رواية التقينا … الفصل الثاني

الفصل الثاني

خالد

     لا تزال ملامح الطفولة مرسومة على وجهها والخجل الذي كنت أراه مرتسماً بحمرة وجنتيها وهي صغيرة لا زال يزين تلك الوجنتين وخوفها كذلك فلا زالت تخاف كما كانت وهي طفلة لا أدري كيف تغير شعوري تجاهها فلم أنظر إليها كامرأة جميلة بل نظرت إليها على أنها أختي الصغيرة التي أعرفها جيداً ، سارة جميلة جداً بمقاييس الجمال وجمالها جدير بأن يجعل أي رجل يعجب بها من أول نظرة كما يقولون لكني لم أجد هذا الشعور في نفسي وأنا معها إلا أني كنت أنظر إليها كثيراً وأتأمل وجهها لأرى تلك الملامح التي كنت أعرفها في طفولتي .

لفت ذلك الأمر انتباهها فسألتني : لم تنظر إلي بهذا الشكل المريب ؟ فقلت لها هل تصدقيني لو أخبرتك ؟ فأخبرتها عن سر نظراتي لها فضحكت ، وقالت : تحلف على ذلك فحلفت فلم تسألني بعدها لماذا أتمعن في وجهها ؟ .

دعوتها إلى العشاء فأجابت دعوتي بالقبول كانت أنيقة رغم أن ملابسها ملابس بسيطة مثل تصرفاتها تماماً ، وكانت تصرفاتي معها دون حساب ، فكنت أضحك أمزح مضت الليلة بهذا الشكل حتى افترقنا ، في اليوم التالي ، وهو اليوم الذي يسبق سفري ، تعودت أن أترك هذا اليوم بلا عمل في رحلاتي لكي أستريح وأذهب لأتمشى أو أتسوق أو أتفرج على البلد التي أنا فيها سألت سارة مرافقتي فسألتني : لماذا ؟ شعرت أنها خافت من شيء لا أدري ما هو لكنها عندما خرجت معي في المساء كانت في حالة ذهنية ونفسية ممتازة ، حدثتني خلالها عن أمور كثيرة في حياتها عن والديها وكيف كانت ترجوهم وهي صغيرة أن تعود للدوحة من جديد ، وتحدثت معي عن تجارتها الصغيرة ، وتجربتها في تصميم الأزياء وكيف بدأت هذا المشروع الذي تطور بشكل جيد وأخبرتني كذلك أنها عزباء فقد انفصلت عن زوجها بعد عام من الزواج ، ولم تقل الكثير في ذلك الجانب سوى أنهم لم يتفقوا ولم يرتح كلاهما للآخر .

بعد ذلك طلبت مني أن أتحدث عن نفسي أخبرتها بأشياء كثيرة لكن كنت حريصاً على أن لا تعرف سارة مدى ثروتي لكي لا تكون النظرة مالية فهذه المرأة لا تربطني بها علاقة عمل ولا مصلحة ولا حتى إعجاب بل تربطني بها الذكريات الطفولية التي كنت أعيشها وهي معي ، الطفولة الطبيعية التي لا تحمل الحقد ولا الظلم ولا التعالي ، بل البساطة والمرح ، وجدت كل هذا فيها أو ربما كنت أنا الدافع لها أن تتصرف ببساطة ، لأني تعاملت معها كأختي التي لم  أرها منذ زمن طويل ، والتقيتها بشوق الأخ الأكبر .

كل هذا مر على مخيلتي وأنا في الطائرة فكانت رحلتي سعيدة على عكس ما كنت أتوقع من ضغط العمل ، نعم كان هناك اجتماعات كثيرة ومقابلات شتى وزيارات ميدانية ، لكن وجدت في هذه الرحلة سعة في نفسي لكل هذا بسب وجود سارة ، ودعتني قبل أن أسافر وطلبت رقم هاتفها في بيروت فأعطتني إياه وطلبت مني أن لا أتردد في الاتصال في أي وقت أريد وأعطيتها رقم هاتفي كذلك .

ستبقى سارة لمدة يومين آخرين في الصين ثم ستغادر ، عندما وصلت إلى الدوحة كنت سأتصل بها ، لكن لم أجد مبرراً لذلك وجاء اليوم التالي ولم أتصل بها إلا أنها اتصلت بي بعد أن وصلت لبيروت ، شكرتني حينها على صحبتي معها ، وأبلغتني تحية والديها .

سارة

     غادر خالد وبقيت وحدي أعترف أن صحبته كانت ممتعة ، فقد شعرت بالملل بعد رحيله ومر اليومان التاليان ثقيلين جداً مع أنه كان لدي عمل كثير  ، حيث كنت أتابع تجميع بضاعتي وتغليفها وشحنها وقد أنهيت هذا العمل قبل سفري ببضع ساعات فقط كانت بعدها رحلتي طويلة لبيروت ومررت بمحطة “ترانزيت” في مطار دبي وصلت متعبة للمنزل ، كانت والدتي في انتظاري هناك وسبقها أبي لاستقبالي في المطار سلمت عليهم ودخلت غرفتي استحممت وبدلت ملابسي وخرجت لأجلس مع والدتي ، لكي أخبرها عن مقابلتي مع خالد .

