رواية التقيننا .. الفصل الثالث ..

الفصل الثالث

خالد

أغلقت سارة الهاتف ، وأنا أشعر أنها لم تقل كل الذي تريد ، كانت تريد أن تقول أشياء كثيرة وتسأل أسئلة كثيرة ، ربما لم أفتح لها المجال لكي تتحدث معي بإسهاب أو أن تشرح ما بداخلها ، لم أكن أريد أن تتحدث معي وهي تحت تأثير الكحول فربما تقول أشياء لو كانت واعية لا تقولها ولا تتطرق لها أبداً ، لقد تصرفت بشكل غريب اليوم ، كانت تتصرف بطيش وتهور حتى وهي تتحدث مع والديها .

كانت جميلة لا شك في ذلك لكن ما أحببته في تلك الفتاة لم يكن جمالها بقدر ما أحببت فيها هدوءها سكينتها  تصرفها البسيط غير المبتذل ، كانت جميلة وهي متأنقة لكن افتقدت فيها سارة التي جئت لزيارتها في بيروت ، افتقدت سارة أختي الصغيرة لقد قتلت ذلك الشعور عندما رقصت معها ، شعرت أني أفقد السيطرة على نفسي تجاهها ، أثارتني لا أنكر ذلك فشعوري أنها مسترخية بين ذراعي ولا تترك مجالاً لجسدها أن يبتعد عني أخرجني من شعوري بأنها أختي الصغرى وأدخلني مداخل الهوى ، نعم كان ذلك شعوري تجاهها ، فخفت مما يجري فأنا لست متأكداً أني أستطيع أن أقاوم إغراءها العاطفي ولا حتى الجسدي ، سألتني لماذا ؟ كنت أود أن أقول لها الحقيقة كامله غير منقوصة ، كما فعلت كنت أود أن أقول لها إني لن أستطيع التحكم في تصرفاتي تجاهها لو جمعتنا لحظة حميمة مشابهة ، خفت أن توصلني للفندق وخفت أن تبقى معي وحدها فيأخذ لقاؤنا شكل الحب والانسياق خلف المشاعر .

أويت إلى فراشي وأنا أفكر فيها ، واستيقظت وأنا على ذلك الأمر ، وأخذت أفكر فيما ستقوله وما ستفعله حين التقيها مرة أخرى قررت الهروب مجدداً ، فنزلت لمكتب الاستقبال أسألهم عن رحلات سياحية ينظمها الفندق فعرضوا علي أكثر من مكان وقع اختياري على متنزه في الشمال لا يبعد كثيراً من بيروت ، ذهبت مع مجموعة لا تتجاوز عشرة ، أشخاص منهم سياح أجانب ومنهم عرب ، كانت المجموعة لطيفة عائلية وكنت أنا “العازب” الوحيد فيهم . جميلة هي مشاعر الحب عندما تراها بين البشر تثيرك وتستهويك تمنيت أن تكون سارة معي ، تمنيت أن ترخي رأسها على كتفي مجدداً لا أدري لماذا انتابني هذا الشعور المفاجئ ، ربما ما رأيت من مشاهد أثارت العواطف لدي لكن لما فكرت في سارة وحدها لماذا لم أفكر في أي فتاة أخرى قابلتها من قبل ؟ هل لهذه الدرجة استهوتني أم ماذا جرى ؟ أتمنى لو أستطيع أن أبعدها عن تفكيري قليلاً لكي أتمكن من الاستمتاع بما أرى من مناظر خلابة للطبيعة من حولي ، فالمكان جميل لدرجة أني شعرت بالاسترخاء والسكينة لكن عقلي لم يتوقف عن التفكير فيها رغم محاولاتي التلهي بأشياء كثيرة أخرى .

عدت في المساء من تلك الرحلة تحممت وبدلت ملابسي وجلست في شرفة الغرفة كان المنظر جميلاً ، فالشمس مالت لتغادر وبدأت تطفئ معها أنوار النهار لتستريح الأرض بعد نهارها النشط ، وتترك المجال لأنوار البشر أن تشتعل وتبعث شيئاً من الطمأنينة في ظلام الليل ، مشهد الغروب يستهويني فهو مشهد لا ينتهي يجمع متناقضين النور والظلام كما الفجر ويجمع النهاية والبداية في عكس صريح لموازين البشر التي لا تجتمع نهاياتهم مع بداياتهم أبداً.

عدت إلى سارة بتفكيري ، وكأني عدت لتفكيرها أيضاً فما لبثت إلا قليلاً حتى حدثتني بالهاتف وأبلغتني أنها تنتظرني في “لوبي” الفندق ارتديت ملابسي على عجل ونزلت لأقابلها سلمت علي وقبلتني قبلة تحية وجلسنا في “الكوفي شوب” تناولنا القهوة كانت بسيطة في ملابسها كما رأيتها أول مرة لم تبتذل اليوم حتى في تصرفاتها وحديثها انتبهت لحذرها لكن لمحت البراءة التي كنت أبحث عنها البارحة  وجدتها اليوم بكل تعابيرها .

لا أستطيع أن أنكر تأثيرها عندما تكون بقربي سألتها بصراحة بالغة عما فعلته البارحة كان حديثها حذراً وكان إلحاحي قوياً فلم تجد لهذا المأزق مخرجاً إلا أن تقول ما كانت تخفيه فأخبرتني أنها كانت تختبرني ، وأني قد نجحت في الاختبار ، فأخبرتها بما لم تتوقع أن تسمعه مني أخبرتها عن تأثيرها وهي تراقصني صمتت ولم تقل شيئاً أعرف أنها لم تتوقع مني ذلك وأنها توقعت أني نجحت في الاختبار فلا نجاح لي حين تكون معي .

انتظرت أن تقول شيئاً دون جدوى مسكت يدها ومشينا خارج الفندق بعكس اتجاهه ، توقعت أن تخالفني الرأي أو تعتذر أو تذهب دون أن تقول شيئاً لكنها صمتت ورافقتني ، بقينا هكذا ممسكين بأيدي بعضنا دون حديث ، التفت لها فجأة فوقفت فقبلتها بعنف لا أدري كيف خرج مني هذا التصرف المتهور لكنها تقبلته دون أن تعترض ولو بحركة بسيطة ابتعدت عنها شعرت أني ارتكبت ما لا يجب أن أفعله فقلت لها : آسف .. آسف ، أمسكت بيدي وأخذت تنظر إلي وهي مبتسمة لم أعاود الكرة فهي تعني لي أكثر مما تتوقع .

مشت معي عائدة للفندق لكننا لم ندخل الفندق بل خرجت معها في سيارتها  وتناولنا العشاء معاً اختلفت نظراتنا ، واختلف حديثنا واختلفت لمستي ليدها ، كان المكان رومانسياً لأبعد الحدود وكانت هي رومانسية أكثر مما توقعت بكثير ، أوصلتني بعد ذلك للفندق وقبلتها قبل أن أنزل بل هي من أغرتني لكي أقبلها ففعلت ما تريد وغادرت السيارة بعدها .

سارة

      كان متهوراً لم أتوقع أن لديه الجرأة أن يفعل ما فعل ، توقعت أن يكون مسيطراً على رغباته أكثر من ذلك ، لكنه تهور كنت أتمنى أن يتهور البارحة لكنه لم يفعل ، كل المشاعر كانت متيقظة ، لم يعد أخي لم أعد أشعر تجاهه بذلك الشعور ، بل اختلطت الأمور في نظري وتطورت بشكل مفاجئ ، لم أرتب له مسبقاً ولم ألم نفسي أني من أثار فيه هذه المشاعر المجنونة بل على العكس شعرت أني أحتاجه أكثر مما شعرت أنه يحتاجني وأني من يتمنى أن يتهور أكثر مما تهور وأن يفعل أكثر مما فعل فكنت أتمنى أن يطول عناقه لي أكثر ، لم أستطع الحديث بعدها كان قلبي يخفق بشدة فتلطف بي وأمسك يدي برفق فتركته يذهب بي حيث يريد دون أن أتكلم ، تركت له الخيار حتى وصلنا إلى الفندق فخفت أن يتركني ويذهب فدعوته لتناول العشاء .

