رواية التقينا .. الفصل الخامس ..

الفصل الخامس

خالد

عدت للدوحة وأنا لا أملك من نفسي شيئاً حتى الذكريات الجميلة تشوهت من الضيق والحزن عدت لأجد أن العمل لم يعد يشغلني عن التفكير زهدت في العمل بل إني شبه هجرته ولو لا مدير أعمالي الذي يتمتع بالأمانة والصدق لما سار العمل بالشكل المطلوب .

ما الذي أدخلني في هذه المغامرة المجنونة من الأساس ؟ وما الذي جعلني أقتنع أنه يمكن أن أرتبط بتلك المرأة على وجه التحديد ؟ ألهذا الحد يكون الإنسان محدود التفكير حين تحكمه العواطف لكن عندما أعيد التفكير من جديد أجد أننا كنا نسير في الطريق الصحيح بل إننا كنا نقترب مما نريد فمع مرور الوقت كان والدي سارة يستجيبان بشكل جيد لمطالبها ، لكن فجأة كل شيء انهار لا أدري هل دمرته أنا بسذاجتي وحذري في علاقتي مع سارة ؟ أم أن سارة هي من دمر كل شيء ؟ لكن الأكيد أنه لم يعد هناك سارة هذا ما أقنعت به نفسي أو حاولت أن أقنع به نفسي بعد رحلتي الأخيرة لبيروت فعدت أنا وحدي كما في السابق ، أجلس وحيداً آكل وحيداً أسهر وحيداً ، تشاركني الذكريات وهي صديقة وحدتي الدائمة .

مضت ثلاثة أشهر وأنا لا أذهب للعمل كان مدير مكتبي ينتزع مني الوقت انتزاعاً لكي أوقع ورقة أو عقداً أو اتفاقية شراكة ، ثم بدأت أزور الشركة في أوقات متقطعة حتى عدت للعمل بشكل كامل ، بعد تلك الفترة العصيبة التي أصابتني ساعدني العمل على أن أفقد الكثير من همومي ، لم يخلصني العمل من التفكير ولا الذكريات لكنه على الاقل خفف عني تلك الوحدة التي كنت أحبس نفسي وسطها .

جدت أمور كثيرة في حياتي ، بل إني كسرت حواجز كثيرة في حياتي السابقة ، فأصبحت لا أمانع في أن اقيم علاقة مع أي فتاة أو سيدة تعجبني ، وقد عزلت عواطفي عن تلك العلاقات القصيرة في أبعد الأحيان ، وكانت أول علاقة أقمتها مع فتاة متهورة اقتحمت حياتي فتركتها تفعل ما تريد ، وأنا أعترف بأن تهورها كان مسلياً جداً خصوصاً عندما سقطت الحواجز وأصبحت العلاقة جسدية ، ثم توالت النساء بعدها ، لم أكن أسرف في ذلك الأمر ، لكن لم أمنع نفسي من التمتع بما أقابل من جمال .

كنت أرفض ذلك النوع من العلاقات كنت أرفضه بشكل صارم ، ربما كان موت زوجتي حاجزاً قوياً آلمني ، لكنه لم يجرحني ، أتعبني لكنه لم يقتلني حتى التقيت سارة وافترقنا كان إحساسي برحيلها يشبه الخيانة في كثير من جوانبه فهي تركتني رغم معرفتها بحبي وإخلاصي لها فما الذي استقدته من ذلك الإخلاص غير الألم والضيق وقليل من الذكريات الجميلة التي جعلتني مرتبطاً بسيدة تخلت عني ، أعرف أني لا أستطيع أن أنكر حبي لها ولا أنكر شوقي ولا رغبتي في رؤيتها واحتضانها ، لكن الحب الذي رجوته لم يتحقق ولم يمنحني ما كنت أصبو إليه من استقرار .

لم تكن علاقاتي الجديدة من دافع الانتقام ، لا على العكس تماماً ، بل كان لها دوافع أخرى فتفكيري السابق بأن الحب هو أساس أي علاقة قد انهار وكنت أنظر للرجال والنساء كيف يكونون تلك العلاقات المحرمة ويتخلصون منها دون جروح أو ألم ؟! بل يقفزون من زهرة لأخرى يتمتعون بالجلسات الحميمة والرغبات الجامحة ويفترقون ، فقررت أن أجرب وجربت ، هذا الجنون وأنا أصر أنه جنون لأنه مخالف لمبادئي ، لكنه استهواني ولو لفترة من الوقت وساعدتني أن أكتشف النساء أكثر وأعرف خوافيهن ودوافعهن ورغباتهن وأحلامهن الوردية .

مضت الأيام سريعة فلم يكن لدي كثير من الوقت بين العمل والعلاقات ورحلات العمل ؛ فالوقت أصبح محسوباً بشكل دقيق فكثير من العمل وشيء من المتعة وبقي الألم حين آوي لفراشي حين أنام لم أتمكن من نزع ذكرياتي السابقة رغم كل ما فعلت فلا النساء ولا العمل ولا السفر استطاع أن ينزع تلك المعشوقة القاسية التي أخرجتني من حياتها دون سبب واضح .

هناك شيء لم أخبركم به فسارة كانت تتصل بي تقريباً كل شهر ، لتطمئن على صحتي كنت أتضايق من اتصالها في البداية لكن تقبلت الأمر في نهاية المطاف دون أن أفتح لها المجال لتعود لحياتي فقد أصبحت مصدر خوف لدي ، أحبها وأخاف أن أقترب منها أحب كل شيء فيها لكن لا أريد ملامستها رغم اشتياقي إليها ولا أريد رؤيتها أعرف أن ما أقوله دليل واضح أني أتهرب منها أو أتهرب من مشاعري ، فأنا أعرف لو عادت إلي لن أتمكن من كبح جماح شوقي ، بل سأعود يدفعني ذلك الحب الذي لا يريد أن يموت .

سارة

      تحدد موعد زواجي بأنطون بعد شهر ، كنت أريد تأجيله أكثر لكن الجميع عارض فكرتي ، فقد أجلته مرتين حتى الآن رغم معارضة أسرتي ، وفشلت في تأجيل الأمر أكثر من ذلك ، كان أنطون يتردد على بيروت كثيراً بل شعرت أنه يريد أن يتم الزواج بأسرع وقت ، أعرف شيئاً من أسبابه فقد فشلت كل محاولاته التي جربها لاستمالتي للفراش في فترة الخطوبة بل كنت أتضايق أحياناً من يده وهي تلامسني ونـحن نرقص لكن كنت أقول لنفسي إنه سيستبيحني من جديد حين نتزوج فلم أتضايق الآن من تصرفه ، حاولت أن أتقبل الأمر ، لكنه كان صعباً على نفسي ، أعرف أني استسلمت له سابقاً لكن صدقوني لا أدري كيف تم الأمر بتلك السهولة في ذلك الوقت ؟! .

أحبني أنطون أحبني كثيراً رغم أني لم أجد مكاناً فارغاً في قلبي لأمنحه شيئاً من العواطف أو شيئاً من الحب ، بل على العكس كنت جامدة معه وقد صارحته بأنه كانت لدي علاقة سابقة مع شاب فلم يهتم بالأمر بل سألني هل وصلت العلاقة للفراش ؟ فقلت له : لا ، فقال : أي شيء آخر لا يهم ، استغربت من رده لكن شعرت بالراحة لأني أخبرته لم يسألني أنطون عن اسم الشاب الذي كنت أحبه ولا عمله ولا عن أي شيء بل قال : المهم أنك الآن لي أنا وحدي .