سألتها في البداية هل تتذكر الدوحة ؟ وما إن جاءت هذه الذكرى في مخيلتها حتى تذكرت والدة خالد على الفور وأخذت تتحدث عنها وعن زوجها وابنها أخبرتها حينها بلقائي مع خالد ، فسألتني كيف أصبح شكله ؟ فأخبرتها أنه شخص وسيم أنيق متعلم وتاجر وسألتني عن والدته فأخبرتها أنها توفيت منذ ما يقارب الأربع سنوات أو أكثر دمعت عيناها فسألتها : هل تحبينها لهذه الدرجة ؟ فقالت : كانت مثل أختي بل إنها فعلت معي ما لم تفعله  معي أي امرأة على وجه الأرض فعندما ذهبنا إلى الدوحة كان والدك مشغولاً طوال الوقت وكنت أنا وحدي ولم أنجبك بعد كانت تزورني باستمرار وتدعوني لمنزلها . لم أتقبل الوضع في البداية لكوني مسيحية ، لكن اكتشفت فيما بعد أن هذه السيدة لا تحمل في قلبها إلا الخير أحببت ابنها خالد كثيراً ، لأني حملته بين يدي وهو لم يكمل السنة بعد ورأيته يكبر كما رأيتك تماماً ، وهي أيضاً كانت تحبك كثيراً وتدعوك بابنتها كانت علاقتي معها طيبة طيلة بقائي في قطر .

بعد ذلك تركتها وذهبت لغرفتي واتصلت بخالد لأنه أوصاني بأن أتصل به فور وصولي لبيروت ، أبلغته تحيات والدي وعاتبته لأنه لم يحدثني بعد وصوله لكن بعد هذا الاتصال انقطعت أخباره عني . اتصلت به مرة أو مرتين فكان هاتفه مغلقاً لم يزعجني ذلك لأنه لم يكن بيننا ما يوجب علينا تكرار الاتصال ،  ترك لي خالد ذكرى طيبة بعد لقائنا في الصين ، كنت أتذكره بين حين وآخر كما وددت أن ألتقيه مجدداً ، لكنه لم يتصل بي ولم أجد وسيلةلكي أحدثه .

خالد

     تمددت على السرير لكي أنام ولم أتمكن من النوم فمنذ الصباح شغلتني نفسي المتعبة من كثرة العمل ، وسألتني أن ترتاح قليلاً وتستكين ، أذكر منذ عام لم أحصل على راحة حينها التقيت سارة التي ذكرتني بطفولتي ، أذكر جيداً أني نسيت همومي حين التقيتها وللأسف لم تحدثني إلا مرة واحدة بعد أن عادت لبيروت وأنا لم أتصل بها مطلقاً .

نهضت من سريري وأخذت أفتش في أوراقي القديمة لا أدري لماذا أردت التحدث معها في هذا الوقت من المساء ، فتشت في أدراجي كلها ، وفتحت حقائب السفر ، وحينها اتبتسمت فها هو رقم هاتفها لم أتررد في الاتصال لكنها لم ترد هل تراها تزوجت أم انشغلت ؟ أم ماذا حصل لها بعد عام من لقائنا ؟ لم ألبث طويلاً حتى رن هاتفي وبعد أن سمعت صوتي وتأكدت أني خالد كان حديثها عنيفاً وهي تؤنبني لماذا لم أتصل بها ، ولماذا هاتفي دائماً مغلق ؟ وصدقوني أني نسيت أن أتصل بها حين غيرت رقم الهاتف لأعطيها رقمي الجديد .

لهذه الدرجة نسيت نفسي ، وانشغلت بالعمل أم أن ماضي حياتي وقف بيني وبين مستقبلي ؟ لا أنكر حبي لزوجتي التي توفيت وأن ذكراها وقفت حاجزاً قوياً يمنعني من أن أكون علاقة عاطفية مع أية فتاة ألتقيها ، نعم أحبها حتى الآن وتسكن قلبي وتصاحبني في كل وقتي لكن سارة لا تعني لي الحب لأني لا أنظر لها من هذا المنظور أبداً ، بل أراها كأختي الصغرى ،علمتني أمي على ذلك وحملتني والدتها في صغري هذه المسؤولية فتكون عندي انطباع الأخوة في علاقتي معها ولا أظنه سيتغير .

عدت لسريري وأنا مبتسم منشرح النفس وفي قراراة نفسي أني يجب أن أرتاح وسأذهب لشركتي في الصباح لأنهي الأعمال المهمة وسأمنح نفسي إجازة طويلة لكي أستريح من ضغط العمل المتواصل ، غالبني النوم سريعاً حينها واستيقظت باكراً فتوجهت للشركة قبل أن يأتي الموظفون ، راجعت كل الأوراق المهمة حتى حضر مدير مكتبي ، وفوضته للقيام ببعض الأعمال وطلبت منه تأجيل بعضها سألني : لماذا ؟ فأخبرته أني منحت نفسي إجازة طويلة حتى أتخلص منه . ضحك وقال : لم أرك تمزح منذ زمن بعيد .

خرجت من المكتب الساعة العاشرة وتوجهت للمنزل حتى موعد الغداء وأخذت قيلولة قصيرة أيقظني منها اتصال سارة أخبرتني بأنها لم تتحدث معي جيداً البارحة لأنها كانت مشغولة سألتني عن أشياء كثيرة وعندما أخبرتها بأني في إجازة طلبت مني أن أقضي إجازتي في لبنان ، وأخبرتني أن والدتها ستسعد لرؤيتي  ، كأنها قرأت أفكاري ودخلت في تفاصيل الذكريات ، نعم كنت عازماً على أن أزور بيروت لبضعة أيام ، ولكن أن أقضي الإجازة كاملة هناك أظن أنه يدخل في مجال المستحيلات لدي ، لأني قررت أن أسافر لأكثر من جهة ، قبرص واليونان على أن تكون بيروت هي المحطة الأولى أو الأخيرة في جدول إجازتي التي عزمت عليها .