افتقدت هذه المشاعر منذ فترة طويلة فبعد انفصالي عن زوجي لم أتجرأ أن أكون علاقة مع أحد فكان حذري كبيراً تجاه أي رجل يقترب مني لا أقول إني لست بحاجة لذلك الشعور فأنا في النهاية امرأة تملك كل المشاعر والأحاسيس لكن خالد مختلف عن كثير ممن قابلت من الرجال ، نوع من البشر لم أقابله من قبل لطيف مؤدب لم يبتذل لكي يقترب مني بل كان بسيطاً في كل تصرفاته كان يشدني لما يريد دون أن يستشيرني لكنه يفعل ما أريد دون أن أخبره كأنه يشعر بما يدور في رأسي وما أرغب فيه .

احتضنت وسادتي بسعادة بالغة احتضنتها بشوق ، كانت مشاعري متهيجة ، بدأت أشعر بالحب يتسلل لقلبي من جديد عادت بي الحياة لمرحلة المراهقة مرت بي هذه المشاعر من قبل وكنت أظنها لن تعود ، كنت أظنها ماتت لدرجة أني كنت أحسب أن الحب الذي حدثونا عنه ونـحـن شباب في سن المراهقة ما هو إلا إغراء أجساد لا قلوب لها ومن تجربتي السابقة ماتت أغلب تلك الأحاسيس لكن خالد أعادها لي من جديد أحياها من جديد أيقظ المشاعر من سباتها العميق وأخذ بيدي لفضاء واسع رحب أخرجني من ضيق نفسي لسعة الهوى .

لا أدري ما الشكل الذي ستصبح عليه علاقتنا ، فأنا لا أريد أن أكون علاقة محرمة معه ، ولا أريد أن أتزوج بمسلم وكذلك أنا لست على استعداد أن اتخلى عن علاقتي به ، هذا الشاب استحوذ على تفكيري ، نعم لم أقابله منذ أن كنا أطفالاً ورغم ذلك أشعر أني أعرفه جيداً ، فكرت كثيراً دون أن أصل لما يمكن  أن أفعله ضاق صدري فجاه عندما فكرت في مستقبل علاقتي معه ، فدينه بالنسبة لي مشكلة لا أعرف هل يمكننني تجاوزها ؟ ولو تجاوزتها هل تتجاوزها عائلتي ؟ ولو تجاوزتها عائلتي هل سيتجاوزها هو ؟ أو أن الأمر سيكون مختلفاً معه ؟ وأتوقع ذلك فالأمور الدينية في الخليج تتسم بالصرامة رغم أني أعرف أن كثيراً من الرجال الخليجيين تزوجوا بمسيحيات لكن ظلت هذه المسألة عالقة في ذهني تلك الليلة .

عادت أوراقي تتداخل من جديد لماذا تغير شعوري بالسعادة سألت نفسي سؤالاً آخر : هل بدأ خالد يحبني أم أنه فعل ما فعل البارحة بعد أن استثرت غرائزه ؟ لكنه توقف لم يكمل ما بدأه الليلة ولو أراد أن يصل لأبعد من ذلك لحاول على الأقل ؟ حتى قبلته وهو يودعني في السيارة كانت قوية لكنها قصيرة تنم عن حب لكنها تنم عن خوف أيضاً  ربما يعاني مثلي ، بل الأكيد أنه يعاني أكثر مني لأني أعرف ما مر به وأعرف أنه غير مؤمن بالمغامرات العاطفية القصيرة .

كيف غلبني النوم ؟ لا أدري لكني استيقظت في موعد العمل ارتديت ملابسي وخرجت للمشغل ، فهناك أعمال يجب أن أقوم بها ، عاد خالد لتفكيري مجدداً قررت أن لا أتصل به أو أمر عليه اليوم فربما يكون ابتعادي عنه أفضل من اقترابي منه بكثير ، فأتمكن من السيطرة على مشاعري المندفعة تجاهه .

وصلت للمشغل وباشرت العمل ، فكثير من الأعمال إن لم أتابع العاملين بها لا تخرج بالشكل الذي تصورته وأقنعت به الزبائن كان المشغل منذ الصباح مزدحماً . هناك ملابس زفاف ستسلم اليوم لأحد المحلات الكبرى ، وهناك فساتين سهرة بدأنا العمل بها طلبها أحد الزبائن في السعودية وكذلك علي أن أعد الموديلات الجديدة التي ستعرض في فصل الصيف لم أنتبه للوقت فكل شيء مع العمل يمر بسرعة كبيرة وبدأت الأمور تهدأ في المشغل في المساء بعد أن مالت الشمس للمغيب ، لم يمر خالد ببالي إلا مروراً عابراً وكان استغرابي الأكبر أنه لم يحاول الاتصال بي فلا مشكلة لديه في أن يجدني فهو يعرف رقم هاتفي المحمول .

أنهيت عملي فيما يقارب الساعة التاسعة فتوجهت للسيارة وأدرتها ، لفت انتباهي أن هناك ورقة وضعت على المساحة الأمامية للسيارة نزلت وفتحتها كان فيها (( أعرف أنك لن تقرئيها إلا في المساء لذا أحببت أن أقول لكِ مساء الخير )) ووقع أسفل هذه الجملة باسمه خالد لقد مر من هنا دون أن يزورني لماذا يفعل ذلك ؟ ورغم ذلك قررت أن لا أتصل به .

في طريقي للمنزل مررت بأحد محلات الزهور واخترت باقة صغيرة وطلبت منهم أن يرسلوها لخالد باكراً في الفندق ، وكتبت في البطاقة صباح الخير ووقعت باسمي سارة ، سألتني والدتي عندما دخل المنزل عنه فأجبتها : لا أدري دون أن أتوقف لأحدثها ، فأنا لا أريد أن تكتشف تأثير الحديث عنه على وجهي ، فوالدتي ماهرة في قراءة تلك الملامح .

خالد

     أثارت خوفي تلك المرأة فلا يجب أن يكون بيننا أي علاقة عاطفية ، فكثير من النساء قابلتهن في عملي وكثير منهن تودد إليَّ دون جدوى ، وكثيرات اللاتي ربطتني بهن صداقة خارج العمل لكنها لم تتجاوز الحدود المسموح بها ، لكن هذه المرأة رغم أني أعرف أن الارتباط بها شبه مستحيل ، تسوقني مشاعري لها سوقاً بل منذ أن راقصتني أصبحت أفقد السيطرة على مشاعري تجاهها .

استقبلت الصباح بالزهور سألت نفسي لماذا لم تحدثني البارحة على الأقل ، لكن سعدت بالباقة الجميلة ، لأنها من سارة انتزعت البطاقة ووضعتها في حقيبتي أحببت أن أحتفظ بها كذكرى جميلة لشعوري بأن ما أنا فيه لن يستمر طويلاً ، ورغم سعادتي بوجودها معي في هذه الفترة القصيرة ، أعرف أنها لن تستمر في علاقتها رغم أنها منحتني قبلة خارج حدود الصداقة البريئة فهذا لا يعني أنها أحبتني أو بدأت تحبني .

غريبة علاقتي بها أظن أن كلانا يعرف أننا لن نستمر سوياً لكننا لم نتوقف عند حدود ، أو لم نضع حدوداً تمنعنا من أن نستمر حتى دينها المسيحي ، لم تتحدث عنه ، وكذلك فعلت أنا دون شعور أو ربما جعلني لطفها أنسى ذلك الامر ، أظن أن علاقة أسرتينا ساعدتنا كثيراً في هذا الجانب ، لكن العلاقة بين رجل وامرأة تختلف كل الاختلاف عن علاقة أسرة بأسرة أو صديق بصديق ، فعلاقة الرجل والمرأة تكتنفها مشاعر ورغبات تتدرج حتى تصل للقمة ثم تنهار أو يكون الارتباط هو الضامن لاستمرارها .

