رواية التقينا .. الفصل الرابع ..

الفصل الرابع

خالد

لم أتوقع مجيء سارة للفندق لأني أعرف أنها وقعت في مشكلة مع أسرتها بسببي ، وعندما رأيتها قادمة نهضت لأسلم عليها فلم تفعل ، بل جلست وسألتني : ماذا تريد ؟ كان سؤالها بمثابة الصدمة ، هل تسألني بعد كل ما جرى ماذا أريد ؟ ألم تشعر أني أحببتها بعد كل هذا ؟ لم أجبها بل ركزت نظري عليها والتزمت الصمت لكي تفكر قليلاً ، سألتني ثانياً : ماذا  تريد ؟ لم أجبها ، حينها قامت وصرخت في وجهي ماذا تريد مني ؟

نهضت من مكاني وأمسكتها من كتفيها وهززتها برفق وناديتها باسمها سارة ، سارة ، سارة ، كنت أريدها أن تفيق من حالة الغضب التي وصلت إليها ، بكت كالأطفال هدأت من روعها قليلاً وأجلستها على الكرسي ثم نظرت إلي والدموع لا تزال في عينيها فسألتني مجدداً ماذا تريد مني ؟ فسألتها : هل تعرفين أنتِ ماذا تريدين من حياتك ؟ شعرت أن دموعها قد توقفت فجأة لم أترك لها المجال أن تتحدث بل أكملت حديثي : أنا كنت مثلك تماماً لا أجد إجابة لهذا السؤال لكني الآن أعرف ماذا أريد فهل تعرفين أنتِ ماذا تريدين ؟ هل تريدين أن تصبحي غنية مشهورة سيدة مجتمع ؟ كل هذا لا يهم عندما تتعلق الأمور بالعواطف والاستقرار النفسي كل شيء لا قيمة له في المقابل تريدين أن تعرفي كيف يكون هذا ؟ انظري إلي فكل ما قلته قد مررت به لكني حين وجدتك أهملت كل هذه الأمور لكي أبقى معك أنتِ دون غيرك من آلاف النساء اللاتي رأيتهن .

التزمت الصمت ثم قالت : هل تحبني لهذه الدرجة ؟ نعم لكني لا أستطيع أن أجيب على سؤالك الأول الذي طرحته ، لأنه كان من الواجب أن تسأليني ماذا نريد ؟ نـحن الاثنين !! لا ما أريد أنا وحدي ولا أنتِ وحدك ، ابتسمت وقالت : آسفة ، مددت يدي لها وأخذتها “للوبي” أردت أن تشرب شيئاً يهدئ أعصابها لأني أعرف أنها ستلجأ للخمر وستشرب كثيراً إن لم تهدأ أعصابها تحسنت حالتها النفسية وأخذ الكلام بيننا يدور بهدوء ، طرحنا المشكلة كما هي وناقشناها ، لم نكن متفقين تماماً فقد بقت مشكلة الدين عائقاً آخر يقف في وجه علاقتنا ، لأنها تدرك مدى تصميم والديها وممانعتهم الشديدة التي ستكون عائقاً قوياً ، استمرت جلستنا نـحو الثلاث ساعات ثم غادرت .

لم أغلق أمامها أي باب بل طرحت الاحتمالات كلها  إن كانت في صالحنا أو ضدنا لأني أردت أن يكون قرارها نابعاً من أمور واضحة لا لبس فيها ولا تسويف ، لأنها إن لم تكن مقتنعة بما ستفعل سينعكس ذلك على علاقتنا التي ربما تمضي رغم أنف الجميع ، رغم كل هذا الكلام ، لم ينتج حديثنا قراراً نهائياً بما سنفعل مستقبلاً ، والشيء الوحيد الذي اتفقنا عليه هو أن علاقتنا ستستمر لمتى ؟ ولأين ؟ لم يملك أي منا إجابة على هذا السؤال .

تبدو الأمور واضحة من ناحيتي على الأقل ، أما من ناحية سارة فهناك بعض الغموض أستطيع أن أفسره أو أفسر جزءاً منه فهي وحيدة والديها ، وهي المدللـة التي لا ترفض طلباتها ورغم ذلك يكون تأثير الوالدين في الأسر التي تملك طفلاً واحداً تعلق عليه كل آمالها وتطلعاتها وأحلامها – تأثيراً قوياً – ففي زواجها السابق كانت المصالح جزءاً من الزواج وكذلك مكانة زوجها الاجتماعية ، ربما كان هناك مصالح عمل ، إلا أني اكتشفت أن والدها كان يريد لها أن تكون سيدة مجتمع تحظى باحترام الناس ، ويكون بذلك ضمن الحياة المستقرة والمستقبل لابنته .

لا ألوم والدة سارة فيما تفكر فيه من أني شاب خليجي عاد ليتسلى بابنتها فترة ثم يرحل ، فكثير من الشباب يأتي إلى هنا لهذه الأمور ومن حقها أن تخاف على ابنتها الوحيدة وأظنها فكرت في ارتباطي بابنتها رغم أنها لم تطرح الموضوع على سارة وتعرف ما ستواجه ابنتها إن انتقلت للعيش معي في الدوحة ، لأنها جربت الحياة في قطر ، من الأكيد أنها لا تعرف أن الظروف تغيرت كثيراً هناك ، وهناك أيضاً مسألة مهمة طرحتها على سارة حين تحدثنا فمن الطبيعي أن والديها يرغبان في أن تعيش ابنتهما بالقرب منهما لا أن تكون بعيدة عنهما ، وبينت لها مدى شوقهما لاحتضان أطفالها أيضاً وربما الذهاب بهم للكنيسة وتعميدهم وهذا لا يتأتى لهم بارتباطها بمسلم ومن أين من الخليج ؟! .

استغربت سارة من طريقة تفكيري حتى أنها اهتمتني بأني أريد التخلص منها في بعض الأحيان ، فشرحت لها وجهة نظري كاملة ، وأننا تجاوزنا مرحلة المراهقة ، ويجب أن نفكر بشكل صحيح وأن ننظر للأمور من منظور الإنسان الواعي والمتفهم لما يدور حوله وأنه يمكننا أن نـحقق ما نريد دون أن نخسر أحداً ممن نـحـب ، ذكرتها كذلك بأهمية والديها في حياتها وأنها لو استغنت عنهما كيف لي أن أثق بأنها لن تستغني عني بعد   فترة .

غادرت سارة بعد ذلك وتركتني أفكر … أنا !! هذا هو السؤال الأكبر الذي يجب أن أطرحه على نفسي قبل أن أطرح أي سؤال يتعلق بسارة ، هل أستطيع أن أعود لحياتي السابقة أم لا ؟ تحيرني الإجابة ففي تفكيري الآن ترتبط سعادتي بسارة ارتباطاً قوياً قل ما شئت بدافع الحب بدافع الغريزة بدافع التغيير من حياة الكآبة لحياة السعادة بكل الدوافع مجتمعة لم أجرب الرحيل عن سارة ولا أريد أن أجرب فهذه الفتاة أعجبتني حتى تمكنت من أن تجعلني أرسم مستقبل حياتي معها لا بل إني لم أفكر كيف ستكون سارة وسط مجتمعي الخليجي المحافظ ؟ كيف ستقتنع بعاداته وهي منفصلة عنه اجتماعياً ؟ فإن استطاعت أن تتجاوز هذا فكيف ستتجاوز ديانتها المسيحية التي تعتز بها ؟ ومن حقها ذلك وكيف ستدمجها في علاقاتها هناك إن تم الأمر ؟ .

أسئلة كثيرة دون إجابات فلا أستطيع أن أجيب قبل أن تبدأ المرحلة الأولى من حياتنا المشتركة ، تلك الحياة التي اضطررنا لمواجهتها بعد أسبوع من علاقتنا فبدت أول المشاكل باعتراض والديها ولا أدري أين ستكون المشكلة الثانية ولا الثالثة ؟ ومتى ستبدأ ؟ ومتى ستنتهي ؟ تلك المشاكل ، أعرف أن الدنيا لا تسير بالاتجاه الذي نريد دائماً ورغم ذلك أجد في نفسي العزيمة والتصميم لمواجهة ذلك الأمر والمرور من خلال تلك الظروف وبيدي سارة .

سارة

     لا أنكر أن خالد أزال الشكوك التي زرعتها والدتي في نفسي ليلة البارحة ، لكنه جعلني أفكر في الموضوع بشكل آخر لم أحاول أن أفكر فيه من قبل ، قد رمى المشاكل على الطاولة وقال لي أنظري لماذا تكونت ؟ وكيف ينظر لها الآخرون ؟ وكيف يفكرون في الحلول التي يعتبرونها صحيحة من وجهة نظرهم ؟ كل هذه الأمور لم تكن تخطر في بالي بل استغربت من طريقة تفكيره لدرجة أني ظننت أنه يريد التخلص مني بطريقة مهذبة ، لكنه رغم ذلك أقنعني بأن ما يقول هو الصواب فلا مجال لدي أن أستغني عن والدي ولا مجال لهم للاستغناء عني .

