رواية إلتقينا ، المقدمة ، الفصل الاول ….

رواية التقينا ….

مقدمة

     كان إحساسي بهذه القصة قوياً ، لم أفكر كثيراً في أحداثها ، بل تسابقت الأفكار وأنا أكتبها تسابقت بمعني أن كل حدث يطرأ على تفكيري قبل أن أنتهي من الحدث الذي سبقه ، بل إنه أحياناً يرد في بالي أكثر  من سيناريو لأكمل القصة بصورة مختلفة عما كتبتها عليه .

أردت أن تكون هذه القصة مشابهة للواقع وتلامسه ؛ فكانت أحداثها هادئة رغم مشاكلها . لم أختر الأفكار المجنونة ولا الطائشة ؛ بل ركزت على العواطف والحيرة والغيرة والتضحية والحب بشكل أساسي ؛ لكي أوضح أن كثيراً من تصرفات البشر تحكمها العواطف والمشاعر المتناقضة المتضاربة ، تحكمها بمعنى أنها تؤثر على تصرفاتنا .

تزدحم القصة بالأحداث ووصف المشاعر ، أردت بذلك أن أكسر ملل وروتين الروايات المتعلق بالتفاصيل الدقيقة المتشابهة في الوصف وحساب الدقائق وما نفعله يومياً ، ركزت على الأحداث الرئيسة ، لأزيدها وضوحاً وتركت الأمور الروتينية بعيداً عن التركيز .

بدأت في كتابة هذه القصة في صيف عام 2010 ، كتبت بدايتها فقط ، وتركتها فترة لأسباب أهمها : أني سأتطرق للأديان وتلك الحساسية المرتبطة بها ، وتفاصيل الأحكام في الدين الإسلامي والمسيحي التي اطلعت عليها  بشكل جيد قبل أن ابدأ الكتابة ، وجدت أن في الأديان سعة ، والعقبة الرئيسة في تلك الحواجز ليس الدين ، بل الأعراف والتقاليد التي تضعها المجتمعات .

ربما أخطأت فيما تطرقت إليه ، وربما أصبت ، ولا أريد أن أحكم على القصة فيما أقول أو أكتب ، وسأترك الحكم للقارئ لكي أرى الصواب من الخطأ من وجهات نظر مختلفة ، وأتقبل النقد بصدر رحب .

تحياتي

جابر عتيق

 

 

الفصل الاول

خالد

أخبرني مدير أعمالي أنه يتوجب علي أن أغادر إلى الصين بعد غد لأتم بعض التعاقدات هناك ، وقد جهز لي كل الأوراق المطلوبة من تأشيرة السفر والتذاكر وحجز الفندق وكل الملاحظات المتعلقة بالتعاقدات الجديدة .

كان علي أن أنهي كل الأعمال هنا في الدوحة قبل أن أغادر وقد اجتهدت في ذلك فأنهيتها قبل يوم السفر ، كانت حقيبة ثيابي جاهزة دائماً فالارتباط بشركات خارجية كثيرة يجعل من مسألة السفر أمراً وارداً في أي وقت وربما بشكل مفاجئ يمنعني أحياناً من تذكر بعض الضروريات التي أحتاجها ، ولأني أعيش بمفردي في المنزل مع كوكبة من الخدم فقد وجهت مدبرة منزلي بأن ترتيب حقيبتي بعد كل رحلة أمر ضروري .

غادرت إلى الصين وباشرت عملي منذ وصولي هناك ، ولأهمية رحلتي وكثرة انشغالي وخوفي من أن أنسى بعض المواعيد والمقابلات المهمة ، كنت أدون ملاحظاتي في دفتر صغير أحمله معي دائماً في حقيبة الكمبيوتر الخاصة بي ، وكنت مرناً لأبعد الحدود فبإمكاني أن أصطحب سكرتيراً يقوم بترتيب مواعيدي وتنظيم أعمالي ، إلا أني لا أرغب في أن يرافقني أي شخص في سفري لكي أستطيع أن أتحرك بسهولة ولكي تكون علاقتي مع الشركات التي أتعاقد معها مباشرة دون أن يتدخل فيها شخص آخر ، كما أني لا أحب الرسميات كثيراً ولا اؤمن بكثير من أمور “البريستيج” التي تصاحب رجال الأعمال في كل مكان يتوجهون إليه .

بعد أن أُنهي أعمالي أحب أن أنزل إلى الشارع بلباس عادي جداً “تي شيرت وبنطلون” جينز أمشي مع الناس أرى الوجوه وأقف في طابور أركب المواصلات العامة الباصات القطارات ، دون أن يهتم أحد بوجودي ، أو يصاحبني شخص يعاملني برسميات التجارة والأدب فيلفت الأنظار من حولي .