خرجت من غرفتي متأخراً هذا الصباح ، لا أعرف أين سأذهب ولا ما أريد ، لذا اكتفيت بالجلوس في الفندق ومطالعة كتاب جلبته معي من الدوحة ، انتقلت من صالة الاستقبال إلى حمام السباحة إلى المطعم جل الوقت حيث تناولت غدائي في الرابعة مساءً ثم خرجت لأتمشى في شوارع بيروت أتفرج على المحلات تارة وعلى الناس تارة أخرى اكتشفت أن الدنيا تدور هنا بسرعة فالوقت يمر دون أن تشعر به يساعدك في  هذه البلد هواؤها العليل ومناظرها الخلابة في تجاوز حدود الغربة إن جاز التعبير وما يتصف به الشعب اللبناني من رقي في أسلوب التعامل مع الزائرين ، يجعلك محرجاً أغلب الوقت ، فمن الصعب أن تتغلب على عروض البائعين وأسلوبهم الجذاب في استقطابك لتشتري أي شيء من محلاتهم .

هكذا مر بي الوقت ذلك اليوم دون أن أرتب له على غير عادتي ، ربما أردت أن أكسر روتين النظام الذي لم أكن أحب أن أخرج منه أو ربما لم أجد مجالاً لتنظيم يومي  لانشغال عقلي بالتفكير في سارة بشكل قوي ، نعم لم تخرج معي منذ يومين إلا أنها صاحبتني في كل مكان زرته ، بل كنت أبحث عن وجهها بين وجوه النساء اللاتي رأيتهن وتمنيت أن أقابلها صدفة في أحد الشوارع ، وهذا الذي لن يحدث ، ولو أخذت أجوب بيروت شهراً كاملاً لما وجدتها بهذا الشكل.

عدت للفندق مجدداً عدت لأكون وحدي كما تعودت طوال سنين ، عاد بي الزمن للخلف فطردت تلك الأفكار وسحبني التفكير للمستقبل فأبيت أن أعيش بأحلام لا تتحقق لكن الأحلام لها جاذبيتها كالحزن تماماُ ، فالاثنان نقيضان ، لكنهما يستطيعان أن يفصلانك عن واقعك ويسيطران على تفكيرك .

لا أدري لماذا لم أتصل بسارة اليوم ؟ ولا علم لدي لماذا لم تتصل هي أيضاً ؟ هل يهرب كلانا من الآخر ؟ هل رفضنا ما حدث أم أننا استسلمنا ويئسنا مبكراً من علاقة ربما يحكمها الفشل قبل أن تبدأ ؟ أسأل نفسي لماذا ؟ أفكر دائما أنها تبادلني نفس المشاعر  ربما لم تخطر ببالها تلك الأمور التي أفكر فيها .

حتى الآن لا أستطيع أن أقول إني أحب سارة ، ربما ما أشعر به انجذاب نـحـوها أو بوادر حب ولم أصل بعد لتلك المرحلة من الهوى التي أشعر بأني لا أستغني عنها نعم هي جميلة جذابة خلوقه أنيقة قل ما تشاء ورغم ذلك فمشاعري متضاربة تجاهها إلا أنها تشغل تفكيري بصورة دائمة هذه الأيام . لا أنكر احتياجي لامرأة تشغل قلبي فربما حركت سارة تلك المشاعر وربما على العكس ربما حركت أنا بها تلك المشاعر التي تفتقدها هي أيضاً على حد علمي .

قررت أن أترك الأمور تسير دون أن أحسب حسابات ، ودون أن أرتب لها ، فهناك أمور يرتبها القدر في أحيان كثيرة دون أن نستطيع أن نوقفها أو أن نمنعها أو حتى نتجاوزها ، كلقائي بسارة في الصين وما أشعر به الآن تجاهها لم أرتب له ولم أسع إليه بل وجدتها في طريقي واقفة كما كنت أنا واقفاً في طريقها .

سارة

    لا أدري هل غادر بيروت أم لا زال هنا ؟ فهو لم يحاول الاتصال بي ولم أسأل عنه البارحة ، ولا التي قبلها أعرف أنه ترك لي ورقة قبل أمس ربما تكون ورقة وداع وربما ذهبت الباقة التي أرسلتها إليه لشخص آخر نزل نفس الغرفة في الفندق فسعد بها أو رماها ، كلها تخمينات لا ترقى ربما للواقع ولا أدري لماذا لا تطاوعني نفسي أن أتصل به . أعرف أني أتحمل قدراً من المسؤولية بدعوتي له للحضور إلى لبيروت لكن لم أتوقع أن أكون معه ضعيفة لهذه الدرجة وربما يكون هذا الأمر ما جعلني أتردد في أن أتصل به أو ألتقيه .

تناولت إفطاري وخرجت من المنزل متوجهة للمحل وعند اقترابي من قلب بيروت حيث المشغل قررت فجأة أن أمر بالفندق الذي يسكنه وأسأل عنه لا أعرف سبباً لهذا القرار المفاجئ غير أني حين استيقظت من النوم وكنت أفكر فيه ، سألت عنه في الفندق فعرفت أنه لم يغادر بعد وهو غير موجود بالفندق الآن انتابني شعور قلق تجاهه ،  لماذا ؟ ثم سكت ، صدقوني لم أجد الأسئلة التي أضعها لكي أكمل كلمتي ، فهو لم يترك لي مجالاً للأسئلة التي أتوقعها في تصرفاته رغم شعوري بجنونه وأنا معه إلا أني أشعر كذلك بعقله الراجح فعندما أقول لماذا لا يتصل مثلاً أضع له ألف عذر فيصبح سؤالي غير منطقي .

توجهت للمشغل فأبلغوني أن ضيفاً ينتظرني لم يخطر ببالي أن يكون خالد لكنه كان هو بهدوئه المعهود وكلامه اللطيف الذي لا يحمل تأنيباً ولا عتاباً ولا لوم سألني : هل عندي عمل كثير   اليوم ؟ فأجبته هناك بعض الأعمال فطلب أن أنهيها بسرعة وأرافقه لماذا لم أقل له لا أستطيع ؟ ولماذا لم أختلق أي عذر ؟ مع علمي بأنه لن يلح في طلبه ولن يمانعني لكني لم أفعل بل وافقته دون تردد ، ظننت أنه رتب لهذا اليوم ترتيباً خاصاً إلا أنه لم يكن قد قرر لأين سنذهب رافقته منذ الساعة الحادية عشرة ظهراً حتى منتصف الليل ، حينها تركني  ودخل الفندق كنت أتمنى أن يقبلني في تلك اللحظة لكنه لم يفعل .

نعم أشعر بطفولتي معه وأشعر باستسلامي كذلك لا بل أني شعرت أني استسلامي لم يكن نتيجة قوته هو بل نتيجة رغبتي أن أستسلم لكل تصرف يقوم به ، مشى معي كثيراً تلك الليلة وجلس بقربي ووضع يده حول خصري وأزاح شعري عن وجهي ولمس خدي بأصابعه ، إلا أنه لم يقبلني ولم يقل لي ما يعد في دنيا الهوى غزلاً . ورغم ذلك شعرت أن الدنيا كلها هو ، وأن البشر الذين رأيتهم اليوم  أشباح ، لم أشعر بهم ولم أفكر في أن أنظر إلا لمن بجواري وأسمعه وأراقب كل ما يفعل .

دخلت المنزل فاستقبلتني والدتي بالسؤال عن تأخيري فأخبرتها أني كنت مع خالد ، لم تقل شيئاً ، رغم أني أعرف ما يدور بخاطرها ، فطمأنتها وأخبرتها أنه للآن يعتبرني أخته الصغيرة ولم أكذب فاليوم لم يفعل ما يوحي بغير ذلك ، دخلت غرفتي واتصلت به لا شعورياً تكلمت معه ما يقارب الساعة أخبرني أنه سيغادر غداً لقبرص ، حينها سكت ولمت نفسي على تلك الأيام التي لم ألتقيه فيها ، وعدت أتحدث معه أخبرني بأنه يود أن يسلم على والدي قبل أن يسافر فعرضت عليه أن أرافقه حتى يغادر فلم يمانع .

استيقظت بعد نوم عميق شعرت أني لم أنل تلك الراحة منذ فترة ، فما أن مر خالد ببالي بعد استيقاظي ، ابتسمت وارتديت ملابسي وتوجهت للفندق أعرف أن الوقت لازال مبكراً على مغادرته بيروت إلا أني لا أريد أن أخسر أي وقت يمكنني أن أقضيه معه فلن أراه بعد ذلك ، فربما يغيب عاماً آخر دون أن يتصل .

