعهود وبدأت الكلام معي بشكل عادي وبينت لها أني في بيروت فأحببت زيارتها والاطمئنان عليها ، حاولت أن لا أثير فضولها بأسئلتي عن سارة بل تركتها تتحدث حتى جاءت هي على سيرة ابنتها ، حينها اكتشفت الأمر الذي كانت تخفيه سارة عن الجميع في الدوحة ، فهي قد انفصلت عن أنطون بعد ستة أشهر من زواجهما أي أنها الآن لها أكثر من سنتين ونصف عزباء ولم تخبر أي أحد بالموضوع حتى نورا .

عدت للدوحة وكان أول اتصال أجريته بسارة طلبت مقابلتها فقالت إنها ستمر على بالمكتب فقلت لها : الموضوع لا يناسب الحديث في المكاتب أعرف أني أثرت خوفها بطلبي في تلك اللحظة لكني فعلت ذلك عمداً ، لكي أجعلها تشك في كل شيء حولها لكنها رغم تلعثمها وهي تتحدث معي ، جاءت لمقابلتي في لوبي أحد الفنادق بدأت معها الحديث بكل صراحة وكشفت لها كل ما عرفت طبعاً لم أقل لها من أين استقيت معلوماتي لأني وعدت والدتها حين تحدثت معي أن لا أخبر سارة بزيارتي لبيروت .

كانت متوترة وهي جالسة تتحدث بتردد وحذر في البداية ، ثم أخذ طابع الحديث حدة لم أتوقعها منها ، نعم  كانت منفعلة حتى أنها قامت من مكانها فجأة ، وقالت : ليس من حقك أن تبحث في أموري الخاصة وخرجت ، مسكينة سارة ظننت أني سأتوقف عند هذا الحد تبعتها حيث توقف سيارتها استوقفتها رغماً عن إرادتها فقالت : ماذا تريد مني ؟ فقلت : قلبي ألم  تأخذيه ؟ ألم تتركيه دون سبب ؟ أتظنين أني عشت حياة سعيدة بعد ما فعلت ؟ سكتت سارة توقعت أنها ستبكي لكنها كانت أقوى هذه المرة من كل مرة أقف أمامها وأحدثها بعنف ، سكتت فتكلمت أنا : الشيء الوحيد الذي شعرت بالعجز أمامه هو أنتِ تمنيت أني لم أقابلك ولم أحبك ، تحدثت فقالت : تريدني أن أرحل ، لم أتكلم بل رفعت يدي لألمس وجهها ، فتركتني فشددتها إلي وانتزعت قبلة من شفتيها ثم تركتها ، نظرت إلي بذهول واستدارت ركبت سيارتها وغادرت .

كنت في حالة انفعالية وأنا أتحدث معها لكن لم أستطع أن أقاوموها اشتقت لتلك القبل التي كانت تمنحني إياها اشتقت لاحتضانها للمسها ، حرمتني من نفسها ثلاث سنوات ، جربت خلالها نساء كثيرات لم أجد لديهن قلبي فكيف أتركها قبل أن ترده لي ؟ لم أتصل بها ولم تتصل بي خلال الأيام الثلاث التي تلت لقاءنا ، لكنها اتصلت في اليوم الرابع وطلبت مقابلتي فأجبت دعوتها ، كان المطعم هادئاً وقد جلست تتحدث عن العمل في البداية فقاطعتها بقولي : هل أنا مدعو لعشاء عمل ؟ ردت بضيق : أريد أن أتحدث لكن لا أعرف كيف أبدأ ؟ فقلت لها : لتبدئي يوم أن زرت بيروت ولم أجدك ولم تجيبي على اتصالي كانت هذه الحادثة كما تذكرين قبل أسبوع من آخر لقاء لنا في بيروت .

بدأت تتحدث ، وليتها لم تقل شيئاً ، ليتها لم تخبرني بأن ليلة مع شخص غريب قضت على كل الأحلام التي كنت أبنيها من أجلها ليتها لم تقل إنها ألقت بنفسها في أحضان أنطون ليلتها كنت أستمع لها وهي تتكلم وأنا أعتصر من الألم ، لكن بقيت معها حتى أنهت حديثها فقلت لها : هذا كل شيء ؟ فقالت : نعم فقط أريدك أن تعرف أني كنت أتجنب هذه اللحظة التي أرى غضبك مني يفوق حبك لي ، وأعرف أني لازلت أحبك رغم معرفتي بأنك سترفضني حين تعرف الحقيقة التي خبأتها عنك كل هذه الفترة ، قالت جملتها الأخيرة وخرجت ، بقيت في مكاني شعرت بأن عظامي لا تحملني دار كلامها في رأسي ألف مرة ورغم كل استنتاجاتي السابقة ، لم يخطر ببالي ما قالته توقعت أنها أحبت شخصاً آخر ، لكنها لم تفعل بل فعلت ما هو في نظري أكبر .