وصلت في الصباح وكان الفندق الذي حجز لي فيه مدير أعمالي جميلاً هادئاً فيه أناس من شتى أنـحـاء العالم ، ولم أجد في رحلتي هذه وجهاً عربياً واحداً في الفندق مما أراحني لأني لن أجد أحد معارفي من التجار ، فأضطر إلى مجاملته واجابة دعوته على العشاء مثلاً ، فيتشتت ذهني ويضيَّع كثيراً من وقتي المزدحم أساساً ، فلا مجال للمجاملات في مثل هذه الأوقات في رأيي .

في الصباح دائماً تكون هناك اجتماعات ومن ثم بعض المعاينات ، وفي المساء اجتماعات أخرى ، يتكرر ذلك كل يوم حتى تأتي مرحلة التعاقدات والاتفاقات ، وأدخل في توتر العمل والتفكير المتواصل في تنسيق المواعيد وتحديد الجدول اليومي المرهق .

كانت فترة المساء ( بعد الساعة الثامنة ) مهمة لي بكل المقاييس ، ففيها أرتب مواعيد اليوم التالي ، وأبعث “الإيميلات” والملاحظات للشركة في الدوحة لكي يوضحوا لي بعض الجوانب الفنية والتقنية التي أجهلها ، ثم أتناول العشاء في العاشرة تقريباً وأخلد للفراش لأستريح من تعب اليوم الطويل ، وقد سار اليوم الأول والثاني والثالث على نفس المنوال ، دون تغيير يذكر ، وفي اليوم الرابع حين أويت لفراشي دارت بي الدنيا وتحركت كل المشاعر والذكريات لسبب ربما يكون في نظر الكثير تافهاً ، لكنه أثار في نفسي أشياء كثيرة كنت أتجاهلها أو أتناساها ، أو لا أرغب في تذكرها  .

كان النوم عصياً ذلك اليوم فبعد أن أنهيت عملي مبكراً ( في السادسة مساءً ) حملت الكمبيوتر المحمول وأوراقي ، وجلست في الكوفي شوب في باحة الفندق وأخذت أرسل “الإيميلات” وأراجع العقود ، وأرتب مواعيد العمل ، كان بجوار طاولتي طاولة أخرى لا تبعد عنها كثيراً تجلس عليها سيدة جميلة ، في العشرينيات من العمر مع شاب يصغرها في العمر قليلاً ( في العشرين تقريباً ) بدا لي أنهم أجانب من ملامحهم ، لكن السيدة كانت تنظر إلي وأنا أعمل تنظر إلي بتمعن ، رفعت رأسي ونظرت إليها فلم تلتفت بل واصلت النظر دون أن تحرك عينيها ، أصابني بسببها الارتباك لكن حاولت أن لا أهتم حينها وعدت لأوراقي دون تركيز كنت ألمحها بطرف عيني ، كانت تتحدث مع الشاب الموجود معها على الطاولة ثم تعود لتنظر إلي من جديد ، لم أرفع عيني لكي أبادلها النظرات مرة أخرى ، ولم أطل الجلوس على الطاولة كثيراً ، بل حملت أوراقي والكمبيوتر وتوجهت لغرفتي لكي أنام ، لم يغمض لي جفن ولم يهدأ قلبي فنظرات تلك السيدة أو الآنسة – لا أدري – لاحقتني حتى في فراشي .

سألت نفسي حينها لماذا تنظر إلي هكذا ؟! ولم أجد إجابة شافية ، فملامحها غربية ولا أظن أني أعرفها أو التقيت بها في أي مكان ، ثم إن الشاب الذي بجوارها كان جميل الملامح أنيق الملبس كان من الأجدر أن تهتم بوجوده معها لكنها لم تفعل كانت تتركه وهو يتحدث وتلتفت إلي بين حين وآخر  بمزيد من الاهتمام .

حرك هذا الموقف شجوني بل وأحزاني أيضاً فلئن تعزل نفسك عن كل شيء يستثير مشاعرك أو تتجنب أي امرأة قد تراها ، يكون صعباً على كثير من الرجال لكني تركت كل هذه الأمور بمحض إرادتي ، فبعد وفاة زوجتي لم ترق لي أي امرأة ، فما كان بيني وبينها ظننت أني لن أجده عند غيرها من النساء كانت تحمل لي الحب كما يحلم به أي رجل ، ورغم أني تزوجت في العشرين من عمري لأني وحيد أسرتي وتربيت يتيماً أرادت والدتي أن ترى أطفالي قبل أن تموت ، على حد قولها لكنها لم تهنأ بهذا الأمر فبعد زواجي بستة أشهر توفيت والدتي إثر سكتة قلبية مفاجئة ، وبقيت مع زوجتي التي كانت زوجة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، لطيفة رحيمة حانية ودودة ، لم تستفزني ولم تغضبني ولم ينشب أي شجار طوال حياتها معي  .