وصلت للفندق فوجدته هناك ولم يتناول إفطاره بعد فدعاني لأفطر معه ، وذكرني بالصين حينما التقينا أول مرة ، وسرقنا الوقت فقد بقينا نتحدث لساعتين حتى أخبرنا الجرسون أن موعد وجبة الإفطار قد انتهى ، قام ونظر في ساعته وقال : أمامي ثلاث ساعات ثم أتوجه للمطار ، قمت حينها وأنا أشعر بالضيق لماذا يغادر بهذه السرعة ؟ لم أخبره بما دار بخاطري لكنه قرأ ذلك على ملامح وجهي وسألت نفسي بعد فترة وجيزة كيف جعلني أضحك مجدداً ؟ هذا ما أسأل نفسي إياه كل مرة دون أن أجد الإجابة .

مر بوالدي في مكتبه فلم يطل الجلوس كثيراً عنده ، ومر بوالدتي ، التي رغم حذرها لعلاقتي بخالد لم تتمالك نفسها وهي تودعه ، فبكت فقبلها على رأسها كعادة أهل الخليج مع النساء كبيرات السن ، ووعدها بأن يزورها في أقرب فرصة تسمح له بزيارة بيروت .

توجهنا بعد ذلك للفندق انتظرته في “اللوبي” لكي يستحم ويغير ملابسه فلم يطل بي الانتظار  فعاد وأنهى إجراءات الفندق وتوجهنا للمطار ، كنت أشعر بشعور غريب حينها كنت أود البكاء حاولت أن أتمالك نفسي واستطعت بعد عناء بقينا طوال الوقت لا نتكلم وعندما وصلنا للمطار نزل من السيارة والتف حولها وفتح الباب الذي بجانبي فنهضت من الكرسي فوقف أمامي واحتضنني بقوة وقبلني ، ثم أبعد شفتيه عني ، لكنه ظل يحتضنني بعدها أرخى يديه وابتعد رأى دموعي فضربته بقبضة يدي على صدره وقلت له : لم ستغادر ؟ قبلني حينها على رأسي وابتسم ، فضربته مرة أخرى ، وطلبت منه أن لا ينساني فقال لي : لا أستطيع أن أنساكِ .

دخلنا المطار أنهى إجراءات الرحلة ثم أمسك يدي وقبلها وقال لي : إلى اللقاء ورحل دون أن ينظر خلفه ، كانت دموعي تنساب من عيني دون أن أشعر لا أعرف لماذا كان شعوري برحيله مؤلماً لهذه الدرجة ؟ لا أشك للحظة أني أثق به رغم أني أخاف من استسلامي السريع له وعدم مقدرتي على مخالفة تصرفاته إلا أني أيضاً أقسم أنه لن يأتي بشيء يجرح به مشاعري أو يخدش كرامتي ، رغم جرأته أحياناً .

عدت للمنزل ولم أجد والدتي حينها فحمدت الرب على أنها لم تكن موجودة وإلا لأخذت تسألني ألف سؤال عن ملامح الحزن البادية على وجهي ولتطرقت في حديثها لخالد ، لكن لحسن حظي أنها غير موجودة أسرعت خطواتي لغرفتي ورفعت البرواز الذي أهداني إياه خالد ، واستلقيت على السرير حتى غالبني النوم .

خالد

     كدت أغير رأيي وأبقى في بيروت حين رأيتها تبكي ، شعرت بقيمة دموعها التي بددت كثيراً من شكوكي وأوهامي تجاهها ، فهكذا يبني الحب نفسه لا يستشير ولا يقاوم ، بدأت أحبها كما قرأت كل الرسائل التي تشير لهذا الشعور في عيني سارة ، قرأتها وهي تنظر إلي وهي تسلمني يدها وهي تترك شفتيها لأقبلها كيف أشاء ، قرأتها في دموعها ، في سؤالها لي ، وقرأت أسئلة كثيرة دارت في عقلها لم تقلها سألتني دون أن تتكلم لماذا ترحل الآن وسألتني أن أنتظر وسألتني أن أحتضنها وسألتني هل تحبني ؟ .

قرأت تلك الرسائل التي أعرف مقامها في النفس وأعرف ألم صاحبها ، ومعنى أن يبكي من الألم أو الفراق ، لم تتجرأ أن تسألني ولم أتجرأ أن أخبرها أن ما نـحـن فيه محكوم عليه بالفشل أو التعاسة لكننا نـحـن الاثنين لم نقدر أن نقاوم بعضنا أو أن نمنع أنفسنا من الاستمرار ، مندفعان في اتجاه واحد نمنع أنفسنا من اللقاء لكي نبتعد عن بعضنا ونكتشف أننا كنا نبتعد لنشتاق ونلتقي بعدها من جديد دون حسابات مسبقة نلتقي لنثبت لأنفسنا أننا كنا على خطأ ، فعندما ذهبت لمشغل سارة لم أكن أنوي الذهاب ، لكني ذهبت وعند عودتي للفندق في الليل اكتشفت أنها جاءت وسألت عني في الصباح ، ربما أرادت أن تسبق خطواتي لتصل إلي باكراً كما فعلت أنا أردت أن يكون الصباح مشرقاً بها .

وصلت للفندق المطل على البحر ، فندق جميل تتناثر غرفه على الشاطئ ، حمدت الله أنه فندق هادئ لأني محتاج لفترة من الهدوء لأعيد حساباتي وأنظر إلى الأمور عن بعد لأعرف ما يمكن أن أفعله فأنا محتاج إلى أن أكون مع نفسي لفترة بعد زيارتي بيروت وبعد أن وصلت العلاقة مع سارة لمرحلة الحب ، أحتاج أن أكون وحدي لأقيس مدى قدرتي على مقاومتها من جديد ربما أتمكن من النسيان أو أجبر نفسي على نسيانها إن اقتضى الأمر ، لا أستطيع أن أجزم بذلك رغم ثقتي الكبيرة بنفسي ،لكن كيف أجبرها على شيء هي راغبة في الاستمرار فيه ؟ لا أنكر أني أشعر بحاجتي لامرأة ورغم ذلك لم أنساق لأي امرأة التقيتها بهذه الطريقة التي انسقت بها خلف مشاعري لسارة ربما مرحلة الطفولة مهدت لذلك ، وربما أن سارة طيعة معي كزوجتي السابقة ، أو ربما أني وجدت بها ما لم أجده فيمن التقيتهن قبل أن ألتقيها ويبقى السؤال هل سنستمر معاً ؟

من ملاحظتي لأسرتها اكتشفت أن سارة  لا تستطيع أن تخالف الرأي العام الذي يتشكل في المنزل ففي النهاية هي توافق والديها الرأي ، حتى وإن كانت لا ترغب فيه ، أو لا تريده فمن الواضح أن زواج سارة السابق كان زواج مصالح لا أكثر ولا أقل ، لذا لم تجد سارة الزوج الحبيب الذي يشغل قلبها بل وجدت نمطاً آخر من الرجال الذين يقيسون أوقاتهم على قدر مصالحهم وكانت صدمتها كبيرة في زوجها ولم تستطع أن تستمر معه ، فانهار كل شيء ، وشغلت نفسها بالعمل دون أن تحاول أن تجد شريك حياتها المناسب .

لا أعرف ردة فعل والديها لو عرفا أن ما يجمعني بسارة يتجاوز الصداقة والأخوة ، فهما مسيحيان متشددان ، لا أجزم بذلك لكن هذا ما رأيته واضحاً في تصرفاتهما ، ربما لا أعاني أنا من هذا الجانب لأن والدي متوفيان ورغم ذلك أجد في نفسي رفضاً أن أرتبط بفتاة مسيحية ، وإن كنت تربيت معها ، ورغم ذلك أنا لا أريد أن أبتعد عن سارة وإن حاولت ذلك لكنها استهوتني بشكل وصل لحد الجنون أو اقترب منه .