توجهت لمكتب السفريات بعد الظهر ورتبت إجازتي لثلاثة أسابيع ، بيروت وقبرص واليونان لكل منها أسبوع كامل ، وسأسافر غداً صباحاً ولن أخبر سارة بحضوري لبيروت هل تدرون لماذا ؟ لكي أفاجئها كما كنت أفعل في صغري ، على فكرة أخبرتني باسم محل التصميم الذي تملكه عندما كنا في الصين ، ولتعودي أن أدون ملاحظات العمل احتفظت ببطاقة التعريف الذي تحمل اسم المحل واسم الشارع ، في المساء بعد أن أخذت قسطاً من الراحة ، ذهبت لأتسوق ، فمنذ فترة طويله لم أذهب لأشتري أي شيء لنفسي اخترت بعض القمصان “والتيشيرتات” “والبنطلونات” وبعض لوازم السفر الأخرى ثم توجهت للمنزل ورتبت حقيبتي وأغلقتها على غير عادتي في ذلك الأمر فعادتاً ما ترتبها لي مدبرة منزلي ، ثم خلدت للنوم .

عندما استيقظت شعرت أن هذا الصباح مختلف فلم أذهب للعمل ولم أفكر فيما تأخر وما أريد إنجازه بل استيقظت متأخراً في التاسعة تناولت إفطاري بهدوء ثم ارتديت ملابسي وتوجهت إلى المطار ، لم تستغرق الرحلة فترة طويلة ، فاجأتني بيروت فرغم ما مر بها من مشاكل وحروب إلا أنها استيقظت من جديد مثل العروس .

توجهت للفندق وغيرت ملابسي وأخذت سيارة تاكسي سألته عن الشارع الذي به ذلك المحل الذي أنوي زيارته فأخذني لهناك ، وقفت خارج المحل أتفرج على واجهته الأنيقة والملابس المعروضة بعناية وعندما دخلت استقبلتني آنسة جميلة سألتني عما   أريد ؟ أخبرتها أني أريد أن أرى المحل وما يقوم به من أعمال في تصميم الملابس ، كانت لطيفة معي فاصطحبتني وأرتني بعض التصاميم الجميلة التي يقومون بها ، سألتها أن تأخذني للمشغل التابع للمحل ؟ وهنا اعتذرت مني بلطف فابتسمت لها وسألتها عن صاحب المحل لأني لم أشأ أن ألفت انتباهها أني أعرف لمن هو ، أخبرتني أن صاحبة المحل سيدة وأنها ليست موجودة ، فأعطيتها رقم الفندق والغرفة وطلبت منها أن تحدث صاحبة المحل إذا حضرت ، ثم خرجت سألتني عن اسمي فأجبتها أبو محمد وغادرت .

لم أعد للفندق مباشرة بل ذهبت وتناولت فنجان قهوة بأحد المقاهي ، وأخذت أتجول في الشوارع وعدت للفندق ، وقد مضى ما يقارب الساعتين تقريباً فوجئت أن سارة لم تتصل حتى الآن وبعد ساعة من عودتي للفندق رن الهاتف رفعت السماعة وكان المتحدث امرأة لكنها ليست سارة سألتي عن سبب زيارتي للمحل وهل ارغب في عمل أي تصاميم خاصة ، تمالكت نفسي لكي لا أضحك وأخبرتها أني أرغب في شراكة وسألتها بفضول هل أنتِ صاحبة المحل فأجابتني : لا ، أبلغتها أني أود أن اتحدث مع صاحبة المحل بشكل مباشر أو تحديد موعد معها في أقرب وقت ممكن لأني سأغادر في الغد فقالت إنها ستبلغها بذلك أستأذنت وأغلقت الهاتف .

تمنيت أن لا تتصل سارة وأن تعود نفس السيدة وتخبرني عن الموعد الذي تحدد لمقابلتها ووقع ما تمنيت بالفعل فبعد ربع ساعة اتصلت نفس السيدة وأبلغتني أن الموعد تحدد غداً صباحاً فاعتذرت منها وأخبرتها أني مغادر في الصباح وطلبت منها أن تخبر صاحبة المحل بأني أوجه لها دعوة عشاء عمل في الفندق الليلة استأذنت مني لدقيقة ثم أخبرتني بالموافقة على الموعد فطلبت منها اسم صاحبة المحل فقالت السيدة / سارة فأخبرتها أن هناك طاولة ستكون محجوزة باسمها في مطعم الفندق وأنهيت المكالمة على هذا النحو .

كنت أريدها أن تتفاجأ بي أريدها أن تتهور أريد أن أرى ردة فعلها عندما تراني هل ستكون كما في السابق ؟ تنظر لي وتقف في مكانها ثم تأتي وتجلس بجواري دون أن تتكلم أم ماذا ستفعل ؟ ربما يزعجها ما سأفعل أو يضايقها لا يهمني فأنا أعرف كيف ألعب بمزاج تلك الطفلة التي أعرفها جيداً منذ صغري .

كان موعد العشاء بعد ساعة من الآن توجهت للمطعم وحجزت طاولة باسم السيدة / سارة ثم عدت لغرفتي استحممت وغيرت ملابسي ونزلت إلى المطعم قبل عشر دقائق من موعد حضورها جلست في الكرسي المخالف للمدخل لكي لا تعرفني عند حضورها وعندما جاءت وقفت بجواري وقالت مساء الخير رفعت رأسي ونظرت إليها مبتسماً صمتت ولم تقل شيئاً كعادتها رأيتها طفلة صغيرة في هذا الموقف كادت تبكي فسألتها : هل لا ترغب في السلام علي ؟ فحركت يدها فسلمت عليها وأزحت لها الكرسي لكي تجلس بجواري .