كانت زوجتي تكبرني بسنتين وكانت والدتي تحبها كثيراً قبل الزواج ، ورغم أنها أكبر مني ومن عائلة متوسطة إلا أن والدتي كانت تقول : إن هذه المسائل لا توجب الاهتمام إذا كانت مؤدبة وجميلة ، لذا وافقت على أن أرتبط بها عندما رشحتها والدتي لأخطبها ، لم  أكن أعرفها قبل ذلك ، لكني رأيتها مرة أو مرتين بالصدفة فأعجبتني فهي بالفعل جميلة كما قالت والدتي ، كانت فترة ارتباطنا فترة مراهقة مجنونة في البداية سافرنا كثيراً لعبنا كثيراً ، كانت تأخذ مني الموافقة بلطف وتقبل أمري بأدب ، لا أدري كيف عرفت كل هذه الأمور الدقيقة في الحياة الزوجية ، كيف أمكن لها أن ترضي زوجاً جرب كل أنواع الترف ؟ وجعلته لا يقوى على فراقها بل يبحث في كل أمر لينهيه لكي يعود إليها ليراها ويستمتع بوجوده معها .

كانت ساحرة في كل شيء تفعله همساتها لمساتها نظراتها حركاتها ، كانت تثيرني وتستهويني وتؤويني بلطف عشت معها أجمل أيام حياتي ، في بداية زواجنا رغم طيشي وبعد ستة أشهر توفيت والدتي التي ربتني بعد وفاة أبي وأنا طفل ، كان فقدها بمثابة الكارثة التي حلت علي وجعلتني أفقد معنى الابتسامة وأنظر للحياة بجدية أكبر .

لم يؤثر ذلك الحادث على حياتي مع زوجتي ، رغم سكوتي المستمر ، فكانت حانية تراعي مشاعري وتدقق في كل شيء من الممكن أن يستثيرني ، تعاملت معي بحذر لكن حذرها نابع من رغبتها في إرضائي وبعث السكينة في نفسي وقد تمكنت خلال فترة وجيزة من أن تزيل كثيراً من ألمي بل وتمكنت من أن تكون في نفسي للأبد .

بعد ستة أشهر من وفاة والدتي ، استعدت رغبتي في العمل من جديد وتجاوزت محنة وفاتها ، إلا أني فقدت الكثير من مرحي وضحكي وأصبحت نظرتي للحياة جادة أكثر ، وكانت زوجتي تسايرني في كل تطلعاتي وأحلامي ففي تلك الفترة بعد أن تجاوزت سن الحادية والعشرين أعاد لي عمي كل ثروة والدي وطلب مني أن أديرها على أن يتابع أعمالي على فترات ، منحني عمي الذي كان الوصي على أملاكي كل الثقة لأنه هو نفسه من علمني العمل التجاري منذ أن وصلت المرحلة الثانوية وكان يصطحبنِ معه في أغلب أعماله في الفترة المسائية ، بل وكان يصطحبنِ مع ابنه الكبير في سفره لأعماله التجارية وبعد أن أنهيت المرحلة الثانوية أعطاني عمي مليون ريال ولم يقل لي شيئاً ، وسألني عنها بعد ثلاثة شهور ، فأخبرته أني أنشأت شركة استيراد وتصدير وبدأت العمل بها منذ شهرين .

طلب مني حينها أن أصحبه لمقر الشركة وفعلا أخذته إلى هناك كان المكان صغيراً لا يليق به ، لكنه صمم أن يجلس ويرى طبيعة الأعمال التي شرعت فيها وأستغرب نجاحي في إنشاء الشركة وإدارتها وشد على يدي وساعدني بعلاقاته الكثيرة والمفيدة وبعد عام سألني كم رصيد شركتك ؟ فأخبرته أنه يقارب المليونين ، فضحك وقال كان أبوك ذكياً في تجارته وأنت تمشي على نهجه ، أوصاني بالالتزام في الدراسة وقد أثبت له جدارتي بثقته فقد نجحت في دراسة الإدارة والاقتصاد بمعدل جيد جداً وكان ذلك بعد عام من زواجي سألني مرة أخرى حينها: كم رصيد شركتك ؟ فأخبرته خمسة ملايين فضحك وقدم لي شيكاً بمبلغ محترم واشترط أن أشتري سيارة فخمة تليق برجل أعمال .