سارة

     تركته هناك يصاحب أفكاره ليقرر أنه لا يريدني ، فأنا أعرفه جيداً يحبني لكنه لن يترك كرامته تهان لسبب تافه في نظره ويقبل أن يعود كما كان معي سابقاً ، أعرف أن الصدمة كانت كبيرة جداً على شخص يحب من كل قلبه ، ولو أننا تركنا بعضنا منذ أكثر من ثلاث سنوات إلا أن الحب لازال يشغله ويشاغله ، أعرف أن هذا اليوم هو اليوم الأخير الذي ربما أراه فيه ، أو أرى في نظرته ما كنت أشتاق إليه من لهفته وحبه لي ، ستغادره تلك النظرة المترقبة التي تتابع كل تصرفاتي عندما أتواجد في مكان هو فيه ستغادره سعادته التي شعرت بها عندما التقيته في المطعم ستغادره الأحلام التي أعاد بناءها بعد أن عرف أني انفصلت عن أنطون لا أدري ما الذي سيفعله ؟ لكن من الأكيد أن شيئاً بيننا وإن كنا نخفيه تحطم الليلة ربما للأبد .

عدت لعملي في اليوم التالي ، كنت أفكر في فسخ التعاقد والعودة لبيروت ، وخفت من الشروط الجزائية التي وضعت في العقد ، لكن هناك إمكانية أن تلغى في حالة الاتفاق بين الطرفين على التسوية المالية وهيهات أن تسوي السيدة / نورا الأمر بعد أن تعرف أن علاقتي مع خالد انتهت للأبد ، انتهت وبسببي خالد يعيش مأساة عندها ستنتقم مني ربما لن أخاف لو كان خالد مكان نورا ، لأني أعرف أنه لا يحب الانتقام لكن نورا لازلت أجهل الكثير من طباعها .

مرت ثلاثة أيام على لقائي بخالد وقد حصل اليوم شيء أخافني عليه ففي فترة المساء كنت في مكتب السيدة / نورا وكانت متوترة كثيراً ، فسألتها لماذا التوتر ؟ فقالت : خالد لا يرد على اتصالي فقل لها اتصلي بالشركة ، قالت : اتصلت وسكرتيره أخبرني إنه اليوم الثالث الذي لم يحضر فيه للشركة ، انتابني القلق عرفت أن خالد في حالة سيئة ، إما نفسية لدرجة الانهيار وإما مرضية لحالة الخطر ، أردت أن أذهب إليه وأخبرت السيدة نورا برغبتي فشرحت لي كيفية الوصول لمنزله فذهبت استأذنت بالدخول من الحارس فأذن لي وعندما دخلت المنزل استقبلتني الخادمة فطلبت منها أن تخبره أن لديه ضيوفاً وطلبت منها أن لا تخبره باسمي لأني خفت أن يرفض مقابلتي ذهبت الخادمة وعادت بعد دقائق وهي تدعوني للصعود للأعلى ، رافقتها فأخذتني لغرفة مكتب بالطابق العلوي.

لا أدري لم ساقني الفضول إلى أن أعبث بالمكتب ؟ كان المكان كأن أحداً لم يمسه كأنه جديد وضع للتو تميل ألوان المكتب للذوق النسائي الهادئ ، وجدت شيئاً لفت انتباهي عقب سيجار في طفاية السجائر على الطاولة في الزاوية الأخرى عرف أنه كان يجلس هنا لكن لم لا توجد أي ورقة في مكتبه ؟ كيف يكون مكتب رجل أعمال خالياً من الورق والملفات ؟ كل شيء صامت في هذا المكان لا أدري لماذا ؟! .