لم يطل بي المقام حتى اتصلت سارة لتطمئن على وصولي ، ولم تتحدث معي كثيراً فأنهت المكالمة لتدعني أستريح على حد قولها ، أخذت حماماً دافئاً وأخرجت كتابي من الحقيبة بعد أن بدلت ملابسي وذهبت لأشرب فنجان قهوة ، لأن هدوء المكان استهواني فأردت أن أستخدم هذا الهدوء مع القراءة كمضاد للتفكير .

جلست ما يقارب الساعتين هناك لم ينقطع خلالها حبل أفكاري ولم أستطع أن أركز فيما أقرأ ، فعدت لغرفتي واتصلت بسارة وجدتها لا تزال مستيقظة ، تحدثنا كثيراً تلك الليلة عنها وعني وعما جرى بيننا في بيروت ، سمعت منها  ما كنت أتمنى سماعه ، بكت وضحكت وسألتني في تلك المكالمة مالم تسألني إياه وأنا معها سألتني هل تحبني ؟ ترددت كثيراً ثم أخبرتها بحقيقة الأمر أخبرتها بما كانت تود سماعه من كلمات تسر خاطرها فسألتني : لماذا لم أبقَ في بيروت إن كانت فعلاً قد استهوتني ؟ لم أجبها على هذا السؤال بل لم أحاول أن أقترب من أي موضوع يبحث في مستقبل علاقتنا وقبل أن تنهي مكالمتها طلبت مني طلباً لم أتوقع أن تطلبه ، طلبت أن أعود لبيروت وأن أكمل ما بقي من إجازتي هناك ، استغربت طلب سارة لكني عجزت أن أقول لها لا ! إلا أني لم أحدد موعداً لعودتي أخبرتني بأنها ستصطحبنِ من المطار ولن تسمح لي بأن أغلق هاتفي المحمول لكي تتصل بي في أي وقت تشاء .

بهذا الحديث وصلت علاقتي بسارة لمرحلة لم أود أن تصل إليه ، رغم أني أيضاً لا أود أن أتركها ، وأتمنى أن تكون بقربي دائماً إلا أن الأمور تسير بشكل منتظم ، أعرف أني لن أطيل البقاء في قبرص رغم أن المكان أعجبني كثيراً وسأعود لبيروت إن شئتم القول سأعود لسارة بكل جوارحي لا أدري لم كل هذا الجنون فلم ألتقيها سوى يومين من عام في الصين وسبعة أيام في بيروت ؟ وها أنا ذا سأقطع رحلتي وسأعود إليها في أقرب وقت .

سارة

     أغلقت الهاتف وكدت أصرخ فرحاً فهو سيعود من جديد لا لكي يستمتع بإجازته في بيروت ، بل من أجلي أنا ، سيعود لكي لا يترك لي مجال شك في أنه يحبني سيعود ليمسك بيدي ويأخذني دون أن أمنعه كالسابق ، كنا أطفالاً نلهو وأتمنى أن نعود نلهو ونـحـن كبار لم لا ؟ ألا يحتاج الإنسان الكبير أن يلهو ويلعب ويمرح وينسى الدنيا مع من يحب ؟ .

هل كان يجب أن يغادر لكي أكتشف أني أحببته وأني لا أستطيع أن أتركه فترة طويلة ، في المطار كدت أن أقول له أنا أحبك فلا ترحل ولا أدري ما ردة فعله إن قلتها في ذلك الوقت ؟ لكنه سمعها مني وأجاب دعوتي لن أتركه هذه المرة ولن أتردد في أن أكون معه .

لا أريد أن أوقف مشاعري ولا أريدها أن تخمد أو تهدأ ، ولا أريده أن يشعر حين يحضر لبيروت أني بعيدة عنه ولو للحظة ، فما شعر هو به ، من حاجته لإجازة ينسى فيها عمله ، أشعر أنا به الآن لا لكي أستريح من عملي بل لكي أنسى نفسي معه فأنا محتاجة إليه محتاجة إلى أن أشعر أن هناك إنساناً يحبني من كل قلبه إنساناً يسمعني وإن لم أتكلم ، يمسك يدي ويسير بي يضع يديه على خصري تارة ، وعلى كتفي تارة أخرى ، إنسان أستسلم بين ذراعيه وهو يقبلني ، لم لا ؟ ألست امرأة تملك كل المشاعر والأحاسيس ؟ بلى أنا كذلك وقد وجدت الشخص الذي تمنيته طوال حياتي أعرف أن الأمور سارت بشكل سريع وأن كلاً منا صرح للآخر بما يتمناه لم أفكر في أن أوقف مشاعري عند حد معين ولا أريد أن أفكر في ذلك .

سمعت عن أناس سقطوا في الحب من نظرة فكيف لي أن لا أسقط في الحب وأنا أقابل شخصاً يملك من التألق والتميز والجمال والغنى ما يجعله هدفاً لكثير من النساء  ؟ ورغم ذلك لم أشاهد في عينيه أي إثارة حين يشاهد فتاة جميلة تمر بجواره أو أي اهتزاز في شخصيته وهو يتحدث مع فتاة فكيف لي أن أقاومه ألست امرأة وجدت بجوارها رجلاً يحمل كثيراً من القيم النبيلة إنسان مغرٍ في كل تصرفاته إنسان لم تستطع أن تقاومه بل شعرت بحبه يتسلل لنفسها ويغزوها .

لم أجد مانعاً من أن يكون خليجياً  أو من أي جنسية ، فقط يكفيني أن يكون خالد . أعرف مدى عراقة جذوره وبداوة أصله وأعرف الكثير من عادات مجتمعه الذي ترعرع فيه ، وأعرف أن دينه مختلف ، وأعرف أن كل المشاكل ستثار من هذا الجانب من أهلي وأهله ، ومع ذلك لا أريد أن أفكر في هذا الجانب المظلم بل تشتعل مشاعري وأنسى كل شيء بمجرد أن أتذكر أنه سيحضر لبيروت من أجلي .

مرت ليلتي وأنا أتقلب في الأفكار ولم أنم حتى الصباح ومن المؤكد أني لم أستيقظ باكراً رأيت نظرة الاستغراب في عين والدتي حين قبلتها ، وأنا أخرج من المنزل كانت الشمس تميل غرباً وكان قلبي يميل معها فمن هناك سيأتي من أحب أتمنى أن يراها كما أراها ، وأن يستقبل تحيتي التي أرسلتها له عبر المغيب ، أعرف أنه يحب الغروب حدثني مرة بشوق وهو ينظر إلى الشمس وهي تسقط في الأفق البعيد سيراها حتماً اليوم كعادته .

ذهبت للمشغل ، كنت أود أن أقبل كل من التقيت وأخبره بما في قلبي ، لكن العمل لم يمهلني ، فالأمور متشابكة والأعمال لا تنتهي لا أدري كيف سأحصل على إجازة لكن كل ذلك لن يثني قراري في أن أستريح قليلاً ، انهمكت في العمل حتى العاشرة ، مساءً وخالد لم يتصل حتى الآن ، خطر في بالي أنه ربما يأتي اليوم لم أتمالك نفسي فاتصلت به كان لا زال في قبرص وكان يعطس بشكل متواصل وصوته مبحوح لم أطل الحديث معه وسألت نفسي هل سيتمكن من الحضور لبيروت غداً أو بعد غد ؟ لا أظن وربما سيطول الوقت كثيراً ، عاودت الاتصال به عندما عدت للمنزل كانت حالته مستقرة ، على الأقل لم يعطس كثيراً هذه المرة ، لكن بقي السؤال متى سيأتي ؟ لم أسأله كنت أود لو سافرت إليه لأكون بجواره وأعتني به على الأقل أعرف أن أسرتي لن تمانع في سفري لوحدي لكن بماذا أجيبهم عند طرح الأسئلة المعتادة إلى أين ؟ ومتى ؟ ومع من ؟ ولماذا ؟ وعلي أن أجيب بلا كذب كعادتي فلم أتعود على الكذب منذ صغري ولو عرف والداي أني سأسافر لخالد ستكون علامات الاستفهام أكبر وعلامات التعجب أكبر منها ويبدأ كل شيء في الانكشاف وأنا لا أريد أن يحدث ذلك على الأقل في الوقت الحاضر يجب أن تكون علاقتي مع خالد غير معروفة لهم .