جلست ولم تتكلم سألتها ما بها فأجابت بغضب لماذا فعلت كل هذا ؟ فأجبتها أني أريد أن أرى الطفلة سارة عندما كنت أفاجئها هل تغيرت تصرفاتها أم كما هي لا تزال تلك الطفلة بداخلها ؟ سألتني كيف رأيتها ؟ حينها مددت يدي فسلمتني يدها فقلت لها : كما هي لم تتغير ، حتى عندما أمسك يدها تسلمها لي بهدوء ودون تردد حينها احمر وجهها خجلاً وابتسمت ابتسامة لم أشك لحظة أني رأيتها آلاف المرات وأنها لا زالت تحمل تلك الملامح البريئة التي تتمتع بها ولا تزال تتمتع بروحها الجميلة التي عرفتها .

مر الوقت سريعاً دون أن نشعر ، تطرقنا للحديث في كل جوانب حياتنا وتحدثت معها عن زوجتي فكانت حانية لم تغير الموضوع ، بل سألتني عنها كثيراً ، وحدثتني عن زواجها السابق وأنها لم تكن سعيدة ، لم أتركها تسترسل في الحديث عن حياتها الماضية لأني لا أريد أن أراها عابسة الوجه ، أردتها أن تبتسم أردت أن أرى السعادة على وجهها اصطحبتها للسيارة وأخبرتني بأنها ستريني المشغل غداً ثم غادرت ، جميلة تلك المرأة أو الطفلة ، قل ما شئت فقد جمعت الوقار والحيوية والبراءة فكانت سارة .

سارة

     أزعجني ذلك الاتصال كثيراً ظننت أنه رجل أعمال يبحث عن مشاريع فكنت قلقة مما سأقول وما سأفعل وكيف سأتصرف ؟ وما أزعجني أكثر هو أنه لم يترك اسمه بل كنيته وعندما طلبت أن أعرف بياناته من الفندق أبلغوني أنه لا يمكن الإفصاح عن هوية النزلاء مما أثار ارتيابي ثم سألت نفسي لماذا أخاف والدعوة في مكان عام يعج بالناس ؟ اعتبرتها مغامرة ولم يخطر ببالي أن خالد هو صاحب الدعوة عندما رأيته ذهلت فرغم علمي بأنه في إجازة لم أتوقع أن يكون هو صاحب الدعوة صمت كعادتي عندما أصاب بالذهول ، ولم يخطيء تفكير خالد ، فهذه عادتي منذ الصغر لكن لا أدري ما أصابني كدت أن أحتضنه وأقبله لولا أن تداركت نفسي لم ينبع هذا الشعور من الحب ، ولنفسر كلمة الحب ونقسمها لأجزاء فهناك حب الأم والأخ والزوج ولو أضع خالد في خانة العواطف لوضعته في منزلة أخي الذي لم تمنحني إياه إرادة الرب .

نعم تفاجأني لكنه استطاع أن يقلب كل الموازين ، استطاع أن يغير شعوري في دقائق كما كان يفعل منذ صغرنا كأنه يعرفني ويدرك كل ما يخطر ببالي ويضع الحلول الناجحة ليغير مزاجي دائماً عندما أمسك يدي ، أدركت أننا كبرنا لكن يده تحمل الدفء القديم الذي عرفته ، نعم كما قال لم أتغير لكنه هو أيضاً لم يتغير لولا لحظات التفكير العابرة التي تمر به والتي تحمل معها ملامح الحزن لأقسمت على ذلك ، انتبهت لهذه اللحظات في الصين وعرفت السبب اليوم أنا متأكدة من حبه لزوجته كم تمنيت أن أراها تجلس بجواره الليلة وتشاركنا الحديث ، لكي تنزع تلك الملامح الحزينة وتمحو لحظات الذكريات التعيسة لا يستحق خالد أن يحزن فكل ألم كان يمر به وهو طفل كان يتجاوزه دون ذكرى لكن زوجته تركت بداخله ذكريات كثيره لذا أثر فيه فراقها تأثير بالغ أعرفه كتوم لا يتكلم عن آلامه لذا عندما تكلم عن زوجته تركته يسترسل لكي يخرج ما بداخله ، والغريب أنه تحدث عنها بكل مرح وتحدث عن اللحظات السعيدة حتى جاء الحديث عن وفاتها لم يترك لنفسه العنان وهو يصف تلك الأوقات بل قاله بشكل مقتضب وتجاوزه بسرعة ورغم ذلك توقف عندما أراد أن يتكلم عن تلك اللحظة المؤلمة في حياته وخرجت الكلمات ثقيلة وفجأة غير الموضوع كأن شيئاً لم يحدث ، كيف يتمكن إنسان من أن يخفي حزنه لهذه الدرجة لا أدري فأنا لا أستطيع ، لذا حمدت الله أن خالد غير موضوع الحديث عندما تحدثت عن زوجي السابق وإلا لبكيت وانقلبت الليلة رأساً على عقب .

أستيقظت متأخرة في اليوم التالي فقد خرجت من الفندق في تمام الواحدة بعد منتصف الليل وكذلك لم أستطع أن أنام جيداً فكثير من الأمور دارت في رأسي لا أنكر أن خالد كان له المجال الأكبر في هذا التفكير ولا مانع لدي في أن يشغل تفكيري فأنا أعرف وأظنه هو مثلي يعرف أن هناك أموراً لا يمكن أن نتجاوزها في علاقتنا وأنها يجب أن تبقى في حدود الصداقة فقط أو على أكبر تقدير الأخوة .