يجب أن أواجه المشاكل بروية وتمعن لا بتسرع وعصبية لكي لا نصل لطريق مسدود بسبب العناد والتعصب فبإمكاني أن أختلف مع والداي وأذهب لخالد ونتزوج بسرعة وينتهي الأمر وسأكون أنانية حينها ، لأني لم أفكر في إسعادهم وإرضائهم ، بل فرضت عليهم ما أريد ، وربما بقليل من الصبر ، ولو تأخرت مسألة ارتباطي بخالد قليلاً أستطيع أن أقنع والداي فتكون السعادة مشتركة وإن لم يسعدا فعلى الأقل لم أعصيهما ، هكذا جعلني خالد أفكر فتبينت لي الجوانب الخفية من المشكلة ، الآن أستطيع أن أواجه ابي بهدوء أكثر من ذي قبل .

توجهت للمنزل وأنا مصرة على أن يكون لقائي مع والدتي هادئاً لأبعد الحدود ، حتى لو اضطررت إلى أن لا أفتح معها موضوع ارتباطي بخالد الليلة ، وفعلاً قابلتها فقبلتها واحتضنتها كأني طفلة وجدت والدتها بعد أن تاهت ، استغربت أنها بكت فلم أتوقع أنها بهذا الضعف أمامي جلست معي تنصحني سمعتها ولم أقل شيئاً بل تركتها تتحدث بإسهاب عما يدور بخاطرها تحدثت معي عن الحياة بشكل عام في هذه المرة ، ولم تركز حديثها على خالد وعندما أتت على ذكره امتدحته وقالت : إنها تعرف أنه شاب ممتاز يتمتع بكل الصفات الطيبة ويكفي أنه مثل ابنها .

لم أناقشها حتى بعد أن انتهت من الحديث حينها نظرت إلي فابتسمت لها فقالت : خرجتِ غاضبة وأتيتِ تبتسمين وتستمعين لما أقول لماذا ؟ لم أحيرها بهذه النقطة بالذات لأني أريدها أن تعرف ما سبب هذا التحول السريع في انفعالي ، أخبرتها بأني ذهبت لخالد فأخبرني أنه لا يستطيع أن يستغني عني مهما جرى ، لكنه شرح لي ما سبب رفضكم وخوفكم فعدت لرشدي وأتيت إليكِ لكي تعرفي أني ابنتك التي تحبك .

تصدقون أنها ضحكت حينها استغربت من الأمر فشرحت لي أنها تذكرت حكمة والدته عندما كانت تذهب إليها وهي غاضبة من والدي فتهدئها وتناقشها وتضع الأعذار فتعود لوالدي مبتسمة منشرحة الصدر ترحمت عليها كثيراً حينها ، بل إنها نسيت حزنها من البارحة ، وأخذت تتحدث عنها تركتها تتحدث فذكرت قطر وكيف كانت في الثمانينيات ؟! وكيف كانت معاناتها مع الوحدة والفراغ !!  .

بعد ذلك استأذنت منها ودخلت غرفتي وبعد خمس دقائق لحقت بي وسألتني : هل غيرتِ رأيك في مسألة الارتباط بخالد ؟ فقلت : لا ، لكني لن أقدم على أي شيء دون موافقتكم جلست بجواري وقالت : انا أحب هذا الشاب كابني لكن لا يمكن أن أدعك تتركيني بسبب ارتباطك بشاب مسلم من الخليج ، قلت لها : يوجد وقت طويل لنفكر بشكل أفضل في هذا الموضوع وأخبرتها بعد ذلك بأن موعد نومها قد فات فقبلتني وخرجت .

ما رأيته اليوم ربما يكون بداية تحول في رأي والدتي ، بل رأيتها ألطف بكثير من ليلة البارحة ، بل رأيتها تتحدث عن خالد ووالدته بطابع الحب الذي كانت تذكرهم به سابقاً سأرى غدا ماذا ستفعل حين تعرف أني ذاهبة لأقابل خالد منذ الصباح ؟ هل ستعود للعصبية من جديد أم أنها ستكون على طبيعتها هادئة ؟ أتمنى أن تتكشف الأمور قريباً وأن لا يطول الأمر كثيراً .

بقي والدي العنيد فهو يأمر ويذهب دون أن يستمع لأحد فكرت كيف أستطيع إقناعه ؟ فلم أجد أسلوباً مناسباً لذلك فأنا لم أتعود أن أتحدث معه مثلما تعودت أن أتحدث لوالدتي بل عندما كنت أريد شيئاً منه أخبر والدتي وهي من يأتيني بالموافقة أو الرفض ، حتى عندما يتحدث والدي في أمور تخصني أجد صعوبة في مناقشته أو ربما أنا لا أريد مناقشته ، لأني أعرف طريقة تفكيره فأتركه يتحدث حتى ينتهي ، ثم أتركه وأغادر إلى غرفتي ، الجيد في الأمر أني لم أقابله الليلة ، فقد أتى للبيت ودخل غرفته كعادته دون أن يمر علي ، فأراحني من عناء التفكير في كيفية إقناعه .

في الصباح اكتشفت أني نمت لأكثر من ثماني ساعات متواصلة فاستغربت أني استطعت أن أنام نوماً عميقاً وسط هذه الأجواء المشحونة والمتوترة ، ارتديت ملابسي على عجل وتوجهت للفندق وجدت خالداً نائماً ، فأيقظته وسألته هل نام جيداً ؟ فأشار بـ  لا  ، عرفت مدى توتره واكتشفت انشغاله بموضوع ارتباطنا ، كان حديثنا طوال الوقت يدور حول هذه المسألة .

سارت الأمور ببرود تام لم أر خالد المرح خالد الذي ينسيني كل شيء وأنا معه ، كان تفكيره مشغولاً طوال الوقت ناقشني كثيراً في موضوع أبي كان يريد أن يتحدث معه لكن طلبت منه أن لا يفعل الآن على الأقل فلو تغير رأي والدتي يمكن أن يغير أبي موقفه هذا من وجهة نظري ، لكن خالداً كان له رأي مختلف قال ربما تلين والدتي لأنها رأتني هادئة وربما تطمع في أن أغير رأيي في الارتباط .

لم أتأخر اليوم ، ففي تمام السابعة عدت للمنزل وجدت العائلة مجتمعة هناك أبي وأمي وخالي بيير من جديد أعرف جيداً لما يقحم نفسه في حياتي الخاصة فأنا بالنسبة له كنز ينتظر أن أكون من نصيبه أو من نصيب ابنه الوحيد ، لقد تحدثت مع والدتي بخصوصه مرات عديدة ، لكنها لا تغلق الموضوع فبين حين وحين تفاتحني في موضوع الاقتران بابن خالي مع علمها المسبق برفضي لذلك الارتباط  .

جلست معهم ، ولم أسمح لأي منهم أن يتحدث في مسألة خالد ، فعندما تكلمت والدتي أخبرتها أني قد منحت نفسي فترة للراحة ولا أريد أن أشوش تفكيري ، ساد الصمت فترة ووجدت أن جلوسي معهم لن يغير من مزاجهم ، فهم يريدون أن تكون الأمور محسومة مبكراً لصالحهم ، وأنا لا أريد على الأقل أن يكون خالي بيير طرفاً في هذه المسألة ، لذا تركتهم وغادرت إلى غرفتي .

خالد

     كانت أهدأ مني اليوم بل كان تفكيرها صائباً في الكثير من الأمور على عكس تفكيري المشوش فكل ما فكرت فيه عدت وعدلت عنه سريعا إلا موضوع حديثي مع والد سارة ، فهذا النوع من الرجال لا يستسلم بسهولة ، لأنه يرى قراراته صائبة دائماً ، هذا النوع من الرجال يحتاج المواجهة لكي يرى أن خصمه أقوى مما توقع حينها يعرف أن به ضعفاً فيغير رأيه .

لم أؤجل المسألة بل اتصلت به وطلبت مقابلته ، رحب ودعاني إلى أن أزوره في منزله الليلة ، استغربت سرعة رده لكني لم أتأخر ارتديت ملابسي وتوجهت لمنزله لا أخفيكم بأنه قد ساورني الشك بأنه سيوافق على ما سأطلبه ، لكني على يقين أنه بعد أن أخرج من عنده سيعيد حساباته من جديد .