نمت قرابة الثانية بعد منتصف الليل ، واستيقظت في العاشرة صباحاً ، لم يكن نومي مريحاً الليلة الماضية ، على عكس التي قبلها أخذت حماماً دافئاً وتناولت إفطاري وخرجت حينها اتصل بي خالد وأخبرني أنه سيطير لبيروت بعد قليل . رجوته بأن لا يغادر وهو متعب لكنه رفض وقال إنه تحسن .

لم يمنحني الوقت الكافي كان الأجدر أن يخبرني البارحة حين حدثني ، ورغم ذلك فرحت لأنه لم ينتظر حتى يبرأ من مرضه ، بل استعجل المجيء ولو يدري أني أستعجل مجيئه أكثر منه لربما تفاجأ ، أو ربما شعر بما يدور في خاطري أو أنه يشتاق إلي أكثر مما أشتاق إليه ، كلها احتمالات تسر الخاطر على العموم ، لم أذهب للمشغل بل توجهت من فوري إلى المطار ، فلا وقت يسمح لي بالعمل تناولت قهوتي في المطار ، وأنا أراقب شاشة الطائرات القادمة كان الوقت يمر بطيئاً وما إن هبطت الطائرة حتى توجهت للبوابة التي يخرج منها القادمون انتظرت كثيراً ولم يخرج وكذلك لم يتصل بي ، بعد طول انتظار خرج خالد أخيراً أظن أنه آخر راكب خرج ممن حضروا معه قبلته كتحية ، وأمسكت يده وهو يسحب حقيبته باليد الأخرى ، سألته عن سبب تأخيره ؟ فأخبرني أنه فقد إحدى حقائبه ، كان يبدو عليه التعب والإرهاق وصوته المبحوح لازال كذلك . سألته أين سيسكن ؟ فأخبرني أنه يريد أن يسكن في فندق على البحر بعيداً عن إزعاج المدينة .

كان المنتجع الذي اخترته ممتازاً في نظره وقد اختار شاليهاً على البحر ولا أدري كيف يستهويه البحر ولم ندخل في فصل الصيف بعد ؟ لكن المكان كان رائعاً بالفعل وكذلك المنتجع مكانه مميز حيث إنه يقع في منطقة وسطى بين عملي ومنزلي فيمكنني أن أمر عليه في كل وقت ، وقد رافقته للشاليه وأخرجت ملابسه من الحقيبة رتبها وتأكدت من أنه أخذ علاجه ثم تركته كي يستريح وتمنيت أن ينام جيداً لكي أستطيع أن أجلس معه في المساء .

توجهت بعدها للمشغل ، حاولت جهد استطاعتي أن أنهي عملي باكراً وأن أترك ما بقي من عمل للسيدة / ميرنا في وقت غيابي أعرف أنها دقيقة في عملها ، ربما أكثر مني وهذا ما يجعلني مطمئنة على العمل ، أخبرتها بأني سأرتاح لمدة أسبوع وطلبت منها أن لا تخبر الجميع بذلك لكي لا يتراخى أحد في العمل بل يستمر على وجهه المعتاد .

ذهبت لخالد تلك الليلة ولم أطل الجلوس معه أكثر من ساعة فلا زال يعاني من نزلة البرد رغم تحسنه ، تناول معي القهوة وجلسنا نتحدث كان حذراً حينها في الاقتراب مني لكي لا ينقل لي العدوى على حد تعبيره ، كنت أضحك من حذره الزائد وربما يكون حذراً لأسباب أخرى لا أدري ! ولا أمانع أن يكون حذراً معي فقد كان حذراً منذ التقينا ، ربما غادره حذره معي قليلاً ولكن ليس دائماً .

في اليوم التالي أيقظني من النوم على غير عادته فلم أتعود أن يتصل بي في هذا الوقت المبكر كان صوته قد استعاد عافيته قليلاً وأظن أنه تجاوز مرحلة المرض ، كان ينتظرني لكي نتناول الإفطار معاً لم أتأخر عليه فقط انتظرني لمدة ساعتين لا أكثر ولم أقصد التأخير إلا أن اتصاله الأول كان كالحلم بالنسبة لي ، فأكملت نومي اتصل مجدداً بعد ساعة ، فوجدني نائمة سمعته يضحك عرفت أن انتظاره الطويل لي ضايقه استعجلت أمري فتحممت وبدلت ملابسي على عجل ، وخرجت بعد إلقاء التحية على والدتي .

خالد

لقد تأخرت كثيراً فأن تنتظر شخصاً على وجبة الإفطار لما يقارب الساعتين ولم تتناول أي وجبه طعام من صباح الأمس فهذا أمر مزعج جداً والجوع لا يدع مجالاً للإنسان في أن يفكر كثيراً إلا أني قررت انتظارها رغم ما تعانيه معدتي من فراغ ، لم كان إصراري على أن تتناول الإفطار معي ؟ بإمكاني أن أتناوله لوحدي ثم أتصل بها دون عناء كان سؤالاً سخيفا طرحته على نفسي وأعرف أني أريد أن تكون سارة معي دائماً لأني لم آتِ لبيروت إلا من أجلها .

وصلت أخيراً وها هي مقبلة علي ، قمت من طاولتي ونظرت لساعتي فضحكت ثم قبلتني وجلست فشددت يدها وذهبنا للبوفيه كانت تنظر إلي وأنا آكل وتقول : لم أرك تأكل بهذا السرعة من قبل ؟ شرحت لها الموقف وأنبتها لأنها لم تدعني للعشاء البارحة ، تعمدت إحراجها فوجهها يكون أكثر طفولية في الخجل والإحراج ، خرجنا بعدها من الفندق وكنت أرغب في أن أرى بيروت الشعبية وحمدت الله أنها ترتدي بنطلوناً من الجينز وقميصاً لأن التجوال في الأحياء الشعبية لا يناسبها المبالغة في الأناقة .

رأيت بيروت بشعبها البسيط الذي لا يعرف السياح الاجانب رأيت شوارعها الضيقة وممراتها المتعرجة وجلست في مقاهيها الصغيرة ، استغربت سارة من اهتمامي بأن أرى تلك الأحياء الفقيرة ثم فهمت أني لا أبحث عن الأشكال المتأنقة والمتعالين ولا الكاذبين ولا المنافقين بل أريد أن أعرف طبيعة الإنسان العادي الإنسان ببساطته كنت أشير إليها بكثير من حديثي ربما فهمت وربما تجاوزت ذلك لكنها رغم غنى والدها لم تفكر في التعالي أو التباهي بل أعجبني فيها تلك المسحة الطفولية من البراءة ، وذلك الأسلوب العملي الذي لا يعرف كثيراً من النفاق .

نعم هي كذلك تتجمل وهي تملك كل المقومات لذلك ، ورغم هذا لا يتملكها غرور الجمال ولا شغف التباهي ، أنيقة بشكل دائم رغم بساطة ما ترتدي ، وأظن أنها لو ارتدت أي شيء سيكون جميلاً عليها ، نعم جميل قابلت أناساً كذلك ، ربما يساعدها منظرها الحالم وجسدها المتناسق .

كانت صحبتها ممتعة نظراتها همساتها حديثها ، وقد ساقنا مرورنا بالأحياء الشعبية في بيروت إلى أن نتحدث عن الطوائف والأعراق في لبنان وعن مشاكلها السياسية والعرقية وعن الحروب التي مرت بها ، وكيف أن الإنسان اللبناني ارتبط بانتمائه لطائفته في بعض الأحيان أكثر من انتمائه لبلده ، كان الحديث شائقاً في هذا المجال وأعجبتني معرفتها الواسعة بتلك الأمور وتعاطيها معها بشكل لا ينم عن رغبة في استمرار ذلك .

مشينا كثيراً ذلك اليوم حتى الغروب ، فوكزتني حينها وقالت : هل تجازيني لأني تأخرت على وجبة الإفطار بأن تتركني جائعة حتى المساء ؟ ضحكت لأني قد نسيت الأكل بصحبتها بل نسيت الدنيا رغم ازدحام بيروت بزوارها وسياراتها ، شعرت أني معها وحدنا تناولنا غداءنا على الرصيف ، فكانت “الساندوتشات” لذيذة ، لم أختر ذلك المطعم بل هي من أشارت علي ، سالتها عن هذا الأمر ؟ فقالت : إنهم في صغرها عندما كانوا يزورون بيروت كانت تأكل هنا أحيانا ، جميل أن يرتبط الإنسان بماضيه وأن يعود له بين حين وآخر .