رغم استيقاظي متأخرة إلا أني كنت مبتهجة أتطلع لما أفعل فبعد وجبة الإفطار اتصلت مباشرة بخالد فوجدته مستيقظاً أخبرته بأني سأمر لأصطحبه  فلم يعارض ولم يمر سوى ساعة حتى كنت بجوار الفندق دخلت فوجدته ينتظر في “اللوبي” أخذته  للمشغل ثم المحل وعرفته بكل العاملين الموجودين ، كانت مادلين الفتاة التي استقبلته بالأمس تنظر إليه باستغراب لكني تفاجأت عندما سألها خالد عن سبب استغرابها من علاقتي معه فهزت رأسها وهي تنظر إليه باندهاش لشدة ملاحظته فشرح لها أننا تربينا سوياً وأني مثل أخته ، انتابني شعور مريح عندما نطق بكلمة أختي لا أدري ما سبب هذه الراحة ؟! ربما لو كانت فتاة أخرى مكاني لتمنت أنه لم ينطقها ، أما أنا فزادت هذه الكلمة احترامي له ومكنتني من أن أمنحه مزيداً من الثقة .

كانت والدتي تنتظرنا على الغداء ولم أتوقع ردة فعل أمي حين رأته لم أتوقع أن تحتضنه كما لو كان ابنها ولم يحضر أبي الغداء معنا فقد كان ملتزماً بموعد عمل لم يتمكن من إلغائه وحضر بعد الغداء وكذلك احتضه بشوق ، أعرف أن أمي وأبي يحبانه وكذلك يحبان والديه رحمهما الله ربما انعكس هذا لمصلحته وقد كان مرحاً مع والدتي كثيراً لقد جعلها تضحك حتى دمعت عيناها من شدة الضحك أما والدي فتحدث معه في أمور التجارة وعن الأعمال في قطر حتى ظننت أن الحديث سيستمر في هذا المجال لما لا نهاية لولا تدخل أمي وطلبها من أبي أن لا يزعج خالد فهو في إجازة ويريد أن يرتاح من العمل .

مكث خالد معنا حتى نهاية اليوم ثم استأذن فأردت أن أوصله فاعتذر مني بلطف وقال إنه سيتمشى قليلا ثم سيستقل تاكسي ، ولم يفد إلحاحي في تغيير رأيه فرافقته للباب وشرحت له كيف يخرج من الحي السكني ويجد تاكسياً فودعني وغادر .

عدت مسرعة لوالدتي وسألتها بفضول ! هل تحبين خالد لهذه الدرجة ؟ فضحكت وقالت : لقد أخبرتك سابقاً عن السبب ولا تسألي والدك لماذا يحبه ؟ بل سأخبرك أنا بذلك فنظرت لها بفضول فأكملت حديثها . كان والد خالد رحمه الله ميسور الحال لكنه لم يبدأ التجارة إلا مع والدكِ نعم استفاد كل منهم من الآخر إلا أن الفضل يرجع لوالده لأنه منح والدك الثقة وكان يحثه على توسيع أعماله .

لا أتذكر والد خالد كثيراً ، لكن كنت أحب والدته وأنا صغيرة ، توجهت لغرفتي ، وأنا أقلب الذكريات وأعيد تفاصيل اليوم من أوله وحتى آخره ، ولو أردت أن أشعر بالسعادة لهذه الدرجة وفعلت كل شيء يسعدني لما وصلت سعادتي ما وصلت له اليوم فهناك تفاصيل صغيرة لم تخطر ببالي ، أن يهتم بها خالد كأن يحضر هدية لوالدي ووالدتي وكذلك أنا لم ينسني وعندما فتحت الهدية وجدت بها صورة قديمة بها طفلان أحدهما صغير والآخر أكبر منه قليلاً بما يقارب السنتين ، ومعهما رجل وامرأة خليجيان خمنت بسرعه قبل أن أفتح الورقة التي ألصقها بالإطار أن الصورة لي مع خالد وعائلته ، وتأكد هذا الأمر بعد أن قرأت ما كتب على الورقة كان هناك علبة صغيرة مع البرواز فتحتها ، فوجدت بها بروش أنيق من الذهب الأبيض مزين بأحجار كريمة لم أفرح بها مثلما فرحت بالصورة والإطار الذي يحوي رسوماً طفولية وضعت الهدية بجواري ، وغبت في التفكير حتى غالبني النوم .

خالد

     خرجت أمشي من منزل والد سارة منشرح الصدر ، فقد ذكرتني والدتها بوالدتي التي فارقتها قبل سنتين من وفاة زوجتي فكانت الألم الأول ، وبعدها بسنوات ماتت زوجتي فكانت الألم الثاني ذكرتني والدة سارة بجلسات والدتي واهتمامها بالمنزل وبالمطبخ وبالجيران ، ذكرتني بلطفها وحنانها ذكرتني بقلقها الشديد وخوفها على ابنها الوحيد بعد رحيل زوجها وذكرني أبوها بوالدي الذي رحل وأنا في الثانية عشرة من العمر كنت أستمع له وأرى أني حملت  الكثير مما وصف به أبي متجسداً في شخصيتي ربما زرعتها والدتي في ابنها ، لكي تجسد شخصية زوجها .

جميلة هي الذكريات حين تحمل السعادة وتعيسة هي عندما تحمل الألم فكيف أفصل بين الذكريات السعيدة وتلك المؤلمة التي تجسدت لي بفراق أبي الذي لا أتذكره كثيراً ووالدتي مصدر الطمأنينة والراحة وزوجتي التي أخذت معها الحب كيف صمدت كل هذه الفترة وأنا فاقد الأمان الذي يشكله والدي والحنان الذي تمثل في والدتي والحب الذي منحتني إياه زوجتي .