لم أستغرب وجود والدة سارة التي انسحبت بعد أن سلمت علي ببرود لكن ما أثار استغرابي وجود السيد / بيير سألت والد سارة مباشرة أني كنت أريد مقابلته بمفرده فأجابني أن بيير خال سارة وفي مقام والدها تماما ، سألت والدها : بصفته في منزلة والدها أم هي في منزلة زوجة ابنه ؟ تغير وجه بيير وقال لي بغضب : احترم نفسك وأنت تتحدث معي ، لم أرد عليه بل وجهت الكلام لوالد سارة وقلت : لا يهم بأي صفة يحضر فأنا أعرف ما جئت من أجله.

لم يطلب مني والد سارة الجلوس لكني جلست في الكرسي المقابل له أردت أن أهمش السيد / بيير قدر المستطاع أو أشعره بعدم جدوى وجوده معنا ورغم ذلك لم يفكر في المغادرة بل هو من بدأ الحديث فسألني جئت لتخطب سارة ؟ أليس كذلك ، تجاهلته ووجهت حديثي لوالدها دون أن ألتفت لبيير الذي كتم غضبه وسكت خاطبته قائلاً : سيدي تحدثت معك سارة بشأن علاقتي بها وعرفت منها أنك رافض لتلك العلاقة وما سيترتب عليها ، نظر لي بهدوء وهو يخفي دهشته من أسلوبي في الحديث وقال : ما دمت تعرف ردي لماذا جئت إلى هنا أساساً ؟ جئت لأبلغك أنك والسيدة حرمك تحتلان منزلة في نفسي لا أريد أن تتأثر بأي مسألة أخرى ، حينها نظر لي باستهزاء فأكملت حديثي ، مسألة علاقتي بسارة لم أرتب لها ولم أفكر فيها سابقاً لكن الآن أصبح الوضع مختلفاً بشكل كبير ، فأنا أريد ان أرتبط بها ولا أريد أن يتم هذا الأمر دون موافقتك ، صرخ في وجهي وقال : لا تهددني ، كنت أتمتع بالهدوء أكثر منه ؛ فقلت : هل تظن أني أستطيع تهديدك في بلدك وفي منزلك إلا أن أكون مجنوناً ؟! لكني جئت لأذكرك أن ابنتك لم تعد مراهقة بل هي في الخامسة والعشرين من العمر ولها تجربة زواج لم تنجح وأظن أن القرار يجب أن يكون لها في هذه المسألة .

كنت أريد أن أستفزه قدر المستطاع ، لكي يدخل في جوانب الرفض التي قالها لسارة ونجح ما فعلت فقال : تريد أن تتزوجها وتذهب بها بعيداً وربما تقنعها بدينك بعد فترة فتسلم ؟! هذا ما تريد فعله أليس كذلك ؟ رددت عليه بسرعة : هل تظن أنها طفلة تقتنع بأي شيء  بقطعة حلوى أو آيس كريم ؟! إنها امرأة ناضجة تتمتع بعقل راجح فإن لم تشعر برجاحة عقلها فهذه قضية أخرة ، أما مسألة أن تعيش معي هناك في قطر فمن الطبيعي أن تعيش مع زوجها وتعرف سيدي وضعي المادي جيد فهل تظن أني سأمنع ابنتك من الحضور لبيروت في أي وقت أو متى شاءت ؟!!! .

صمت قليلاً ثم استطرد قائلاً : أنت تفكر بأسلوبك أنت وتنسى أعرافنا وعاداتنا نـحـن المسيحيين ، أتظن أن مجتمعنا يقبل ما تفكر فيه أنت أو تنوي فعله ، إن وضعي الاجتماعي في الطائفة لا يسمح لي بأن أوافق على زواجك بابنتي وأنت مسلم ، قال هذه الكلمة ثم سكت أو أنه أراد أن يسمع ما ردة فعلي على ذلك ، لم أبخل عليه بالإجابة فقلت : مشكلنا أننا ننظر للدين من اتجاه الطائفة والقبيلة ، كذلك أتظن أن الأمر سهل أن أرتبط بفتاة مسيحية وأنت تعرف أن وضعي الاجتماعي ليس في القبيلة فحسب بل في المجتمع ككل ربما يفوق وضعك بكثير ؟ لكني تجاوزت هذه النظرة المعتمة من أجل سارة .

ساد الصمت من جديد وتغيرت النظرات من الغضب إلى المفاجأة والاستغراب في نظر السيد / بيير والإعجاب بنظر والد سارة لكنه مصمم على رأيه فعدت أحدثه من جديد : سيدي لو أعجبت سارة بشخص مسيحي من أصول لبنانية من الأرجنتين أو البرازيل ربما حصلت على موافقتك وأنت لا تدري هل زار هذا الشخص الكنيسة في حياته من قبل أم لا ؟ ولم تفكر كيف ستزورك ابنتك عبر هذه المسافة الشاسعة التي ستقطعها كل مرة ؟ ربما لأنه مسيحي ستتقبل كل هذه الأمور .

لم يتحدث فالتزمت الصمت أنا أيضاً ودارت النظرات بيننا نـحن الثلاثة فكل واحد منا يصبو لأمر لن يغير رأيه فيه ، ولن يقبل برأي الآخر ، شعرت بأن والد سارة ليس لديه ما يقوله إلا أن نظراته كانت تقول لي ارحل ، وأنا عن نفسي لن أرحل حتى أسمع ما يخفي في نفسه .

كسر الصمت السيد / بيير حين قال : المشكلة يا ابني أنك لا تريد أن تفهم أنه من المستحيل أن تتم الموافقة على زواجك من سارة ، كان كلامه استفزازياً لحد كبير وكان ردي عليه عنيفاً أكثر مما توقع ، فقلت له : أريد أن أعرف هل الموافقة على زواجي من سارة ستصدر منك أم من والدها ، احتقن وجهه غضباً لكن الرد جاء من والد سارة فقال : عليك أن تعرف أن السيد / بيير في منزلة أخي الأكبر وعليك أن تحترمه ، شعرت أن محور المشكلة في حديثنا ليس إقناع والد سارة بل وجود بيير معنا ، فقلت : لا أعرف هل هو خال سارة أم في منزلة والدها أم في منزلة الأخ الأكبر للأسرة ؟ أم أنك ستضع السيد بيير شماعة لتعلق عليها تصميمك على الرفض ؟ امتعض مما قلت  وكأني كشفت ما يخفيه في نفسه لكنه تمالك أعصابه ، وقال : على كل حال أريد وقتاً للتفكير في المسألة وسأرد عليك في وقت لاحق وسكت ، ثم استطرد قائلاً : أظن أن الحديث في هذه المسألة لا يتحمل أكثر من ذلك ، فهمت حينها أنه يجب علي الرحيل فاستأذنت وخرجت من المنزل .

استغربت أن سارة لم تتدخل في حديثنا فعلى حد علمي أنها موجودة في المنزل ، لأنها أخبرتني بذلك عندما وصلت ، لكنها لم تخرج من غرفتها وفي غمرة تفكيري شعرت أن هناك يداً تربت على كتفي فالتفت فإذا بالسيد / بيير يقول أريد أن أتحدث معك ،  نظرت له باستغراب فماذا يريد أن يقول هذا العنيد المتعجرف فعدت إليه بعد لحظة تفكير سريعة وقلت : تفضل ، سألني هل تحب سارة لهذه الدرجة ؟ لم أجب على سؤاله فقال : أعرف أن سارة تكرهني لأني أردتها لابني في السابق وهي نقلت لك الموضوع بهذا الشكل ، لكن يجب أن تعرف أن ابني تزوج من ستة أشهر وهو يقيم الآن في كندا مع زوجته ، سكت ثم عاد ليقول : سارة لا تعرف هذا الأمر حتى الآن ، فنظرت إليه باستغراب وسألته لماذا إذن ترفض ارتباطي بسارة ؟ ضحك  وقال : ربما لم أكن مقتنعاً بك من قبل لكني غيرت رأيي بعد أن سمعتك تتحدث الليلة ، سألته : لماذا لحقت بي إذاً ؟ فأجاب : يمكنني إقناع والد سارة ، فسألته ، كيف ؟ فقال : والد سارة وهب نفسه للتجارة وعالم المال فلو كانت لك معه مصالح تجارية قبل أن تخطب سارة لوافق دون تردد ، سألته مجدداً وما العمل الآن ؟ فقال : يمكننا التأثير عليه من هذا الجانب لكن بشكل مختلف ، نظرت إليه لأعرف ما يفكر فيه هذا الرجل فعاد يحدثني : يمكنك أن تبدأ معه مشاريع بشكل غير مباشر ثم تكشف له الأمر فيعرف أن مصالحه مرتبطة بك فيوافق على الزواج حينها ، قاطعته بسؤالي له : مشاريع بشكل غير مباشر كيف ؟ فقال : أن يكون بينك وبينه شخص وسيط يخفي شخصيتك ، سألته من هذا الشخص ؟ فقال : أنا ، احتقرته وهو جالس معنا في منزل والد سارة وكرهته الآن ، بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى وأردت أن يعرف ما بداخلي فقلت  له : بيير أريدك أن تعرف شيئاً مهماً أني أستطيع أن أفعل في هذه البلد ما لا تستطيع أنت ولا والد سارة فعله ، فأنا شريك لرؤوس كثيرة في بيروت ووسيط لتجارتهم في قطر ، ولو أردت أن أستخدم نفوذهم فيما أريد لفعلت لكني لا أريد أن تدخل مسألة النفوذ ولا المال في علاقتي بسارة ، لذا أنصحك بأن لا تتدخل في هذه المسألة من قريب أو بعيد ، لأن من سيتخذ القرار في النهاية أنا وسارة وما طلبي لموافقة والديها إلا تقديراً لهم ، نظر إلي وهو يبتسم وقال : أنت حر وأعطاني ظهره وغادر .