سيمتلك جسدي ، لكن لا أدري هل أمنحه قلبي في المستقبل أم سأبقى عاجزة أمام حبي السابق ؟ كان هذا الأمر يشغلني كيف سأكون معه في فراش واحد وأنا أفكر في غيره ؟ كيف ستكون علاقتنا بعد الزواج ؟ باردة فلا يبالي أحدنا بالآخر أم مزعجة تشوبها المشاكل والشجار ؟ لم أفكر أن تكون علاقتنا لطيفة بأي شكل بل تعاملت مع الأمر على أنه واقع يجب أن أعيشه دون نقاش أو جدل .

لم يحاول خالد الاتصال طوال الفترة السابقة وقد مضى ما يقارب التسعة أشهر بعد آخر زيارة له لبيروت يوم افترقنا كنت أتصل لأطمئن عليه بين حين وآخر كان يحدثني بلا مبالاة ويدعي انشغاله بالعمل ويعتذر مني لينهي المكالمة شعرت أن كرامته تمنعه أن يحدثني بإسهاب أو أنه لا يريد لأن يعود لما كان بيننا ولا ألومه بل أتصل لأطمئن عليه لأني السبب فيما جرى من تدمير لحياته وأتمنى رغم عدم معرفتي بظروفه كاملة أن يكون قد تجاوز الأمر أو على الأقل تجاوز ألمه .

أتمنى أن أراه وقد فكرت في الذهاب للدوحة ، ومنعني من ذلك خوفي أن لا يهتم خالد بزيارتي ، وأن لا يقابلني من الأساس ، ثانياً ما الذي سأقوله لو ذهبت إلى هناك ؟ هل أخبره بحبي له أم أواسيه على ما جرى أم ماذا ؟ تمنيت أن أكون معه فقط دون أن يتحدث فأنا مشتاقة له بكل معنى للشوق وكل معنى للحب ، لا يزال صدى كلماته يتردد في أذني ، وتأثيره يطغى على ما سواه من تأثير ، أنا السبب في كل ما جرى .

حصل أمر لم أكن أتوقعه تماماً فعندما اقترب موعد الزواج وجلست مع أنطون ، لكي نـحصر أسماء المدعوين وضع أسماء تجار كثر منهم أشخاص من الخليج ، وكان من ضمن المدعوين خالد سألته عن هذا الاسم فنظر لي باستغراب وقال : هل تعرفينه ؟ أخبرته أننا تربينا سوياً ، كنت أريد أن أكمل الحديث وأخبره بكامل القصة وأن خالد هو ذلك الشخص الذي كنت أريد إخباره عن علاقتي معه ، لكني التزمت الصمت لعلي أراه للمرة الأخيرة ، ثم ساقني فضولي إلى أن أسأل أنطون عن كيفية معرفته لخالد ففعلت ما خطر ببالي فأجابني : إن خالد كان شريكه في فترة من الفترات وقد ربطته به علاقة صداقة منذ ذلك الحين ، لم أشأ أن أتحدث أكثر عن الموضوع بل أخذت أسجل أسماء المدعوين لكي لا ألفت نظر أنطون للتغير الذي طرأ على ملامحي  .

هل سيأتي ليراني في فستان الزفاف ؟ لا شك أنه سيعتبرها طعنة أخرى أوجهها له ، لا أدري ما وقع الأمر عليه وهو يرى بطاقة الزواج ؟! وإن أتى تلك الليلة لا أدري ما سيكون وقع هذا الأمر في نفسي عندما أراه بعد تسعة شهور ؟! غادرني أنطون وأنا أكتب البطاقات ليتحدث في الهاتف فحاولت أن أخفي البطاقة التي كتب عليها اسم خالد إلا أنه عاد وطلب بطاقات رجال الأعمال التي عزلها عن باقي البطاقات ، وأخذ يتأكد من الأسماء مرة أخرى ثم خرج ليسلمها للمندوب ، لكي يودعها مكتب البريد .

كنت أذهب لمنزل خالد في نهاية كل أسبوع وأجلس كنت أتمنى أن يدخل ويفاجئني لكن المفاجآت غابت مع غيابه فأجلس في المنزل الذي لا يعرفه سوانا أسترجع ذكرياتي معه ، ثم أقوم وأرتب المكان وأنظفه لعله يأتي فيجد مكانه نظيفاً مرتباً كما كان في السابق وأخرج وأنا ألملم الذكريات من جديد ، لأعود في الأسبوع الذي يليه وأفعل نفس الشيء ، ويبقى الأمل في نفسي دون أن يتحقق .

بدأت الترتيبات على قدم وساق ، فكل شيء يجب أن يكون على مستوى الحفل الذي ستحضره شخصيات عامة ورجال أعمال ، كل الترتيبات كان أنطون ووالدي يعدون لها باهتمام بالغ الدقة ، ورغم أنه حفل زواجي لم أهتم كثيراً بالتفاصيل ولا حتى بالأمور الأخرى ، فأنا سائرة لقدري .

خالد

     كنت أتصفح البريد باهتمام كبير لكثرة ما به من اوراق مهمة وقد لفت انتباهي مظروف أنيق بجوار الأوراق عرفت أنها دعوة لحضور حفل زفاف ، فأسعدني الأمر ، فالزواج هو مستقر الحب الأخيرة مددت يدي وفتحت الظرف وأخذت أقرأ كان أول ما لفت انتباهي اسم سارة وأكملت فعرفت أن زوجها أنطون شريكي السابق في مصنع الأنابيب في ماليزيا ، هل يكون هو من اقتحم حياة سارة وجعلها تغير رأيها في الارتباط ؟ أخذت أتعرق بشكل كبير وكأن أجهزة التكييف لا تعمل وانتابني إحساس بالضيق كدت أختنق خرجت من المكتب لا شعورياً خرجت هارباً من ماذا ؟ هل أخاف أن يراني أحد في هذه الحالة ؟ أم أن الدنيا ضاقت لهذه الدرجة ؟ لعنت تلك الظروف التي عرفتني بسارة ثم بكيت كطفل لا يمكنه أن يتحكم في مشاعره كانت هذه المرة الأولى التي لم أستطع أن أتحكم في دموعي بعد وفاة زوجتي لكني لا أبكي ميتاً بل أبكي من الضيق .

لماذا اختارت أنطون ؟ لا أدري فإن كانت تفكر في الغنى والثروة فأنطون لا يعد أحد الأصفار في خانة ثروتي ، لماذا إذن اختارته ؟ لماذا رمتني من أجله ؟ لا أظن أن لوالديها تأثيراً في هذا الأمر بل إني أتوقع أن يكون الأمر صدر منها دون تدخل أحد ، أعرف أنطون جيداً فهو لا يعرف شيئاً في الدين الذي يعتنقه ، وربما قد زار الكنيسة وهو طفل برفقة والدته فقط ، أعرفه جيداً نعم هو ليس بسيئ الخلق لكنه ليس الشخص الذي يمكن أن تعجب سارة بشخصيته أو أن تحبه .

مرت ثلاث ساعات منذ خروجي من المكتب وأنا لا أعرف لأين أذهب ، حتى استقرت نفسي قليلاً فعدت لأرى أعمالي ، لا أريد أن يؤثر أي شيء على تجارتي التي أعتبرها الشيء الوحيد المضمون في حياتي ، عدت لمكتبي وأخذت البطاقة ، ووضعتها في أحد الأدراج وأغلقته لكي لا أراها ، كنت أريد أن أرميها في البداية ، لكني لم أفعل ولم أفكر لماذا في ذلك الحين فقط أردت الاحتفاظ بها ؟! .