لم أعد إلى الفندق بل كانت سارة أكثر جنوناً مني ذلك اليوم فأخذتني معها لأماكن أخرى رأيت فيها الطابع الباريسي والناس المتأنقة وقالت : عليك أن تقارن بين ما رأيته في الصباح وما تراه في المساء ، حتى تعرف الفرق بين البشر ، صدقت فيما قالت كان الفرق كبيراً جداً ، الوجوه قد تبدلت والملابس تغيرت وكأني لم أرى بشراً متناقضين من قبل أعجبتني فكرتها فسألتها ما هو أرقى مقهى هنا ؟ أشارت لأحدهم فدعوتها فأجابت دعوتي دون تردد ربما كنا مختلفين عن كل الموجودين بملابسنا العادية حتى الويتر ( الجرسون ) كان يتعامل معنا بتعالٍ حينها أشرت لها بأن لا تقول شيئاً ووضعت له بقشيشاً محترماً في نهاية الأمر فاستغربت ! فقلت لها لكي يحترم كل من يرتدي ملابس عادية بعد ذلك .

ساحرة بيروت في المساء هواؤها البارد تسلل لعظامي ، ورغم ذلك لم أشأ أن أذهب للفندق كنت أتمنى أن يطول بي الوقت أكثر لكي تبقى معي سارة ، وفي نهاية الأمر غادرنا للفندق لم تنزل معي بل ودعتني عند المدخل بقبلة دافئة ورحلت .

دخلت الفندق وكأني قد خرجت منه للتو ، خرجت مع سارة وعدت بدونها عدت وحيداً ، وهذه الفكرة لا تستهويني الآن رغم تعودي عليها سابقاً ، أعرف أني بالغت في انعزالي بعد وفاة زوجتي وذلك لحبي الشديد لها ورغم وفاتها لا زلت أذكرها بشوق بالغ وأتذكرها دون وجل حتى وأنا مع سارة كنت أذكرها ، وأترحم عليها لكنها ليست موجودة الآن ومن الصعب أن يعيش الإنسان بلا قلب طوال حياته ، فللمشاعر دور مهم في حياتنا لا يستطيع إنكاره عاقل ، يكثر هذا الفكر في رأسي أحياناً وسرعان ما يذهب كما أتى ، وسرعان ما أعود لطبيعتي وفي الفترة الأخيرة أصبح هذا التفكير نادراً ربما لأني أحببت من جديد .

جميل هذا الشعور لا أود أن يغادرني ، ولا أريد أن أعود للوحدة والعزلة ، استلقيت على فراشي دون أن أبدل ملابسي فغبت في نوم عميق لم يوقظني منه إلا سوى اتصال سارة وهي تسألني : هل تناولت طعام الإفطار ؟ حينها نظرت إلى ساعتي فإذا هي الثامنة صباحاً ، نهضت من السرير اخذت حماماً سريعاً وارتديت ملابسي بسرعة وذهبت للمطعم .

كانت هناك تنتظرني ، كانت متألقة اليوم أكثر من أمس ، قرأت السعادة في وجهها قبل أن أجلس ، قبلتها وجلست سألتها عن سبب سعادتها ؟ قالت أمران أمر ستسمح لي بأن أعرفه وهو أنها قد تعاقدت مع إحدى محلات الملابس الكبرى لتزويدهم بفساتين سهرة أبلغوها بطلب ضعف الكمية السابقة ، وهذا الخبر وصلها قبل أن تدخل للفندق على حد قولها ، سألتها عن الأمر الآخر الذي لن تخبرني به ؟ فأجابتني : يجب أن تعرفه بنفسك ،ابتسمت ورفعت يدها وقبلتها تناولنا الإفطار وخرجنا ، صحبتني سارة للجنوب كان الجو منعشاً وسارة متميزة كعادتها ، لكن سعادتها بالفعل طغت على كثير من تصرفاتها ، ضحكت كثيراً ذلك اليوم وقبلتني كثيراً تركتها تفعل كل ما تريد دون أن أضع أي حدود أو موانع فتصرف البشر دون قيود يثير إعجابي وقد رأيت كثيراً من تصرفات ساره الطفلة التي كانت تلعب معي وتشاكسني أعدت الذكريات معها فكانت تقول لي كنت أفعل هكذا وأنا صغيرة وتعيد الحركة تعيدها كما لو كانت صغيرة بكل براءتها حتى وهي تأكل الآيس الكريم استعادت ذكرياتها وأخذ “الآيس كريم” يقطر من شفتيها نظرت لي ، ضحكت وقالت : هكذا كنت أفعل وأنا صغيرة أليس كذلك ؟ .

مر اليوم سريعاً كسابقه فودعتها عند الفندق بقبلة ورحلت لتكون في مكان آخر ، جلست أفكر كثيراً تلك الليلة ماذا سأفعل عندما تنتهي هذه الأيام الجميلة ؟ هل سأعود لرتابة العمل والوحدة ؟ كأني رفضت وحدتي التي كنت أصر عليها سأعود بين أوراقي وعزلتي هل أقدر على هذا الأمر ؟ أم أني تعودت على وجود سارة وضحكاتها وهمسها وكلامها وجنونها .

ما النهاية ؟ ماذا سيجري ؟ ربما سأكون من يحرك الأحداث وربما تحركني الأحداث ما الذي سيحصل غداً وبعد غد ؟ أسئلة كثيرة ولا إجابات حتى هي لم تتحدث معي عن المستقبل وإلى أين نـحن ذاهبون ، صرحت لي بأنها تحبني وأنا فعلت الشيء نفسه لكننا لم نتطرق لمستقبل تلك العلاقة نعيش يومنا بضحك ولهو نرقص نغني ونفعل كل شيء ، وكأن العالم ملك لنا وكأن ليس به سوانا .

هل سنرتبط أم سنبقى أصدقاء أم عشاق ؟ ولا آمل أن نكون عشاقاً فقط فلا تستحق سارة أن تكون عشيقة ولن أسمح لنفسي أن أجعلها كذلك فأنا أقبلها بشوق ، نعم تثيرني عندما أحتضنها ، فيغلب شوقي لاحتضانها رغبتي في أي شيء آخر ربما فكرت في المزيد ، لكن ليس بهذا الشكل الذي يمكن أن يهدم هذه العلاقة اللطيفة بيننا ، فللحب حسابات أخرى له حدود على عكس ما يشيع البشر أن الجنس نوع من الحب بل هو مكمل له فتجتمع المشاعر مع الغرائز في تناغم جميل لطيف فلا يشعر الرجل بعدها بأن المرأة سلعة ولا تشعر المرأة بأن الرجل لا لزوم له بعد ذلك .

في اليوم التالي التقينا وكان قد مر ثلاثة أيام على عودتي لبيروت ومر اليوم جميلاً كسابقه وبقينا نلتقي كل يوم من الصباح حتى المساء لا يعكر صفونا شيء ولا نهتم بشيء سوانا نـحن الاثنين لم نفتح أي موضوع عن المستقبل أو عما ستؤول إليه علاقتنا فكان لقاؤنا بين المزاح والحب واللعب والتمتع بمباهج بيروت .

مرت ثلاثة أيام أخرى وهنا حدث أمر صغير ربما لم ألتفت إليه كثيراً إلا أنه كان له تأثير مهم في علاقتي مع سارة ، كنا نجلس في أحد المقاهي التي تتميز بطابع الخصوصية قليلاً ، وكانت سارة تجلس بجواري ، دار بيننا ما يدور بين عاشقين من قبلات وضحكات كان هناك رجل كبير في السن في الزاوية الأخرى يجلس بمفرده ينظر إلينا بين حين وآخر ، لم أعره اهتماماً لكن عندما انتبهت له سارة ابتعدت عني قليلاً ، ثم نهضت دون أن تقول شيئاً وتوجهت إليه مباشرة ، رأيتها تسلم عليه وتقبله حينها قام من كرسيه وتوجه مع سارة نـحـوي ، عندما رأيتهما مقبلين وقفت ، مد يده وسلم علي ، عرفتني ساره به على أنه خالها السيد / بيير ، كان الامتعاض مرسوماً بشكل جلي على وجهه حين عرفتني سارة له بأني صديق من الخليج ، لم يطل الموقف أكثر من دقيقتين بعدها استأذن وخرج من المقهى .