استفزني حديث بيير كثيراً لكنه بين لي جانباً مهماً في شخصية والد سارة فربما جانب كلامه الصواب فوالدها ترتبط حياته كلها بمصالح العمل حتى في زواج ابنته السابق فعل نفس الشيء لكني لم أقتنع بهذه الوسيلة البغيضة التي يريدني أن أستخدمها لكي أرتبط بسارة ، كما أني عرفت لماذا غير رأيه   تجاهي ؟ فهو يريد أن يستفيد بعد أن عرف أني ثري وأن ثروتي كبيرة فكيف لي أن أقتنع أن أجعله وسيطاً لكي أصل لما أريد وما الذي يجعله لا يغير رأيه بعد أن يتمكن من الحصول على المال ؟! .

سارة

     ما فعله جنون كنت أنصت إليهم وهم يتحدثون معه لقد أحتقر خالي بيير بشكل يثير الغضب ، واستفز أبي من أول حديثه لآخره ، لكنه أدار الحوار بشكل محترف استطاع أن يقول كل ما يمكن أن يقوله دون توسل ولا ابتذال ، منعتني والدتي أن أتدخل في الحوار قالت لي : يجب أن أجعل لنفسي خط رجعة لا أعرف ما تعنيه بخط الرجعة هذا ، هل لوالدي أم لخالد أم لعلاقتنا التي يجب أن تمر من خلالهما ؟ ربما تضايقت لوجود خالد هنا دون أن يخبرني لكني بعد تفكير قصير سعدت بما فعل فقد ظننت أنه كان لا يريد أن يدخل نفسه في هذه المسألة ويتركني أنا وحدي أنتزع الموافقة وقد قطع علي هذا الشك باليقين بمجيئه لوالدي الليلة وطلبه يدي رسمياً .

لم يتحدث أبي معي بعد خروج خالد ، بل دخل غرفته وعندما دخلت أمي الغرفة لتتحدث معه ، خرجت بعد دقائق عابسة الوجه ولم تكلمني كنت أريد أن أتحدث معهما إلا أنهما لم يتركا لي المجال لأفعل ، كنت أتمنى أن ألتقي مع خالي بيير ولا أدري إلى أين ذهب لقد رحل بسرعة .

الآن أصبحت الأمور واضحة أمامي لا يريد خالد أن يكون ارتباطنا دون موافقة أسرتي إلا أنه لو لم يتمكن من الحصول على الموافقة سيكون ارتباطنا بعيداً عنهم هذا ما كان يفكر به لقد طرح كل الأسئلة ووضع الإجابات المطلوبة أمام والدي ، ليفكر وسيتركه كذلك حتى يقنع نفسه بنفسه ، ربما لم يفكر خالد بهذا الشكل ، ولا أدري لماذا أفوض نفسي أن أكون مكانه في التفكير ؟ ولماذا أنا مبتهجة رغم أن ما حدث يثير الخوف والقلق معاً ؟ فربما يعاند والدي أكثر ويصمم على رأيه ، حتى والدتي كانت ممتعضة من أسلوبه ، ورغم ذلك أثار إعجابي فلم يشتت تفكيره أي شيء ولم يترك لأحد المجال أن يقاطع كلامه حتى قال كل ما يريد .

اتصلت به وجدت هاتفه مغلقاً تركه في الفندق كعادته ، كان بودي أن أذهب إليه لكن لم أفعل بل أويت لفراشي وتمنيت أن يحادثني إن وصل للفندق ، لكنه لم يفعل حتى في الصباح ، حين أيقظني من النوم ودعاني لأتناول الإفطار معه كانت سعادتي بالغة خرجت دون أن أمر على والدتي حينها ذهب إليه جلست معه لم يتحدث من قريب أو بعيد عما حدث البارحة كان مرحاً لأبعد الحدود خرجنا سوياً تمشينا معاً ضحكنا ، ضحكنا كثيراً حتى المساء حينما اتصل والدي يسألني : أين أنا ؟؟ فأخبرته أني مع خالد فقال : أريدكما أن تمروا علي في مكتبي الآن ، أخبرت خالد بطلبه فلم يمانع .

لم أخفِ قلقي من طلب والدي ، لكن خالد كان متفائلاً لأبعد الحدود ، بل قبلني وقال ستصبحين خطيبتي من الليلة جعلني أتفاءل معه جعلني أحلم بما تمنيت ، دخلنا مكتب والدي كان هادئاً عندما بدأ يتحدث وجه كلامه لخالد بعد أن سلمنا عليه ، وقال : هل من الجائز عندكم أن يخرج الشاب مع من يحب قبل أن يخطبها ، تفاجأ خالد من حديثه كان يتوقع أنه سيبارك علاقتنا بموافقته فلم يرد عليه أعاد سؤاله مرة أخرى ، حينها قال خالد : سيدي نـحن في بيروت وصدقني لن أتزوج بالطريقة التقليدية وإن كنت في بلدي ، التفت والدي إلي وقال : كبرتِ حتى على احترامك لوالديكِ يا سارة ، شعرت بالذنب حينها بل شعرت أني لا زلت مراهقة لا تتحكم في تصرفاتها الطائشة وانتابني شعور أن كل شيء قد انتهى في نظر والدي وكان ما توقعت صحيحاً حين قال لخالد : اسمع يا ابني هذه سارة ابنتي لها الحرية إن كانت سترتبط بك فهي بالغ عاقل ، لكنها بمجرد أن تفعل هذا الأمر يجب عليها أن تنسى أن لها أهلاً في بيروت ، وقع علي ما قاله أبي كالصاعقة فبكيت وقلت له لماذا ؟ رأيت خالد حينها يتحدث ولم أسمع أي شيء مما قاله ، كان صبر أبي طويلاً انتظرني حتى توقفت عن البكاء وقال : هذا ما لدي يا ابنتي العزيزة فإن كنتِ قد قررتِ أن ترحلي معه فافعلي ولا تعودي للمنزل من اليوم ، وإن كنتِ تبقين على شيء من الاحترام لوالديكِ فعودي للمنزل الليلة .

لم أشعر كيف غادرت مكتبه ، فقد كنت منفعلة وأبكي بحدة لحقني خالد أمسك بيدي وخرجنا كنت أمشي معه بلا شعور وقد بذل قصارى جهده لكي أهدأ وأتوقف عن البكاء ولم أفعل إلا بعد ساعة تقريباً حينها تحدث معي بلطف وقال لم ينته الأمر بعد ، صرخت في وجهه بل انتهى فلن يغير والدي رأيه ، قال : وأنتِ هل ستغيرين رأيك ؟ لم أتمكن من الحديث شعرت أني لا أملك قراري ولن أستطيع أن أكون معه بعد اليوم ، لم يطلب مني الإجابة ثانية بل عرف إجابتي دون أن أتكلم قال حينها : اذهبي لوالديكِ ربما يغيرون رأيهم اليوم أو غداً أو بعد غد أو بعد شهر أو بعد سنة فأنا لن أغير قناعتي بأني وجدت من أحب .