بقيت بين العمل والمنزل في الأيام التالية ولم أذهب لأي مكان ولم أحاول أن أفعل أي شيء آخر كان تفكيري منصباً على سارة وكيف ستكون في فستان الزفاف ؟ هل ستكون سعيدة بالفعل أم لا ؟ بدأت أغير رأيي في مسألة الدعوة فآياً من كان قد أرسلها لكي يحطمني فلن يستطيع بل سأذهب وأبارك وسأقبل العروس والعريس ، فكرت بهدية تليق بسارة بمناسبة زواجها فكرت في كل الهدايا الممكنة فلم أجد أثمن ولا أفضل من منزلي الصغير الأنيق في بيروت ، لكي أبقي الذكريات حية في مخيلتها ، نعم سأهديها منزلها الذي كنت أصبو أن نكون فيه سوياً ، سأهديها المنزل الذي اختارته لي بنفسها ووضعت لمساتها في كل أرجائه أعرف أن لديها مفاتيحه حتى الآن ، ربما زارته بعد رحيلي لتتأكد هل أتيت لبيروت أم لا ؟ كنت أريد أن تتذكرني دائماً حتى لو كانت في أحضان رجل غيري ثم أفكر في أنها رغم ما فعلته معي قد منحتني السعادة على مدى ستة أشهر متواصلة نسيت فيها الدنيا ونسيت نفسي وكنت لا أفكر إلا فيها وكيف ألتقيها وما أفعل من أجلها لأني كنت أشعر بذلك الحب بذلك البريق الذي كان يملأ عينيها حين أنظر إليها وتلك الابتسامة الطفولية واحمرار الخجل وعناق اللقاء ودموع الفراق .

أسترجع كل المواقف وكل الأوقات أعيدها أتخيلها ، حتى أني أشعر بها أحياناً بجواري ثم أعود وأطرد تلك الأفكار لم تستطع النساء اللاتي عرفتهن بعدها أن تغير وجهة نظري في تلك السيدة ولن يستطعن مهما فعلن ، فللحب معانٍ خفية لا تصل لها نظرات ولا همسات ولا قبلات عابرة مجنونة ، سارة شيء مختلف نعم رحلت دون أن أعرف السبب دون أن أعرف دوافعها ولم أسألها لكي لا أجهدها وهي تبحث عن العذر المناسب للرحيل .

حكمت علينا الظروف في البداية ورغم ذلك لم أتخلَ عنها وهي كذلك بقيت معي على ذلك الشوق تقابلني به وتودعني به في كل مرة ، ولم يتغير أي شيء حتى صدمتني برحيلها المفاجئ ، كنت حريصاً عليها كل الحرص لا أجرحها ولم أغضبها ولم أستميلها لمتعة الجسد وقد اتفقنا على ذلك حتى يكون زواجنا شرعياً فيكون بيننا رباط يهبنا طفلنا الأول فكرنا لهذه الدرجة ، وفكرنا في تفاصيل أكثر صغيرة ، كانت أحلامنا كبيرة ، كنا نرسم الحياة والأمل والمستقبل دون ملل من الانتظار ودون التفات للظروف التي عاكستنا ، كنا نقول إن كل شيء يمكن تجاوزه ، وأن الكل يرضى بما نقرره نـحـن ، لكن كل ذلك لم يحصل وأظنه بعد هذه البطاقة لن يحصل أبداً .

مرت الأيام بطيئة هل تصدقون لو قلت لكم إني كنت أريد أن يأتي موعد الزواج سريعاً لأرى سارة بفستانها الوردي لأنها كانت تقول دائماً بأن فستان الزفاف يجب أن يكون وردياً كما أحلام العاشقين ، وأريد أن أرى بريق عينيها هل خف ؟ أم بقي على تألقه المعهود ؟ أريد أن ؟ أرى والدها كيف سيراني وأنا أحضر حفل الزفاف ؟ وأنطون شريكي السابق الذي لا أعرف لم وجد في هذا المكان الذي كان من المفروض أن أكون أنا فيه ؟ نعم هي الأقدار أذهب لحفل حبيبتي السابقة لكي أبارك زواجها بشريكي السابق .

الغريب في الأمر أني تلقيت دعوة ثانية لحفل الزواج بعد أربعة أيام من الدعوة الأولى وبعد أن طلبت من السكرتير أن يتأكد من اسم صاحب الدعوة ، عرفت أن والد سارة هو من أرسلها كدت أضحك حينها وقلت في نفسي هناك شخص آخر استطاع أن يثير غضبي قبلك ، أرسل لي والد سارة البطاقة ، لكي يعلمني أن ابنته بقيت مطيعة له وأنها تنفذ كل رغباته ، كنت أستبعد والد سارة من جميع الاحتمالات ، لكن وبعد إرساله للدعوة شعرت أنه وراء كل ما حصل .

لم يبق على زواج سارة سوى خمسة أيام وسأغادر غداً لبيروت أعرف أن الذكريات ستطاردني هناك ، لكن ذهبت لأسجل المنزل باسم سارة ، عند وصولي لبيروت ذهبت للمنزل في صباح اليوم التالي وأنهيت إجراءات نقل الملكية ووضعت السند في علبة أنيقة وبها مفاتيح البيت ، وبقيت في المنزل في ذلك اليوم لا أدري كيف اتصلت بسارة كان بداخلي شيء لا أستطيع أن أتحكم   فيه ؟ شيء يدفعني لتلك المرأة ردت على اتصالي سمعت نبرة الفرح في صوتها دعوتها أن تقابلني ترددت قليلاً لكنها أجابت الدعوة وجاءت لم تقبلني ولم تحتضنني كما كانت تفعل في السابق ، لكني لمست فرحها بلقائي كما لمست شوقي لها .

جلست معي سارة قرابة الساعة سألتها حينها لكي ترتاح نفسي هل كان أنطون يعرف بعلاقتنا ؟ فأجابت : لا ، أرادت أن تتحدث فمنعتها من ذلك وطلبت منها أن تهتم به لأنه إنسان جيد وأعطيتها الهدية ورحلت ، غادرت بعدها المنزل وحجزت في أحد الفنادق ، ويبدو أن الهدية فاجأتها فاتصلت وهي تبكي سألتني بعد أن هدأت لماذا أترك لها الذكريات ؟ أجبتها أنها من اختار المنزل وأنها من وضعت لمساتها الأنيقة في ديكوراته وتوزيعه وأنها من تستحق أن تكون صاحبته ، حاولت أن أغير رأيي في مسألة المنزل فأقنعتها أن الذكريات ليست تعيسة رغم رحيلها وأنها تركت لي كثيراً من الذكريات الجميل التي سأذكرها دائماً وطلبت منها أن لا تبدي أي انفعال يجرح مشاعر أنطون في الحفل فوعدتني بذلك .

كنت أكذب على نفسي وأنا أتحدث معها بهدوء كنت أريد أن أصرخ وأقول لها أحبك ، لكني لم أفعل ، بل أردت أن تنعم بحياتها وتشعر بالاستقرار الذي أفقده في حياتي بعدها ، أعرف أن الحب أناني والحبيب يريد حبيبته له وحده لا يلمسها غيره ، ولا يراها غيره دون أن يفكر أن لها قلباً ربما يجد سعادة أكثر مع شخص آخر يمنحها من الحب ما لم يمنحها هو ويعطيها من الحنان أكثر منه وتشعر بالراحة معه أكثر ، نعم الحب أناني فمن يفكر في أن المحبوبة رحلت حتى يتهمها بالخيانة والكذب وكل الصفات السيئة ويجعلها أيقونة للجروح ، من حق سارة أن تحب غيري ، فهي تملك قرارها ولا يحق لأي أحد كان أن يتدخل فيه .