خرجت أمشي لأبقى وحيداً وأجمع ذكرياتي – أو شتات تلك الذكريات الجميلةالتعيسة – نسيت ما حولي ومشيت على غير هدى لمدة ثلاث ساعات ثم اكتشفت أن لا مواصلات في المكان الذي أنا فيه ، ولولا أني سألت أحد الأشخاص الواقفين على رصيف الشارع لما عرفت أين أنا ؟ ولا كيف أخرج ؟ وصلت للفندق في تمام الحادية عشرة مساءً ومن الطبيعي أني تأخرت في النوم حتى الفجر ، حينما استيقظت أدركت أن الوقت يشارف على وقت الظهيرة .

بعد أن تناولت الإفطار خرجت لأزور المناطق الأثرية المحيطة ببيروت ، استمتعت بالمباني الرومانية وآثارها الجميلة وتلك المناظر الخلابة للطبيعة ، كم تمنيت أن أرى أشجار الأرز التي يفتخر بها اللبنانيون حتى أنهم وضعوها على علم بلادهم ذكرتني بالشموخ والعزة ، عدت في المساء لبيروت وتمشيت بها قليلا مررت بجوار محل سارة لم أفكر أن أدخل ولم أحاول الاتصال بها ، لأني أدرك مدى انشغالها ولا أريد أن أسبب لها إزعاجاً باتصالي بها ربما أحدثها في الغد ، فهو على ما أظن يوم إجازتها .

عندما عدت كان الفندق ممتلئاً بالناس تلك الليلة وفي الصالة القريبة من البهو الرئيسي يوجد حفل زفاف تمنيت لو أدخل لأتفرج على العروسين وأهنئهما على الارتباط ، فالزواج كما تقول كل الأديان السماوية رباط مقدس يجمع رجلاً وامرأة في منزل واحد مدى الحياة ، في الجانب الآخر من البهو كان المطعم ممتلئاً عن آخره حتى “الكوفي شوب” لا أظن أن به مقعداً شاغراً أدركت أن إجازة بيروت بدأت من الليلة ، أحببت أن أجلس وسط الزحام وأتأمل الجالسين ، تحدثت مع الجرسون وسألته أين أجلس أشار لطاولة هناك في الركن البعيد ، توجهت لها وجلست طلبت فنجان القهوة المعهود وأخذت أنظر للجالسين أظن أن أغلبهم عشاق أو أصدقاء أو متزوجون ، شاهدت كثيراً من الابتسامات وملامح الرضا ترتسم على الوجوه ، وكثيراً من اللحظات الجميلة رأيتها هناك كان كل شيء يدعوا إلى السرور والابتهاج .

توجهت للمصعد وكأني لمحت سارة عند مدخل الفندق تقف مع أحد الرجال هناك حاولت أن لا تراني ربما كان صديقها أو حبيبها فيجب أن تستمتع بوقتها مع من تحب وتهوى توجهت لغرفتي وأنا أفتح الباب سمعت هاتف الغرفة يرن ، رفعت الهاتف فأخبرتني موظفة الاستقبال أن لدي ضيوفاً فأبلغتها بأني سأنزل ، نزلت من فوري عرفت أنها سارة ، رأيتها عند مكتب الاستقبال فقامت وقبلتني كتحية ، وأبلغتني بأن والديها ينتظراننا على العشاء حاولت أن أتملص من هذه الدعوة دون جدوى ، وكانت جادة وهي تتحدث معي ، وقد منحتني عشر دقائق فقط لأستحم وأغير ملابسي .

استحممت سريعاً وارتديت بدلة رسمية لأني شعرت أن الدعوى خارج المنزل ، فسارة متأنقة بشكل مثير للاهتمام على غير عادتها فترجمت ذلك من معرفتي أن اللبنانيين يحبون التأنق في المواعيد الرسمية ، عندما  رأتني بالبدلة الرسمية ابتسمت ووقفت أمامي ، وأخذت تعدل من وضع الكرافت وقالت : تبدو أنيقاً جداً بالبدلة السوداء على عكس ما توقعت ، ابتسمت لها وقلت : إن من يخرج مع فتاة في مستوى جمال سارة يجب أن يكون في قمة الأناقة قرأيت ملامح الخجل على وجهها ثم أمسكت يدي وخرجنا من الفندق .

لم تتحدث  معي في السيارة بل بقينا صامتين كنت أختلس النظرات لوجهها ، تبدو مختلفة اليوم لطالما أحببت النظر لوجهها الطفولي ، تبدو جادة بالمكياج أكثر مما تكون عليه بدونه اختفت ملامح البراءة عن وجهها ، غطتها طبقة من الأصباغ لا أدري لماذا تضع سارة مكياجاً فهي جميلة دون أن تتجمل ؟ لكن للنساء شؤونهن ، عدت أتأملها فالتفتت لي وضحكت سألتني ما بك تنظر إلي هكذا ؟ لم أخبرها بما دار في نفسي من هواجس لكن قلت لها شيئاً مخالفاً تماما قلت : تعرفين لو أني لا أعتبرك أختي الصغيرة لما تركتك أبداً ، لم تحرج من الكلام بل ردت بهدوء : أحمد الله أني أختك وأنت أخي ، لكن أخبرني هل شكلي أعجبك ؟ كان سؤالها صريحاً جداً لم أرد أن اجرحها فأجبتها بنعم فابتسمت .