بكيت حينها حتى وصلت للمنزل حاولت والدتي أن تتحدث معي إلا أن حالتي لم تسمح لها أن تتحدث ، تركتني وحدي تلك الليلة كنت أشعر بها تفتح باب غرفتي بين حين وآخر لتطمئن هل أنا نائمة أم لا أو ربما أنها كانت تخشى أن أغادر وأذهب لخالد لا أدري فيم تفكر هي ووالدي ؟ ولا أريد أن أعرف فقد منحوني التعاسة في السابق وها هم ينتزعون سعادتي هل هم خائفون ؟ لا أظن ولا أجد مبرراً لخوفهم هذا فأنا لم أعد طفلة أحتاج رعايتهم ولا مراهقة أحتاج عقلهم ولا حتى فقيرة لأحتاج أموالهم ، لكنهما والداي هذا ما تربيت عليه .

لماذا لم يصر خالد على أن أبقى معه ، ربما احتجت شيئاً من شجاعته لكي أكسر حاجز عجزي وضعفي أمام والدي ، وعدني بأنه سيبقى ينتظرني يوماً ويومين وسنة لكنه تركني أعود للمنزل لم يمسك بيدي كالسابق ويأخذني لأكون معه للأبد لقد أخبرته أن والدي عنيد وعندما يقرر شيئاً لا يعدل عنه فلماذا يطلب مني الانتظار أكثر ؟ ولماذا أنا التي أوضع في هذا الموقف ؟ لماذا لم يكن هو أو أبي ؟؟ كلهم تركوني في هذه اللحظة لأتخذ قراراً لا أستطيع أن أتخذه وحدي وكلهم يعرفون أني ضعيفة لكنهم تركوني لأقرر .

خالد يتصل بي وأنا لا أريد أن أرد على اتصاله ماذا سيقول ؟ وماذا سيفعل ؟ أعرف أن لديه من الحكمة ما ليس عندي لكنها في مسألة خطبتي لم تفلح لم تأتي ثمارها بل أتت بشكل عكسي تركت والدي يركب رأسه ويعاند أكثر لو أنه تريث قليلاً قبل أن يأتي لمنزلنا البارحة لربما تغيرت الظروف أو فكر والدي بشكل مختلف .

أبكي وأعود لأفكر ثم أبكي من جديد وأعود أفكر ولم أنم سوى ساعتين ، وحينما رأيت النور يتسلل لغرفتي ، ودعت فراشي وخرجت ، لم يكن لي هدف سوى أن أتخلص من جو الكآبة المحيط بي في المنزل نظرات والدتي التي تطاردني في كل مكان ، خرجت لأجد لنفسي مكاناً في هذا العالم يشغلني عما أنا فيه ، وينسيني ما أصابني البارحة لكن الدنيا تضيق وتخلو إلا مما يدور في رأسي ويملأ صدري من ضيق فبدت الأشياء التي رأيتها جميلة منذ أيام كئيبة مثلي هل تقرئنا الأشياء فتأخذ شكل ما يمر بنا من فرح وحزن ، وددت أن أشتكي لها وددت لو تسمعني لكنها بقيت صامتة ترى لو أني أملك أن أنزع ما بنفسي من ضيق أو أن أعود قبل شهر من الآن كنت لا أفكر في شيء سوى عملي كأني وجدت نفسي مع خالد ووجدت الجوانب التي أهملتها أو تجاهلتها ، أيقظ خالد شعوري الذي دفنته ذكرني بأني امرأة لا آلة بلا شعور .

خالد

     لا ترد على اتصالي ما بها لا أظن أنها تتعرض لأذى من والدها فقد تجاوزت هذه المرحلة منذ زمن وأظن أن والديها أكثر وعياً من هذه التصرفات لكنها لا ترد على اتصالي هي متضايقة مما جرى البارحة هذا أكيد لم لا تدعني أخفف عنها ما تشعر به ؟ أليست تحبني كما تقول ؟ عاودت الاتصال وأخيراً أجابت كان صوتها يمتلئ بحشرجة أعرف أنها بكت كثيراً سألتني متى سأسافر ؟ فأخبرتها في القريب بعد يومين أو ثلاثة طلبت أن أقابلها فاعتذرت لم أود أن أضغط عليها أكثر فهي في حالة مزاجية سيئة للغاية أريد منها أن تفكر لكني لا أريد أن تبكي ، لا أريد أن أغادر بيروت وهي حزينة .

تملك النساء الكثير من الدموع لكن واحدة فقط من النساء التي تشعر أن دموعها غالية لأنها تهمك ، هذه المرأة تشعر أنها كالأطفال تود أن تضمها حين تبكي تود أن تستمتع بكل شيء فيها حتى البكاء تود أن تكون مباحة لك لكنها تجعلك لا تفعل شيئاً يخدش حياءها أو يجرحها لأن أي شيء يصيبها يؤثر فيك .

هكذا أنا مع سارة ربما تكون رغبتي في الارتباط بها تهور مجنون لم أحسب حسابه لكني لا أريد أن أتراجع عن هذا الأمر لأي سبب كان ، حتى عندما تركتها تغادر إلى منزل والدها البارحة كنت أود أن أمنعها من الذهاب كنت على استعداد أن أتزوجها البارحة ، إن أرادت ذلك ، وما منعني إلا أني أردت أن أعرف اختيارها ومدى تأثير والدها على قراراتها ومن المؤكد أن الأمر صعب والمفاضلة أصعب لكنها يجب أن تختار بنفسها لا أستطيع أن أقول لها دون أن أترك لها الحرية فلو ندمت بعد ذلك سينعكس الندم على علاقتنا ربما أكون المتهم في نظرها ، لأني لم أتركها تختار وأنا لا أريد أن أكون سبباً في خسارتها علاقتها مع والديها .

الحيرة لا تكمن فيما جرى البارحة ، بل تكمن فيما سيكون اختيارها ، هل ستكون معي أم مع والديها ؟ ولو اختارتهم أين سأكون أنا ؟ وكيف ستكون حياتي التي رسمت لها في الأيام الماضية ؟ حلمها الجميل دون أن أضع أي توقعات لمستقبلها الذي بدأت مشاكله منذ قابلنا بيير في المقهى سارت الأمور أسرع مما أتصور بل سارت بعكس ما تصورت كنت أتمنى أن يكون ارتباطي بسارة ارتباطاً هادئاً يباركه الجميع ، لكنه سار بعكس ذلك وها هي تغادر وتعتذر عن مقابلتي اليوم وربما تعتذر في الغد أيضاً وربما تقول لي انساني أو لا أريدك ، او تقول أن ما فعلناه كان خطأ ، لا أدري ، الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه أنها ستراجع علاقتنا من جديد .

لتراجع سارة علاقتنا ؟ لأعرف أين أنا من حياتها ؟ ومستقبلها ؟ وقلبها ؟ أين ستضعني ؟ على الهامش ! أم على الرف ! أم في دفتر الذكريات أم سأكون في المنزلة التي أتمناها ربما أقبل منها القليل لكن لن أقبل أن أكون على الهامش أو سطر في دفتر الذكريات ! تعود له أو تنساه ؟ ربما لامست مشاعرها في كثير من المواقف وأستطيع الإجابة بصراحة إنها تحبني لكن ما الذي يبقى من الحب حين يهدم ؟ الذكريات أم الألم أم الاثنان معاً وكيف نـحاسب من تسبب في ذلك الألم ؟ أينعم هو بالراحة لأنه حقق مبتغاه دون أن يشعر بألم غيره ؟! هذه أنانية ، دكتاتورية ، صفها بما تشاء .

بيير كم احتقرت هذا الشخص ، فقد عرفت من سارة أنه كذب علي بادعائه أن ابنه قد تزوج من ستة أشهر ، وأنه في كندا مع زوجته هناك بل هو في تركيا ولا زال عازباً ولا زال حلم الارتباط بسارة يشغله ويشغل والده لأن سارة أخبرتني أن والدتها سألتها الموافقة على الارتباط بابن خالها قبل شهر فقط وقد رفضت سارة ذلك بشكل قاطع .

أن تقف المشاعر على حواجز الدول والمجتمعات والأديان والطوائف ، فهذا معناه أن لا قيمة لها وأنها تقتل بدم بارد دون أن يبكيها أحد أو يهتم بها أحد ، لماذا وضعت العوائق بيني وبين سارة ؟ لماذا كل هذا التحدي ؟ لعلاقة خلقت بريئة وربما تموت بريئة ربما لن تكتب لها الحياة بعد اليوم أو ربما ماتت البارحة أستطيع أن أقسم أنها تحبني ؟ لكني لا أستطيع أن أجزم في أنها ستختارني أم لا ، وكما وضعت الحواجز يمكن أن توضع حواجز أخرى ربما تكون أصعب في المرة القادمة لا أستطيع أن ألومها فيما ستختار .