توقعت أن يكون خالد في مزاج سيئ لكنه عندما حضر لم يقابلني بضيق ولا حذر بل سلم علي وقبلني رأيت أن حالته النفسية ليست بذلك السوء الذي توقعته ، تحدثنا قليلاً وأخبرته بإعجابي بديكور منزله فعرض على أن يريني المنزل بكل تفاصيله نزلنا للأسفل شرح لي أنه ترك المكان في الأسفل مفتوحاً بالكامل ليكون النظر ممتداً فيريح النفس ، وعلى الزاوية اليمنى دخلنا من باب لجناح أنيق به صالة استقبال وميني بار صغير أو مطبخ صغير – إن جاز التعبير – على طريقة الفنادق وغرفة نوم رئيسية أخبرني بأنه للضيوف وفي الزاوية الأخرى هناك مطبخ أنيق مفتوح على طاولة طعام سبور ، والمشهد لبهو المنزل من الزاوية الأخرى أراني كيفية توزيع الديكور هناك بعد تأثيرات الإضاءة ، والجبس المشغول بعناية وتصميم راقٍ للأرضيات الرخامية والتشكيلات الحجرية التي زخرفت الجدران وطاولة الطعام الأخرة الكلاسيكية الكبيرة كان المكان بالأسفل متسعاً كما يشبه الفندق بل أرقى ربما ، صعدنا للأعلى فالسلالم كانت على الجانبين دخلنا لملحق آخر أخذ ديكور الحداثة بكل تفاصيلها فغرفة الاستراحة بها مكتب صغير وتلفاز وغرفة ملابس ثم الغرفة الرئيسية وملحقاتها ثم ذهبنا لجناح آخر عاد بي تأثيثه إلى القرون الوسطى وجناح آخر للأطفال بكل ملحقاته فسألته : وأنت أين تقيم ؟ فأخذني لجناحه الخاص فكان أروعها جمالاً من كثرة ما وضع فيه من لوحات وزخارف لم تخرج عن نسق الأناقة ، وأنتيك موزع بشكل جعل المكان يبدو كالخيال ، ثم أعادني لغرفة المكتب الذي كانت تسبقه صالة استقبال بها مكتب كلاسيكي صغير ويوجد باب على كل طرف أشار لأحدهما وقال : هذا المكتب الذي كنا فيه وهذا هو مكتبي دخلنا إلى المكتب الآخر فشممت رائحة السيجار القوية ، ورأيت الأوراق المتناثرة والملفات المتراكمة والفاكس والهاتف والطابعة كل شيء تشوبه الفوضى تركني أتفرج ثم قال ما رأيك هذا مكتبي فسألته والمكتب الآخر لمن ؟ ضحك ولم يجبني بل أخذني للمكتب الذي استقبلني فيه وقال دققي في تفاصيل المكتب ستعرفين لمن هو وتركني وخرج .

نظرت أسفل قدمي فرأيت الباركيه الغامق ورفعت بصري ودققت بالمكتب فوجدته في نفس درجة اللون والتذهيب وضع بشكل راقٍ على الأطراف الستائر كسرت قوة لون الأرضية الداكن والإضاءة موزعة بشكل يلفت الانتباه لأجزاء المكتب : الخزانات التفاصيل الدقيقة ، وضعت بعناية واختيرت بعناية عرفت كل شيء وضع المكتب على ذوقي بالفعل به ملامح من مكتبي في بيروت السجادة وضعت كأنها متفرعة من الأرضية كل شيء كما أحب بالفعل استرجعت تفاصيل المنزل ، جناح الأطفال الذي وضع به سريران ، لقد اتفقنا أن ننجب طفلين ثم نرى هل نريد المزيد أم لا ؟ غرفة الضيوف وتوزيعها على نظام الاستيديو الفندقي اعجابي بالديكورات الحداثية وحبي للديكورات الكلاسيكية البهو وحبي لاتساع المكان لقد وزع منزله على ذوقي كل الألوان هي التي أحبها كل شيء كما أتمنى لم أتوقع أنه بنى أحلامه لهذه الدرجة التي رأيتها لقد وضع كل شيء من أجلي ألقيت بجسدي على الكرسي وأنا في حالة من الذهول وارتفع صوتي بالبكاء دون أن أشعر ، عاد خالد ومد يده واحتضنني وهو يقول لم أتركك تفكرين لكي تبكي بل لتعرفي مدى حبي لكِ ، شعرت بدفئه يتسلل لجسدي وهو يحتضنني فتركته يحتضنني حتى أجلسني على الكرسي .