كانت بيروت بالنسبة لي مجمع الذكريات الجميلة ومصدر الألم كذلك ، فكل مكان فيها كان يذكرني بمعشوقتي كل الشوارع والمطاعم حتى غروب الشمس ، كان يحيي في نفسي الألم كل ليلة كانت سارة تقف معي حين تنزل الشمس مؤذنة بليلة جميلة أخرى مع من أحب لكن الشمس اليوم تودعني وحيداً وترحل .

زواج سارة في الغد كان الأمر مثيراً ومؤلماً ، كانت إثارته فيما سيحدث وكيف ستكون سارة في حفلها ؟ وكان الألم أنها لن تكون وحيدة بعد الآن بل ستكون مع رجل آخر ، يمزقني هذا الشعور فكيف سأرى أنطون وهو يقبلها بعد لبس الخواتم ، قررت بعد هذا التفكير أن أتأخر قليلاً لكي لا أشاهد هذا الموقف بالذات ، صاحبني الأرق تلك الليلة وعند الفجر نمت وصحوت في الثالثة عصراً ، كان نوماً عميقاً لكني استيقظت بكابوس مزعج .

سار اليوم ببطء شديد وضيق شديد ، حاولت جهد استطاعتي أن أتغلب على هذا الإحساس لكي أكون في مزاج حسن عند حضوري للحفل الليلة ، لكن الأمور لا تسير بما أشتهي بل بقيت على حالي حتى ذهبت للحفل في التاسعة ، كانت الأناقة مطلوبة وتجربة الابتسامة المصطنعة التي يجب أن تكون مرتسمة في مثل هذه المناسبات ، ذهبت للحفل كان في الاستقبال والد سارة ووالدتها سلمت على والدها وقبلته وكذلك والدتها التي لحقت بي وشدتني لتتحدث معي بعيداً عن المدعوين سألتني عن صحتي ربما لاحظت حالة الهزال التي أصابتني فطمأنتها وسألتني : هل سارة تعرف أني سأحضر ؟ فأخبرتها أنها تعرف تنهدت لتطرد خوفها فقلت لها : سارة أختي ومهما حصل ستبقى في هذه المنزلة وأنطون صديق قديم هو من وجه لي الدعوة استغربت والدة سارة من كلامي لكنها ارتاحت لهذا الأمر .

كانت الصالة أنيقة جداً ورحبة ، والعريسان هناك على الكراسي الملكية يهنئهم الحضور ، توجهت لأنطون احتضنني بقوة وقال لي كنت أخاف أن لا تحضر فقلت له لا أستطيع أن أغيب عن  هذه المناسبة التفت لسارة وقال : فاجأتني بأنكما تربيتم سوياً ، قبلتني سارة حينها ودار حديث بسيط أوصيت أنطون أن يهتم بأختي الصغيرة ، فضحك ، ونزلت من المسرح توجهت لطاولة بعيدة جلست قليلاً ثم خرجت .

كان حفل الزواج جميلاً ، لكنه ليس كما كانت تحلم به سارة وفستانها أبيض لم ترتدِ الوردي الذي أخبرتني أنها ترغب فيه وعيناها لا تحمل ذلك البريق كانت جميلة نعم لكنها لم تكن مبتهجة لم أجد تلك الطفلة التي كنت أشاهدها في وجهها ، ولا تلك العاشقة التي أترقب كلماتها الناعمة ، لم تتحدث وأنا واقف معهم على المسرح ، بل كان حديثي مع أنطون الذي ارتسمت كل علامات السعادة والفرح على وجهه ، كان مبتهجاً ومن حقه لأنه سيرتبط بسارة ، أسعدني لقاء أنطون ؛ لكن لم يسعدني أن يرتبط بحبيبتي .

خرجت وقد اعتصرنِ الألم ، أوقفتني والدة سارة ثانية وأنا أغادر لا أعرف كيف نزلت دموعي وأنا أمامها احتضنتني فابتعدت عنها وغادرت المكان عرفت أن هذه الليلة هي ليلة الفراق الحقيقية بيني وبين سارة ، فلا مجال لأي علاقة معها مهما كانت الظروف ، حسدت أنطون كثيراً مع أني أكره هذا التعبير لكن ما مر بخاطري هو الحسد فكيف لي أن لا أحسده وسارة ستنام على سريره  الليلة ؟! سيلامسها ويقبلها ويعاشرها وسيستيقظ في الصباح ليجدها بجواره ، كيف لي أن لا أحسده وهو سيحظى بتلك القبلة الدافئة والأحاسيس الجميلة التي تغمر أي رجل يرافق امرأة تحمل كل الصفات التي يحلم بها ؟! .

في اليوم التالي غادرت بيروت عائداً للدوحة وقد مات ذلك الشعور الذي كنت أشعر به حين أعود بعد مقابلة سارة في السابق بل ماتت أشياء كثيرة بعد زواجها بأنطون .

سارة

     آه تنهدت ، وبكيت بعد أن خرجت من منزل خالد قبل زواجي بيومين كنت أود أن أحتضنه لكني منعت نفسي وكنت خائفة من أن يتهور فكان أكثر تحفظاً مني بكثير بل لم يحاول أن يقبلني وهو يسلم علي ، حينها بكيت ، يوصيني خيراً بأنطون فآه لو عرف أنه السبب في فراقنا ، لقد أصبح خالد نـحيلاً جداً والحزن بادٍ في ملامح وجهه ورغم ذلك كان يوصيني بنفسي .

لم أفكر في أن أفتح الهدية ، وأنا معه لكن المفاجأة التي رأيتها في العلبة الأنيقة لم تكن خاتماً أو عقداً غالياً بل عقد أبرم بيننا دون أن نكتبه عقد كتب بكل صدق بين عاشقين اختارا حتى منزلهما ورتباه وجهزاه لاستقبالهما أهداني المنزل الذي كان مصدر فرحتي في السابق كنت أعتبره منزلي وهو معي ، فأهداني إياه ليكون هو مرافقاً لي وأنا مع غيره من الرجال .

تحدثت معه ، حاولت أن أثنيه عما فعل حاولت أن أقنعه ، لأعيد له المنزل ، حاولت أن أتخلص من بعض الذكريات ، لكنه أراد أن تبقى ذكراه معي ترافقني أراد أن أجد رائحته في المنزل ، وأراد أن أتخيله في كل زاوية وكل ركن ، غريب ذلك الرجل يعرف أين يضع نفسه فهو يملك الثقة حتى في حزنه وألمه ، نعم رأيت ألمه رأيت حزنه في عينيه في نبرة صوته كان هادئاً لكن الحزن كان يطغى عليه .

كنت أود أن أحتضنه على المسرح حين جاء  ليبارك لي أنا وأنطون ، لكن عجزت حتى عن الكلام وعندما نزل من المسرح نزلت مني دمعة جففتها بسرعة لكن أنطون انتبه لها واقترب مني وسألني فأخبرته : بأني تذكرت أن خالد فقد زوجته فدمعت عيني ، احتضنني أنطون وقتها تمنيته خالد لكني عاجزة عن تغير قدري ، سارت الليلة على النسق الذي تسير عليه بين كل الأزواج لم أمنع أنطون من شيء ، وكان هو لطيفاً معي  ، وفي الصباح كنا نجهز أغراضنا لنسافر في شهر العسل الذي اقتصر في نهاية المطاف على أسبوع للانشغال أنطون وارتباطه بالعمل .