مر يومي كئيباً ثقيلاً لم أستطع تحمله ، خرجت فلم أشعر بأي تغيير أو بأي فسحة من الراحة في نفسي ، بل طاردني الضيق في كل مكان ودون أن أشعر قادتني قدماي لذلك المقهى الذي جلسنا فيه عندما قابلنا بيير لا أدري لماذا ذهبت إلى هناك ، ربما توقعت وجودها لكنها لم تكن هناك بل كنت أنا وحدي جلست على نفس الكرسي  ، أردت أن أسترجع ذكراها على الأقل لكي أشعر ببعض الراحة ولم أفلح بذلك ، عدت للفندق من جديد لغرفتي لم تحدثني تلك الليلة ولا في الصباح التالي ، وغداً سأغادر بيروت اتصلت بها فلم ترد عاودت الاتصال فلم ترد كذلك لكنها اتصلت بي لاحقاً لتخبرني أنها تنتظرني في السيارة .

قابلتها ، كانت باردة ، لم تتحدث معي كثيراً حاولت أن أناقشها في موضوع خطبتنا وما جرى ، فأخبرتني أنها لا تريد الحديث في الموضوع لم تطل الجلوس وقتها بل ظلت معي أقل من ساعة فهمت رسالتها جيداً ، فلم أعد أنا محل الاختيار لم تخبرني بذلك لكن رسالتها وصلت مجنونة تظنني سأقنع بتلك الأوقات التي قضيتها معها وأرحل بهدوء .

بعد ساعة من مغادرتها أرسلت لها رسالة قلت فيها : اعرفِ أني أحبك وإن لم نرتبط ، وعندي سؤال واحد فقط يحيرني هل تحبيني فعلاً ؟ أم أنك أعدتِ النظر حتى في هذه المسألة ؟ لم ترد علي حينها بل طال انتظاري ما يقارب الساعة حينها جاءني الرد يقول : كنت أنوي أن أخبرك أني أكرهك لكن عجزت أن تخرج لشخص منحني من الحب مالم يمنحني إياه غيره .. أحبك .

لم أتصل بها ولم أبعث لها رسالة بل فاجأني ما فعلت فبعد نصف ساعة تقريباً سمعت طرقاً على الباب وما إن فتحته ورأتني عانقتني بشدة ، وأخذت تبكي وهي منهارة حملتها وأجلستها على الكرسي ، وجلست بجوارها حاولت أن أضحكها حتى تمكنت من ذلك وعندها ، أمسكت يدها خرجنا من الفندق ونـحن نضحك ، لم تطل الجلوس معي هذه المرة لكن شتان بينها وبين سابقتها ففي خلال الساعة التي جلست معي فيها نسيت أن هناك مشكلة ، ونسيت أن كل شيء على وشك الانهيار ونسيت أنها منذ ساعتين لم تبتسم في وجهي نسيت أني سأغادر غداً ولن أراها مجدداً .

سارة

     كنت أنوي أن أكتب له أي شيء غير كلمة أحبك ، لكني لم أتمكن من ذلك كانت عواطفه اعنف من عواطفي فإصراره على التمسك بي يفوق ما اشعر به تجاهه وقد أراحني كلامه كثيراً رغم أني تضايقت من أنه لم يتدخل في قراري إلا أني اكتشفت أنه على صواب فأنا من سيمر بالتجربة الأصعب ويجب أن يكون القرار نابعاً من قناعتي بما فكرت به دون تدخل منه ، ما أراحني أنه لم يفرض علي اي شيء ولم يبدي ضيق من اختياري البقاء بل قال إن الظروف ستتغير ، وسيقبل والدي بما نريد ، لديه أمل في علاقتنا ،  على عكس تفكيري ، فأنا سلبية أطرح المشكلة ولا أضع لها حلولاً .

في الصباح رافقته للمطار كان اللقاء مريراً فمن الصعب أن تودع قلبك وهو يرحل دون أن تدري هل ستراه مجدداً أم لا أوصاني أن أهتم بنفسي وأن أنتبه لعملي دون أن أهمل حياتي ، أعجبتني كلمته شعرت أن الكلمة تعنيه أكثر مما تعنيني ، فهو من جعل العمل كل حياته ربما عشت تجربة مماثلة لكنها ليست كتجربته فأنا رغم كل المشاكل أعيش وسط أسرة ، أما هو فيعيش وحيداً لا شيء يحيط به إلا العمل .

حدثني حين وصل للدوحة وحدثني في المساء وحدثني كل يوم وفي نهاية الأسبوع وجدته في بيروت يتصل بي لنتناول العشاء فاجأني اتصاله ، لا بل أسعدني فأنا محتاجة لأن أجلس معه وأتحدث كان لقاؤنا دافئاً لم أشعر بتغير في مشاعره بل شعرت بشوقه الكبير وحبه الكبير واندفاعه الصبياني في أغلب الأحيان .

اصبح حضوره في نهاية الأسبوع أمراً متكرراً ، فإن أبلغني أنه لن يأتي رجوته حتى يغير رأيه وإن صمم على ذلك في البداية أجد أنه غير رأيه وجاء لبيروت حتى إنه في إحدى المرات جاء في الصباح وغادر مساءً ، كنت ألوم نفسي لأني ألح عليه لكي يأتي ، لكن عندما أجلس معه لا أجد في نفسه أي ضيق من إلحاحي ، مرت ستة شهور ونـحن على هذا الحل ، نلتقي في كل إجازة وقد اشترى منزلاً صغيراً في بيروت إلا أنه أنيق كنت أعتبره منزلي فمفاتيحه معي أنا من أرتبه وأنظفه وأذهب لأستعيد ذكراه ، إن لم يستطع الحضور لبيروت .

تناقشت مع أبي كثيراً وحاولت إقناعه دون جدوى أما والدتي فهي لا تستطيع أن تخرج من سيطرة والدي ، وفي إحدى الأيام زارنا في منزلنا أحد أقاربنا المغتربين في فرنسا ، وهو رجل أعمال تربطه مع والدي تجارة ، بل يعد أبي وكيل لأعماله في بيروت ، لم أر هذا الشخص منذ حفل زواجي إلا أن أبي كان يأتي على ذكراه ، كلما تطرقنا في حديثنا عن تجارته .

أنطون أكبر مني بأربع أو خمس سنوات فهو في الثلاثين من العمر تقريباً وهو  أعزب لم يتزوج ولم يفكر في الزواج على حد قول والدي ، يتمتع أنطون بقدر كبير من الجمال والأناقة الباريسية المثيرة للإعجاب وكان لبقاً معي جداً ، وتعامل معي باحترام بالغ في تلك الزيارة إلا أني لم ألحظ منه أي اهتمام خاص ، لكن بعد أسبوع من تلك الزيارة ، اتصل والدي وأخبرني أن أنطون سيمر علي في المشغل لعقد صفقة معي ، أثار هذا الحديث استغرابي فعلى حد معرفتي أن أنطون يعمل في مجال العقارات والمقاولات ولا يتطرق للمشاريع الصغيرة ، كنت حذرة في التعامل معه كثيراً حينما جاء لمقابلتي وطرحت عليه الكثير من الأسئلة لأتأكد أنه جاء ليعقد صفقة لا لكي يلفت انتباهي لا أدري لماذا أثار هذا الموضوع ريبتي ؟

كان كلامه مقنعاً لحد ما أخبرني أن له تعاقدات مع محلات ملابس في باريس وأن لديه مشغلاً للإكسسوارات هناك ويريد أن يدخل في مجال الملابس الجاهزة ، لكي ينمي عمله في هذا المجال لم أقتنع في البداية فطلبت منه عنوان المشغل الموجود في باريس واتصلت بإحدى صديقاتي هناك ، وطلبت منها التأكد من وجوده فأخبرتني في اليوم التالي أنه موجود بالفعل .

بدأ عملي مع أنطون وخلال شهر كانت المجموعة الأولى من التصاميم التي طلبها جاهزة للتصدير لفرنسا وخلال أسبوع أرسل تصاميم جديدة ، وطلب كمية لا بأس بها كما أنه طلب عدد من التصاميم السابقة مما جعلني على اتصال مباشر معه في أحيان كثيرة وفي الشهر التالي طلب كمية أخرى وحين أخبرته بأن الطلبية جاهزة للتصدير أرسل إلى طرداً في “الدي اتش إل” بها تذكرة سفر لفرنسا وحجز في أحد أرقى الفنادق في باريس لمدة ثلاثة أيام ، اتصلت به وسألته لماذا قال إنه لتدشين فرع جديد للملابس ويشرفه حضوري الافتتاح .