أخذتني حيث كان والداها وكان المكان جميلاً على الشاطئ وكان والدا سارة موجودين ، حين وصولنا طلبت العون من ربي على هذه الليلة ، فلم أكن مستعداً للحديث والضحك والمجاملات ، ولم أتحدث كثيراً فكنت مستمعاً جيداً فاجأتني سارة وهي تشدني من يدي لكي أرقص معها فوقفت بجوارها وأنا أقول لا أعرف الرقص لم تبالِ بل شدتني لساحة الرقص وطوقت عنقي بيدها ووضعت يدي على خصرها فأحسست بأنوثتها وانتابني الخوف من هذه اللحظة ، أعدت كلامي لا أعرف فأخذت تحرك رجليها بخطوات دون أن تتحدث فهمت أنه يجب أن أحرك رجلي مثلها ففعلت مع كثير من الأخطاء الغريب أنها لم تضحك لأخطائي بل كانت تتمهل لكي أعاود المحاولة وكذلك فعلت ثم بدأت خطواتي تتزن وتنتظم فلانت بين يدي وأرخت رأسها على كتفي وهمست في أذني أقسم أني لو لم أعتبرك مثل أخي لما تركتك أبداً ، سارة سارة سارة أخذت أناديها فلا ترد بل كانت تميل على الموسيقى ميلاً هادئاً أثارتني استطاعت أن تستفز مشاعر رجولتي ، سايرتها وكانت قدمي تتعثر فلا تبالي انتهت المقطوعة الموسيقية الهادئة فابتعدت عني ورفعت رأسها مبتسمة فابتسمت  لها وأخذتها إلى الطاولة حيث والداها .

بدأ الكلام يدور حول سارة ، عملها حياتها السابقة وحياتها الحالية ، ربما كانت سارة تعيسة منذ ثلاث سنوات لكن كما قال والداها تخلصت من أغلب آثار الزواج الفاشل فعادت مرحة نشيطة مجتهدة في عملها الذي كانت قد أهملته في فترة سابقة . لم يشغلني الحديث كثيراً بل سارة هي من شغلني ؛ فقد لاحظت أنها شربت كثيراً الليلة لكنها لا تزال تحتفظ باتزانها أبعدت زجاجة “المشروب” من أمامها فنظرت لي باستغراب وقالت : لماذا ؟ لم أرد عليها بل كانت والدتها منتبهة لما يجري فخاطبتها بشيء من العصبية قائلة : لقد شربت كثيراً الليلة ، أجابتها سارة بتهكم : تتحدثون عن حياتي أنتِ ووالدي كأنكما من عاشاها لا أنا ألم تفرضوا علي الزواج فرضاً واستخدمتم كل الأساليب لإقناعي ، سكتت والدتها والتزم والدها الصمت ، قلت في نفسي لقد توتر الموقف كثيراً  مددت يدي لسارة فقالت : اتركني أخبرهم بما في نفسي تجاههم نظرت لها وابتسمت فلم ترد يدي وقامت معي .

أخذتها لإحدى الشرفات ووضعت يدي على كتفيها وهززتها قليلاً ، فقالت : خالد أرجوك أنت لا تعرف ما جرى لقد رسموا تعاستي بأيديهم وأخذت تبكي كالأطفال ، دون شعور لم أتمالك نفسي فاحتضنتها بقوة حتى هدئت ، تحدثت معي بعد ذلك عن الماضي فغيرت الحديث وأشعرتها بأنها ارتكتب خطأ بحق والدتها يجب أن تعتذر بسببه ، فعلت ما طلبت منها لا لأني طالبتها بذلك فحسب ، بل لأنها شعرت بقدر الإحراج الذي سببته لوالدتها أمامي بسبب ما دار من حديث ، مرت الليلة صامتة إلا من بعض المحاولات الفاشلة التي قمت بها لأكسر جو الكآبة دون جدوى فقررت الرحيل  حاول والد سارة أن يوصلني فرفضت وخرجت بعد تحيتهم وشكرتهم على الدعوى  .

غادرت ولم ألتفت لأحد منهم وأنا خارج من المطعم لأن هناك أموراً كان يجب أن لا تقال أمامي وإن كنت مقرباً من العائلة أو كابنها ؛ فلا تكشف الأمور كلها مرة واحدة بهذه الطريقة ، غادرت مبكراً لكي لا توصلني سارة هربت منها فقد شعرت بقوة تأثيرها وهي تراقصني ، وشعرت بضعفها وهي تبكي بين ذراعي ، فلن أتحمل لحظة أخرى تجعلني أفقد توازني .

سارة

     لقد احتضنته مرة واحتضنني مرة شعرت بحذره وهو يحتضنني في المرة الأولى ، كنت أنوي بحق أن أختبر حديثه عن الأخوة ، ما شجعني على ذلك أن نظرته لي في السيارة كانت مختلفة تأكدت من أنه أعجب بشكلي حين قال : لو أني لا أعتبرك أختي الصغيرة لما تركتك أبداً ، احتضنته لأختبره فتمنيت أن لا تقف الموسيقى شعرت حينها أني أختبر نفسي فقد نجح في الاختبار بامتياز ، رغم أني فقدت الوعي بين ذراعيه ؛ بل فقدت السيطرة على رغباتي حينما بدأ يتمايل معي شعرت بسكينة نفسي وأنا أحتضنه كانت الدنيا ترقص في رأسي تمنيت أن يتهور ويمنحني قبلة على عنقي ، أو يوشوشني ويلمس أطراف أذني بشفتيه لم يفعل ، تحرك قلبي تجاهه تحرك لكي يقول لم أنا وهو كما نقول إخوة ولمَ نقف عند هذا الحد فهو رجل وأنا امرأة وهنا تقف القلوب فتميل لمن تحب وتهوى .