حمدت الله أن شهر العسل كان قصيراً لأن أنطون كان يرافقني في كل وقت ، وكنت أضغط على أعصابي حتى لا يشعر بتغير في تصرفاتي و مزاجي ، كان لطيفاً معي لأبعد الحدود وكان يراعي مشاعري كثيراً حتى في أوقاته الحميمة كان كذلك ، احترمت أنطون فقد شعرت أنه يحبني ، لكني لا أستطيع أن أدخله إلى قلبي ، لكن يجب أن ينعكس احترامي لاهتمام وهذا ما أحاول دائماً فعله .

عدت بعد رحلة العسل القصيرة لبيروت جلست في منزل والدي كضيفة هذه المرة ، لأن أنطون كان يجهز منزلنا في باريس ، ولم يبقَ سوى اللمسات الأخيرة طلبت أن أضع ديكوراته بنفسي لكنه صمم أن يسلمه لمكتب ديكور مختص ، لم أهتم بالأمر بل رضيت بما أختار دون كثير من النقاش والجدل ، سأبقى في بيروت ما يقارب الأسبوعين ، سيقضي أنطون الأسبوع الأخير هنا أيضاً في منزل والدي .

كانت والدتي تحدثني دائماً عن واجباتي الزوجية وما يجب أن أفعل مع زوجي من اهتمام به وبالمنزل حتى ضجرت من حديثها وطلبت منها أن تكف عن هذه النصائح ، لأن الزمن تغير وأني سأعمل حتى وأنا متزوجة ، ولن أبقى في المنزل وفجأة سألتني هل تحدثت مع خالد بعد الزواج أخبرتها بأن علاقتي بخالد انقطعت قبل أن يخطبني أنطون وأن عليهم أن يصدقوا هذا الأمر وأن لا يكرروه على مسامعي هي ووالدي ثانياً لكن فضولي دفعني أن أسألها ما الذي ذكرها بخالد في هذه الفترة كان كلامها واضحاً وقد فوجئت عندما علمت أن والدي أرسل له بطاقة دعوة لحضور الزفاف ، وعرفت منها أنها تحدثت مع خالد من قبل في حفل الزفاف لكنه كان منهاراً ولم يحدثها .

أخبرت والدتي بأن أنطون أرسل بطاقة دعوة لخالد ولهذا حضر للحفل ، فحضوره لم يكن بناءً على دعوى والدي وأن أنطون يُكن له احتراماً بالغاً تحدث معي عن شراكته السابقة مع خالد وكيف كانت تعامله تجارياً سألته عن ثروة خالد حينها فقال لي شيئاً لا أصدقه فقد كان خالد ثرياً لدرجة أن ثروة أبي وزوجي لا تساوي شيء عند ثروته استغربت من كلامه أبديت استغرابي ، وأخبرته بأن خالد لا يبدو عليه أنه يملك ثروة بهذا الحجم وهو صغير السن فأخبرني أن والده كان ثرياً وأن عمه أدار ثروته ببراعة وعلمه كثيراً من أساليب التجارة ، وساعدته دراسته للاقتصاد كذلك وأخبرني انه لا يحب التصنع بل البساطة ، وافترض أنطون لو أني زرت الدوحة لعرفت مستوى المعيشة التي يعيشها خالد ومدى قوته في عالم المال .

لم يخبرني خالد عن هذه الثروة الطائلة حتى والدي لم يخبرني بذلك ، أو ربما لا يعرف ما وصل إليه خالد بعد وفاة والده ولا يدري لأنه غادر قطر منذ زمن طويل ولو كان يدري لغير رأيه ، لأني أعرف نظرة أبي للمال نعم كان خالد يأتي إلينا في تاكسي ويذهب أحياناً ماشياً خرجت معه كثيراً لم ألحظ قط أنه ثري لهذه الدرجة التي تحدث عنها أنطون كان يأكل على الرصيف ولا يبالي ويمشي في الحواري دون خوف ويلبس نعم كل ملابسه ماركات مسجلة ، لكنها بسيطة ربما المرة الوحيدة التي رأيته متأنقاً بشكل كامل هي عندما علمته الرقص تلك الليلة التي غيرت رأيي في أسلوب علاقتي معه نعم كان متأنقاً وكانت بدلته تحمل علامة ماركة عالمية غالية الثمن ، كما أني لاحظت أنه لا يسكن إلا بفنادق خمس نجوم ولا يسافر إلا على الدرجة الأولى ولم يقل قط لشيء يريد شراءه أنه لا يستطيع أو أنه غالي الثمن حتى يوم أن أشرت عليه بشراء المنزل الذي أهداني إياه لاحقاً لم يناقش في السعر بل حول لي المبلغ خلال يومين .

لن تزيد معرفتي أن خالد ربما يكون مليارديراً حبي له فقد أحببته لأنه خالد ذلك الشاب الجذاب الغريب المؤدب لم أفكر ولم أسأله عما لديه وما يملك وهو كذلك كان يتحدث عن المال بشكل بسيط لا يبالغ كعادته في كل شيء واقعي بسيط نعم هذه أفضل صفة تميزه بساطته ، فلم يكن مغروراً ، ذهبت حينها لغرفتي فتحت العلبة التي أحضرها لي في زيارته الأولى أخرجت البروش الذي أحضره لي فأخذته ، وتوجهت لأقرب محل مجوهرات يمكنه أن يعرف نوع الألماس والأحجار الكريمة الموضوعة فيه ، وقد عرفت أنه ألماس حر سألته عن قيمة البروش فأجاب بأنه ربما يتجاوز الثلاثين ألف دولار بقليل .

جاء أنطون لبيروت خرجنا سوياً كان الخروج في بيروت مع أنطون مؤلماً فكثير من الأماكن ، كانت تذكرني بخالد تحملت كل شيء كتمت في نفسي ذلك الضيق ، لكي لا أصدم أنطون ولا أجرحه ومضى الوقت وغادرنا لفرنسا لمنزلنا هناك كانت شقة أنطون أنيقة وراقية ، لكنه لم يجلس معي كثيراً فالعمل يشغل كل وقته وقد جعلني أشرف على المحلات التي أسسها لبيع الملابس والإكسسوارات مما شغلني كثيراً وطور من تصوراتي للعمل في مجال التصميم والإكسسوار بل في مجال التجارة النسائية بشكل كامل ، بذلت جهداً كان واضحاً ، حتى إن نسبة المبيعات زادت خلال ثلاثة أشهر بمعدل الربع مما أدهش أنطون فجعلني شريكة بنسبة الربع على أن أدخل مشغلي ومحلي في بيروت ضمن المشروع ، فوافقت واستمر العمل .

خالد

     عدت للدوحة متعباً جسدياً ونفسياً أيضاً أرهقتني تلك الرحلة لبيروت أرهقتني سارة كثيراً دون أن تعرف ما أعاني مما تفعل كان زواجها بأنطون نهاية مرحلة من حياتي ، كنت أود أن لا تنتهي أبداً بهذا الشكل المأساوي الذي تمت عليه ، فلا أنا ولا هي كنا نتمنى ذلك ، ثم رحلت هي وبقيت أنا وحدي الذي لا أتمنى ذلك ، ربما رحلت ربما لما تتمنى أو ربما كانت لديها دوافع ومبررات أخرى لا أعرفها .

لم أترك مشاعري هذه المرة تؤثر على عملي مطلقاً فتحاملت على نفسي وتابعت أعمالي دون توقف ودون أن يشعر أحد بأي تغير في تصرفاتي أو قراراتي فالعمل يجب أن يكون هو الهم الأول بعد الآن ، فلا سارة بعد ذلك وإن كانت موجودة ، فهي بعصمة رجل آخر لا يحق لها أن تخونه أو أن تحب غيره ولا يحق لي أن أكون بينهم كي لا أؤثر على حياتهم الخاصة التي يعيشانها .