سلمني عمي كل أملاكي في فترة وجيزة ، وسلمني مبلغاً كبيراً من السيولة المالية ، ولم يكن في تصوري أن ثروة والدي نمت بهذا الشكل الكبير ، لكن على أرض الواقع أصبحت أملك ثروة فلكية تمكنني من أن أدخل أي مجال في التجارة دون خوف من نقص أو عجز مالي  .

كنت حذراً في البداية ولم أدخل في أية مشاريع وركزت جهودي على إدارة الأملاك ثم لاحظت أن العمل في الصناعات المتحولة والمتوسطة مضمون الربح لحد كبير ، فبدأت أعمل على الشراكات في هذا المجال ونجحت في أغلب الأعمال التي دخلتها ، وطورت كذلك عمل شركة الاستيراد والتصدير التي أنشأتها فكانت داعماً أساسياً في مجال عملي الجديد  .

كنت أتلقى دعماً آخر حفزني على تطوير أعمالي ، من زوجتي فتشجيعها المستمر وصبرها الجميل ترك لي مجال العمل مفتوحاً على مصراعيه ، فلم ألحظ أن انشغالي يزعجها أو يضايقها بل كانت عوناً وسنداً لي .

اخذتها معي في كل رحلات العمل التي قمت بها في تلك الفترة من حياتي وبعد العام الثاني من زواجنا  ، بدأت حالة زوجتي الصحية تتدهور ، وبدأت شهيتها للطعام تقل لم أنتبه لهذا الأمر في البداية إلا أن ألمها زاد بعد فترة وجيزة وحين ذهبنا إلى المستشفى ، وأجرينا الفحوصات والتحاليل وكانت صدمتي كبيرة بعد أن عرفت علتها ، كان مرضاً لا شفاء منه رغم كل الجهود التي بذلت من أجل شفائها وما إن انتهى العام الثالث من زواجنا حتى فارقت زوجتي الحبيبة الحياة بين يدي .

كانت مصيبتي في فقدها عظيمة بقدر حبي لها ، فتلك المخلصة الوفية التي منحتني الحب والحنان كانت عوناً لي على متاعبي وعملي ، فقدت برحيلها حضنها الدافئ الذي كنت آوي إليه ، وكلماتها الرقيقة التي كانت تستقبلني بها عند عودتي ، ونظراتها الحانية عندما تراني متعباً والابتسامة التي لم تفارق وجهها ، كانت تتمنى أن تنجب لي طفلاً لكنها فشلت رغم محاولاتها الجادة في ذلك لم تمنحني مشيئة الله منها طفلاً ، لكي أخلد ذكراها بوجوده وأمنحه جزءاً من الحب الذي غمرتني به .

عشت في الذكريات بعد وفاة زوجتي ، فذكرياتها منتشرة في كل تفاصيل حياتي في منزلي وسيارتي وعملي وشهادتي حتى في ألمي وحزني كانت ذكرياتها الجميلة تمر ببالي كلما رأيت فتاة تبتسم أو تتودد إلي ، أو حتى إن رأيت امرأة تعجبني ، أقارن بينها وبين زوجتي فلا أجد موضع مقارنة يجعلني أتعرف على امرأة  سواها ، حتى بعد وفاتها ، كنت ألجأ لمنزلي لكي أجد رائحتها وأتخيلها تتحرك فيه من موضع لآخر ، كنت أحياناً أنادي ذلك الخيال وأتحدث معه وأعاتبه .

رفضت أن أتزوج ، بل رفضت أن أقيم أية علاقة مع أية امرأة بعدها ، ولجأت إلى عملي وصببت جل اهتمامي عليه فكنت أعمل ليل نهار دون كلل أو ملل أو تباطؤ ، وأسميت كثيراً من مشاريعي باسمها لأني كنت أعرف مدى سعادتها بنجاحي ، مرت السنة الأولى على وفاتها والثانية وأنا منكب على عملي دون توقف ، وقد تطورت أعمالي ودخلت أغلب مجالات التجارة بنجاح منقطع النظير ، مما جعلني محط أنظار الكثير من رجال الأعمال وبدأت مرحلة المشاريع الاستراتيجية والعقارية العملاقة .

بعد عامين من وفاتها قررت أن أخرج من عالمي الحزين فحاولت أن أغير في حياتي ، فتركت منزلي وغيرت سيارتي التي اشتريتها لأني عرفت أنها أعجبتها ، لكني فشلت في أن أنزع حب تلك السيدة من قلبي وعجزت أن أبعد خيالها لو قليلاً عن مخيلتي ، وفي الواقع كانت ذكرى تجدد نفسها كل ساعة فيعود اشتياقي لها من جديد وتحيي الذكريات ويشتعل قلبي ألماً لفراقها وأبقى عاجزاً عن النسيان .