أصاب سارة شيء من الارتباك ، بل رأيت في عينيها ملامح الخوف مما سيحدث بعد هذا اللقاء ، حاولت أن أغير من مزاجها قدر ما أستطيع ، سايرتني في حديثي وبعد مرور ساعة رن هاتفها المحمول ترددت وهي تجيب ، وعندما أجابت تغير مزاجها ، ثم استأذنت مني وغادرت دون أن تقول أي شيء سألتها فقالت : إنها ستتحدث معي فيما بعد .

سارة

كنت أعرف أن خالي / بيير سيبلغ والدتي بما شاهد ، فهو أخوها الكبير وله تأثير قوي عليها لم تقل شيئاً في الهاتف إلا : أريدك أن تأتي إلي حالاً ، وأنا أعرف ما وراء هذه الجملة من أسئلة وأعرف أن والدتي صدمت عندما عرفت أن خالد موجود هنا في بيروت لأني لم أخبرها أنه عاد ولم أخبرها بأني في إجازة من عملي وبهذا تكون صورة خالد في نظر والدتي كأخ لي قد انتهت .

من حقي أن أحب وهي تعرف ذلك ، ومن حقي أن أستمتع بوقتي مع من أختار وهي لا تمانع في ذلك ، لكن بحدود أعرافنا وتقاليدنا كمسيحيين لكني لا أعرف رد فعلها على أن من أحب ليس لبنانياً ولا مسيحياً من الأساس ، وما أعرفه حق المعرفة أن والدتي ملتزمة دينياً وتدعو لي دائماً بأن أرتبط بشخص ملتزم تقول إنه سيحترمني وسيقدرني أكثر .

عندما دخلت المنزل وجدت والدتي بانتظاري سألتني لماذا لم أخبرها بأن خالد موجود في بيروت ؟ لم أجبها بل طلبت منها أن تستمع للموضوع بكامله وبدأت أحدثها منذ أن زارها خالد ليودعها قبل أن يسافر لقبرص استمعت بإصغاء بالغ ولم تقاطعني حتى انتهيت من حديثي في لقائنا مع خالي / بيير في المقهى عندها سألتني : هل تظنين فعلاً أن خالداً يجبك ؟  فأجبتها : بنعم ، فسألتني هل حدثك عن خطوبة أو زواج ؟  فقلت : لا ، حينها قالت : لا أظنه سيحدثك عن هذا الأمر وعندما يرحل لن يترك إلا الذكريات التعيسة .

جلست أتحدث مع والدتي قرابة الساعتين ، كان كلامها منصباً على خالد بأنه عاد ليتسلى بي ، ويستمتع بصحبة فتاة جميلة على حد قولها ، وليكن أنه عاد ليتسلى فأنا أيضاً استمتعت بتلك التسلية ولا أنكر أن حديث والدتي أثار أسئلة كثيرة في عقلي ، كنت لا أحاول أن أفكر فيها ، ولم يتطرق لها خالد فكلانا على ما أظن كان يتجنب أن يتحدث في مستقبل علاقتنا .

لم تتحدث والدتي عن قبولها أو رفضها لارتباطي بخالد من قريب أو بعيد ، لكنها سألتني عن طبيعة العلاقة معه ، فأجبتها بكل وضوح بأننا لم نرتكب معصية ولم تصل علاقتنا لما تتوقعه لم تصدقني بسهولة وأعرف لماذا ؟ فخالي / بيير كما أعرفه نقل لها ما شاهده عن الوضع الحميم الذي كنا أنا وخالد عليه في المقهى ، وأعرف أن أي أحد رآنا سيقسم أن بيننا علاقة أكبر من علاقة بريئة لم تتجاوز القبلات والاحتضان أحياناً .

لم أتحدث مع خالد تلك الليلة ولم أجب على اتصالاته المتكررة فأنا في مزاج سيء للغاية ، وتفكيري مشوش ، لأني لا أحب أن أوضع موضع المتهم ، ولا أريد أن يكون لوالدي تأثير على علاقتي بخالد كما جرى في زواجي السابق ، أريد أن أعيش معه كل لحظة وأن أستمتع معه بكل شيء وأن أتركه يحبني كما يريد لأني لم أجد هذا الشعور الذي منحني إياه خالد في أيام قلية طيلة حياتي السابقة التي عشتها قبل أن ألتقيه .

في الصباح لم أر خالد بل بقيت في غرفتي ، مرت بي والدتي فوجدتني بحالة مزاجية سيئة ، فلم تتكلم معي مجدداً ، بل تركتني في غرفتي ، ولم تدعني للغداء عندما حان موعده ، أما خالد فلا زال يتصل دون أن أرد عليه كيف سأبدأ الكلام معه إن سألني عما جرى البارحة بيني وبين والدتي ؟ أم سأكذب عليه أم سأقول له تعال وأخطبني من أهلي ، شعرت بأني سخيفة وأنا أفكر في هذا الاحتمال ، فلم يكن خالد طامعاً في ثروة ولا سائراً وراء شهوة ، بل كان لطيفاً معي جداً ورغم ذلك لم أتحدث معه والتزمت الصمت وعادت لي تعاستي التي كنت قد تخلصت منها منذ فترة طويلة .

في المساء جاء والدي وجلس معي ، تحدث معي بلطف أكثر من والدتي لكن حديثه لم يخرج عن سياق حديثها ، بل كان واضحاً أكثر فرفضه بأن يكون بيني وبين خالد أي علاقة عاطفية أو زواج كان صريحاً ، ولم يترك لي مجالاً في أن أناقشه عندما قاطعته طلب مني أن أستمع لما يريد قوله وفي النهاية خرج ولم يسمع ما أريد أن أقوله ، هذه هي عادته القديمة يقرر ويترك لوالدتي مهمة إقناعي بما قرر .

لم أترك الأمور تسير بهذا الشكل الذي يرسمه والداي كالسابق بل توجهت لوالدي وجلست معه ، رفض في البداية أن يستمع لما سأقول ، فذكرته بما جناه علي هو ووالدتي بقراراتهما السابقة واتهمته بأنه يريد تحطيم حياتي فسألني ماذا أريد ؟ فأجبته بأن قرار حياتي يجب أن أتخذه بنفسي دون تدخل من أحد ضحك رغم غضبه ، وقال : تذكري أنتِ مسيحية ومن بيئة تختلف عن بيئته ومجتمعه ، فإن كنتِ تريدين أن تقرري فيجب أن تطرحي على نفسك كل الأسئلة وتجدي لها إجابات صحيحة ، ربما جانب كلام أبي الصواب نعم يجب أن أطرح الأسئلة كلها ، لكني لا أستطيع الإجابة عليها وحدي ولا أملك عقل من أحب لكي أجيب عنه ، كان يجب علي أن أقابل خالد وأحدثه بصراحة عما جرى لأنظر مدى صدقه في هذه المسألة لأن الشك قد دخل إلى نفسي رغم معرفتي بأخلاقه .

ترددت قبل أن أخرج من المنزل ، لم تسألني والدتي إلى أين سأذهب ؟ لكن عينيها كانتا تطرحان السؤال هل ستذهبين لخالد ؟ لم أحاول أن أقف عندها في تلك اللحظة ، بل أردت أن أكون بعيدة عن ضغوطها وإلحاحها ، خرجت من المنزل ولا زلت مترددة وأنا أتوجه للفندق ، وقفت هناك ساعة أكرر في نفسي ما سأقوله لخالد وكيف سأقابله ؟ وأشجع نفسي بأن لا أكون ضعيفة أمامه ، لا أخفيكم أني بكيت لشعوري بأن الأيام الجميلة قد ذهبت بسرعة دون أن أحقق ما أتمناه .