مرت الأيام برتابة كعقارب الساعة لا تقف أبداً رغم طولها ومللها وثقلها إلا أنها سارت دون توقف ، وأنا لا زلت منهمكاً في عملي ولا أفكر في شيء سواه إلا تلك الذكريات التي كانت تمر ببالي كل يوم ، لكنها ذكريات مؤلمة تزعجني كل ليلة ، حاولت أن أبعدها عن رأسي دون جدوى وبعد جهد تمكنت أن أبقيها في خانة الذكريات وإن كانت تحمل الحزن في جوانبها وتأتي باستمرار دون مواعيد مسبقة  .

مرت السنة الأولى على زواج سارة ولم يتم بيننا أي اتصال أو لقاء ولو بالصدفة ربما نسيت سارة كثيراً من الأمور بعد أن تزوجت أنطون ، أو ربما أصبحت أنا سطراً في ذكرياتها ، لأنها أصبح هناك مع شخص آخر يلهمها الذكريات الجديدة ويشاركها أيامها فلا  تفكر في غيره ولو فكرت في غيره ، لا تفكر كثيراً ولا تفكر بحزن أو ألم بل تكون ذكرى عابرة ربما تحمل قدراً من السعادة أو التعاسة .

يوجد أمر مهم في حياتي أو شخصية قوية ، إن جاز التعبير وجدت منذ زواجي الأول تجسدت في سيدة أعمال تعرفت عليها في فترة زواجي  كانت تهتم بأعمالي أو تجعلني شريكاً في بعض أعمالها التي كانت تديرها ربما أعجبها أن ينخرط شاب صغير السن في العمل التجاري ، ويحقق نجاحات قوية من البداية كانت تتشارك معي في مسائل غريبة ، فعندما تريد أن تكون عضو مجلس إدارة في إحدى الشركات كانت تتصل بي وتطلب أن أشتري أسهماً في تلك الشركة وتكون هي قد فعلت نفس الشيء ثم أوكلها بالانتخاب في انتخابات مجلس الإدارة وبأخبار التداولات والتعاقدات التي تصدر من الشركة ، وعندما يرتفع سعر السهم أبيع نصيبي وأخرج بمبلغ محترم من المال في أقل من شهر ، كان هذا أغلب شراكتنا مصلحتها وفائدتي كانت تكبرني بثماني سنوات ، فهي في الخامسة والثلاثين وعلى فكرة لم يكن بيننا أي علاقة من أي نوع يخطر ببال أحد على الإطلاق بل بقيت أحترمها وبقيت تحترمني .

هذه السيدة أعتبرها نوعاً خاصاً من النساء التي وقفت كثيراً وأنا أتأمل تصرفاتها فهي تعرف كل شيء عني وعن والدي وأمي وزوجتي السابقة نعم ، فهي تصل لزوجتي السابقة بصلة قرابة وبسبب زوجتي تعرفت عليها ، هي ليست جميلة بالقدر الذي تتوقعه لكنها تحمل قدراً كبيراً منه ومن الجاذبية والأناقة كذلك كانت تتصل باستمرار  بعد وفاة زوجتي ، وتتحدث معي ومنها أصبحت هي الأخت الكبيرة التي ألجأ إليها بعد كل مرحلة مؤلمة في حياتي ولم أتحدث معها بعد عن أمر علاقتي بسارة قبل زواجها لكن اتصلت بها بعد عودتي من بيروت وحضوري حفل الزفاف لأتحدث معها لأني كنت أريد أن أخرج ما بي من ضيق .

كان كلامها يصب في مصلحة سارة هذه المرة ، على عكس عادتها التي كانت تقف بجانبي دائماً ، سألتها عن دفاعها عنها ، فقالت : تملك النساء قلباً وجسداً ، فللقلب شأنه ، وللجسد شأن آخر ، طلبت منها تفسير ما تقول فقالت : لو أن علاقتي بسارة وصلت لمرحلة الفراش لما تركتني ، فكرت في الكلمات التي قالتها وقلت لها : لا لا يكون الحب هكذا ؟ فردت بجرأتها المعهودة : لو كان من تتحدث عنها آنسة ، لقلت لك إن كلامك صحيح ، لكنها سيدة تزوجت من قبل لذا فعلاقة الحب مرتبطة مع الجسد لديها ، فقلت لها : لما لم أفكر أنا بهذا الشكل ؟ فقالت : لأنك تحبها من كل قلبك لذا كنت تخاف أن تجرحها أو أن تفعل شيئاً تفقدها بسببه وربما يكون تأثير المجتمع الخليجي أو الوازع الديني لديك قوي ، أخبرتها بأننا اتفقنا على أن يكون زواجنا هو قمة العلاقة ، فقالت : لو كان زواجكما خلال شهر لصدقت أنكما تستطيعان أما أن يمتد قرابة العام ، فهذا مستحيل لدى كثير من النساء والرجال أيضاً .

كانت محقة كنت أشعر برغبة سارة في كل لحظة تكون معي فيها ، ولم أفعل لها شيئاً بسبب خوفي عليها وعلى مشاعرها وعلى علاقتنا ، كانت السيدة / نورا مصدر راحة بالنسبة لي وبقيت كذلك قرابة العام ، حتى بعد أن تزوجت لم تتحجم العلاقة الأخوية التي بيننا ، وعرفتني على زوجها فكان شخصية محترمة منفتحة يؤمن بأن زوجته سيدة أعمال ولها الكثير من العلاقات العامة كما أنها عرفتني عليه على أني زوج أحد قريباتها ، بل وأكدت على أني أخوها الصغير .

كانت تسألني بين حين وآخر عن سارة هل نسيتها ؟ أم لا ؟ وفي إحدى المرات أجبتها أني بدأت أنساها فصرخت في وجهي وقالت : يجب أن تبقى تحبها دائماً ، بعد شهر من هذه المكالمة اتصلت وطلبت أن تشاركني في مجمع تجاري على غرار كبرى المحلات العالمية يختص بكل أمور النساء الراقيات على حد قولها لم أمانعها وحولت لها المبلغ كان قرابة الخمسة عشر مليوناً ، أخبرتني بعدها بشهر أن معنا شريكاً أجنبياً سيتولى إدارة المجمع ، فلم أبالِ لمعرفتي بدقتها وحسن تصرفها في الإدارة بشكل خاص ، استمر الاتصال بيننا لمعرفة التطورات التي تتم بالمشروع الجديد  حتى اتصلت ودعتني لحفل الافتتاح .

كان مشروعاً راقياً بالفعل ، وضعته على غرار كبرى محلات الأزياء العالمية ، لكنها شكلته بشكل ملفت للانتباه فهو يمثل محلاً كبيراً يشمل كل شيء وكل التخصصات كلها من الماركات العالمية المعروفة ، وبعض الماركات الجديدة التي رأت فيها جودة التصنيع الأوربي الراقية ، كان الافتتاح بسيطاً وما أحرجني ان أغلب الحاضرين كن من النساء إلا أنا وشخص اعتقدت في البداية أنه الشريك الأجنبي الذي حدثتني السيدة / نورا عنه ، لكني اكتشفت أنه مدير إحدى الشركات الموردة  لمستحضرات التجميل الاجنبية .

مرت قرابة العامين على شراكتي مع السيدة / نورا ولم تقف الشراكة على هذا المستوى بل تعددت وكنت أقبل كل المشاريع التي تعرضها من شركات فرعية ، أو فروع للمحلات ، فهي تتحمل الإدارة وأنا أجني الأرباح كما أنها شريك مضمون ومحل ثقة ، لم أحاول التدخل في أي مشروع أقامته تحت مسمى شركتنا ، بل لم أسألها عن أي تكاليف مالية أو أرباح لأن هذه الأمور يراجعها مكتب محاسبة مالية مختص ، أما في إدارتها للمشاريع والوكالات التي حصلت عليها الشركة فكان لها الحرية الكاملة في التصرف ، ورغم ذلك كانت تبلغني بكل التطورات التي حصلت وكل تصوراتها المستقبلية للشركة .