نعم أحبها وهي ميتة ، ونعم وقف حبها حاجزاً أمام أكثر من علاقة كان من المفترض أن تنجح وأكثر من ذلك وقف ذلك الحب حاجزاً جعلني لا أتعامل بسلاسة مع أية امرأة أقابلها حتى جاءت تلك السيدة التي كانت تنظر إلي الليلة لتوقظ الذكريات في قلبي ، وتحيي بداخلي أموراً كنت أظن أني نسيتها نعم أيقظت بي المشاعر التي دفنتها مع جثمان زوجتي أيقظت بي حاجتي النفسية والجسدية لامرأة : أحتضنها أقبلها امرأة تهتم بشؤوني ، ترتب غرفتي تشاركني حياتي ، امرأة آوي إليها إذا ضاقت بي الدنيا فتحمل معي همي وتشاركني أفراحي وأحزاني .

عاد شريط الذكريات للعمل تلك الليلة عاد بكل ألمه بكل شوقه ليحبسني في قمقمه الضيق ، فلا مجال معه للحركة ولا للسعادة كنت أتقلب على سريري دون فائدة حتى بدا الصباح بنوره ، نهضت من سريري تحممت فشعرت ببعض الانتعاش ثم تناولت إفطاري على عجل وعدت لأرتب أمور عملي ، بحثت حينها عن دفتر الملاحظات الذي أدون فيه كل مواعيدي المهمة ، فلم أجده بحثت عنه مرة واثنتين وثلاث دون جدوى نزلت لمكتب الاستقبال وسألتهم عن المفقودات فأخبروني أنهم لم يجدوا شيئاً في “الكوفي شوب” ليلة البارحة ، فكرت فيما سأفعله ففي ذلك الدفتر كل المواعيد المهمة لليوم والغد ، فتحت جهاز الكمبيوتر بحثت في “الإيميلات” عن المواعيد والمقابلات الواجبة ، وجدت بعضها وتذكرت البعض الآخر ، لكن بقي في نفسي أن هناك مواعيد مفقودة في جدول اليوم ، ولم يسعفني الوقت لكي أبحث عن الدفتر من جديد فقد كنت مرتبطاً بموعد عمل في تمام التاسعة صباحاً .

أنجزت أغلب المقابلات الصباحية وكان اليوم جيداً حتى الآن رغم الإرهاق الشديد الذي عانيته بسبب عدم نومي البارحة ، عدت للفندق في الثالثة ، لأتناول غدائي وأرتاح قليلاً ، وكان لدي أربع ساعات قبل أن أتوجه لأحد المصانع المرشحة لأن أحصل على توكيل لمنتجاته ، تناولت الغداء على عجل وقبل أن أغادر المطعم فوجئت بسيدة تقف بجواري وتناديني بالعربية وتقول: لو سمحت ! التفت بسرعة لذلك الصوت العربي الغريب فوجدت السيدة التي كانت تنظر إلي البارحة ، بادلتها التحية وطلبت منها الجلوس فاعتذرت بلطف ، ثم مدت يدها وأعطتني دفتر الملاحظات الذي كنت أبحث عنه ، شكرتها كثيراً فابتسمت وغادرت ، نظرت إليها حتى اختفت عن ناظري بقيت واقفاً وسألت نفسي : ما اسمها ؟ وددت أن ألحق بها وأسألها هذا السؤال وعن سبب وجودها وددت لو أنها جلست معي ولم تغادر .

عدت لغرفتي وتمكنت من النوم حينها فنمت ثلاث ساعات ‘ ثم قمت من نومي وأنجزت عمل اليوم ، وعدت لأجد الذكريات من جديد على فراشي ، لكنها اليوم لم تستطع أن تتغلب على إرهاقي الجسدي فنمت نوماً عميقاً حتى الصباح ، وكان الوقت مبكراً فبدلت ثيابي ونزلت لأتناول الإفطار كان المطعم شبه فارغ إلا من عدد بسيط من النزلاء ، شربت قهوتي أولاً وجلست قليلاً ، لمحت حينها تلك المرأة صاحبة النظرات المثيرة وهي تدخل للمطعم وتتوجه “للبوفيه” دارت في رأسي كل الأمور والمشاعر صرخ شيء بداخلي يستحثني أن أقوم وألحق بها وأكلمها ، ورغم ذلك قمت متثاقلاً أجر قدمي لكن استطعت أن أكسر العجز الذي كان يكبلني ، توجهت للبوفيه رأتني حينها فابتسمت ، ألقيت عليها تحية الصباح فردت التحية ، انتقت فطورها بعناية وكنت أمشي خلفها ، وعندما انتهت سألتها هل من الممكن أن نتناول الإفطار سوياً ، فأشارت بالإيجاب رغم ترددها الواضح خفق قلبي وهي تمشي بجواري لنجد طاولة نجلس عليها .