لا أخفيكم سراً فقد انتابني الخوف من هذه الرحلة كما أنها تتقاطع مع نهاية الأسبوع وربما يحضر خالد لبيروت ، اتصلت بخالد وتحدثت معه لأستطلع هل سيأتي في نهاية الأسبوع أم لا ؟ فعرفت أن حضوره ليس أكيداً وأنه سيبلغني قبل حضوره ، لم أخبره عن رحلتي المزمعة لفرنسا لأني لا أريد أن أثير مشاعره أو أضايقه إن عرف أن صاحب الدعوة رجل أعزب .

قررت أن أكون حذرة في التعامل مع أنطون ، فمنذ أن ركبت الطائرة ، وأنا أفكر في خالد كان لدي شعور أنه سيأتي لبيروت مع أني اتصلت به وأنا في المطار وسألته فقال : إنه لن يتمكن من الحضور إلا أن الشك ينتابني فمفاجآت خالد كثيرة تفوق توقعاتي في أغلب الأحيان .

وصلت لباريس فوجدت مندوب الفندق يحمل لافتة كتب عليها اسمي سررت ، لأني لن أجهد نفسي في البحث عن مواصلات ، نزلت في الجناح الذي تم حجزه مسبقاً كان أنيقاً جداً استرخيت قليلاً ثم تحممت وبدلت ملابسي وإذا بطرق خفيف على الباب ، جاء أحد موظفي الفندق وسلمني ظرفاً وجدت به شريحة هاتف محمول نزعت شريحة هاتفي ووضعتها وبعد عشر دقائق كان أنطون يتصل ليدعوني للعشاء .

كان المطعم رائعاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى وكانت خدمته راقية سألت أنطون ، فأخبرني أنه من المطاعم المصنفة عالمياً حينها سألت نفسي لماذا يفعل أنطون كل هذا معي ، رحلة لباريس وسكن في أعرق الفنادق ، ولقاء في أرقى المطاعم ، وسيارة بسائقها تحت أمري في فترة بقائي هنا هل هذا من دواعي العمل أم أنه للتقرب مني ، إلا أن تصرفاته معي كانت تحمل نوعاً من الرقي واللباقة جعلتني أحترمه وأزالت من نفسي حذري البالغ تجاهه .

تناولنا العشاء وعدت للفندق نمت جيداً تلك الليلة واستيقظت في الصباح تناولت الإفطار ، وخرجت لتستقبلني باريس بجمالها وفتنتها وإغرائها  فالحياة هنا لها طابع خاص من الجمال والفن مثل البشر الذين يعيشون هنا لهم أناقتهم وثقافتهم وأسلوبهم الجميل عدت للفندق وتناولت الغداء متأخرة ثم تجهزت للافتتاح الذي اقترب موعده ، جاء أنطون واصطحبني للمحل الذي وجدت أنه راقٍ جداً ووجدت التصاميم التي عملتها موضوعة بشكل ملفت ، وكانت فساتين الزفاف التي تعتبر اهتمامي الأول في العمل موضوعة في الواجهة الرئيسية للمحل بقيت مع أنطون وتناولنا العشاء معاً ليلتها شربت كثيراً ورقصت معه ، صدقوني أني تحدثت معه على أنه خالد وعندما انتبهت وجدت أنه لم يعر الموضوع أي اهتمام ولم يتضايق بأن أناديه باسم غير اسمه ولم يسألني على أقل تقدير من هو خالد .

رقصت مع أنطون ، وأنا ثملة ، لا أعرف كيف تركته يقبلني تلك الليلة ؟ ولم أعرف لم تركت أصابعه تنساب على جسدي دون أن أمنعه من ذلك ؟ ولم أعرف لما تركته يصعد معي للغرفة ، ولم أعرف كيف تركت لنفسي العنان لكي أرتكب معه ما يريد الرجال من النساء في الفراش ؟ وعندما استيقظت في الصباح وجدت نفسي عارية بجواره وهو يقول لي صباح الخير حبيبتي .

وقعت كلمة حبيبتي موقع الألم في نفسي سحبت الغطاء على جسدي العاري وبكيت حاول أن يعرف سبب بكائي فطلبت منه الرحيل ارتدى ملابسه وخرج من الغرفة ، وبقيت أبكي ، وأسأل نفسي كيف حصل هذا معي دون أن أشعر أو دون أن أمنعه أو أمنع نفسي ؟ .

بكيت لا من أجل ما حصل البارحة ، بل كان بكائي حزناً على خالد الذي منحني كل شيء كنت أتمناه خالد الذي عاش معي بكل مشاعره ولم يفكر أن يجرحني أو يمتهننِ أو يثيرني ليحصل على شيء ، خالد الذي أعادني لكي أعيش بسعادة ، وضحى من أجل حبه ولم ييأس ، كيف لي أن أشعر أني مخلصة له أو حبيبته إن جاز التعبير وأنا في أول علاقة عابرة بعد معرفته استسلمت لغيره بهذه البساطة ؟!! .

بكيت عندما عرفت أن خالد كان في بيروت يوم الجمعة وحاول الاتصال بي دون جدوى حتى أنه ذهب للمشغل وتحدث مع مدام / ميرنا وعرف منها أني في رحلة عمل في باريس أسرعت وأعدت شريحة هاتفي يا إلاهي ماذا فعلت لم أراعِ مشاعره ولم أفكر فيما سيشعر به وهو يأتي لبيروت ؟! فيجدني في مكان آخر بعيد ، فتحت الهاتف ورأيت عدة رسائل واحدة فقط من خالد كتب فيها ( كنت أتمنى لقاءك للأسف لم تتحقق أمنيتي هذه المرة ولو عرفت أنك مسافرة لما تكبدت عناء السفر لأجلك …  أتمنى لك أوقاتاً   سعيدة  .

خالد

     لم أظن في أي فترة من الفترات السابقة أن علاقتي بسارة ستمر بمثل هذه اللحظات المؤلمة ولم أشعر أني افتقدتها مثل هذه المرة ولم أشعر أن كل ما بيننا قد انهار مثل هذه المرة ، فأن تغادر بيروت دون أن تخبرني وهي تعرف أني ربما آتي في أي وقت يحمل معنين لا ثالث لهما إما أنها لا تريد مقابلتي أو أن لديها أمراً لا تريدني أن أعرفه وكلا الأمرين مؤلم فما تخفيه المرأة يكون مؤلماً للرجل مهما صغر شأنه أو عظم لأنه لا قيود ولا أسرار بين الأحبة فلماذا غادرت بيروت دون إخباري ؟ كان بإمكانها أن تقول إن لديها عملاً في باريس وهي تعرف أني لن أفرض عليها شيئاً يضايقها ولن أمنعها من أن تعمل أو تطور أعمالها .

لم ألحظ أي تغير في مشاعرها في المرة السابقة ، فشوقها لي كان كبيراً مثل كل مرة : همساتها نظراتها لم تتغير وها هي في الأسبوع الذي تلاه تغادر وتغلق هاتفها دون أن تخبرني ، عاودت الاتصال بها بعد عودتي للدوحة فلم ترد على اتصالي ، هاتفتها في المشغل فأخبروني أنها خرجت في عمل وهذه الإجابة تكررت عند كل اتصال فمدام ميرنا ترد على الهاتف وتقول نفس الجملة أخبرتها أني أريد سارة في أمر ضروري وطلبت منها أن تخبرها بضرورة الاتصال بي حين عودتها لكنها لم تتصل .

سافرت لبيروت يوم الخميس سافرت لأرى مدى انشغال سارة ، لم أخبرها هذه المرة ، ولم أذهب للمنزل هناك بل حجزت في فندق قريب من مشغلها رأيتها وهي تأتي للمحل ورأيتها وهي تخرج منه منعت نفسي من الاتصال بها ذلك اليوم ، وفعلت الشيء نفسه يوم الجمعة أما يوم السبت اتصلت بها فلم ترد استغربت فهي تعرف رقم هاتفي الذي أستخدمه في بيروت ، لكنها لم ترد على اتصالي كررت الاتصال بها مساءً أكثر من مرة وفي المرة الأخيرة أجابت جاء صوتها متحشرجاً ثقيلاً ، طلبت مقابلتها فاعتذرت سألتها ما الأمر ؟ فلم تجبني أجبرتها على مقابلتي فاستجابت أخيراً .

كنت أنتظرها هناك على الشاطئ ، تأخرت ، لكنها جاءت رأيتها وهي تأتي ، كانت تسحب قدميها بتثاقل حتى اقتربت مني أمسكت يدها قبلتها كتحية ، لكن تحيتها كانت باردة مترددة كانت لا تحاول أن تنظر إلي ، وضعت يدي على كتفها هززتها بعنف وسألتها : سارة ما بكِ ؟ أجابت : لا شيء ؛ لكننا يجب أن نراجع علاقتنا ، كان كلامها متقطعاً متردداً سألتها لماذا ؟ قالت : إننا لا يمكن أن نستمر سوياً ، فقلت لها : هل حصل أمر ما ؟ هزت رأسها بنعم فسألتها ثانياً : هل هناك شخص آخر ؟ فهزت رأسها بنعم ليتها لم تجب ليتها لم تأتِ لمقابلتي استدرت لأغادر  فأمسكت يدي فسحبت يدي ولم ألتفت لها وأنا أغادر سمعتها تبكي ، ولأول مرة لم أشعر لبكائها أي تأثير في نفسي فغصتي أكبر من بكائها ألف مرة .