لم ألحظ أي شيء يثير انتباهي تجاهها ، ولم ألحظ أنها تخطط لأشياء لم أحسب حسابها من قبل ، فالسيدة / نورا كانت تعتبرني أخاها الصغير بالفعل فبعد وفاة زوجتي التي كانت قريبتها كانت تطالبني بالاستمرار بالحياة بشكل طبيعي وأن لا أترك الحزن يسيطر على حياتي ، وكنت بدوري أستمع لها فقد كانت تقول الصواب ، وبعد معرفتها بعلاقتي مع سارة كانت لحوحة في هذا الجانب وتطالبني بأن أعيد الاتصال بسارة ، وأن لا أقطع الأمل أخذت هذا الجانب من حديثها بنوع من التهكم ، ولم أوليه أي اهتمام ، لكنها كانت مهتمة بالفعل بل فعلت ما لم أتوقعه أو ما لا يخطر ببالي .

اتصلت بي ذات يوم ودعتني لعشاء عمل ، استغربت لأنها لم تفعل ذلك منذ أن تزوجت ، ذهبت إليها تلك الليلة فوجدتها قد حجزت طاولة في زاوية المطعم جلست معي قليلا ثم استأذنت وقالت إنها ستعود بعد ربع ساعة إلا أنها تأخرت كنت لا أرى من يدخل للمطعم لأني كنت أجلس في الجهة المقابلة للمدخل وإذا بالجرسون يأتي ويزيح الكرسي بجواري لكي يجلس عليه شخص ما ، لفت انتباهي المشهد ونظرت للكرسي لأرى من الذي سيجلس فيه ، والأكيد أنها ليست نورا لأن كوب العصير الذي كانت تشرب منه في الكرسي المقابل لي والكرسي الذي حركه الجرسون بجواري كانت سيدة ، وقفت حين رأيتها فتجمدت مكانها لما رأتني تصدقون ، كانت سارة وقف قلبي حينها ولم أستطع أن أقول شيئاً وأظنها شعرت بصدمة حينها ، لأنها لم تسلم علي بل خرجت من المطعم دون أن تتكلم .

اتصلت بنورا مباشرة سألتها عن الذي فعلته فضحكت وقالت : لأنكم لا تعرفون مصلحتكم أين ! لا تغادر المطعم سأعالج الموقف نفذت رغبتها المجنونة لكي أعرف سبب وجود سارة ، جاءت بعد نصف ساعة ومعها سارة فجلست وأجلستها بجواري وقالت : شريكتنا سارة ، اكتشفت من الحديث أن سارة كانت هي الشريك الأجنبي الذي أخبرتني عنه ، لم أعرف ذلك لأني منحتها توكيلاً عاماً  منذ تأسيس الشركة بالإدارة والتعاقد في كل المشاريع المشتركة بيننا ولم تكن سارة شريكة في مشروع واحد بل في ثلاثة مشاريع .

أدارت نورا الجلسة باحتراف كبير ثم طلبت الإذن لربع ساعة عرفت أنها ستغيب لفترة أطول مما ادعت لتترك لي المجال أن أبقى مع سارة ، سالت سارة بعد خروجها عن أنطون فأخبرتني بأنه بخير لكنه لم يستطع الحضور للدوحة لانشغاله بالعمل لم أعرف كيف أبدأ حديثاً متصلاً معها ؟! ولم أحسن التصرف في تلك الليلة كانت مشاعري خارج السيطرة حتى أني تعرقت كثيراً مع أن الجو بارد في المطعم .

سارة

     ما هذا الأمر الذي جرى في المطعم ؟ متى أصبح خالد شريكاً ؟ فكل هذه المشاريع التي نفذتها مع السيدة / نورا وكل العقود التي أبرمتها مع الشركة التي تعاقدت معها يذكر فيها فقط اسم الشركة الأم كطرف أول ويحمل العقد توقيعي وتوقيع السيدة / نورا دون أي طرف ثالث ، لكنها أخبرتني بأن هناك شريكاً لها في تلك الشركة وقد منحها توكيلاً عاماً للتصرف في جميع أعمال الشركة لم أسألها عن اسم الشريك ولم أحاول معرفته لكن لماذا خالد بالذات ؟ هذا ما أثار استغرابي وفضولي ، لذا سألت السيدة / نورا عندما اتصلت بي بعد أن خرجت من المطعم فسألتني حينها عن سبب انزعاجي  فتجاهلت سؤالها وسألتها : من ذلك الشخص الموجود على الطاولة ؟ فأجابت شريكي لقد أخبرتك أن هناك شريكاً ثالثاً فسألتها : لم أر اسمه في العقود ؟ فأجابت : هو شريكي في الشركة الأم المتفرعة منها شركتنا ، بعدها سألتني : لماذا أنتِ متوترة لهذه الدرجة ؟ تمالكت أعصابي حينها ، وقلت : إني كنت أتوقع أن تكون وحدها هناك ، طلبت مني العودة للتعرف على شريكنا وقالت : الرجل يمنحني الثقة في إدارة أمواله وقد طلب مني أن أحضر الشريك الثالث لكي يسأله عن بعض الأمور فلو لم تعودي ستنهار ثقته ، فانتظرتها ودخلت معها المطعم .

لم أره منذ أكثر من عامين ، لم يتغير لكنه مختلف كل الاختلاف بالزي الخليجي ، تجنبت النظر إليه بشكل مباشر رغم تحديقه في ملامحي وتجنبت أن أتحدث معه وفعل هو نفس الشيء وعندما غادرت نورا سألني عن أنطون كدت أخطئ وأخبره بأني انفصلت عنه منذ ما يقارب السنتين لكني أبقيت هذا الأمر في نفسي ولم أخبر به أحداً ، قلت له : إن أنطون مشغول ولا يحضر للدوحة لهذا السبب ، لم يتحدث معي عن أي شيء آخر كأن ما جرى كان بمثابة الصدمة له ، لاحظت هذا في كلامه المتلعثم في تعرقه الشديد في طريقة أكله فكانت الشوكة ترتعش في يده ، بل وسقطت أكثر من مرة حتى أنه لم يكمل طعامه بل اكتفى بالقليل .