جلست سارة هذا هو اسمها ، أخبرتني به وأنا أزيح لها الكرسي وأسألها : تفضلي يا آنسه ؟ فقالت : مدام ، فقلت : مدام وسكت ، أجابت على ملاحظتي  فقالت : مدام سارة ، جلست وتحدثنا في أمور التجارة وسبب حضور كل منا للصين ، وعرفت أنها من لبنان ، وعرفتها بنفسي وبلدي ، وهنا ضحكت وقالت : أعرفها جيداً أثارتني كلمتها ! لكن لم أدقق فتجاوزتها جلسنا ما يقارب النصف ساعة على الطاولة .

كان حديثها ممتعاً ، ثم نهضت واستأذنت ، فاستوقفتها وسألتها عن أمر أثار استغرابي فقلت لها : مدام سارة هل يمكنني أن أسألك عن سبب اهتمامك بوجودي في الكوفي شوب منذ يومين ؟ لم تجب على سؤالي  وهي تتحرك من مكانها فقمت من مكاني ووقفت أمامها ابتسمت وسألتني عن جرح في طرف جبهتي فقلت لها : جرح قديم وأنا طفل في العاشرة ، فسألتني : ما اسم والدك ؟ استغربت من السؤال تمهلت قليلاً ثم أجبتها : محمد ، ضحكت وقالت هل تذكرني ؟ نظرت إليها بتمعن وأخذت أبحث في ذكريات الطفولة عن اسم سارة وعن الجرح الذي أصاب رأسي دققت في ملامحها ابتسمت ! كانت طفلة حينها فوضعت أصبعي على الجرح وقلت لها : سارة ، فهزت رأسها بنعم وهي تبتسم ، أمسكت بيدها دون شعور فلم تمانعني مثلما كانت وهي طفلة أشدها من يدها فلا تمانع أعدتها للطاولة جلست معها أسألها عن كل ذكريات الطفولة وذلك الجرح الذي تسببت هي فيه ، كانت حينها ترمي علي الحجارة الصغيرة ، وأنا ألقفها ، فاختارت حجراً كبيراً وألقته إلي حاولت أن أمسكه فخر على جبيني وأصبت .

أذكر أنها خافت حينها وذهبت تجري لمنزلها عندما رأت الدماء تسيل من رأسي ، وأذكر أني ذهبت لمنزلي وأنا غارق في دمي فصرخت والدتي وسألتني عن السبب ، أذكر أني لم أخبرها من المتسبب ، بل قلت لها إني سقطت من الدراجة اصطحبتنِ للمستشفى وخاطوا جبيني بغرزتين بقيتا علامة في جبيني إلى اليوم لتعرفني بها سارة ، أذكر أن والدتها حضرت لي الكيك حمداً على سلامتي وبقي سر الجرح بيني وبين سارة ولم يعرفه غيرنا  .

ذكرتني سارة بكل ذكريات الطفولة حين كنا هناك في تلك القرية الصغيرة ، ذكرتني بوالدتها التي كنت أحبها كثيراً ، لأنها كانت تعطيني من الحلويات التي كانت تصنعها وتحضرها لنا والمأكولات اللبنانية الشهية اللذيذة ، عشت في الذكريات مع سارة وذهب كل تأثير لنظراتها التي أثارتني منذ يومين وذهبت رغبتي في التعرف إليها كصديقة ، واستحضرت الماضي البعيد حينها كنت أعتبرها أختي الصغيرة ، نعم كنت أعتبرها أختي فوالدتي ووالدتها كانتا دوماً تقولان اذهب مع أختك أو اذهبي مع أخيكِ نعم كنا إخوة نلعب سوياً كانت ودودة أشدها من يدها لكي نلعب فلا تمانعني ! يا لها من ذكريات جميلة زينت طفولتي .

جلسنا هناك ما يقارب الساعة والنصف بعد أن عرفت من هي ، كانت لطيفة معي جداً فقد زال تحفظها المبالغ فيه عندما جلست لتناول الإفطار معي وضحكت كثيراً ونـحـن نتحدث عن طفولتنا ، سارة جميلة منذ أن كانت طفلة وهي تلهو معي وجميلة وهي تجلس الآن معي في سن الرابعة والعشرين ، نعم عمرها أربعة وعشرون عاماً فهي أصغر مني بسنتين لا أكثر ، كنت سعيداً برفقتها في الصباح فقد أنستني كثيراً من همومي ومتاعبي .