عندما احتضنني في المرة الثانية وأنا أبكي ضمني إلى صدره بقوه ثم وضع يده خلف رأسي وأخذ يحرك أصابعه في شعري كما نفعل للأطفال عندما يبكون ، شعرت أني لم أستطع البكاء وكأن الدموع قد جفت في عيني ، أرخى ذراعه من حولي كنت لا أسمع ما يقول بل كان تفكيري منصباً على مدى حبه لزوجته السابقة محظوظة هي في حياتها وبعد مماتها أم يا ترى أن حاجز الأخوة لديه قوي لهذه الدرجة التي تجعله لا يشعر بما يشعر به الرجال في هذه المواقف ؟

إذاً ما تفسير نظراته وتفكيره وهو يراني ؟ لم أجد تفسيراً يقنعني ربما حاجز الدين فهو مسلم وأنا مسيحية لكنه خرج معي واحتضن والدتي ، وتقبل أن تقبله دون حرج ، بل لم يرتبك حين قبلته وأنا أسلم عليه في الفندق ، حاجز الدين صعب بالنسبة لي وأظنه كذلك من الصعب أن يتخطى خالد هذه المسألة بسهولة رغم أنه لم يأتِ من قريب أو بعيد لهذه المسألة من قبل إذاً لماذا كان ينظر إلي بهذا الشكل ؟ ألم أعجبه ؟ ألم أثر في داخله شيئاً من العواطف أوحتى الإغراء على أقل تقدير .

التفكير في خالد أصبح مزمناً لا أستطيع  أن أتجاوزه ولا أستطيع أن أغيبه ربما عندما التقيته في الصين كنت أنظر إليه لأرى خالد الطفل أو الأخ الأكبر لكن في بيروت شعرت أنه مختلف وكأنه جاء يبحث عن ذاته التي فقدها ، خرجت في كامل زينتي للعشاء على غير عادتي ولم أقصد أن ألفت انتباهه بل كنت أريد أن أبدو جميلة متأنقة فهو رغم بساطة ملابسه التي يرتديها إلا أنه أنيق جداً في نظري وعندما رأيته بالبدلة الرسمية لم أتوقع أن يكون على هذا المستوى من الأناقة في اللباس الرسمي بل إنه لم يهمل التفاصيل الدقيقة المنديل الكرافت المناسب لحفل عشاء الحذاء اللامع العطر الفاتر الذي شممته وأنا أعدل من وضع الكرافت الذي لبسه بسرعة ورغم أن ربطة الكرافت كانت سليمة إلا أني أردت أن أتأكد هل هي مربوطة جاهزة أم أنه ربطها بنفسه ؟ ورغم ذلك لم أنظر إليه نظرة الإعجاب حتى احتضنته ونـحـن نرقص .

لم يتحدث الليلة كثيراً على غير عادته ففي المرات السابقة كان هو المبادر للحديث هو من يحرك الأمور ويفتح مجالات الحوار ، بقي صامتاً طوال الوقت حتى حين اختلفت مع والدتي وبكيت أخذني من يدي حينها لم يتحدث معي كثيرا بل لم تتجاوز فترة وقوفنا في الشرفة العشرة دقائق جلس معنا وحاول أن يغير من جو الكآبة فلم ينجح فالتزم الصمت وبعدها استأذن وخرج دون أن ينظر إلي نظرة وداع كنت أنتظرها منه .

أظنه خرج غاضباً من تصرفي بشكل متهور أو أنه شعر بالإحراج من سماعه أمور خاصة بحياتي السابقة أو تضايق من أن علامات السكر بدت واضحة في تصرفاتي لا أدري ما طرأ على تفكيره ولا أدري لماذا خرج بسرعة ؟ فكان من الواجب علي مثلما اصطحبته من الفندق أن أعيده وكنت أنتظر هذه اللحظة ، ألهذا أراد أن يخرج وحيداً هل انتبه أني أريد أن أكون معه وحدي ؟ رغم أني شربت كثيراً لا أظن أني كنت متهورة لهذه الدرجة ففي الليلة الماضية أيضاً خرج وحده من المنزل دون أن أوصله للفندق .

ذهبت لفراشي ولا زال يسكن تفكيري ، حاولت أن أزيحه دون جدوى حينها رفعت سماعة الهاتف واتصلت به رد بهدوئه المعهود ، دون أن أشعر أنه متوتر أو متضايق مني ، كان أهم ما في حديثه لي عندما سألته لماذا كان ينظر لي بشكل غريب الليلة لم أتوقع رده على عكس ما أخبرني به ونـحن متوجهون للعشاء قال : إنه كان يبحث عن سارة التي يعرفها لكنه وحسب كلامه لم يجدها إلا حينما بكت قال لي إن المكياج كان يخفي ملامح البراءة التي تميزني عن غيرى من النساء . لا أدري كيف يفكر هذا الرجل ألا يثيره التأنق والجمال ؟ لهذه الدرجة هو بسيط ؟ حتى في نظرته للنساء لا يبحث عن التصنع ما أغربه كان زوجي يطلب مني العكس تماماً حينما نخرج سوياً .

سألته عن سبب خروجه من المطعم أخبرني أنه لم يكن في حالة ذهنية تساعده على البقاء وهذا ما لاحظته من البداية وقال أيضاً إنه خرج لشعوره بأن الحديث أصبح خاصاً ومتوتراً ، وجهة نظره سليمة ولو كنت مكانه لفعلت الشيء نفسه لم أسأله أين سيذهب في الغد فأنا أعرف أنه لن يبقى في الفندق فزيارته لبيروت لن تتجاوز الأسبوع على حد تقديري ، أتمنى أن أراه غداً أتمنى أن يخرجني من حالة التفكير التي تحيطني ، هل أهرب من التفكير فيه لأكون معه وأغادره لأفكر فيه مجدداً من أين خرج لي خالد من أي صدفة ومن أي مكان ؟ ومن أي زمن ؟ أتمنى أن أتجاوز هذه المرحلة كما تجاوزت غيرها سابقاً ولا أنساق خلف مشاعري المجنونة .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s