لم أخبركم عن سبب انفصالي عن أنطون كان السبب تافهاً في نظره وعظيماً في نظري ، فقد كنا في بيروت حينها وكان أنطون قد خرج لينجز بعض أعماله فأردت ، أن أزور منزلي الذي أهداني أياه خالد لأرتبه وأنظفه فذهبت إلى هناك وبقيت قرابة الساعتين وأنا أنظف المنزل فقد كان متسخاً ، لأني لم أزره على مدى أربعة أشهر متتالية ، وفجاه دق جرس الباب استغربت خفت أن يكون الطارق خالد ، لكنه كان أنطون فتحت له الباب فدخل مندفعاً إلى الداخل وأمسك بكتفي وصرخ في وجهي ماذا تفعلين هنا ؟ أصبت بالصدمة من تصرفه الفظ ، فأزحت يده عن كتفي وقلت هذا منزلي وتركته واقفاً وجلست على الأريكة جاء وجلس بجواري وأعتذر ، لكنه سألني : لم تخبريني أنك تملكين منزلناً هنا من قبل ؟ أجبته قائلة : لم تأتِ فرصة مناسبة لكي أخبرك ، فرد بسرعة : ألم يكن من الأفضل أن نبقى في منزلك فترة وجودنا في بيروت ؟ فقلت له : لا أفضل البقاء في هذا المنزل ، سألني : لماذا ؟ فأجبته بعد تردد : أفضل أن أبقى عند والدتي في فترة وجودي هنا ، سكت أنطون ثم وقف وأخذ يتجول في أرجاء المنزل ، دخل كل الغرف فتح كل الخزانات لم يقلقني تصرفه هذا ، بل أردت أن يطفئ شكه بنفسه ، وبعد كل هذا جاء وفي يده برواز به أشكال طفولية سألني من الذين بالصورة ؟ أخبرته أنه خالد ووالدته ووالده ، فقال : يبدو أنك تحتفظين بذكريات جميلة مع خالد ، لا أعرف كيف أجبت على هذا السؤال ؟ فقد قلت له : نعم ، فسألني ليتحقق : في فترة الطفولة أم بعدها ؟ نظرت إليه باستغراب وقررت أن أتحدث معه بصراحة مطلقة فقلت : في الطفولة وبعدها حتى قابلتك في باريس .

سكت أنطون وأخذ يتعرق بشدة أخذت أناديه : أنطون ، أنطون فلم يرد علي بل حدق بي وهو يفكر ثم قال : لم تخبريني عن علاقتك معه ، فأجبته : كنت أريد أن أخبرك فمنعتني من الكلام وسألتني حينها هل وصلت علاقتكما للفراش ؟ هل تتذكر هذا الحديث أم نسيته ، هز رأسه وبلع ريقه فسألته : ما بك ؟ فرد على سؤالي بسؤال : هل كان خالد هو الذي تقدم لخطبتك قبل أن أقابلك ؟ فأجبته : نعم ، قام وأخذ يدور في المكان ثم قال : لم يخبرني والدك بذلك ، عندها نهضت من مكاني وسألته : وما الذي كان يجب على أبي أن يخبرك به ؟ فقال : لا تفكري بما قلت وخرج من المنزل ناديته لكنه لم ينتظر .

ذهبت للبيت توقعت أن يكون أنطون هناك لكنه لم يأتِ إلا في وقت متأخر برفقة والدي استوقفتهما ، وأعدت السؤال على أنطون : ما الذي كنت تريد أن يخبرك به أبي قبل خطبتنا ؟ بلع ريقه وطلب مني الجلوس ليشرح الأمر ، فجلست وأنا متوترة استأذن أبي وذهب لغرفته وتحدث أنطون فقال : لقد زرتكم في المنزل بعد انقطاع طويل ورأيتك عرفت حينها أنك منفصلة عن زوجك أعجبت بك وبدأنا نعمل سوياً ، وجدت أنك فتاة محترمة مؤدبة جادة ، فقلت لنفسي هذه هي السيدة المناسبة لتشاركني حياتي فاتحت والدك بالموضوع ، فقال لي اصرف النظر فلديها مشكلة عاطفية .

لم أنهِ الموضوع مع والدك بهذا الشكل بل أخذت ألح عليه حتى أخبرني بأنكِ على علاقة مع شاب وهو يريد الزواج  بك ، ووالدك رافض ، لم يخطر ببالي أن أسأله ما اسم الشخص الذي تقدم لخطبتك ؟ لكن استأذنته في محاولة إقناعك بالأمر فقال : لم لا ؟! بدأت أتودد إليك دون أن ألفت انتباهك وفي باريس بالذات تعمدت أن يكون الشراب الذي في كأسك قوي المفعول لعلمي بأنك لا تشربين كثيراً ، لكنك شربتِ من ذلك الشراب كمية أكبر من أن تبقي أي شخص في وعيه ، لا أنكر أني كنت أتوق لاحتضانك ففعلت ولم أجد أي ممانعة منك ونـحـن نرقص وشربتي مجدداً في الديسكو وكنتِ ممتعة ورافقتك للفندق كنت أتمنى أن تصل علاقتنا للفراش لكي لا تستطيعي الرفض إن تقدمت لخطبتك وهذا ما تركتينِ أفعله عندما ذهبنا للفندق .

كان أنطون يتحدث وأنا في حالة من الذهول حتى انتهى فنهضت من على الكرسي وصفعته حينها دون أن أشعر ، ذهبت بعدها لغرفة والدي ، رأى أني غاضبة فانتبه لي وأنا أقول له : يكفي تدخل في حياتي لقد دمرتني مرتين يكفيك تعسفاً وخرجت من عنده متوجهة لغرفتي لم يأتِ أنطون لينام في غرفتنا تلك الليلة بل نام في أحد الفنادق لكنه عاد في اليوم التالي حاول أن يتحدث معي فطلبت منه أن يوكل محامياً ليبدأ إجراءات الطلاق نظر لي باستغراب وقال : هل جننتِ ؟ فقلت له : لتعلم أني كنت أظن أنك تجهل أني كنت أحب شخصاً غيرك وبمقابلتنا في باريس وما جرى في تلك الليلة ، انهارت علاقتي بمن أحب ، لأني خنته مع شخص لا يعني لي شيئاً ، أما أنك تعرف أني مرتبطة عاطفياً مع غيرك وتهدم كل شيء متعمداً فأنت لا تستحق أن تعيش معي ساعة ، نظر أنطون إلى باستغراب ، ثم حمل الجاكيت على كتفه وخرج كان حزينا بدا ذلك في ملامحه .

بعد أسبوع من هذه المشاجرة اتصل محامي أنطون وطلب أن أحضر لباريس لنسوي موضوع الطلاق ، وما يترتب عليه من أمور فطلبت منه أيضاً أن يبدأ بمسألة فض الشراكة التجارية بيني وبين أنطون ، لم تأخذ الإجراءات فترة طويلة ، فلم يكن هناك اختلافات كثيرة بل بعض المشاكل البسيطة كتصميمه أن يبقي المشغل والمحل في بيروت ضمن الشركة ، وأن يعوضني عن ذلك واستطعت أن أحل هذه المسألة بعد أن اتصلت بوالدي ,اخبرته بأنه يتحمل المسؤولية في هذا الأمر فتحدث مع أنطون وتم حل المسألة بسرعة ، لكن دون أن يعيد انطون لي المشغل والمحل فبالغت في طلب التعويض فلم يعارضني ودفع لي مليون دولار ثمناً لهما بالإضافة لقيمة شراكتي معه التي كانت بنفس القيمة تقريباً كان هذا المبلغ رأس المال الذي شاركت به السيدة / نورا .

عدت حرة ، لا أنطون ولا خالد ، بل عدت صاحبة قراري فوالداي بعد هذه المسألة التي صدمتني مجدداً لم يحاولا أن يؤثرا علي في أي شيء بل إنهما لم يعارضا أن أعيش لوحدي فذهبت لمنزلي الصغير الأنيق وبقيت هناك لم أفكر حينها في أن أعيد علاقتي بخالد فكيف لي أن أضمن أنه لازال يحبني كيف لي أن أعرف مشاعره بعد كل ما جرى توقعت أنه كون علاقة مع فتاة أخرى أو تزوج  … ربما .

لكن أثار فضولي وجوده مع نورا فما نوع هذه العلاقة القوية التي تربطه  بتلك السيدة لكي يقيم شراكة معها ويمنحها توكيلاً مطلقاً للتصرف في الشركة ؟ دون أن يسألها كيف تتصرف في أمواله على أقل تقدير أعرف أنها ممتازة في الإدارة التجارية لكن أن يمنحها ثقة مطلقة فهذا أمر يستوجب الشك .

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s