سارة

نظرت إليه بتمعن كان يجلس بالطاولة التي على يميني كانت نظرته فاحصة عند قدومه ، لكنه انهمك في عمله وأوراقه التي أخرجها من حقيبته ، أثارني وجوده وتلك العلامة التي على جبينه ! غرزتان على اليسار تمنيت أن يكون هو الشخص الذي أعرفه ، لكن ملامحه مختلفة كثيراً أخذت أنظر إليه لا شعورياً وأدقق النظر في ملامحة على أمل أن أجد شيئاً آخر يثبت أنه خالد الطفل الذي عشت معه سنين طويلة في طفولتي ، انتبه أني أنظر إليه ، ونظر إلي نظرة استغراب وابتسم ولم يكرر نظرته ثانياً ، تمنيت أن يتكلم معي أو يسألني ربما منعه وجود المترجم معي أو ظن أني أنظر إليه لأسباب أخرى لم ينقطع اهتمامي بوجوده حتى غادر شعرت حينها بارتباكه حتى أنه غادر ولم ينتبه لدفتر الملاحظات الذي سقط من الطاولة ، حينها نهضت من مكاني وأخذت الدفتر قرأته من أول صفحة لآخر صفحة ، كنت أبحث عن ما يثبت أنه خالد وجدت في آخر صفحة من الدفتر تاريخ رحلة عودته ووجهتها وموعدها ، كنت سعيدة لأن هذا دليل على أنه من قطر ، كنت سأودع دفتر الملاحظات في مكتب الاستقبال لكي يعيدوه له ثم عدلت عن رأيي ، واحتفظت به لأعطيه إياه فربما أتمكن من سؤاله عن اسمه .

التقيته في اليوم التالي في فترة الغذاء ، كنت أحمل دفتره في حقيبتي توجهت إليه وأعطيته الدفتر ، ولا أدري لماذا لم أجب دعوته للجلوس ؟ ولم لم أسأله عن اسمه ؟ على الأقل لماذا استعجلت الخروج من المطعم حينها ؟ ظننت أن هذا آخر لقاء سأراه فيه لكنه كان جريئاً في الصباح التالي حين دعاني لأتناول الإفطار معه ، كنت متحفظة كثيراً حتى هممت بالمغادرة كان فضولي أكبر من رغبتي في الخروج ، فسألته عن سبب الجرح الذي في جبينه ، وكانت إجابته كافية لأتأكد أنه صديق الطفولة ، أخذ يدي دون استئذان وأجلسني على الكرسي من جديد وأعاد لي كل الذكريات الجميلة رغم معرفتي أن أسرتي في ذلك الوقت كانت فقيرة ومتعبة مالياً إلا أن طفولتي كانت سعيدة ، فجيراننا كانوا لطفاء معنا وخصوصاً والدة خالد التي كانت تهتم بشؤوننا كثيراً ، بل كانت ترعاني وتدعوني بابنتها لأنها لم تنجب سوى طفل واحد وكانت تتمنى أن ترزق بطفلة لكن أمنيتها لم تتحقق ، كان خالد أخي الكبير الذي أحترمه ، كانت والدته توصيه بأن يهتم بي وأن يتركني ألعب بكل ألعابه التي يملكها ، فخالد كان من عائلة ميسورة توفرت له كل وسائل الراحة ، ووالداه كانا يهتمان به كثيراً لأنه طفلهما الوحيد .

كنت أرافقهم أحياناً عندما يأخذوا خالد لكي يلعب أو إلى البحر ، كان والداه لطيفين معي ، كنت أقضي جل وقتي في منزلهم بعد أن حصلت والدتي على وظيفة في القطاع الصحي هناك ، فكانت تتركني عند والدة خالد في الصباح وتأخذني بعد الظهر تعلمت أشياء كثيرة من والدته في تلك الفترة فكنت أساعدها في المطبخ ، وأرافقها في زياراتها العائلية القصيرة في الصباح كانت لطيفة جداً معي ، تهذب لي شعري تلاطفني تغني لي أغانيهم الشعبية التي كنت لا أفهمها ورغم ذلك حفظتها ، كنت أحبها كثيراً وأعتبرها أمي الثانية ، وكنت أحب أن ألبس ما تهديني إياه من ملابس عربية ، وإن سافرت أترقب عودتها ، لكي أحصل على هديتي فلم تعد قط من السفر إلا وخصتني بهدية جميلة .