قال لي بعدها : تعرفين أن كل ما جرى مؤلم وحزين وأني خلال الثلاث سنوات الماضية مرت بي كل مراحل الحزن حتى عاد الأمل بعودتك رغم حذري في التعامل معك وأني في اليومين الماضيين مر بي الضيق مروراً قاسياً ثم تركني بعد أن اتضح التفكير فكنت أؤنبك وأغفر لك أما تأنيبي فكان لتركك لي وهدمك أحلامي وأما مغفرتي فأتت مما فعلتي فرحلتي لأنك خنتِ حبي في بيروت ولم تكذبي وتتدعي أنك صنتِ ذلك الحب بل صبرتي وارتبطتِ بشخص لا تحبينه لتكفري عن ذنبك وتركته بعد أن عرفتِ ما جرى من اتفاق بينه وبين والدك ، ومغفرة أخرى تفرض نفسها لأنك كشفتِ لي كل شيء قبل أن أسمعه من غيرك ولو أردتِ لكان من السهل التقرب لي وإعادة العلاقة السابقة بكل تفاصيلها .

كان يتكلم وأنا أستمع باستغراب لما يقول كيف يفكر هذا الرجل كيف يستنتج ؟ ويضع الأعذار التي لو أردت أن أضعها لن أتمكن من وضعها بهذا الشكل المقنع كيف له أن يغفر لي بعد هذه الفترة التي عاشها بسببي في ضياع الراحة والسكينة ثم استوقفني كلامه وهو يقول : لقد غفر لكي عقلي أما قلبي فلم يغفر لك بعد لقد كان يحبك بكل ما تحمله كلمة الحب من معانٍ جميلة تحمل صاحبها ليلامس أحلامه ويشكلها فانزلتيه لدرك الظلام ليعيش بين وحشة نفسه وألمها ، فلا ينام إلى نوم المريض المتألم ولا يأكل إلا أكل الخائف من الوهن ، لقد تركتيه ليجرب كل المباهج ليكتشف أن كل شيء حوله مبتهج ، إلا هو فقد حصر نفسه بين رحيلك والضياع ، فإن عاد لحبك طوى نفسه وإن عاد للضياع لم يجدك .

تحدث بألم لم أسمعه من قبل احمرت عيناه ودمعت حاولت أن ألمس وجهه لأمسح دموعه فقال : لا عليكِ فليس وجودك هنا سبب ألمي بل كل شيء في المكان وضعته لكِ فصار وبالاً علي يذكرني بك صباح مساء أترين كل شيء ؟! بكيت لكني شعرت بضآلة دموعي أمام حجم ألمه وصغر حبي أمام عظمة قلبه حاولت أن أخرج إلا أنه شدني وقال : لن تخرجي متضايقة من منزلي أبداً ، قام من كرسيه وشدني من يدي لخارج المنزل ، صحبني لنجلس على كراسي الحديقة أمام حمام السباحة كان الجو منعشاً حينها أشار للخدم بأن يجهزوا العشاء فاعتذرت منه ، فقال : إنه لم يأكل منذ البارحة فألزمني بأدب بأن أتعشى معه .

طال بنا الجلوس حتى الواحدة بعد منتصف الليل حينها استأذنه ، لأذهب لشقتي فأشار إلى السائق أن يوصلني ، وآخر بأن يقود سيارتي ويضعها أمام منزلي ، حاولت أن أتملص من كل هذه الرسميات ، لكني فشلت في إقناعه كما كنت أفشل دائماً وأنا أحاول أن أغير رأيه فيما يريد .

تحدث معي مطولاً تلك الليلة تحدث بلطف بالغ وأدب جم وأسلوب ساحر يجعل المستمع إليه ينتبه لكل ما يقول دون غيره من تفكر أو حديث وعدني بأن يكون صديقي للأبد صديقاً بمعنى الأخ الأكبر الذي يحنو على أخته الصغيرة ويخاف عليها ويتابع تصرفاتها ، لا أستطيع أن ألومه فيما قال فهذا نتيجة طبيعية لما فعلت به ، بل إنه رغم ذلك يحمل لي الحب ، لكنه حب سيحمل طابع الوقار والاحترام لا مشاعر فيه ولا أحاسيس تلمس ولا حبيب في الانتظار .