عدت للفندق وطلبت منهم أن يحجزوا لي على أول طائرة أردت مغادرة بيروت بأسرع وقت ، أردت التخلص من ألم المكان لكي أتفرغ لألم نفسي ، إلا أني لم أستطع البقاء في الفندق ، غادرته وذهبت لمنزلي في بيروت أغلقت الباب خلفي ودخلت ، جلست على أقرب كرسي دون أن أشعل الأنوار واكتفيت بالضوء المتسرب من النوافذ وفي هذا الوقت شعرت بحركة في الخارج سحبت نفسي لإحدى الغرف ، وتركت الباب مفتوحاً ثم سمعت الباب يفتح ، ووقع أقدام والأنوار تضيء ثم ساد الهدوء فترة قصيرة ثم صوت بكاء متواصل ظلت سارة تبكي بشكل متقطع قرابة الساعة لم أقم من مكاني ولم أحدث أي جلبة فلا أريدها أن تعرف أني موجود .

سمعت وقع أقدامها من جديد كانت تتحرك بسرعة ثم تتوقف كأنها تبحث عن شيء تمنيت أن لا تدخل الغرفة ، فلم تنفع أمنيتي وفجاه وجدتها تضغط على زر النور فاشتعل رأتني فبكت وجاءت لتجلس بقربي لم أمنعها ، بل تركتها حتى توقفت عن البكاء ثم قالت : خالد أرجوك سامحني ، لم أقل شيئاً ، عادت وقالت : انا لا أستحقك ، وبكت مجدداً مسحت دموعها بيدي وقبلت رأسها وخرجت .

هربت منها لأني لا أريد أن أعرف الأسباب فمهما كان عذرها فالهدف واحد فلا علاقة بيننا بعد اليوم انهار كل شيء : الأمل الحب المستقبل الحياة كل شيء منذ ذلك اليوم رحلت بعد أن ظننت أني وجدت مستقر نفسي عند تلك السيدة رحلت دون أن تعيد قلبي الذي أخذته مني .

ماذا كانت ستقول لو اعترفت ؟ هل ستخبرني أنها أحبت شخصاً آخر ؟ ما هذا الحب الذي يأتي فجأة فيخطف كل الذكريات ويمسح الماضي ويغير الحياة ويخطفها من بين يدي ؟ هل أحبت  فعلاً ؟ بت أشك أنها أحبت عندما سمعت بكاءها في المنزل ببيروت فكيف تحب غيري وتبكيني بحسرة ، أسباب وتخيلات كثيرة وضعتها ولم أفهم ما جرى ولم أحاول الاتصال بها لكي أطلب تفسيراً بل حرمت نفسي حتى من سماع صوتها وبعد أربعة أيام من مغادرتي لبيروت اتصلت سارة سلمت علي ، فرددت عليها على قدر سؤالها ، كانت تطمئن على صحتي على حد قولها ، وقد طمأنتها حاولت التحدث معي أكثر إلا أني اعتذرت منها لانشغالي ، لم أكن مشغولاً بل لا أريد أن أتحدث معها ، فلماذا تتصل لتطمئن على صحتي ؟ وهي سبب كل شيء مؤلم أيهمها أمري ؟ أم أنها تراجع نفسها فيما قالت ؟ .

لا أفكر أن أنتقم ولا أن أسبب لها أي إزعاج أو أطلب منها أي شيء ، فحياتها ومستقبلها بين يديها لتذهب حيث تريد ومع من تريد بل أتمنى أن تلقى السعادة فأنا أعرفها جيداً رغم ما فعلت فإنسانيتها تطغى عليها مهما فعلت .

سارة

     كدت أن أموت عندما سألني هل هناك شخص آخر ؟ وتمنيت أنه قتلني قبل أن يفلت يده ويغادر ، كانت نظرته تحمل كل معاني الغضب والألم والحسرة كل شيء فما يحويه ذلك الرجل أكبر مما أعرفه وأكبر مما أتصوره ، لقد غادر ليذهب لذكرياتي في منزله ليراني في ظلمة المكان ليسمع بكائي وليعرف ألمي لكني جرحته جرحاً لا أظنه سيبرأ منه قريباً ، لأني أعرف أنه يحبني بكل ما تحمل كلمة الحب من معنى يحبني لأني سارة الطفلة والمرأة والإنسانة والحبيبة والعاشقة يحبني : بكلامه بنظراته وهمساته بلمساته ، لم يترك لي مجالاً في الهوى إلا ولامسه : بدفء مشاعره ولطافة عشقه وجنون محبته .

نعم أحبه لكنه رحل بعد أن ترك لي الكثير من الذكريات في غرفتي في أحلامي في حياتي كلها ، كيف لي أن أغادر الألم الذي سببته لخالد وسببته لنفسي ؟ فأنا من فعل كل شيء ودمر كل شيء ووضعت نفسي على هامش رجل أحبني لكي يرحل في صمت ، توقعت منه أن يثور أن يصفعني ، أن يصرخ في وجهي على أقل تقدير ، أن يؤنبني ، أن يجبرني ، أن أتحدث وأقول له الأسباب والأعذار والمبررات لكنه لم يفعل شيئاً وهذا ما يؤلمني وأنا أفكر فيه فقد كتم كل شيء في نفسه ورحل تركني لألوم نفسي ألف مرة على ما فعلت لنفسي ومليون مرة على ما فعلت في حفه  .

رحل خالد وترك لي الفراغ والذكريات المتناثرة تركني ألملم نفسي في جسد يخلو من كل شيء يحمل إحساساً أو مشاعر تركني أدور في دوامة فلكه دون أن أصل إليه وألمسه بيدي إن مر بي الشوق فلا يمر إلا من خلاله ولا يمضي إلا في اتجاهه ولا ينتهي إلا عنده ، تركني بين أحضان الألم فأمسي في ضيق وأصبح في ضيق وأعمل بضيق وأتحدث بضيق .

لكن الحياة تمضي سواءً أردت ذلك أم لا ، فكان العمل متنفسي الوحيد الذي أهرب من خلاله للنسيان ، كنت أعمل ليل نهار دون توقف ودون حساب للوقت ولا طلب للراحة ، وكان هناك في الطرف الآخر أنطون الذي كان يتصل بي دائماً منذ عودتي لبيروت فأتهرب منه تارة وأصده تارة أخرى استمر على هذا النحو لستة أشهر بعد عودتي من باريس يحاول التقرب والتودد لي ويطلب مقابلتي دون جدوى .

لا ألقي باللوم عليه فهو لا يعرف أن ما فعله معي في باريس تسبب في ألم شخص آخر بل أنا ألوم نفسي فربما كانت رحلتي لباريس نهاية علاقتي بخالد لكن أنطون لم ينتزع ما أخذ مني عنوة بل وجدني مستسلمة بين يديه فكيف لي أن ألومه بعد كل هذه الفترة ، قابلت أنطون في بيروت كان في زيارة قصيرة تناولنا العشاء معاً لكني لم أستسلم ولما سألني حينها هل أنا مرتبطة بعلاقة ؟ فأجبته : لا ، فأخبرني بأنه يريد خطبتي أخبرته بأني لا أريد الارتباط في الفترة الحالية لكي أهتم بعملي ، طلب مني التفكير في الأمر وتركني أفكر لكن تفكيري طال أكثر من احتماله فأن تنتظر رد فتاة تريد الارتباط بها ثلاثة أشهر دون رد شافٍ أظن أنه شيء يفوق احتمال أي رجل ، لكن أنطون لم ييأس بل تحدث مع أبي في موضوع خطبتنا وبدأ الأمر يأخذ الطابع الرسمي وسط ترحيب من عائلتي بذلك العريس الذي يحمل كل الشروط المطلوبة .

وافقت في نهاية الأمر لا لأني أريد الارتباط بأنطون بل لأني لا أملك إلا الموافقة فكل شيء انتهى برحيل خالد عن حياتي وكان تصوري أنه لابد أن أرتبط بشخص لكي أعيش حياتي الطبيعية وهذا ما فعلته فارتباطي بأنطون ربما يكفر خطأه من وجهة  نظري .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s