خالد وجد في أسرته وحيداً ، ولأني كنت أبقى في منزلهم كثيراً كنت أجلس معه دائماً ، كان لطيفاً معي يتركني أعبث بألعابه دون أن يمنعني أو يتذمر رغم أنه كان طفلاً شقياً بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، كان يختبئ ليخيفني ويتشاجر معي كثيراً لكن عندما أبكي مما فعل كان يرضيني ويتركني ألعب في دراجته ، أو إحدى ألعابه التي يخبئها عن الجميع في خزانة ملابسه ، وجد خالد في ذلك الوقت ليكون أخي ، ربما لأني أنا وحيدة أسرتي أيضاً أو لقرب أسرتينا فكنت أسمع كلمة أخوكِ خالد كثيراً اذهبي مع أخيكِ ، أو خذ أختك سارة للمكان الفلاني .

ذكريات كثيرة حملتها لذلك الطفل الذي لا يبكي كثيراً ولا يتألم ، وإن تألم لا تلاحظ عليه ذلك إلا قليلاً ، حين ألقيت عليه ذلك الحجر ليلقفه وسقط على رأسه لا أتذكر أنه بكى حينها هربت خوفاً من أن أعاقب وخبأت الخبر عن والدتي التي رأتني خائفة وعندما ذهبنا في المساء لمنزلهم لتطمئن والدتي على خالد وهي تحمل له بعض الحلويات المنزلية قلت في نفسي إنهم عرفوا كل شيء واكتشفت لاحقاً أن خالد قال لوالدته إنه سقط من الدراجة ابتسمت حينها ابتسامة الناجي من العقاب ونظرت لخالد بكثير من الحب والاحترام ، لكنه حب طفولي نعبر عنه برغبتنا في اللعب واللهو ، أتذكر أيضاً حين وفاة والده كان حينها في الثانية عشرة من العمر وكنت في العاشرة أذكر أنه بكى فسألته : هل والده سيذهب للجنة التي يذهب إليها المسيحيون أم أن هناك جنة أخرى للمسلمين ؟ لم يجبني حينها وظل يبكي .

بعدها بعام واحد غادرنا قطر عائدين إلى لبنان بعد أن ادخر والدي مبلغاً من المال كان أساس تجارته الجديدة التي أقامها في بيروت ، افتقدت خالد وافتقدت الهدوء الذي كنا ننعم به في قطر فقد تغير كل شيء في حياتي فجأة ، ووجدت صعوبة في التأقلم مع محيطي الجديد وكنت أطلب كثيراً من والدتي أن نعود لقطر وذهبت كل مناشداتي أدراج الرياح ، كنت جاهلة بالوضع الخاص لدول الخليج أو مجلس التعاون كما يسمونه ، وعندما كبرت قليلاً عرفت تلك المسائل بل حملت لتلك الدول مشاعر طيبة وكنت أختلف مع كل شخص يصف الخليج وأهله بالبدو ، فأخبرهم أني عشت هناك ووجدت كل الحب وكل الاهتمام ، وأن الناس هناك لطفاء متحابون رغم أنهم يختلفون عنا في الدين والعادات .

أعادني لقاء خالد لمرحلة جميلة في حياتي ، لا أستطيع نسيانها وأنساني وجوده عملي الذي أتيت من أجله ، فقد جلست معه وتأخرت على المترجم الذي كان ينتظرني في الخارج ، أعطاني خالد رقم هاتفه ودعاني إلى العشاء في وقت لاحق حين أنهى عملي والتقينا ، عرفت كثيراً من أخباره عرفت أن زوجه قد توفيت منذ ثلاث سنوات ، وأن والدته توفيت قبلها بعامين وعرفت أموراً أخرى عن حياته وعمله كان مرحاً جداً ضحكنا كثيراً ليلتها حتى ودعني لينام .

في اليوم التالي اتصل بي منذ الصباح وسألني : عما أنوي فعله في ذلك اليوم ؟ فأخبرته ببعض الأعمال البسيطة التي يجب أن أفعلها فسألني : هل يمكن أن نخرج في المساء ؟ فسألته: إلى أين؟ ، فقال : نمشي سوياً نغير جو العمل خفت حينها من أنه يريد أن يطور صداقتنا لعلاقة عاطفية ، لكن شكوكي ذهبت أدراج الرياح حين التقيته ، فمرحه لم يغادره اصطحبنِ لجولة في مركب سياحي في النهر ثم مشينا معاً حتى منتصف الليل لم يحاول خالد فيها استمالتي ، ولم يقل كلمة تعد في قاموس المصطلحات غزلاً ، فقط كان يمسك يدي كما كان يفعل ونـحـن صغار احترمته كثيراً وسعدت بصحبته أكثر ، في اليوم الذي يليه لم نلتق إلا لبضع دقائق ، ودعته حينها وهو يغادر الصين اعطيته رقم هاتفي في بيروت وطلبت منه أن يزورنا هناك ، اخبرته أن والدتي ستسعد لرؤيته .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s